مفتي تلمسان ستين سنة -، ومن جملة ما قرأ عليه "صحيح البخاري" سبع مرات، وروى عنه الكتب الستة، وأن الفتوى صارت إليه في زمنه، ارتحل تاركًا للمنصب والوطن إلى حج بيت الله الحرام سنة ١٠٢٧، ثم ورد إلى مصر، وتزوج بها من السادة الوفائية سنة ١٠٢٨
ثم زار بيت المقدس سنة ١٠٢٩، وكرر الذهاب إلى مكة، وأملى بها دروسًا، وفد على "طيبة" سبع مرات، وأملى الحديث النبوي بمرأى منه ﷺ ومسمع، ثم رجع إلى مصر سنة ١٠٣٩، ثم ورد إلى دمشق، وأملى "صحيح البخاري"، وحضره غالب أعيان دمشق من العلماء، وأما الطلبة، فلم يتخلف منهم أحد، وكان يوم ختمه حافلاً جدًا، اجتمع فيه الألوف من الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، وأُتي له بكرسي الوعظ، فصعد عليه، وتكلم بكلام في العقائد والحديث لم يسمع نظيره أبدًا، وتكلم على ترجمة البخاري، وأنشد له بيتين، وأفاد أن ليس للبخاري غيرهما، وهما:
اغتنمْ في الفراغِ فَضْلَ رُكوعٍ ... فعسى أن يكونَ موتُك بَغْتَهْ
كَمْ صَحيحٍ قدْ ماتَ قبلَ سقيمٍ ... ذهبتْ نفسُه النفيسةُ فَلْتَهْ
وكانت الجلسة من طلوع الشمس إلى قرب الظهر، ثم ختم الدرس بأبيات قالها حين ودَّع المصطفى ﷺ ، وهي قوله:
يا شفيعَ العُصاةِ أنتَ رجائي ... كيف يخشى الرجاءُ عندَك خَيْبَهْ
وإذا كنتَ حاضرًا بفؤادي ... غيبةُ الجسمِ عنكَ ليسَ بِغَيْبَهْ
ليسَ بالعيشِ في البلادِ انقطاعٌ ... أطيبُ العيشِ ما يكونُ بِطَيْبَهْ
ونزل عن الكرسي، فازدحم الناس على تقبيل يده، وكان ذلك نهار الأربعاء سابع عشر رمضان سنة ١٠٣٩، ولم يتفق لغيره من العلماء الواردين إلى دمشق ما اتفق له من الحظوة وإقبال الناس، وكان بعد ما رأى من أهلها ما رأى، كثر الاهتمام بمدحها، وقد عقد في كتابه "نفح الطيب" فصلاً يتعلق بها وبأهلها، وأورد في مدحها أشعارًا، وجرى بينه وبين أدبائها وعلمائها مطارحات شتى، ودخل مصر، واستقرَّ بها مدة يسيرة، ثم طلق زوجته الوفائية، وأراد العودة إلى
стр. 317
دمشق للتوطن بها، ففاجأه الحِمام قبل نيل المرام، وكانت وفاته سنة ١٠٤١ - رحمه الله تعالى -.
ذكره الخفاجي في "ريحانة الألباء"، وامتدحه بعبارة ابتهر لها العلماء، وأنشد له أشعارًا، وقال: رأيت له نظمًا ونثرًا، ومحاسن تملأ الأفواه والأسماع دُرًّا، ومن تأليفه: "أزهار الرياض في أخبار عياض"، انتهى.
٣٦٤ - العلامة زين الدين، أبو الفرج، عبدُ الرحمن بنُ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن حسن بن رجب، شيخ الحنابلة والمحدثين .
قال نعمان أفندي قساطلي في كتابه "الروضة الغناء في تاريخ دمشق الفيحاء": هو الإمامُ الأصوليُّ المحدِّث الفقيهُ الواعظُ الشهيرُ، كان إمامًا في العلوم، له مصنفات كثيرة، منها "شرح البخاري"، و"شرح الأربعين النووية"، و"طبقات الحنابلة"، و"القواعد"، و"رياض الأنس"، وغيرها، مات بدمشق، ودفن بباب الصغير عند قبر معاوية، انتهى.
قلت: وهذه الروضة مؤلفها نصراني، قد عقد فصلاً في كتابه المذكور لذكر من مات واشتُهر ضريحُه بدمشق من الأولياء المقربين، والعلماء العاملين، وذكر فيها جمعًا من حفاظ الحديث، منهم: ابنُ عساكر بن حسين بن هبة الله، وقال: هو الفخر الحافظ الكبير، أبو القاسم، إمام أهل الحديث، ألف "تاريخ الشام" في ثمانين مجلدًا، وله تآليف - غير التاريخ - بلغت ثمانية وعشرين مصنفًا، توفي سنة ٥٧١، ودفن بالحجرة التي فيها معاوية، انتهى. ومنهم: إبراهيم الناجي شيخ المحدثين بدمشق، كان إمامًا ورعًا، عارفًا بالصحابة ورجال الحديث، مات بدمشق، وقبره على الطريق. ومنهم: الشيخ عمر بن حسن الخرقي من تابعي أصحاب الإمام أحمد، ومن علماء مذهبه المعتبرين، ومن المعوَّل عليهم بالفقه، وكان زاهدًا عالمًا قانعًا بالقليل، رحل من بغداد، وسكن بدمشق، فرأى يومًا منكرًا، فأنكره، ونهى عنه، فقُتل لأجل ذلك. ومنهم: تقي الدين بن الصلاح، وهو عثمان بن عبد الرحمن الكردي الشهرزوري، كان إمامًا في التفسير والحديث والفقه، متبحرًا في الأصول، مات بدمشق سنة ٥٤٤.
стр. 318
٣٦٥ - الشيخ شهاب الدين أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ إبراهيم، الدمشقيُّ، الأنصاريُّ، يعرف بابن عربشاه - طيب الله ثراه -.
كذا نسب نسبه في شرح قصيدته التي سماها: عقود النصيحة، ذكره السيوطي في "أعيان الأعيان"، فقال: الدمشقي، الحنفي، كان عالمًا أديبًا ناظمًا، جال في البلاد، وأخذ عن الأكابر.
ولد سنة ٧٩١، ومات سنة ٨٥٤. وذكر في شرح القصيدة من شرح حاله ما ملخصه: أنه جَوَّدَ القرآن بمدينة سمرقند، وقرأ بها النحو والصرف على تلامذة السيد الشريف الجرجاني، وكان يحضر أيضًا مجلس السيد، ويسمع دروسه، ثم إنه طاف بلاد ما وراء النهر والمغل إلى حدود الخطا، وقطع سيحون، واجتمع بمشايخ لا يحصون، من أعظمهم: الخواجة عبد الأول، وابن عمه عصام الدين، وغيرهما، وأسمع البخاري على عالمها الرباني الخواجة محمد زاهد، ومكث بما وراء النهر نحوًا من ثمان سنين، واجتمع بخوارزم بعالمها نور الله، وحافظ الدين البزاري، وأقام عنده نحو أربع سنوات، وقرأ عليه الفقه وأصوله، والمعاني والبيان، ثم قدم الديار الرومية، وأقام بها نحو عشر سنين، واجتمع بعلمائها، وقرأ على بعضهم العلوم العقلية والنقلية، وتنقلت به الأحوال إلى أن اتصل بخدمة السلطان غياث الدين أبي الفتح محمد بن عثمان، وأقرأ أولادَه، ومنهم: السلطان مراد خان، وكان يكتب عند السلطان غياث الدين إلى سائر الأطراف عربيًا وفارسيًا وتركيًا وغير ذلك، ثم قال: والحاصل: أني لم أخل برؤية أحد ممن يشار إليه من ملك وسلطان، ولا عالم ولا شيخ، ولا كبير على حسب ما يتفق، ولم يبق من العلوم فن إلا وكان في فيه حظ وافر، ولا منصبٌ إلا وكان لي فيه نصيب من التدريس والخطابة والإمامة، والكتابة والوعظ والتصنيف والترجمة، وغير ذلك، ومن شعره:
فعشْ ما شئتَ في الدنيا وأدرِكْ ... بها ما شئتَ من صِيتٍ وصَوْتِ
فحبلُ العيشِ موصولٌ بقَطْعٍ ... وخيطُ العمرِ معقودٌ بمَوْتِ
стр. 319
وقد ذكر له في "الضوء اللامع" ترجمة واسعة، وأثنى عليه، وذكر له من التأليف: "العقد الفريد" في التوحيد، و"فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء"، و"خطاب الإهاب الناقب وجواب الشهاب الثاقب"، وكان آخر ما ألفه كتابًا على لسان الحيوانات، فيه العجائب والغرائب، وأثنى عليه الأئمة؛ كابن حجر، والمقريزي، وغيرهما، حتى وصفه بعضهم بقوله: الإمام العلامة، أحد أفراد الدهر في النثر والنظم وعلم المعاني والبديع، وترجم كتابه "عجائب المقدور"، وطبع في هولاندة، وطبع الأصل العربي بمصر، وكذلك طبع أيضًا كتابه "فاكهة الخلفاء" بمصر، وفي ألمانيا سنة ١٨٥٢، انتهى ما في "آثار الأدهار". وكتاباه هذان عندنا وقفنا عليهما، وهما فريدان في بابهما، خطيبان في محرابهما، قلَّ نظيرُهما في كتب التواريخ والأدب والعربية، والله أعلم. وبالجملة: فقد كان فاضلاً جيدًا أديبًا، كاملاً لبيبًا أريبًا، وحيدَ عصره في العربية واللسان، فريدَ دهره في الأدب والبيان، شهرته تغني عن الإطناب في ذكره، والإسهابِ في أمره.
كتابه "عجائب المقدور في أخبار تيمور" يدل على سَعَة علمه واطلاعه، وقوة دركه وفهمه وبراعة يراعه، عقد فيه فصلاً فيمن حصل في أيام استيلاء تيمور - بسمرقند - من الفقهاء. قال: ومن المحققين: مولانا سعد الدين التفتازاني، توفي سنة ٧٩١ بسمرقند، والسيد الشريف محمد الجرجاني، توفي بشيراز، ومن المحدثين: الشيخ شمس الدين محمد بن الجوزي، كان أخذه من الروم، وكان قد هرب إليها من مصر بعد توجهه من بلاد الشام قبل الفتنة، توفي بشيراز. والمفسر الحافظ المحدث محمد الزاهد البخاري، فسر القرآن الكريم في مئة مجلد توفي بمدينة النبي ﷺ سنة ٨٢٢. ومن حفاظ القرآن المجودين قراءة وصوتًا: عبد اللطيف الدامغاني، ومولانا أسد الدين الحافظ الحسيني، ومحمود المحرق الخوارزمي، وعبد القادر المراغي الأستاذ في علم الأدوار. ومن الوعاظ المتكلمين: مولانا أحمد بن شمس الأئمة السرائي، كان يقال له: ملك الكلام عربيًا وفارسيًا وتركيًا، وكان أعجوبة الزمان، ومولانا أحمد الترمذي،
стр. 320
ومولانا منصور القاغاني. ومن الكتاب الموجودين: السيد الخطاط ابن بندكير، وتاج الدين السلماني وغيرهما، إلى آخر ما قال.
قال: وكان في سمرقند إنسان يسمى بالشيخ العريان فقيرًا دهمى بشكل بهي وعزم سمي، قيل: إن عمره - على ما هو فيهم شائع، وبين أكابرهم وأفاضلهم ذائع - ثلاث مئة وخمسون سنة، مع أن قامته مستوية، وهيئته حسنة، كان المشايخ الهرمون، والأكابر المعمَّرون يقولون: لقد كنا ونحن أطفال نرى هذا الرجل على هذا الحال، وكذلك نروي عن آبائنا الأكرمين، ومشائخنا الأقدمين ناقلين ذلك عن آبائهم، والمعمرين من كبرائهم، وكان أطلس، وله قوة ناهضة وحِدَّة، من رآه يتصور أنه لم يبلغ أشدَّه، ولم يكن للكبر بوجهه تجعيد ولا أثر، وكان الأمراء والكبراء والأعيان والصلحاء والفضلاء والرؤساء يترددون إلى زاويته، ويتبركون بطلعته، ويلتمسون بركة دعوته، انتهى حاصله.
٣٦٦ - [الأمير] سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود .
قال في "البدر الطالع": ولد تقريبًا سنة ١١٦٠، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل في وطنه، ووطن أهله القرية المعروفة بالدرعية من البلاد النجدية، وكان قائد جيوش أبيه عبد العزيز.
