ومن محاسنه التي جعلها السخاوي من جملة عيوبه: ما نقله عنه: أنه قال في وصف نفسه: إنه لا يخرج نفسه عن الكتاب والسنة، بل هو منطبع بطباع الصحابة، وهذه منقبة شريفة، ومرتبة منيفة ﵏ جميعًا، ورحمنا -، انتهى.
٣٨١ - السيد أحمد الفهدي المعروف بالزنمة، الشاعرُ المشهور .
نشأ بصنعاء، قال في "البدر الطالع": وحكم الخفاجي له بالسبق، فحسدوه، وتعصبوا عليه، ففارق مكة، وعاد إلى حضرة المهدي - صاحب المواهب -، ومدحه بغرر القصائد، ونال منه دنيا عريضة، ومن قصائده الفائقة التي مطلعها:
أَفي أوجِ المواهبِ أصفهانُ .... أم التختُ الرفيعُ وشاهجهانُ
توفي في سنة ١١١٩.
٣٨٢ - قال في "البدر الطالع" في ترجمة أحمد بن إسماعيل الكورانيِّ عالمِ بلادِ الروم:
قال السخاوي: وظهر لما ترفع حاله ما كان كامنًا عليه من اعتقاد نفسه الذي جر إليه الطيش والخفة، ولم يلبث أن وقع بينه وبين حميد الدين النعماني - المنسوب إلى أبي حنيفة ﵀، والمحكي أنه من ذريته - مباحث، فسطا فيها عليه، وتشاتما بحيث تعدى هذا إلى آبائه، ووصل علمُ ذلك إلى السلطان، فأمر بالقبض عليه، وبسجنه بالبرج، ثم ادعى عليه عند قاضي الحنفية ابن الديري، وأقيمت البينة بالشتم، وبكون المشتوم من ذرية الإمام أبي حنيفة، فَعَزَّرَهُ بحضرة السلطان نحو ثمانين ضربة، وأمر بنفيه، وأُخرج عن تدريس الفقه بالبرقونية، فاستقر في الجلال المَحَلَّي، انتهى.
قلت: وقد لطف الله بالمترجَم له بمرافعته إلى حاكم حنفي، فلو رُفع إلى مالكي، لحكم بضرب عنقه، وقبح الله هذه المجازفات، والاستحلال للدماء والأعراض بمجرد أشياء لم يوجب الله فيها إراقةَ دم، ولا هتكَ عرض، فإن ضربَ هذا العالم الكبير، ثم نفيَه وتمزيقَ عرضه، والوضعَ من شأنه بمجرد كونه
стр. 352
شاتَمَ مَنْ شاتمه ظلمٌ بَيَّن، وعسفٌ ظاهر، ولا سيما إذا كان لا يدري بانتساب من ذكر إلى ذلك الإمام، لا جرم قد أبدله الله بسلطان خير من سلطانه، وجيران أفضل من جيرانه، ورزق أوسعَ مما منعوه منه، وجاهٍ أرفعَ مما حسدوه عليه، فإنه لما خرج، توجه إلى مملكة الروم، وما زال يترقى حتى استقر في قضاء العسكر وغيره، وقد ترجم له صاحب "الشقائق النعمانية" ترجمة حافلة، وذكر فيها: أن سلطان الروم عرضَ عليه الوزارةَ فلم يقبلْها، وأنه أتاه مرة مرسومٌ من السلطان فيه مخالفةٌ للوجه الشرعي، فمزقه، وأنه كان يخاطب السلطان باسمه ولا ينحني له ولا يقبل يده بل يصافحه مصافحة، وإنه كان لا يأتي إلى السلطان إلا إذا أرسل إليه، وكان يقول له: مطعمُك حرام، وملبسُك حرام، فعليك بالاحتياط، وذكر له مناقبَ جمة تدل على أنه من العلماء العاملين، لا كما قال السخاوي، انتهى.
٣٨٣ - وفي "البدر الطالع" في ترجمة أحمد بن حسين بنِ حسنٍ، المعروف بابن رسلان:
كان معرضًا عن الدنيا وبنيها جملة، تاركًا لقبول ما يعرض عليه من الدنيا ووظائفها، بل كان يمتنع من أخذ ما يرسَل إليه من المال، وسمع من جَماعة في الحديث وغيره، مع حرصه على سائر أنواع الطاعات، قال السخاوي: هو في الزهد والورع والتقشف واتباع السنة وصحة العقيدة كلمة إجماع، بحيث لا أعلم في وقته من يدانيه في ذلك، وانتشر ذكره، وبَعُدَ صيتُه، وشهد بخيره كلُّ من رآه، انتهى.
له مصنفات، منها: في "التفسير"، و"شرح لسنن أبي داود". مات في سنة ٨٤٤، وحكى السخاوي في "الضوء اللامع": أنه قيل لما أُلحد، سمعه الحفار يقول: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩]، ورآه حسين الكردي أحدُ الصالحين بعد موته، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، وقال: يا أحمد! أعطيتك [العلمَ]، فما عملت به؟ قال: علمته، فقال: وعملتَ به، صدقتَ يا أحمد! تَمَنَّ عليّ، فقلت: تغفر لمن صلَّى عليَّ، فقال: قد غفرتُ
стр. 353
لمن صلَّى عليك وحضرَ جنازتك، ولم يلبث الرائي أن مات، وفي "شرح المناوي" في ترجمت ما لفظه: ابنُ رسلان رأس الصوفية المتشرعة في وقته. ولد برملة فلسطين سنة ٧٧٣، ونشأ بها، ثم رحل لأخذ العلوم، فسمع الحديث على جمع، وسلك طريق الصوفية القديم، وجدَّ واجتهد حتى صار منارًا يهتدي به السالكون، وإمامًا يقتدي به الناسكون، غُرِسَتْ محبته في أفئدة الناس، فأثمر له ذلك الغراس، وكان أعظم أهل عصره اتَّباعًا للسنة النبوية، واقتفاء الآثار المصطفوية، فكان يراعي ذلك حسب الأمكان في دقيق الأمور وجليلها، يؤاخذ نفسه بفاضل الأقوال والأعمال دون مفضولها، أوقاته موزَّعة على أنواع العبادة؛ ما بين قيام وصيام وتأليف وإفادة، فمن تآليفه: "نظم أنواع علوم القرآن"، و"شرح البخاري"، و"شرح سنن أبي داود"، و"شرح أذكار النووي"، و"شرح جمع الجوامع"، و"شرح ألفية العراقي"، وانتقل لبيت المقدس إلى أن مات به في سنة ٨٤٤، وله كرامات ظاهرة حصلت عند أهل الرملة والقدس وما حولهما، وتواترت - رحمه الله تعالى -، انتهى.
٣٨٤ - الحافظ ابن حجر العسقلاني: هو أحمدُ بنُ عليَّ بنِ محمدٍ، شهابُ الدين، المصريُّ، الشافعيُّ .
قال سليم الخوري في "آثار الأدهار": وينعت بشيخ الإسلام، ولد بمصر سنة ٧٧٤، ونشأ بها يتيمًا، وحفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، وتفقه على الأنباسي، والبلقيني، ولازمهما مدة، واشتغل بالعلم وحصَّل، وارتحل إلى الشام والحجاز، فأخذ عن جماعة، ثم اقتصر على الحديث، وصنف كثيرًا، وله نظم جيدة، وخطب بليغة، انتهى. وذكر من تصانيفه شيئًا كثيرًا سمَّاها بأسمائها، قال: وتوفي بمصر سنة ٨٥٢.
وقد ترجمه تلميذه السخاوي في كتاب سماه: "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر"، وترجمه البلقيني أيضًا في كتاب وقف عليه في حياته.