وكان جده محمد شيخًا لقريته التي هو فيها، فوصل إليه الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب الداعي إلى التوحيد، المنكر على المعتقدين في الأموات، فأجابه، وقام بنصره، وما زال يجاهد من يخالفه، وكانت تلك البلاد قد غلبت عليها الأمور الجاهلية، وصار الإسلام فيها غريبًا، ثم مات محمد بن سعود، وقد دخل في الدين بعض البلاد النجدية، وقام ولده عبد العزيز مقامه، فافتتح جميع الديار النجدية، والبلاد العارضية، والأحساء والقطيف، وجاوزها إلى فتح كثير من البلاد الحجازية، ثم استولى على الطائف ومكة والمدينة، وغالب جزيرة العرب.
وغالب هذه الفتوح على يد ولده سعود، ثم قام بعده ولده سعود، فتكاثرت جنوده، واتسعت فتوحه، ووصلت جنوده إلى اليمن، فافتتحوا بلاد أبي عريش،
стр. 321
وما يتصل بها، ثم تابعهم الشريف حمود بن محمد شريفُ أبي عريش، وأمدوه بالجنود، ففتح البلاد التهامية كاللحية، والحديدة، وبيت الفقيه، وزبيد، وما يتصل بهذه البلاد، وما زال الوافدون من سعود يفدون إلينا - إلى صنعاء - إلى حضرة الإمام المنصور وولده الإمام المتوكل بمكاتيب إليهما بالدعوة إلى التوحيد، وهدم القبور المشيدة، والقباب المرتفعة، ويكتب إلي أيضًا ما يصل من الكتب إلى الإمامين، ثم وقع الهدم للقباب والقبور المشيدة في صنعاء، وفي كثير من الأمكنة المجاورة لها، وفي جهة ذمار، وما يتصل بها، ثم خرج باشا (١) مصر إلى مكة بعد إرساله بجنود افتتحوا مكة والمدينة والطائف، وغلبوا عليها، وكان استيلاؤه على مكة والمدينة سنة ١٢٢٨، وخروجه إلى مكة سنة ١٢٢٧، والحرب مستمرة، ومات سعود في هذه السنة ١٢٢٩.
وقام بالأمر ولده عبد الله بن سعود. وقد أفردت هذه الحوادث العظيمة بمصنف مستقل. وسيأتي في ترجمة الشريف غالب - شريف مكة - إشارةٌ إلى طرف من هذه الحوادث - إن شاء الله تعالى -، ثم خرجت جيوش الروم ومصر على عبد الله بن سعود، وما زال الحرب بينهم سجالاً، وتكاثرت جنود الروم حتى حصروا عبد الله بن سعود ومن معه من الجند في قريته الدرعية، وطال الحصر.
وأخربت المدافع الرومية كثيرًا من الأبنية، وبعد هذا استسلم عبد الله بن سعود، وكان ذلك في سنة ١٢٣٣، وأدخلوه أسيرًا إلى حضرة سلطان الروم، والله أعلم ما انتهى إليه حاله (٢)، ثم خرج بعض الجنود الرومية صحبة الباشا
стр. 322
خليل إلى تهامة اليمن التي كانت بيد الشريف حمود، وكان خروجهم بعد موته وقيام ولدِه أحمد بالأمر مع معاضدة الشريف حسن بن خالد الحازمي للشريف أحمد، فاستولت الجند الرومية على ما كان بيد الشريف أحمد بن حمود، واستلم إلى أيديهم، وأدخلوا إلى حضرة السلطان (١)، وكان هذا في سنة ١٢٣٤، وأما الشريف حسن بن خالد الحازمي، ففر بمن معه إلى بلاد عسير، وتحصَّن بمكان يقال له: المناظر، فخرجت عليه الجنود الرومية، ووقع بينهم حروب، آخرها قُتل فيها الشريف حسن بن خالد، والأمر لله سبحانه، انتهى.
٣٦٧ - الشريف حمود بنُ محمد، الحسنيُّ، صاحبُ أبي عريش .
قال في "البدر الطالع": ولد بعد سنة ١١٦٠ تقريبًا، ثم استقل بولاية أبي عريش، وسائر الولاية الراجعة إلى أبي عريش؛ كصبيا، وضمد، والمخلاف السليماني، وكان متوليًا، لذلك من طريق مولانا الإمام المنصور ﵀، ثم حدث ما حدث من قيام صاحب نجد، واستيلائه على البلاد التي بينه وبين بلاد أبي عريش، فأمر عبد الوهاب بن عامر العسيري - المعروف بأبي نقطة - بأن يتقدم في جيشه على بلاد الشريف حمود، فتقدم في نحو عشرين ألفًا، والشريف حمود استقر في أبي عريش؛ لقلة جيشه، فتقدم عليه أبو نقطة إلى أبي عريش، فدخلها في شهر رمضان سنة ١٢١٧، وقُتل من الفريقين فوق الألف، ثم استسلم الشريف حمود، ودخل في الدعوة النجدية.
ثم خرج على البلاد الأمامية، فاستولى على بندر اللحية، وعلى بندر الحديدة، وعلى زبيد، وما يرجع إلى هذه الولايات، واختط مدينة الزهراء، وصار ملكًا مستقلاً، ثم أفسد ما بينه وبين النجدي، فأمر أبا نقطة المذكور أن يغزوه فغزاه، والتقيا بأطراف البلاد، فقُتل أبو نقطة، وانهزم جيش الشريف حمود، وقتل منهم نحو ألفين، وكان جيشه من يام، وبكيل، وقبائل تهامة زهاء سبعة عشر ألفًا.
стр. 323
وكان جيش أبي نقطة - كما قيل - نحو مئة ألف؛ لأنه أمده النجدي بجماعة من أمرائه؛ كابن شكبان، والمضائفي، ثم إن جيش صاحب نجد بعد قتل أبي نقطة وهزيمة الشريف تقدموا على أبي عريش، وجرت بينهم ملاحم كبيرة، وانحصر الشريف في أبي عريش، وشحن سائر البلاد أبي عريش بالمقاتلة، ثم رجع سائر الأمراء النجدية، وبقي بقية من الجيش في بلاد أبي عريش، والحرب بينهم سجال، وكان هذا الحرب الذي قتل فيه أبو نقطة في سنة ١٢٢٤، وفي سنة ١٢٢٨ وقع الصلح بينه وبين مولانا الإمام المتوكل على الله قبل دعوته، وكان ذلك باطلاعي، وحاصله: أنه يثبت الشريف (١)
على ما قد صار تحت يده من البلاد، ثم بعد هذا انتقض الصلح بينه وبين الإمام المذكور، ولم يزل الحرب ثائرًا بينه وبين الإمام إلى هذا التاريخ - وهو سنة ١٢٢٩ - وهو مستمر على الانتماء إلى صاحب نجد، ثم مات في سنة ١٢٣٣، انتهى.
٣٦٨ - [الشريف] غالب بن مساعد، شريف مكة .
قال في "البدر الطالع": له شغلة عظيمة بصاحب نجد عبد العزيز بن محمد بن سعود المستولي الآن على البلاد النجدية وغيرها مما هو مجاور لها، وكثيرًا ما يجمع الشريف غالب الجيوش، ثم يغزو أرض نجد، فيصل إلى أطرافها، فيبلغنا أنها تقوم لحربه طائفة يسيرة من أطراف البلاد، فيهزمونه،
стр. 324
ويعود إلى مكة، وآخر ما وقع منه ذلك في سنة ١٢١٢، فإنه جمع جيشًا كبيرًا، وغزا نجدًا، وأوقع ببعض البلاد الراجعة إلى سلطان نجد المذكور، فلم يشعر إلا وقد دهمه جيش لا طاقة له به، أرسله صاحب نجد، فهزمه، واستولى على غالب جيشه قتلاً وأسرًا، بل جاءت الأخبار بأنه لم يسلم من جيش الشريف إلا طائفة يسيرة، وقتل جماعة من أشراف مكة في المعركة، وتمت الهزيمة إلى مكة، ولو ترك ذلك، واشتغل بغيره، لكان أولى له، شعر:
فإنَّ مَنْ حاربَ مَنْ لا يقوى ... لحربِهِ جَرَّ إليه البلوى
فإن صاحبَ نجد تبلغ عنه قوة عظيمة، لا يقوم لمثلها صاحب الترجمة - يعني: شريف مكة -، فقد سمعنا أنه قد استولى على بلاد الحسا، والقطيف، وبلاد الدواسر، وغالب بلاد الحجاز، ومن دخل تحت حوزته، أقام الصلاة، والزكاة، والصيام، وسائر شعائر الإسلام، ودخل في طاعته من عرب الشام الساكنين ما بين الحجاز وصعدة غالبُهم، إما رغبةً، وإما رهبةً، وصاروا مقيمين لفرائض الدين بعد أن كانوا لا يعرفون من الإسلام شيئًا، ولا يقومون بشيء من واجباته إلا مجرد التكلم بلفظ الشهادتين، على ما في لفظهم بهما [من] عوج.
وبالجملة: فكانوا جاهلية جهلاء كما تواتر بذلك الأخبار إلينا، ثم صاروا الآن يصلون الصلوات لأوقاتها، ويأتون بسائر الأركان الإسلامية على أبلغ صفاتها، ولكنهم يرون أن من لم يكن داخلاً تحت دولة صاحب نجد، وممتثلاً لأوامره، خارجٌ عن الإسلام، ولقد أخبرني أمير حجاج اليمن - السيد محمد بن حسين المراجل الكبسي -: أن جماعة منهم خاطبوه هو ومن معه من حجاج اليمن، بأنهم كفار، وأنهم غير معذورين عن الوصول إليه لينظر في إسلامهم، فما تخلصوا منهم إلا بجهد جهيد، وقد صارت جيوش صاحب نجد في بلاد يام، وفي بلاد السراة المجاورة لبلاد أبي عريش ومن تبعه من هذه الأجناس، اغتبط بمتابعته، وقاتل من يجاوره من الخارجين عن طاعته.
فبهذا السبب صار معظم تلك البلاد راجعة إليه، وتبلغنا عنهم أخبار، الله
стр. 325
أعلم بصحتها، من ذلك: أنه يستحلُّ دمَ من استغاث بغير الله؛ من نبيًّ أو وليٍّ أو غير ذلك.
ولا ريب أن ذلك - عن اعتقاد تأثير المستغاث به كتأثير الله - كُفْرٌ، يصير به صاحبه مرتدًا؛ كما يقع من كثير [من] هؤلاء المعتقدين للأموات الذين يسألونهم قضاء حوائجهم، ويعولون عليهم زيادة على تعويلهم على الله ، ولا ينادون الله - جل وعلا - إلا مقترنًا بأسمائهم، ويخصونهم بالنداء منفردين عن الرب، فهذا كفر لا شك فيه ولا شبهة، وصاحبُه إذا لم يتب، كان حلالَ الدم والمال كسائر المرتدين.
ومن جملة ما يبلغنا عن - صاحب نجد -: أنه يستحلُّ سفكَ دم من لم يحضر الصلاة في جماعة، وهذا - إن صح - غيرُ مناسب لقانون الشرع، نعم، من ترك صلاة فلم يفعلها منفردًا، ولا في جماعة، فقد دلت أدلة صحيحة على كفره، وعورضت بأخرى، فلا جرح على من ذهب إلى القول بالكفر، إنما الشأن في استحلال دم من ترك مجرد الجماعة، ولم يتركها منفردًا، وتبلغ أمورٌ غيرُ هذه، الله أعلمُ بصحتها. وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقادَ الخوارج، وما أظن أن ذلك صحيح.
فإن صاحبَ نجد وجميعَ أتباعه يعملون بما يعلمون من [الإمام شيخ الإسلام] محمد بن عبد الوهاب، وكان حنبليًا، ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة، فعاد إلى نجد، وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخري الحنابلة؛ كابن تيمية، وابن القيم، وأضرابهما، وهم من أشد الناس على معتقدي الأموات، وقد رأيت كتابًا من صاحب نجد الذي هو الآن صاحب تلك الجهات، أجاب به على بعض أهل العلم، وقد كاتبه وسأله بيان ما يعتقده.
فرأيت جوابه مشتملاً على اعتقاد حسن موافق الكتاب والسنة، والله أعلم بحقيقة الحال، وأما أهل مكة، فصاروا يكفِّرونه، ويطلقون عليه اسم: الكافر.
стр. 326
وبلغنا أنه وصل إلى مكة بعض علماء نجد (١) لقصد المناظرة، فناظر علماء مكة بحضرة الشريف في مسائل تدل على ثبات قدمه وقدم صاحبه في الدين.
وفي سنة ١٢١٥ وصل من صاحب نجد المذكور مجلدان لطيفان، أرسل بهما إلى حضرة مولانا الإمام - حفظه الله -، أحدهما يشتمل على رسائل لمحمد بن عبد الوهاب، كلها في الإرشاد إلى إخلاص التوحيد، والتنفير من الشرك الذي يفعله المعتقدون في القبور، وهي رسائل جيدة مشحونة بأدلة الكتاب والسنة، والمجلد الآخر: يتضمن الرد على جماعة من الفقهاء المقصرين من فقهاء "صنعاء"، و"صعدة"، ذاكروه في مسائل متعلقة بأصول الدين، وبجماعة من الصحابة، فأجاب عليهم جوابات محررة مقررة محققة، تدل على [أن] المجيب من العلماء المحققين العارفين بالكتاب والسنة، وقد هدم عليهم جميع ما بنوه، وأبطل جميع ما دونوه؛ لأنهم مقصرون متعصبون، فصار ما فعلوه خزيًا عليهم، وعلى أهل "صنعاء" و"صعدة"، وهكذا من تصدر ولم يعرف مقدار نفسه، وأرسل صاحب نجد مع الكتابين المذكورين بمكاتبة منه إلى سيدي المولى - حفظه الله -، فدفع - حفظه الله - جميعَ ذلك إليَّ، فأجبت عن كتابه الذي كتبه إلى مولانا الإمام على لسانه - حفظه الله - بما معناه: إن الجماعة الذين أرسلوا إليه بالمذاكرة لا ندري من هم، وكلامهم يدل على أنهم جهال، والأصل والجواب موجودان في مجموعي.
وفي سنة ١٢١٧ دخلت بلاد "أبي عريش"، وأشرافُها في طاعة صاحب نجد، ثم تزلزلت الديار اليمنية بذلك، واستولى أصحابه على بعض ديار "تهامة"، وجرت أمور يطول شرحها، وهي الآن في سريان، وقد أفردت ما بلغنا من ذلك
стр. 327
في مصنف مستقل؛ لأن هذه الحادثة قد عَمَّت وطَمَّت، وارتجفت لها أقطار الديار الشامية والمصرية، والعراقية والرومية، بل وسائر الديار، لا سيما بعد دخول أصحاب النجد "مكة المشرفة"، وطرد أشرافها عنها، ولله أمر هو بالغه.
ثم في سنة ١٢٢٢ وصل إلينا جماعة من صاحب نجد سعود بن عبد العزيز، لبعضهم معرفة في العلم، ومعهم مكاتيب عن "سعود" إلى الإمام المنصور - رحمه الله تعالى - وإليَّ أيضًا، ثم وصل جماعة آخرون كذلك في سنة ١٢٢٧، ثم وصل جماعة آخرون كذلك في سنة ١٢٢٨، ودار مع هؤلاء الآخرين ومع غيرهم من المكاتبة ما لا يتسع المقام لبسطه، ثم بعد هذا في سنة ١٢٢٩ خرج باشا مصر - محمد علي - بجنود السلطان، ووصل إلى مكة، وأسر الشريف غالب، وجهزه إلى الروم، ثم بلغ موته هنالك، انتهى.
ثم ذكر غلبة أفرنج من قوم فرانسيس (١) على مصر وإسكندرية وسائر أعمالها، وقال: كتب في ذلك الشريف غالب كتابًا إلى إمام اليمن، واستمد منه، ومن طرفه أجيب على كتابه، ونقل هذه الخطوط بعينها، وقال: قد جاءت في هذا الباب مكاتيب كثيرة، ولم يعلم ما جرى من طرف السلطنة إلى تحرير هذه الأحرف في خواتم شهر شوال سنة ١٢١٣، ولعل وراء الغيب أمرًا يسرنا، اللهم انصر الإسلام والمسلمين.
ثم قال: وفي سنة ١٢١٣ خرج أفرنج من مصر - ولله الحمد، - وأما الشريف غالب، فلما استولى صاحب نجد على مكة والمدينة، تابعه، ودخل تحت أمره ونهيه، واستمر نائبًا له منذ دخول جيوشه مكة، وكان القادم بالجيوش سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، ثم مات عبد العزيز، وصار الأمر بعده إلى ولده سعود، وما زال يأتي للحج في كل عام إلى سنة ١٢٢٨، فخرج باشا مصر - محمد علي - بجنود متكاثرة، واستولى على مكة والمدينة، على مواطأة بينه وبين الشريف غالب، ثم لما استقر بمكة، قبض على الشريف غالب، واستولى على جميع أملاكه وذخائره - وهي كثيرة جدًا -، وأرسله في سفينة هو وخواص أهله
стр. 328
إلى الروم، والله أعلم ما كان آخر أمره، فإنه لم يبلغنا إلى الآن خبر صحيح عما كان من أمره بعد إخراجه من مكة، وإدخاله إلى تلك الديار، والباشا محمد علي مستقر بمكة وجنده إلى الآن، وهي سنة ١٢٢٩، والحرب بينه وبين أهل نجد مستمر.
ومات في هذه السنة أمير العرب - صاحبُ نجد -، وهو سعود بن عبد العزيز، وقام مقامه ولده عبد الله بن سعود، وما زال يجهز الجند إلى مكة ومن بها، والحرب بينهم سجال، وقد تقدم ما انتهى إليه حال هذا الحرب في ترجمة سعود، انتهى.
وقال في ترجمة محمد علي باشا متولي الديار المصرية: ما زال أمره يرتفع حتى صار إليه ولاية الحرمين، ثم وصل إلى مكة، وأسر الشريف غالب، ثم حارب صاحب نجد، وقدم عليه الجيوش مع ابنه إبراهيم، ومع غيره، وما زال يغلب جيوش صاحب نجد جيشًا بعد جيش، حتى وصل جيشه إلى الدرعية، وطرح عليها حتى أخربها، وخرج صاحبها إذ ذاك، وهو عبد الله بن سعود إلى يد جيوش صاحب الترجمة، وسلم نفسه هو وأعيان ذلك المحل من أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأوصلوهم إلى مصر، والله أعلم ما كان من أمرهم (١)، وصاحب الترجمة هو الآن - في سنة ١٢٣٩ - باقيًا على الباشوية بمصر، وله مجاهدات وغزوات وإقدامات، انتهى.
قال القاضي العلامة عبد الرحمن بن أحمد البهكلي في كتاب "نفح العود في أيام الشريف حمود": ومن كتب عبد العزيز بن سعود: هذا الكتاب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد العزيز بن سعود إلى من يراه من أهل المخلاف السليماني، خصوصًا أولاد الشريف حمود، وناصر، ويحيى، وسائر إخوانهم، وأولاد إخوانهم، وكذلك أشراف بني النعمى، وكافة أشراف تهامة، وفقنا الله وإياهم إلى سبيل
стр. 329
الحق والهداية، وجنبنا وإياهم طريق الشرك والغواية، وأرشدنا وإياهم إلى اقتفاء آثار أهل العناية.
أما بعد: فالموجب لهذه الرسالة أن الشريف أحمد بن حسين الفلقي قدم إلينا، فرأى ما نحن عليه، وتحقيق صحة ذلك لديه، فبعد ذلك التمس منا أن نكتب لكم ما يزول به الاشتباه، فتعرفوا دين الإسلام الذي لا يقبل من أحد سواه.
فاعلموا - رحمكم الله تعالى -: أن الله سبحانه أرسل محمدًا ﷺ على فترة من الرسل، فهدى به إلى الدين الكامل، والشرع التام، وأعظمُ ذلك وأكبرُه وزبدتُه إخلاصُ العبادة لله لا شريك له، والنهيُ عن الشرك، وذلك هو الذي خلق الله تعالى الخلق لأجله، ودل الكتاب على فضله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وإخلاص الدين: هو صرف جميع العبادة لله تعالى وحده لا شريك له، وذلك أن لا يُدعى إلا الله، ولا يُستغاث إلا به، ولا يُذبح إلا له، ولا يُخشى ولا يُرجى سواه، ولا يُرهب ولا يُرغب إلا فيما لديه، ولا يُتوكل في جميع الأمور إلا عليه، وأن كل ما هنالك لله تعالى، لا يصلح شيء منه لملَكٍ مقرَّب، ولا نبي مرسل، ولا شيء غيرهما، وهذا هو بعينه توحيد الألوهية الذي أُسس الإسلام عليه، وانفرد به المسلم عن الكافر، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فلما مَنَّ الله تعالى علينا بمعرفة ذلك، علمْنا أنه دين الرسل، اتبعناه، ودعونا الناس إليه، وإلا، فنحن قبل ذلك ما عليه غالب الناس؛ من الشرك بالله تعالى من عبادة أهل القبور، والاستغاثة بهم، والاستعانة منهم، والتقرُّبِ بالذبح لهم، وطلبِ الحاجات منهم، مع ما ينضم إلى ذلك من فعل الفواحش والمنكرات، وارتكاب الأمور المحرمات، وترك الصلاة وترك شعائر الإسلام، حتى أظهر الله الحق بعد خفائه، وأحيا أثره بعد عفائه على يد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -
стр. 330
أحسن الله تعالى إليه في آخرته والمآب -، فأبرز لنا ما هو الحق والصواب من كتاب الله المجيد الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾ [فصلت: ٤٢].
فبين الذي نحن عليه، وهو دين غالب الناس من الاعتقادات في الصالحين وغيرهم، ودعوتهم عند الشدائد، والتقرب بالذبح لهم، والنذر لهم، والاستغاثة بهم، وطلب الحاجات منهم، وأنه الشرك الأكبر الذي نهى الله عنه، وتهدَّد بالوعيد الشديد عليه، وأخبر في كتابه أنه لا يغفره إلا بالتوبة منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣، ١٤]، والآيات - في أن دعوة غيره شرك أكبر - كثيرة واضحة شهيرة.
فحين كشف لنا الأمر، وعرفنا ما نحن عليه من الشرك والكفر بالنصوص القطعية والأدلة الساطعة من كتاب الله، وسنة رسوله، وكلام الأئمة الأعلام الذين أجمعت الأمة على روايتهم، عرفنا أن ما نحن عليه، وما كنا ندين به أولاً أنه الشرك الأكبر، الذي نهى الله عنه وحذر، وأن الله إنما أمرنا أن ندعوه وحده، وذلك كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦].
إذا عرفتم هذا، فاعلموا - رحمكم الله - أن الذي ندين الله به هو إخلاص العبادة لله وحده، ونفي الشرك، وإقام الصلاة في الجماعة، وغير ذلك من أركان الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يخفى على ذوي البصائر والأفهام، والمتدبرين من الأنام، أن هذا هو الدين، جاءنا به الرسول ﷺ ، قال-
стр. 331
جل وعلا -: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فمن قبل هذا، وألزم العمل به، فهو حظه في الدنيا والآخرة - ونعم الحظ دين الإسلام -، ومن أتى غيره، واستكبر، فلم يقبل هدى الله لما تبين له نوره، وثناه وأعرض عن ذلك، قاتلناه، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩].
وقصدُنا بهذه النصيحة إليكم القيامُ بواجب الدعوة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ [يوسف: ١٠٨].
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، انتهى.
قال: وكتب الشريف منصور إلى ابن عمه علي بن حيدر - القائم بأبي عريش - يستحثه على الخروج على خالعي الطاعة، وهو يعده بذلك حتى خرج ووصل إليه الشريف حمود بن محمد، وتقدم كل منهم إلى غربي وادي صبيا في محل يسمى: "الحجرين"، واجتمع الجعفريون ومَنْ والاهم من أهل ذلك المخلاف إلى حدود الجارة من قرى وادي بيش الشامية، وفيها الأشراف العماريون، فاجتمع الجميع بمحل يسمى: "البطح"، والتحم القتال، وكانت الدائرة على الجعافرة، وانجلت المعركة عن قتل كثير، وأسر كثير، وقُتل فيها مسعود - أخو الشريف حمود -، وعاد الشريف إلى أبي عريش.
وكان الشيخ محمد بن أحمد، ووالده الشيخ العلامة أحمد بن عبد القادر ممن خالطت قلوبَهم بشاشةُ الدعوة النجدية، وناصروا دعاتها بأشعار الحماسة، والأقوال في الرسائل إلى أهل الرياسة، وذلك في سنة ١٢١٧، انتهى.
٣٦٩ - السيد محمدُ بنُ إبراهيم بنِ عليِّ بنِ المرتَضَى بنِ المفضَّل بنِ المنصور، صاحب "العواصم والقواصم ".
كان من كبار حفاظ الحديث، وعلماء المجتهدين اليمانيين، غلط السخاوي في ترجمة نسبه كما يلوح من كتاب "البدر الطالع".
стр. 332
قال الشوكاني: هو الإمام الكبير، المجتهدُ المطلَقُ المعروف بابن الوزير، ولد في شهر رجب سنة ٧٧٥. وقال السخاوي: إنه ولد تقريبًا سنة ٧٦٥، وهذا التقريب بعيد، والصواب الأول. تبحَّر في جميع العلوم، وفاقَ الأقران، واشتُهر صيتُه، وبَعُدَ ذكرُه، وطار علمُه في الأقطار. قال صاحب "مطالع البدور": ترجم له ابن حجر العسقلاني في "الدرر الكامنة"، انتهى. وهذا لا أصل له؛ فإنه لم يترجم له فيها أصلاً، بل ترجم له في "أنباء الغمر"، وترجم له التقي بن فهد في "معجمه"، وصنف في الردِّ على الزيدية: "العواصم والقواصم"، واختصره في "الروض الباسم"، وأنشد له في معجمه:
العلمُ ميراثُ النبيِّ كذا أَتَى ... في النَّصَّ، والعلماء هم وُرَّاثُهُ
فإذا أردتَ حقيقةً تدري بها ... وُرَّاثَه وعرفْتَ ما ميراثُهُ
ما وَرَّثَ المختارُ غيرَ حديثِهِ ... فينا وذاكَ متاعُهُ وأَثاثُهُ
قلنا: الحديثُ وراثةٌ نبويَّةٌ ... ولِكُلِّ مُحْدِثِ بدعةٍ إحداثُهُ
وذكره ابن حجر في "أنباء الغمر" في ترجمة أخيه الهادي، فقال: وله أخ يقال له: محمد، مقبلٌ على الاشتغال بالحديث، شديدُ الميل إلى السنة، بخلاف أهل بيته، انتهى. ولو لقيه الحافظ ابن حجر بعد أن تبحر في العلوم، لأطال عنانَ قلمه في الثناء عليه، وكذلك السخاويُّ لو وقف على "العواصم والقواصم"، لرأى فيها ما يملأ عينه وقلبه، ولكن لعله بلغه الاسمُ دون المسمى. ولا ريب أن علماء الطوائف لا يُكثرون العناية بأهل هذه الديار؛ لاعتقادهم في الزيدية ما لا مقتضى له إلا مجرد التقليد لمن لم يطلع على الأحوال؛ فإن في ديار الزيدية من أئمة الكتاب والسنة عددًا يجاوز الوصف، يتقيدون بالعمل بنصوص الأدلة، ويعتمدون على ما صح في الأمهات الستة الحديثية، وما يلتحق بها من دواوين الإسلام، المشتملةِ على سنة سيد الأنام، ولا يرفعون إلى التقليد رأسًا، ولا يشوبون دينَهم بشيء من البدع التي لا يخلو أهلُ مذهب من المذاهب من شيء منها، بل هم على نمط السلف الصالح في العمل بما يدل عليه كتاب الله، وما صح من سنة رسول الله ﷺ ، مع كثرة اشتغالهم بالعلوم التي هي آلاتُ عِلم
стр. 333
الكتاب والسنة؛ من نحو وصرف، ومعان وبيان، وأصول ولغة، وعدم إخلالهم بما عدا ذلك من العلوم العقلية، ولو لم يكن من المزية إلاّ التقييد بنصوص الكتاب والسنة، وطرح التقليد، فإن هذه خصيصة خصَّ الله بها أهلَ الديار في هذه الأزمنة الأخيرة، ولا توجد في غيرهم إلا نادرًا، ولا ريبَ أن في سائر الديار - لا سيما المصرية والشامية - من العلماء الكبار من لا يبلغ غالبُ أهل ديارنا هذه إلى رتبته، ولكنهم لا يفارقون التقليد الذي هو دأبُ من لا يعقِلُ حججَ الله ورسوله، ومن لم يفارق التقليد، لم يكن لعلمه كثير فائدة، وإن وجد منهم من يعمل بالأدلة، ويدع التعويل على التقليد، فهو القليل النادر؛ كابن تيمية، وأمثاله.
وإني لأُكثر التعجبَ من جماعة من أكابر العلماء المتأخرين الموجودين في القرن الرابع وما بعده، كيف يقفون على تقليد عالم من العلماء، ويقدمونه على كتاب الله، وسنة رسوله، مع كونهم قد عرفوا من علم اللسان ما يكفي في فهم الكتاب والسنة بعضُه؛ فإن الرجل إذا عرف من لغة العرب ما يكون به فاهمًا لما يسمعه منها، صار كأحد الصحابة الذين كانوا في زمنه ﷺ ، ومن صار كذلك، وجب عليه التمسكُ بما جاء به رسول الله ﷺ ، وترك التعويل على محض الآراء.
فكيف بمن وقف على دقائق اللغة وجلائلها إفرادًا وتركيبًا وإعرابًا وبناء، وصار في الدقائق النحوية والصرفية والأسرار البيانية والحقائق الأصولية بمقام لا يخفى عليه من لسان العرب خافية، ولا يشذ عنه منها شاذَّةٌ ولا فاذَّة، وصار عارفًا بما صح عن رسول الله ﷺ في تفسير كتاب الله، وما صح عن علماء الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم إلى زمنه، وأتعبَ نفسه في سماع دواوين السنة التي صنفها أئمةُ هذه الشأن في قديم الأزمان وفيما بعده، فمن كان بهذه المثابة، فكيف يسوغ له أن يعدل عن آية صريحة، أو حديث صحيح إلى رأي رآه بعضُ المجتهدين حتى كأنه بعضُ العوام الأغتام الذين لا يعرفون من رسوم الشريعة إلا اسمًا.
فيا لله العجب! إذا كانت نهايةُ العالم كبدايته، وآخرُ أمره كأوله، فقل لي: أَيُّ
стр. 334
فائدة لتضييع الأوقات في المعارف العلمية؟ فإن قول إمامه - الذي يقلد هو - كان يفهمه قبل أن يشتغل بشيء من العلوم سواه، كما نشاهده في المقتصرين على علم الفقه، فإنهم يفهمونه، بل يصيرون فيه من التحقيق إلى غاية لا يخفى عليهم منه شيء، ويدرسون فيه، ويفتون به، وهم لا يعرفون سواه، بل لا يميزون بين الفاعل والمفعول، والذي أدين الله به: أنه لا رخصة لمن علم من لغة العرب ما يفهم به كتاب الله - بعدَ أن يقيم لسانه بشيء من علم النحو والصرف، وشطر من مهمات كليات أصول الفقه - في ترك العمل بما يفهمه من آيات الكتاب العزيز، ثم إذا انضم إلى ذلك الاطلاع على كتب السنة المطهرة التي جمعها الأئمة المعتبرون، وعملَ بها المتقدمون والمتأخرون، كـ"ـالصحيحين" وما يلتحق بهما مما التزم فيه مؤلفوه الصحة، أو جمعوا فيه بين الصحيح وغيره، مع البيان لما هو صحيح، ولِما هو حسن، ولما هو ضعيف، وجب العمل بما هو كذلك، ولا يحل التمسك بما يخالفه من الرأي، سواء كان قائله واحدًا، أو جماعة، أو الجمهور، فلم يأت في هذه الشريعة الغراء ما يدل على وجوب التمسك بالآراء المتجردة عن معارضة الكتاب والسنة، فكيف بما كان منها كذلك؟ بل الذي جاءنا في كتاب الله على لسان رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، إلى غير ذلك، وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كل أمر ليس عليه أمرنا، فهو رَدّ".
فالحاصل: أن من بلغ في العلم إلى رتبة يفهم بها تراكيب كتاب الله، ويرجح بها ما ورد مختلفًا من تفسير السلف الصالح، ويهتدي بها إلى كتب السنة التي يعرف بها ما هو صحيح وما ليس بصحيح، فهو مجتهد، لا يحل له أن يقلد غيره - كائنًا مَنْ كان - في مسألة من مسائل الدين، بل يستروي النصوص من أهل الرواية، ويتمرن في علم الدراية، ويقتصر من كل فن على مقدار الحاجة، والمقدارُ الكافي من تلك الفنون هو ما يُتوصل به إلى الفهم والتمييز، ولا شك أن التبحر في المعارف، وتطويلَ الباع في أنواعها، هو خير كله، لا سيما
стр. 335
الاستكثار من علم السنة، وحفظ المتون، ومعرفة أحوال رجال الأسانيد، والكشف عن كلام الأئمة في هذا الشأن؛ فإن ذلك مما يوجب تفاوتَ المراتب بين المجتهدين، لا أنه يتوقف الاجتهادُ عليه.
فإن قلت: ربما يقف على هذا الكلام من هو متهيئٌ لطلب العلم، فلا يدري بما ذاك يشتغل، ولا يعرف ما هو الذي إذا اقتصر عليه في كل فن بلغَ إلى رتبة الاجتهاد الذي يجب عليه عنده العملُ بالكتاب والسنة.
قلت: لا يخفى عليك أن القرائح مختلفة، والفطن متفاوتة، والأفهام متباينة، فمن الناس من يرتفع بالقليل إلى رتبة علية، ومن الناس من لا يرتفع من حضيض التقصير بالكثير، وهذا معلوم بالوجدان، ولكني أذكر ها هنا ما يكتفي به مَنْ كان متوسطًا بين الغايتين، فأقول: يكفيه من علم مفردات اللغة مثل "القاموس"، وليس المراد: إحاطتُه به حفظًا، بل المراد: الممارسةُ لمثل هذا الكتاب، أو ما يشابهه على وجه يهتدي به إلى وجدان ما يطلبه منه عند الحاجة، ويكفيه في النحو مثل "الكافية" لابن الحاجب، أو "الألفية"، وشرح مختصر من شروحهما، وفي الصرف مثل "الشافية"، وشرح من شروحها المختصرة، مع أن فيها ما لا تدعو إليه حاجة، وفي أصول الفقه مثل "جمع الجوامع"، أو "التنقيح" لابن صدر الشريعة، أو "المنار" للنسفي، أو "مختصر المنتهى" لابن الحاجب، أو "غاية السول" لابن الإمام، وشرح من شروح هذه المختصرات المذكورة، مع أن فيها جميعِها ما لا تدعو إليه الحاجة، بل غالبها كذلك، ولا سيما تلك التدقيقات التي في شروحها وحواشيها؛ فإنها من علم الكتاب والسنة بمَعْزِل، ولكنه جاء في المتأخرين مَن اشتغل بعلوم أخرى خارجة عن العلوم الشرعية، ثم استعملها في العلوم الشرعية، فجاء من بعده فظنَّ أنها من علوم الشريعة، فبعدت عليه المسافة، وطالت عليه الطريق، فربما بات دون المنزل، ولم يبلغ إلى مقصده، فإن وصل إليه، وصل بذهن كليل، وفهم عليل؛ لأنه قد استفرغ قوته في مقدماته، وهذا مشاهد معلوم؛ فإن غالب طلحة علوم الاجتهاد تنقضي أعمارهم في تحقيق الآلات وتدقيقها، ومنهم من لا يفتح كتابًا من كتب السنة،
стр. 336
ولا سفرًا من أسفار التفسير، فحالُ هذا كحال من حصل الكاغد والحبر، وبرى أقلامه، ولاك دواته، ولم يكتب حرفًا، فلم يفعل المقصود؛ إذ لا ريب أن المقصود من هذه الآلات هو الكتابة. كذلك حالُ من قبله، ومن عرف ما ذكرناه سابقًا، لم يحتج إلى قراءة كتب التفسير على الشيوخ؛ لأنه قد حصل ما يفهم به الكتاب العزيز، وإذا أشكل عليه شيء من مفردات القرآن، رجع إلى ما قدمنا أنه يكفيه من علم اللغة، وإذا أشكل عليه إعراب، فعنده من علم النحو ما يكفيه، وكذلك إذا كان الإشكال يرجع إلى علم الصرف، وإذا وجد اختلافًا في تفاسير السلف التي يقف عليها مطالعته، فالقرآن عربي والمرجع لغة العرب، فما كان أقرب إليها، فهو أحقُّ مما كان أبعدَ، وما كان من تفاسير الرسول ﷺ ، فهو - مع كونه شيئًا يسيرًا - موجود في كتب السنة.
ثم هذا المقدار الذي قدمنا يكفي في معرفة معاني متون الحديث، وأما ما يكفيه في معرفة كون الحديث صحيحًا أو غير صحيح، فقد قدمنا الإشارة إلى ذلك، ونزيده إيضاحًا، فنقول: إذا قال إمامٌ من أئمة الحديث المشهورين بالحفظ، والعدالة، وحسن المعرفة، والضبط: إنه لم يذكر في كتابه إلا ما كان صحيحًا، وكان ممن مارس هذا الشأن ممارسة كلية؛ كصاحبي "الصحيحين"، وبعدهما "صحيح ابن حبان"، و"صحيح ابن خزيمة"، ونحوهما، فهذا القول مسوغ للعمل بما وجد في تلك الكتب، وموجب لتقديمه على التقليد، وليس هذا من التقليد؛ لأنه عملٌ برواية الثقة، والتقليد: عملٌ برأيه، وهذا الفرق أوضحُ من الشمس، وإن التبس على كثير من الناس، وأما ما يدندن حوله أربابُ علم المعاني والبيان من اشتراط ذلك، وعدم الوقوف على حقيقة معاني الكتاب والسنة بدونه.
فأقول: ليس الأمر كما قالوا؛ لأن ما تمس الحاجة إليه في معرفة الأحكام الشرعية قد أغنى عنه ما قدمنا ذكرَه من اللغة والنحو والصرف والأصول، والزائدُ عليه - وإن كان من دقائق العربية وأسرارها، ومما له مزيد التأثير في معرفة بلاغة الكتاب العزيز - لكن ذلك أمرٌ وراءَ ما نحن بصدده، وربما يقول قائل: بأن هذه
стр. 337
المقالة مقالةُ من لم يعرف ذلك الفن حقَّ معرفته، وليس الأمرُ كما يقول؛ فإني قد شُغلت برهةً من العمر في هذا الفن، فمنه: ما قعدت فيه بين أيدي الشيوخ؛ كشرح التلخيص المختصر وحواشيه، وشرحه المطول وحواشيه، وشرحه الأطول، ومنه: ما طالعته مطالعة متعقب، وهو ما عدا ما قدمته، وقد كنت أظن في مبادىء طلب هذا الفن ما يظنه هذا القائل، ثم قلتُ ما قلتُ عن خبرة وممارسة وتجريب، والزمخشري وأمثاله - وإن رغبوا في هذا الفن - فذلك من حيث كونه مدخلاً في معرفة البلاغة؛ كما قدمنا، وهذا الجواب الذي ذكرته ها هنا هو الجواب على المعترض في سائر ما أهملته ما يظن أنه معتبر في الاجتهاد، ومع هذا كله، فلسنا بصدد بيان القدر الذي يجب عنده العمل بالكتاب والسنة، وإلا، فنحن ممن يرغِّب الطلبةَ في الاستكثار من المعارف العلمية، على اختلاف أنواعها؛ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، ومن رام الوقوف على ما يحتاج إليه طالبُ العلم من العلوم على التفصيل والتحقيق، فليرجع إلى الكتاب الذي جمعتُه في هذا الشأن، وسميته: "أدب الطلب ومنتهى الأرب"، وهو كتاب [لا] يستغني عنه طالب الحق، على أني أقول بعد هذا: إن من كان عاطلاً عن العلوم، الواجبُ عليه أن يسأل مَنْ يثق بدينه وعلمه عن نصوص الكتاب والسنة في الأمور التي تجب عليه؛ من عبادة، أو معاملة، وسائر ما يحدث له، فيقول لمن يسأله: عَلِّمني أصحَّ ما ثبتَ في ذلك من الأدلة حتى أعملَ به، وليس هذا من التقليد في شيء؛ لأنه لم يسأله عن رأيه، بل عن روايته، ولكنه لما كان - لجهله - لا يفطن ألفاظ الكتاب والسنة، وجب عليه أن يسأل من يفطن ذلك، فهو عاملٌ بالكتاب والسنة بواسطة المسؤول، ومن أحرز ما قدمنا من العلوم عامل بهما بلا واسطة في التفهم، وهذا يقال له: مجتهد، والعامي المعتمد على السؤال ليس بمقلد، ولا مجتهد، بل عامل بالدليل بواسطة مجتهد يُفهمه معانيه، وقد كان غالب السلف - من الصحابة والتابعين، وتابعيهم الذين هم خيرُ القرون من هذه الطبقة - كذلك، ولا ريب أن العلماء بالنسبة إلى غير العلماء أقلُّ قليل. فمن قال: إنه لا واسطة بين المقلد والمجتهد.
قلنا له: قد كان غالب السلف الصالح ليسوا بمقلدين ولا مجتهدين، أما
стр. 338
كونهم ليسوا بمقلدين، فلأنه لم يُسمع عن أحد من مقصري الصحابة: أنه قلد عالمًا من علماء الصحابة المشاهير، بل كان جميع المقصرين منهم يستروون علماؤهم نصوصَ الأدلة، ويعملون بها، وكذلك مَنْ بعدهم من التابعين وتابعيهم، من قال: إن جميع الصحابة مجتهدون، وجميعَ التابعين وتابعيهم كذلك، فقد أعظم الفرية، وجاء بما لا يقبله عارف.
وهذه المذاهب والتقليدات التي معناها قبولُ قول الغير دون حجته لم تحدثْ إلا بعد انقراض "خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
وخيرُ الأمورِ السالفاتُ على الهُدَى ... وشَرُّ الأمورِ المُحْدَثاتُ البدائِعُ
وإذا لم يسع غيرَ العالم في عصور الخَلَف ما وسعه في عصور السلف، فلا وَسَّعَ الله عليه.
قال: وهذا عارضٌ من القول اقتضاه ما قدمناه، فلنرجع إلى ما نحن بصدده من ترجمة هذا السيد الإمام، انتهى.
اقبلْ نصيحةَ واعظٍ ... وَلَو أنَّه فِيها مُراءِ
فلرُبَّما نفعَ الطبيبُ ... وكانَ أحوجَ للدواءِ
٣٧٠ - محمد بن يوسف، الغرناطيُّ، المعروفُ بأثير الدين، أبي حيانَ الأندلسيُّ .
إمامُ العربية والتفسير، ذكر له المُقَّرِيُّ ترجمة حسنة طويلة، وقال ابن مرزوق في حقه: شيخ النحاة بالديار المصرية، وشيخ المحدثين بالمدرسة المنصورية، سمعت عليه، وقرأت، وحدثني بسنن أبي داود، والنسائي، والموطأ عن جماعة من الحفاظ، قال: شكوت إليه يومًا ما يلقاه الغريبُ من اذاية العداة، فأنشدني لنفسه:
عُداتي لهم فضلٌ عَلَيَّ ومِنَّةٌ .... فلا أذهبَ الرَّحمنُ عَنِّي الأعاديا
هُمُ بحثوا عن زَلَّتي فاجْتَنَبْتُها ... وهُمْ نافَسوني فاكتسبتُ المَعاليا
ذكر الصفدي ترجمته، وأثنى عليه، وبالغ فيه، وقال، خدم هذا العلم مدةً
стр. 339
تقارب الثمانين، وسلك من غرائبه وغوامضه طرقًا متشعبةَ الأَفانين، ولم يزل على حاله إلى أن دخل في خبر كان، وتبدلت حركاته بالإسكان، توفي سنة ٧٤٥، وصُلِّي عليه بدمشق صلاة الغائب، وكان مولده سنة ٦٥٤، وله اليدُ الطولى في التفسير والحديث، وتراجم الناس وطبقاتهم، وله التصانيف التي سارت وطارت، وانتشرت وما انتثرت، وقرئت ودريت، ونسخت وما فسخت، أخملت كتب المتقدمين، وقرأ الناس عليه، وصاروا أئمة وأشياخًا في حياته. وكان حسنَ العِمَّة، مليحَ الوجه، ظاهرَ اللون، مُشرب الحمرة، مُنَوَّرَ الشيبة، كبيرَ اللحية، مسترسلَ الشعر، وكان فيه خشوع، يبكي إذا سمع القرآن، ويجري دمعُه عند سماع الأشعار الغزلية. قال الأدفوي، قال لي: إذا قرأتُ أشعارَ العتق، أميل إليها، وكان أولاً يرى رأيَ الظاهرية، ثم إنه تمذهب للشافعي، وكان أولاً يعتقد في الشيخ ابن تيمية، وامتدحه بقصيدة، ثم إنه انحرف عنه لما وقف على كتاب "العرش" له.
قلت: وليس الأمر كذلك، قال في "البدر الطالع": وكان ظاهريًا، وبعد ذلك انتمى إلى الشافعي، وكان أبو البقا يقول: إنه لم يزل ظاهريًا، قال ابن حجر: كان أبو حيان يقول: محال أن يرجع عن مذهب الظاهر مَنْ علقَ بذهنه، انتهى. ولقد صدق في مقاله، فمذهب الظاهر هو أول الفكر، وآخر العمل عندَ مَنْ منُح الإنصاف، ولم يَرِدْ على فطرته ما يغيرها عند أهلها، وليس هو مذهب داود الظاهري وأتباعه فقط، بل هو مذهب أكابر العلماء المقيدين بنصوص الشرع من عصر الصحابة إلى الآن - وداود واحد منهم -، وإنما اشتهر عنه الجمود في مسائل وقفَ فيها على الظاهر حيث لا ينبغي الوقوف، وأهمل أنواع القياس ما لا ينبغي لمنصف إهماله.
وبالجملة: فمذهب الظاهر: هو العمل بظاهر الكتاب والسنة بجميع الدلالات، وطرح التعويل على محض الرأي الذي لا يرجع إليهما بوجه من وجوه الدلالة، وأنت إذا أمعنت النظر في مقالات أكابر المجتهدين المشتغلين بالأدلة، وجدتَها مذهبَ الظاهر بعينه، بل إذا رُزقت الانصافَ، وعرفت العلومَ
стр. 340
الاجتهادية كما ينبغي، ونظرت في علوم الكتاب والسنة حقَّ النظر، كنت ظاهريًا؛ أي: عاملاً بظاهر الشرع، منسوبًا إليه، لا إلى داود الظاهري، فإن نسبتك ونسبته إلى الظاهر متفقة، وهذه النسبة هي مساوية النسبة إلى الإيمان والإسلام، وإلى خاتم الرسل - عليه أفضل الصلاة والتسليم -، وإلى مذهب الظاهر بالمعنى الذي أشار إليه ابنُ حزم، بقوله:
وما أَنا إلا ظاهِرِيٌّ وإِنَّني ... على ما بَدا حتى يقومَ دليلُ
انتهى.
قال الصلاح الكتبي: الشيخ الإمام الحافظ العلامة، فريد العصر، وشيخ الزمان، وإمام النحاة، أثيرُ الدين أبو حيان، قرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث ببلاد الأندلس، وجزيرة إفريقية، وثغر الإسكندرية وبلاد مصر والحجاز، وحصل الإجازات من الشام، وغير ذلك، وطلب وحصل، وكتب واجتهد، وله أشعار رائقة، وأبيات فائقة، أورد جملة منها في "الفوات". وكذا ذكر المَقَّري في "نفح الطيب" نبذة من أشعاره الرائقة، وقد مدحه كثير من الشعراء والكبار الفضلاء، وذكر أشعارهم في مدائحه.
وقال: الإمامُ العلامة، لسانُ العرب، وترجمان الأدب، وجامعُ الفضائل، عمدة وسائل السائل، حجة المقلدين، زين المجتهدين، أفضل الآخرين، وارث علوم الأولين، وكان سبب انحرافه عن شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه قال يومًا عنده: كذا قال سيبويه، فقال شيخ الإسلام: يكذب سيبويه، واعترض عليه في غير موضع.
وإلا، فأبو حيان هو الذي أنشأ في المجلس ارتجالاً في مدح شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى رحمة واسعة -:
لما أتينا تقيَّ الدين لاح لنا ... داعٍ إلى الله فردٌ ما له وَزَرُ
على مُحَيَّاه من سيما الألى صحبوا ... خيرَ البريةِ نورٌ دونه القمرُ
حِبْرٌ تسربلَ منه دهرُه حِبَرًا ... بحرٌ تقاذفُ من أمواجه الدُّرَرُ
قامَ ابن تَيْمِيَّةٍ في نَصرِ شِرْعَتنا ... مَقامَ سيدِ تَيْمٍ إذ عَصَتْ مُضَرُ
стр. 341
فأظهرَ الحسنَ إذ آثارُه دَرَسَتْ ... وأخمدَ الشرَّ إذ طارت له الشَّرَرُ
كُنا نحدثُ عن حبرٍ يجيء، فها ... أنتَ الإمامُ الذي قد كانَ يُنتظَرُ
٣٧١ - جلال الدين، عبد الرحمن السيوطيُّ .
قال في "البدر الطالع" في ترجمته: الإمام الكبير، صاحب التصانيف، أجاز له أكابر علماء عصره من سائر الأمصار، وبرز في جميع الفنون، وفاق الأقران، واشتهر ذكره، وبَعُدَ صيتُه، وتصانيفُه من الفنون مقبولة، قد سارت في الأقطار مسيرَ النهار، ولكن لم يسلَمْ من حاسد لفضله، وجاحد لمناقبه؛ فإن السخاوي في "الضوء اللامع" - وهو من أقرانه - ترجمه ترجمة مظلمة، غالبها ثَلْبٌ فظيع، وسَبٌّ شنيع، وانتقاصٌ وغمط لمناقبه، تصريحًا وتلويحًا.
ولا جرم، فذلك دأبه في جميع الفضلاء من أقرانه، وقد تنافس هو وصاحب الترجمة منافسة أوجبتْ تأليفَ صاحب الترجمة لرسالة سماها: "الكاوي لدماغ السخاوي" فليْعرفِ المطلعُ على ترجمة هذا الفاضل في: "الضوء اللامع": أنها صدرت من خصم له غير مقبول عليه، انتهى. ثم نقل العبارةَ من السخاوي في ذمه، وقال: أقول: لا يخفى على المصنف ما في هذا المنقول من التحامل على هذا الإمام، فإن ما اعترف به من صعوبة علم الحساب عليه لا يدل على ما ذكره من عدم الذكاء؛ فإن هذا الفن لا يفتح فيه على ذكي إلا نادرًا؛ كما نشاهده الآن في أهل عصرنا، وكذلك سكوته عند قول القائل له: نجمع لك أهلَ كل فن من فنون الاجتهاد؛ فإن هذا الكلام خارج عن الإنصاف؛ لأن رب الفنون الكثيرة لا يبلغ في تحقيق كل واحد منها ما يبلغه من هو مشتغل به على انفراده، وهذا معلوم لكل أحد، وكذلك قوله: إنه نسخ كذا وأخذ كذا ليس بعيب؛ فإن هذا ما زال دأبَ المصنفين، يأتي الآخِر، فيأخذ مِنْ كتب مَنْ قبله، فيختصر، أو يوضح، أو يعترض، أو نحو ذلك من الأغراض التي هي الباعثة على التصانيف، ومن ذلك الذي يعمد إلى فن قد صنف فيه من قبله، فلا يأخذ من كلامه، وقوله: إنه رأى بعضها في ورقة، لا يخالف ما حكاه صاحب الترجمة من ذكر عدد مصنفاته، فإنه لم يقل: إنها زادت على ثلاث مئة مجلد، بل قال: إنها زادت
стр. 342
على ثلاث مئة كتاب، وهذا الاسم يصدق على الورقة فما فوقها.
وقوله: إنه كثير التصحيف والتحريف، دعوى مجردةٌ عاطلة عن البرهان، فهذه مؤلفاته على ظهر البسيطة محررة أحسنَ تحرير، ومتقنة أبلغَ إتقان، وعلى كل حال، فهو غير مقبول عليه؛ لما عرفت من قول أئمة الجرح والتعديل بعدم قبول قول الأقران في بعضهم بعضًا مع ظهور أدنى منافسة، فكيف بمثل المنافسة بين هذين الرجلين التي أفضت إلى تأليف بعضهم في بعض؟! فإنَّ أقلَّ من هذا يوجب عدم القبول.
والسخاوي ﵀ وإن كان إمامًا غيرَ مدفوع، لكنه كثيرُ التحامل على أكابر أقرانه، كما يعرف ذلك من طالعَ كتابه "الضوء اللامع"؛ فإنه لا يقيم لهم وزنًا، بل لا يسلم غالبُهم من الحطِّ منه عليه، وإنما يعظم مشايخه وتلامذته ومن لم يعرفه ممن مات في أول القرن التاسع قبل مولده، أو مَنْ كان في غير مصره، أو يرجو خيره، أو يخاف شره، أو ما نقله من أقوال مَنْ ذكره من العلماء مما يؤذن بالحطِّ على صاحب الترجمة، فسبب ذلك دعواه الاجتهاد كما صرح به، وما زال هذا دأب الناس مع من بلغ إلى تلك الرتبة، ولكن قد عَرَّفناك في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية: أنها جرت عادة الله سبحانه كما يدل عليه الاستقراء برفع شأن من عودي بسبب علمه وتصريحه بالحق، وانتشار محاسنه بعد موته، وارتفاع ذكره، وانتفاع الناس بعلمه. وهذا كان أمر صاحب الترجمة؛ فإن مؤلفاته انتشرت في الأقطار، وسارت بها الركبان إلى الأنجاد والأغوار، ورفع الله له من الذكر الحسن والثناء الجميل ما لم يكن لأحد من معاصريه، والعاقبةُ للمتقين، تجاوز الله عنهما جميعًا وعنا بفضله وكرمه. ولد السيوطي في سنة ٨٤٩، وتوفي سنة ٩١١، انتهى. - رحمه الله تعالى رحمة واسعة -.
٣٧٢ - وفي "البدر الطالع" في ترجمة، القاضي حسين بن محمد بنِ سعيدٍ اللاعي، المعروف بالمغربي، صاحبِ "البدر التمام في شرح بلوغ المرام ".
قاضي صنعاءَ وعالمُها ومحدثُها، جدُّ شيخنا الحسن بن إسماعيل بن الحسين.
стр. 343
ولد سنة ١٠٤٨، وهو مصنف "شرح بلوغ المرام"، وهو شرح حافل، نقل فيه ما في "التلخيص" من الكلام على متون الأحاديث وأسانيدها، ثم إذا كان الحديث في البخاري، نقل شرحه من "فتح الباري"، وإذا كان في "صحيح مسلم"، نقل شرحه من "شرح النووي"، وتارة ينقل من "شرح السنن" لابن رسلان، ولكنه لا ينسب هذه النقول إلى أهلها غالبًا، مع كونه يسوقها باللفظ، وينقل الخلافات من "البحر الزخار" للإمام المهدي أحمد بن يحيى، وفي بعض الأحوال من "نهاية ابن رشد"، ويترك التعرض للترجيح في غالب الحالات، وهو ثمرة الاجتهاد، وعلى كل حال، فهو شرح مفيد، وقد اختصره السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير، وسمى المختصر "سبل السلام"، وله رسالة في حديث: "أخرجوا اليهودَ من جزيرة العرب"، رجَّح فيها أنه إنما يجب إخراجُهم من الحجاز فقط، محتجًا بما في رواية بلفظ: "أخرجوا اليهود من الحجاز"، توفي ﵀ في سنة ١١١٦، وقيل: سنة ١١١٥، ترجم له الحليمي في "طيب السمر"، وذكر له شعرًا كشعر العلماء.
٣٧٣ - ابن خلدون: هو عبدُ الرحمن بنُ محمدٍ الحضرميُّ، الإشبيليُّ، المغربيُّ، الفقيهُ، الإمامُ، الكاتبُ، البليغُ، المؤرخُ، الحكيمُ المشهورُ .
قال لسان الدين بن الخطيب: ينسب سلفه إلى وائل بن حجر، تناسلوا على حشمة وسراوة ورسوم حسنة، وأما هو، فرجل فاضل، حسن الخلق، جم الفضائل، باهر الخصال، رفيع القدر، ظاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، خاصي الزي، عالي الهمة، عَزوف عن الضيم، صعب المقادة، قوي الجأش، طامح لقنن الرئاسة، خاطب للحظ، متقدم في فنون عقلية ونقلية، متعدد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التصور، بارع الخط، مغري بالخلة، جواد، حسن العشرة، مبذول المشاركة، مقيم لرسم التعين، عاكف على رعي خلال الأصالة، مفخر من مفاخر التخوم المغربية.
قرأ القرآن، وتأدب بأبيه، وأخذ عن المحدث ابن جابر، وحضر مجلس القاضي ابن عبد السلام، وروى عن الحافظ السيطي، وأخذ المنطق وسائر
стр. 344
الفنون الحكمية، وكان يشهد له بالتبريز في جميع ذلك، ودخل مكة، وأدى فريضة الحج، وأكب على التدريس والتصنيف، ومن مؤلفاته رحلة كثيرة الفائدة، وشرح البردة شرحًا بديعًا، ولخص محصل الرازي، ونظمُه جيد أتى فيه بكل غريبة، وأما تاريخه الكبير الموسوم بكتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر"، فهو تاريخ حافل، كثير الفوائد، كبير الحجم، دل به على اطلاع كثير، وهذا الكتاب فذ بما تضمنه من شوارد الفوائد، ونوابغ الكلم، وهو جديد النزعة، غريب الوضع، أجاد في تصنيفه، وألبسه رونق البلاغة، ودل به على غزارة مادته، ومشاركته في كثير من العلوم، وتضلعه من الأدب، وخبرته بالسياسة والأحكام الشرعية، مع ضبط التجديد، وحسن الأسلوب، وقد لعبت أيدي النساخ بكتابه، فأحدثت خللاً كثيرًا في ضبط الأعلام والتواريخ، ولا تحسن نسبة ذلك إلى المؤلف؛ لما علمت من سعة علمه وتحقيقه واطلاعه، وتقلبه في مراتب العلم والأحكام، ولا يصح الظن بأنه لم يتهيأ له مراجعته وتهذيبه، فبقي فيه ما ذكر من الخلل. ذكر له الخوري في "الآثار" ترجمة حافلة، وأبان حال هذا التاريخ، طبع بجملته في مصر سنة ١٢٨٤ في سبع مجلدات.
قال: وبالجملة: إن تاريخه من أجل التواريخ القديمة، وأحواها للفوائد، وهو من الآثار العربية، وقد ختمه بالتعريف بنفسه، انتهى.
قلت: وهو عندي موجود، وقفت عليه، وانتفعت به كثيرًا في مؤلفاتي، ولله الحمد.
وفي "البدر الطالع" في ترجمة عبد الرحمن بن خلدون: صاحب كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر"، ولد في أول رمضان سنة ٧٣٢ بتونس، قال ابن الخطيب: إنه رجل فاضل، جم الفضائل، رفيع القدر، أصيل المجد، وقور المجلس، عالي الهمة، قوي الجأش، مقدم في فنون عقلية ونقلية، متعدد المزايا، شديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التصور، بارع الخط، حسن العشرة، أثنى عليه المقريزي، وكان الحافظ أبو الحسن الهيثمي يبالغ في الحط منه.
стр. 345
قال الحافظ ابن حجر، فلما سألته عن سبب ذلك؟ ذكر في أنه بلغه أنه قال في الحسين السبط ﵁: إنه قتل بسيف جده، ثم أردف ذلك بلعن ابن خلدون وسبه، وهو يبكي، قال ابن حجر: لم توجد هذه الكلمة في التاريخ الموجود الآن، وكأنه كان ذكرها في النسخة التي رجع عنها، قال: والعجب أن صاحبنا المقريزي كان يفرط في تعظيم ابن خلدون؛ لكونه كان يجزم بصحة نسب بني عبيد الذين كانوا خلفاء بمصر، ويخالف غيره في ذلك، ويدفع ما نقل عن الأئمة من الطعن في نسبهم.
ويقول: إنما كتبوا ذلك المحضر مراعاة للخليفة العباسي، وكان المقريزي ينتمي إلى الفاطميين، فأحب ابنَ خلدون؛ لكونه أثبتَ نسبهم، وجهل مرادَ ابن خلدون؛ فإنه كان لانحرافه عن العلوية يثبت نسب العبيديين إليهم؛ لما اشتهر من سوء معتقدهم، وكون بعضهم نسب إلى الزندقة، وادعى الإلهية؛ كالحاكم، فكأنه أراد أن يجعل ذلك ذريعة إلى الطعن، هكذا حكاه السخاوي عن ابن حجر، والله أعلم بالحقيقة. وإذا صح صدور تلك الكلمة عن صاحب الترجمة، فهو ممن أضله الله على علم، وختم على سمعه وبصره، انتهى.
٣٧٤ - وفي "البدر الطالع" في ترجمة أحمد بن علي المعروف بابن المقريزي صاحب "الخطط والآثار للقاهرة ":
قال السخاوي: كان مولده - حسبما كان يخبر به ويكتبه - بعدَ الستين يعني: وسبع مائة، لقي الكبار، وجالس الأئمة، وتفقه حنفيًا على مذهب جده لأمه، ثم تحول شافعيًا. قال السخاوي: ولكن كان مائلاً إلى الظاهر، وكذا قال ابن حجر: إنه أحب الحديث، فواظب عليه، حتى كان يتهم بمذهب ابن حزم، انتهى.
وكان قد اتصل بالطاهر برقوق، ودخل دمشق مع ولده الناصر، وعُرض عليه قضاؤها مرارًا، فأبى، وحج غير مرة، وجاور، ثم أعرض عن جميع ذلك، وأقام ببلده عاكفًا على الاشتغال بالتاريخ حتى اشتهر به ذكره وبعد صيته، ومن جملة تصانيفه "الخطط"، وهو من أحسن الكتب وأنفعها، وفيه عجائب ومواعظ، وكان فيه نشر محاسن العبيدية ويفخم شأنهم، ويشيد ذكر مناقبهم، وكنت - قبل
стр. 346
أن أعرف انتسابه - أعجبُ من ذلك؛ لكونه على غير مذهبهم، فلما وقفت على نسبه، علمت أنه استروح إلى ذكر مناقب سلفه. ووُجد بخطه أن تصانيفه زادت على مئتي مجلد.
وكان متبحرًا في التاريخ على اختلاف أنواعه، ومؤلفاته تشهد له بذلك - كان جحده السخاوي - فذلك دأبه في غالب أعيان معاصريه، مات في سنة ٨٤٥، انتهى.
٣٧٥ - وفي "البدر الطالع" في ترجمة أحمد بن محمد بن المصري المعروف بابن الرفعة:
ولد في سنة ٦٤٥، وتوفي في سنة ٧١٠.
وكان قد ندب لمناظرة ابن تيمية، فسئل ابن تيمية عنه بعد ذلك، فقال: رأيت شيخًا تتقاطر فروع الشافعية من لحيته، هكذا ذكر ابن حجر في "الدرر الكامنة"، وندبُ مثلِ صاحب الترجمة لمناظرة ابن تيمية لا يفعله إلا من لا يفهم ولا يدري مقادير العلماء؛ فابن تيمية هو ذاك الإمام المتبحر في جميع المعارف على اختلاف أنواعها، وأين يقع صاحبُ الترجمة منه؟ وماذا عساه يفعل في مناظرته؟ اللهم، إلا أن تكون المناظرة بينهما في فقه الشافعية، فصاحبُ الترجمة أهلٌ للمناظرة، وأما فيما عدا ذلك، فلا يقابل ابن تيمية بمثله إلا من لا يفهم، ولعل النادب له بعضُ أولئك الأمراء الذين كانوا يشتغلون بما لا يعنيهم من أمر العلماء؛ كسالار، وبيبرس، وأضرابهما، ولا ريب أن صاحب الترجمة غير مدفوع عن تقدمه في معرفة فقه الشافعية، ولكن لا مدخل للمناظرة بين مجتهد ومقلد، انتهى.
٣٧٦ - قال في "البدر الطالع" في ترجمة الفناري محمد بن محمد، أو محمد بن حمزة بن محمد .
ولد في صفر سنة ٧٥١، وهو مصنف "فصول البدائع في أصول الشرائع"، جمع فيه "المنار"، و"اليزدوي"، و"محصل الإمام الرازي"، و"مختصر ابن الحاجب"، وغير ذلك، وأقام في عمله ثلاثين سنة، وهو من أجلِّ الكتب
стр. 347
الأصولية، وأنفعِها، وأكثرِها فوائد، وله رسالة أتى فيها بمسائل من مئة فن، وتكلم فيها على مسائل مشكلة، وسماها: "أنموذج العلوم (١) " انتهى. قال: وقد انتفع بعلمه الطلبة في بلاد الروم، مع اشتغاله بالقضاء، وكان له جلالة وأبهة؛ بحيث إن عبيده لا يكادون يحصون، منهم اثنا عشر، يلبسون الثياب الفاخرة النفيسة، وله جوارٍ عدة، منهن أربعون يلبسن القلانس الذهبية، ومع ذلك كان متزهدًا في ملبوسه على زي الصوفية، وكان يقول إذا عوتب في ذلك: إن ثيابي وطعامي من كسب يدي، ولا يفي كسبي بأحسن من ذلك، وخلَّفَ ثروة عظيمة فيها من الكتب نحو عشرة آلاف، ومن تصلُّبه في الدين وتثبته في القضاء: أنه رد شهادة سلطان الروم في قضية، فسأله السلطان عن سبب ذلك، فقال: إنك تارك للجماعة، فبنى السلطان قدام قصره جامعًا، وعين لنفسه فيه موضعًا، ولم يترك الجماعة بعد ذلك، فلله درُّ هذا العالم الصادع بالحق، مع ما هو فيه من التقلب في نعمة سلطانه، وربَّ عالمٍ لا يقدر على الكلمة الواحدة في الحق لمن عليه أدنى نعمة مخافة من زوالها، بل ربَّ عالمٍ يمنعه رجاءُ العطية ونيل الرتبة السنية عن تكلم بالحق، ولم يكن بيده إلا مجرد الأماني الأشعبية، ورحم الله هذا السلطان! الذي سمع الحق، فاتبع، ولم تصده سَوْرَة الملك، وما هو فيه من السلطان الذي كاد يطبق الأرض، وهذا السلطان المرحوم هو: السلطان با يزيد بن مراد. وقد كان ضعف بصره - يعني: بصر الفناري -، فشفي، فحج شكرًا لله - الحجة الأخرى - ويروى في سبب عمى المترجَم له: أنه لما سمع أن الأرض لا تأكل لحوم العلماء العاملين، نبش قبر أستاذه علاء الدين الأسود؛ ليتحقق ذلك، فوجده كما وضع، مع أنه قد مر عليه زمان طويل، فسمع عند ذلك صوتًا يقول: هل صدقتَ أعمى الله بصرك؟ وقد ترجمه السخاوي ترجمة مختصرة، وكان يستحق التطويل، ولعل عذره في ذلك بعد الديار - والله أعلم - انتهى. توفي في سنة ٨٢٢.
стр. 348
٣٧٧ - محمد بن مصلح الدين الرومي، المعروف بشيخ زادة .
قال في "البدر الطالع": برع في العلوم، ودرس بمدارس الروم، ثم رغب عن ذلك، ولزم بيته، وعين له السلطان بعد ترك التدريس كلَّ يوم خمسة عشر درهمًا، وكان يقول: إنه يكفيه عشرة دراهم، وهو مؤلف "حاشية البيضاوي" - في ستة مجلدات - بعبارات واضحة جليلة. ويحكى عنه أنه قال: إذا أشكلت عليه آية من آيات كتاب الله، توجه إلى الله، فيتسع صدره حتى يكون قدر الدنيا، فيطلع فيه قمران، لا يدري أي شيء هما، ثم يظهر نور، فيكون دليلاً إلى اللوح المحفوظ، فيستخرج منه معنى الآية. حكى ذلك عنه صاحب "الشقائق النعمانية"، وحكى عنه أنه قال: إذا عملت بالعزيمة، لا أريد النوم إلا وأنا في الجنة، وإذا عملت بالرخصة، لا يحصل في هذا الحال، وحكى عنه أيضًا صاحب "الشقائق". أنه تولى القضاء، وكان يرى رسول الله ﷺ في كل أسبوع مرة، فترك القضاء طمعًا في كثرة رؤيته في المنام لرسول الله ﷺ ، فلم يره بعد تركه للقضاء، فدخل في القضاء ثانيًا، فرآه، فقال: يا رسول الله! إني تركت القضاء لمزيد قربي منك، فلم يقع كما رجوتُ، فقال له رسول الله ﷺ : إن المناسبةَ بيني وبينك عندَ القضاء أزيدُ من المناسبة عند الترك؛ لأنك عند القضاء تشتغل بإصلاح نفسك، وإصلاح أمتي، وعند الترك لا تشتغل إلا بإصلاح نفسك، ومتى زدت في الإصلاح، زدت تقربًا مني. مات في سنة ٩٥١ رح.
٣٧٨ - محمد بن موسى بنِ عيسى بنِ عليٍّ كمالُ الدين الدميريُّ .
قال في "البدر الطالع": نشأ بالقاهرة، فتكسب بالخياطة، ثم أقبل على العلم، فقرأ على التقي السبكي، والنويري، والأسنوي، والبلقيني، وبرع في التفسير والحديث والفقه، والعربية والأدب، وغير ذلك، وتصدى للإقراء والإفتاء، وصنف مصنفات جيدة، منها: شرح سنن ابن ماجه في نحو خمس مجلدات، سماه: "الديباجة"، وله تذكرة حسنة، ومن مصنفاته "حياة الحيوان" الكتاب المشهور، الكثير الفوائد، مع ما فيه من المناكير. أفتى بمكة، ودرس بها في أيام مجاورته، قال ابن حجر: اشتهر عنه كرامات وأخبار بأمور مغيبات
стр. 349
يسندها إلى المنامات تارة، وإلى بعض الشيوخ أخرى، وغالبُ الناس يعتقد أنه يقصد بذلك التستر، مات في سنة ٨٠٨، ومن نظمه ﵀:
بمكارم الأخلاق كُنْ مُتَخَلِّقًا ... ليفوحَ نَدُّ شذائِكَ العَطِرِ النَّدِي
واصدُقْ صديقكَ إنْ صدقتَ صداقةً ... وادفعْ عدوَّك بالتي، فإذا الذي
٣٧٩ - محمد بن عبد الله بنِ أحمدَ، الدمشقيُّ، الشافعيُّ، المعروف بابن [ناصر] الدين .
قال في "البدر الطالع": ولد في سنة ٧٧٧، أتقن فن الحديث، واشتهر به حتى صار المشار إليه فيه ببلده وما حوله، واستفاد منه الناس، وصنف التصانيف، وقد قام عليه العلاء البخاري، لكونه صنف "الرد الوافر على من زعم أن من أطلق على ابن تيمية أنه - شيخ الإسلام - كافر"، وكان ذلك كالرد على العلاء البخاري، لكونه كان من أعظم المنكرين على ابن تيمية، ثم جاوز في ذلك الحد حتى أفتى بكفر ابن تيمية - صانه الله عن ذلك -، واتفقت بسبب ذلك حوادث شنيعة. وبالجملة: فكان صاحب الترجمة إمامًا حافظًا مفيدًا للطلبة، وقد أثنى عليه جماعة من معاصريه؛ كابن حجر، والبرهان الحلبي، والمقريزي، ومات في ربيع الثاني سنة ٨٤٢. ومن نظمه - رحمه الله تعالى -:
لعبتُ بالشطرنجِ مَعْ شادِنِ ... رِمى بقلبي من سناهُ سِهامْ
وجدتُ شاماتٍ على خَدِّه ... فَمِتُّ من وجدي به والسلامْ
٣٨٠ - إبراهيم بن عمر بنِ حسنٍ البقاعيُّ (١).
قال في "البدر الطالع": برع في جميع العلوم، وفاق الأقران، لا كما قال السخاوي: إنه ما بلغ رتبة العلماء، بل قصارى أمره إدراجه في الفضلاء، وأنه ما أتقن فنًا، قال: وتصانيفه شاهدة بما قلته.
قلت: بل تصانيفه شاهدة بخلاف ما قال، وإنه من الأئمة المتقنين المتبحرين في جميع المعارف، ولكن هذا من كلام الأقران في بعضهم بعضًا بما يخالف الإنصاف؛ لما يجري بينهم من المناقشات تارة على العلم، وتارة على الدنيا، وقد
стр. 350
كان المترجَم له منحرفًا عن السخاوي، وجرى بينهما - من المناقضة والمراسلة والمخالفة - ما يوجب عدم قبول [قول] أحدهما على الآخر، ومن أمعن النظر في كتاب المترجَم له في التفسير الذي جعله في المناسبة بين الآي والسور (١)، علم أنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء، الجامعين بين علمي المعقول والمنقول، وكثيرًا ما يشكل عليّ شيء في الكتاب العزيز، فأرجع إلى مطولات التفسير ومختصراتها، فلا أجد ما يشفي، وأرجع إلى هذا الكتاب، فأجد ما يفيد في الغالب. وقد نال منه علماء عصره بسبب تصنيف هذا الكتاب، وأنكروا عليه النقل من التوراة والإنجيل، وترسلوا عليه، وأغروا به الرؤساء، ورأيت له رسالة يجيب بها عليهم، وينقل الأدلة على جواز النقل من الكتابين، وفيها ما يشفي، ولما تنكَّر له الناس، وبالغوا في أذاه، لمَّ أطرافه، وتوجه إلى دمشق، وقد كان بلغ جماعة من أهل العلم في التعرض له بكل ما يكره إلى حد التكفير، حتى رتبوا عليه دعوى عند القاضي المالكي، وقد كان رام المالكيُّ الحكمَ بكفره وإراقة دمه، وقد امتحن الله أهلَ تلك الديار بقضاة من المالكية يتجرؤون على سفك الدماء بما لا يحل به أدنى تعزير، فأراقوا دماء جماعة من أهل العلم جهالةً وضلالة على الله، ومخالفة لشريعة رسول الله ﷺ ، وتلاعبًا بدينه، بمجرد نصوص فقهية، واستنباطات فروعية ليس عليها أثارة من علم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولم يزل المترجَم له ﵀ يكابد الشدائد، ويناهد العظائم قبل رحلته من مصر، وبعد رحلته إلى دمشق، حتى توفاه الله في سنة ٨٨٥، وقد ترجم له السخاوي ترجمة مظلِمة، كلها سب وانتقاص، وطوَّلها بالمثالب، بل ما زال يحطُّ عليه في جميع كتابه المسمى بالضوء اللامع؛ لأن المترجَم له كتب لأهل عصره تراجم، ونال من أعراض جماعة منهم، لا سيما الأكابر الذين أنكروا عليه، فكان السخاوي ينقل قوله في ترجمة أولئك الأكابر، ويناقضه، وينتقصه، ولشعراء عصره فيه أمداح وأهاجي، وما زالتِ الأشرافُ تُهجى وتُمْدَحُ.
стр. 351
ومن محاسنه التي جعلها السخاوي من جملة عيوبه: ما نقله عنه: أنه قال في وصف نفسه: إنه لا يخرج نفسه عن الكتاب والسنة، بل هو منطبع بطباع الصحابة، وهذه منقبة شريفة، ومرتبة منيفة ﵏ جميعًا، ورحمنا -، انتهى.
٣٨١ - السيد أحمد الفهدي المعروف بالزنمة، الشاعرُ المشهور .
نشأ بصنعاء، قال في "البدر الطالع": وحكم الخفاجي له بالسبق، فحسدوه، وتعصبوا عليه، ففارق مكة، وعاد إلى حضرة المهدي - صاحب المواهب -، ومدحه بغرر القصائد، ونال منه دنيا عريضة، ومن قصائده الفائقة التي مطلعها:
أَفي أوجِ المواهبِ أصفهانُ .... أم التختُ الرفيعُ وشاهجهانُ
توفي في سنة ١١١٩.
٣٨٢ - قال في "البدر الطالع" في ترجمة أحمد بن إسماعيل الكورانيِّ عالمِ بلادِ الروم:
قال السخاوي: وظهر لما ترفع حاله ما كان كامنًا عليه من اعتقاد نفسه الذي جر إليه الطيش والخفة، ولم يلبث أن وقع بينه وبين حميد الدين النعماني - المنسوب إلى أبي حنيفة ﵀، والمحكي أنه من ذريته - مباحث، فسطا فيها عليه، وتشاتما بحيث تعدى هذا إلى آبائه، ووصل علمُ ذلك إلى السلطان، فأمر بالقبض عليه، وبسجنه بالبرج، ثم ادعى عليه عند قاضي الحنفية ابن الديري، وأقيمت البينة بالشتم، وبكون المشتوم من ذرية الإمام أبي حنيفة، فَعَزَّرَهُ بحضرة السلطان نحو ثمانين ضربة، وأمر بنفيه، وأُخرج عن تدريس الفقه بالبرقونية، فاستقر في الجلال المَحَلَّي، انتهى.
قلت: وقد لطف الله بالمترجَم له بمرافعته إلى حاكم حنفي، فلو رُفع إلى مالكي، لحكم بضرب عنقه، وقبح الله هذه المجازفات، والاستحلال للدماء والأعراض بمجرد أشياء لم يوجب الله فيها إراقةَ دم، ولا هتكَ عرض، فإن ضربَ هذا العالم الكبير، ثم نفيَه وتمزيقَ عرضه، والوضعَ من شأنه بمجرد كونه
стр. 352
شاتَمَ مَنْ شاتمه ظلمٌ بَيَّن، وعسفٌ ظاهر، ولا سيما إذا كان لا يدري بانتساب من ذكر إلى ذلك الإمام، لا جرم قد أبدله الله بسلطان خير من سلطانه، وجيران أفضل من جيرانه، ورزق أوسعَ مما منعوه منه، وجاهٍ أرفعَ مما حسدوه عليه، فإنه لما خرج، توجه إلى مملكة الروم، وما زال يترقى حتى استقر في قضاء العسكر وغيره، وقد ترجم له صاحب "الشقائق النعمانية" ترجمة حافلة، وذكر فيها: أن سلطان الروم عرضَ عليه الوزارةَ فلم يقبلْها، وأنه أتاه مرة مرسومٌ من السلطان فيه مخالفةٌ للوجه الشرعي، فمزقه، وأنه كان يخاطب السلطان باسمه ولا ينحني له ولا يقبل يده بل يصافحه مصافحة، وإنه كان لا يأتي إلى السلطان إلا إذا أرسل إليه، وكان يقول له: مطعمُك حرام، وملبسُك حرام، فعليك بالاحتياط، وذكر له مناقبَ جمة تدل على أنه من العلماء العاملين، لا كما قال السخاوي، انتهى.
٣٨٣ - وفي "البدر الطالع" في ترجمة أحمد بن حسين بنِ حسنٍ، المعروف بابن رسلان:
كان معرضًا عن الدنيا وبنيها جملة، تاركًا لقبول ما يعرض عليه من الدنيا ووظائفها، بل كان يمتنع من أخذ ما يرسَل إليه من المال، وسمع من جَماعة في الحديث وغيره، مع حرصه على سائر أنواع الطاعات، قال السخاوي: هو في الزهد والورع والتقشف واتباع السنة وصحة العقيدة كلمة إجماع، بحيث لا أعلم في وقته من يدانيه في ذلك، وانتشر ذكره، وبَعُدَ صيتُه، وشهد بخيره كلُّ من رآه، انتهى.
له مصنفات، منها: في "التفسير"، و"شرح لسنن أبي داود". مات في سنة ٨٤٤، وحكى السخاوي في "الضوء اللامع": أنه قيل لما أُلحد، سمعه الحفار يقول: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩]، ورآه حسين الكردي أحدُ الصالحين بعد موته، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، وقال: يا أحمد! أعطيتك [العلمَ]، فما عملت به؟ قال: علمته، فقال: وعملتَ به، صدقتَ يا أحمد! تَمَنَّ عليّ، فقلت: تغفر لمن صلَّى عليَّ، فقال: قد غفرتُ
стр. 353
لمن صلَّى عليك وحضرَ جنازتك، ولم يلبث الرائي أن مات، وفي "شرح المناوي" في ترجمت ما لفظه: ابنُ رسلان رأس الصوفية المتشرعة في وقته. ولد برملة فلسطين سنة ٧٧٣، ونشأ بها، ثم رحل لأخذ العلوم، فسمع الحديث على جمع، وسلك طريق الصوفية القديم، وجدَّ واجتهد حتى صار منارًا يهتدي به السالكون، وإمامًا يقتدي به الناسكون، غُرِسَتْ محبته في أفئدة الناس، فأثمر له ذلك الغراس، وكان أعظم أهل عصره اتَّباعًا للسنة النبوية، واقتفاء الآثار المصطفوية، فكان يراعي ذلك حسب الأمكان في دقيق الأمور وجليلها، يؤاخذ نفسه بفاضل الأقوال والأعمال دون مفضولها، أوقاته موزَّعة على أنواع العبادة؛ ما بين قيام وصيام وتأليف وإفادة، فمن تآليفه: "نظم أنواع علوم القرآن"، و"شرح البخاري"، و"شرح سنن أبي داود"، و"شرح أذكار النووي"، و"شرح جمع الجوامع"، و"شرح ألفية العراقي"، وانتقل لبيت المقدس إلى أن مات به في سنة ٨٤٤، وله كرامات ظاهرة حصلت عند أهل الرملة والقدس وما حولهما، وتواترت - رحمه الله تعالى -، انتهى.
٣٨٤ - الحافظ ابن حجر العسقلاني: هو أحمدُ بنُ عليَّ بنِ محمدٍ، شهابُ الدين، المصريُّ، الشافعيُّ .
قال سليم الخوري في "آثار الأدهار": وينعت بشيخ الإسلام، ولد بمصر سنة ٧٧٤، ونشأ بها يتيمًا، وحفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، وتفقه على الأنباسي، والبلقيني، ولازمهما مدة، واشتغل بالعلم وحصَّل، وارتحل إلى الشام والحجاز، فأخذ عن جماعة، ثم اقتصر على الحديث، وصنف كثيرًا، وله نظم جيدة، وخطب بليغة، انتهى. وذكر من تصانيفه شيئًا كثيرًا سمَّاها بأسمائها، قال: وتوفي بمصر سنة ٨٥٢.
وقد ترجمه تلميذه السخاوي في كتاب سماه: "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر"، وترجمه البلقيني أيضًا في كتاب وقف عليه في حياته.
وقال المعلم بطرس البستاني في "دائرة المعارف": جدَّ في الفنون حتى بلغ الغاية، وعكف على الزين العراقي، وانتفع به، وأخذ عن الشيوخ، وأُذن له في
стр. 354
الإفتاء والتدريس، وتصدى لنشر الحديث، وقصر نفسه عليه مطالعةً وقراءة وإقراءً وتصنيفًا، وشهد له أعيان شيوخه بالحفظ، وزادت تصانيفه التي انتهى معظمها في فنون الحديث، وفنون الأدب، والفقه، وغير ذلك على مئة وخمسين تصنيفًا، ورزق فيها السعد والقبول، خصوصًا "فتح الباري في شرح البخاري" الذي لم يسبق لنظيره، وقد بيع بثلاث مئة دينار، وله النظم (١) البليغ الذي أفحم الشعراء، والخطب البليغة، انتهى.
قال الشوكاني في "البدر الطالع" في ترجمته: نقل عنه: أنه قال: لست راضيًا عن شيء من تصانيفي؛ لأني عملتها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيأ لي من يحررها معي سوى "شرح البخاري"، ومقدمته، و"المشتبه"، و"التهذيب"، و"لسان الميزان. وروي عنه في موضع آخر: أنه أثنى على "شرح البخاري"، و"التعليق" و"النخبة"، ولا ريب أن أجل مصنفاته "فتح الباري"، وكان تصنيفه على طريق الإملاء، ثم صار يكتب من خطه مداولة بين الطلبة شيئًا فشيئًا، والاجتماع في يوم من الأسبوع للمقابلة والمباحثة إلى أن انتهى في سنة ٨٤٢، سوى ما ألحق فيه بعد ذلك، وقد سبقه إلى هذه التسمية شيخه صاحبُ "القاموس"؛ فإنه وجد له في أسماء مصنفاته أن من جملتها "فتح الباري في شرح صحيح البخاري"، وأنه كمل ربعه في عشرين مجلدًا، انتهى. ثم قال في "البدر الطالع": ولما كمل "شرح البخاري" تصنيفًا وقراءة، عمل مصنفُه - رحمه الله تعالى - وليمةً عظيمة، وقرأ المجلس الأخير، وجلس المصنف على الكرسي. قال تلميذه السخاوي: وكان يومًا مشهودًا لم يعهد أهل العصر مثله بمحضر من العلماء والقضاة والرؤساء والفضلاء، وقال الشعراء في ذلك فأكثروا، وفرق عليهم الذهب،
стр. 355
وكان المستغرق في الوليمة خمس مئة دينار، ووقعت في ذلك اليوم مطارحة أدبية ... إلى آخر ما قال، انتهى.
قلت: ولما وقفتُ على هذه الحكاية، عملتُ وليمةً عظيمة على تفسيري "فتح البيان في مقاصد القرآن" عند ما ختم - طبعه بمصر - بهو بال المحمية، وجمعتُ علماء البلد وطلبته، وحضرتِ الرئيسةُ المعظمة تاج الهند صاحبةُ القران الثاني "نواب شاهجهان بيكم" - أنعم الله عليها، وأكرم فيها - بنفسِها الكريمة الفياضة، وفرقت على الجماعة الحاضرة مبالغ من الفضة كثيرة، وكان جملة المصروف في أمر هذا التفسير خمسًا وعشرين ألف ربية، ولله الحمد، فكانت تلك الوليمة على شرح الحديث، وهذه على تفسير الكتاب العزيز، وإنما عملتُ هذا كلَّه تشبُّهًا بالأئمة الكبار، وقدوةً بأهل الحديث الأبرار.
وتَشَبَّهوا إنْ لم تكونوا مثلَهم ... إن التشبُّهَ بالكرامِ فَلاحُ
٣٨٥ - قال في "البدر الطالع" في ترجمة أحمد بن محمد قاطن:
وكان له شغف بالعلم، وله عرفان تام بفنون الاجتهاد، على اختلاف، أنواعها، وكان له عناية كاملة بعلم السنة، ويد قوية في حفظها، وهو عامل باجتهاد نفسه، لا يقلد أحدًا، واستمر مشتغلاً بنشر العلم مجتهدًا في الطاعات حتى توفاه الله في سنة ١١٩٩، وله أولاد أعلمُهم عبدُ الحميد بنُ أحمد، وله عرفان كامل في علوم الاجتهاد، مع حسن سمت، ووفور عقل، وجودة فهم، وقوة إدراك، وهو على طريقة والده في العمل بالأدلة، وله قراءة في بعض مؤلفاتي، مولده سنة ١١٧٥، وتوفي - رح - في سنة ١٢٥٠.
وقال في ترجمة السيد إسماعيل بن الحسن الشامي: بيني وبينه مودة صادقة ومحبة خالصة ولنا اجتماعات نفيسة، وله يد في المعارف العلمية، وعمل بما يقتضيه الدليل، وإنصاف في جميع مسائل الخلاف، توفي - رح - في سنة ١٢٣٤. قال في "النفس اليماني" في ترجمة "أحمد قاطن": ومنهم: شيخنا العلامة المسند وحيدُ عصره صفي الإسلام أحمد قاطن، كان من أجل الأعلام الأعيان، كبير المقدار عظيم، ومن مشايخه السيد الإمام محمد بن إسماعيل