وقال المعلم بطرس البستاني في "دائرة المعارف": جدَّ في الفنون حتى بلغ الغاية، وعكف على الزين العراقي، وانتفع به، وأخذ عن الشيوخ، وأُذن له في
стр. 354
الإفتاء والتدريس، وتصدى لنشر الحديث، وقصر نفسه عليه مطالعةً وقراءة وإقراءً وتصنيفًا، وشهد له أعيان شيوخه بالحفظ، وزادت تصانيفه التي انتهى معظمها في فنون الحديث، وفنون الأدب، والفقه، وغير ذلك على مئة وخمسين تصنيفًا، ورزق فيها السعد والقبول، خصوصًا "فتح الباري في شرح البخاري" الذي لم يسبق لنظيره، وقد بيع بثلاث مئة دينار، وله النظم (١) البليغ الذي أفحم الشعراء، والخطب البليغة، انتهى.
قال الشوكاني في "البدر الطالع" في ترجمته: نقل عنه: أنه قال: لست راضيًا عن شيء من تصانيفي؛ لأني عملتها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيأ لي من يحررها معي سوى "شرح البخاري"، ومقدمته، و"المشتبه"، و"التهذيب"، و"لسان الميزان. وروي عنه في موضع آخر: أنه أثنى على "شرح البخاري"، و"التعليق" و"النخبة"، ولا ريب أن أجل مصنفاته "فتح الباري"، وكان تصنيفه على طريق الإملاء، ثم صار يكتب من خطه مداولة بين الطلبة شيئًا فشيئًا، والاجتماع في يوم من الأسبوع للمقابلة والمباحثة إلى أن انتهى في سنة ٨٤٢، سوى ما ألحق فيه بعد ذلك، وقد سبقه إلى هذه التسمية شيخه صاحبُ "القاموس"؛ فإنه وجد له في أسماء مصنفاته أن من جملتها "فتح الباري في شرح صحيح البخاري"، وأنه كمل ربعه في عشرين مجلدًا، انتهى. ثم قال في "البدر الطالع": ولما كمل "شرح البخاري" تصنيفًا وقراءة، عمل مصنفُه - رحمه الله تعالى - وليمةً عظيمة، وقرأ المجلس الأخير، وجلس المصنف على الكرسي. قال تلميذه السخاوي: وكان يومًا مشهودًا لم يعهد أهل العصر مثله بمحضر من العلماء والقضاة والرؤساء والفضلاء، وقال الشعراء في ذلك فأكثروا، وفرق عليهم الذهب،
стр. 355
وكان المستغرق في الوليمة خمس مئة دينار، ووقعت في ذلك اليوم مطارحة أدبية ... إلى آخر ما قال، انتهى.
قلت: ولما وقفتُ على هذه الحكاية، عملتُ وليمةً عظيمة على تفسيري "فتح البيان في مقاصد القرآن" عند ما ختم - طبعه بمصر - بهو بال المحمية، وجمعتُ علماء البلد وطلبته، وحضرتِ الرئيسةُ المعظمة تاج الهند صاحبةُ القران الثاني "نواب شاهجهان بيكم" - أنعم الله عليها، وأكرم فيها - بنفسِها الكريمة الفياضة، وفرقت على الجماعة الحاضرة مبالغ من الفضة كثيرة، وكان جملة المصروف في أمر هذا التفسير خمسًا وعشرين ألف ربية، ولله الحمد، فكانت تلك الوليمة على شرح الحديث، وهذه على تفسير الكتاب العزيز، وإنما عملتُ هذا كلَّه تشبُّهًا بالأئمة الكبار، وقدوةً بأهل الحديث الأبرار.
وتَشَبَّهوا إنْ لم تكونوا مثلَهم ... إن التشبُّهَ بالكرامِ فَلاحُ
٣٨٥ - قال في "البدر الطالع" في ترجمة أحمد بن محمد قاطن:
وكان له شغف بالعلم، وله عرفان تام بفنون الاجتهاد، على اختلاف، أنواعها، وكان له عناية كاملة بعلم السنة، ويد قوية في حفظها، وهو عامل باجتهاد نفسه، لا يقلد أحدًا، واستمر مشتغلاً بنشر العلم مجتهدًا في الطاعات حتى توفاه الله في سنة ١١٩٩، وله أولاد أعلمُهم عبدُ الحميد بنُ أحمد، وله عرفان كامل في علوم الاجتهاد، مع حسن سمت، ووفور عقل، وجودة فهم، وقوة إدراك، وهو على طريقة والده في العمل بالأدلة، وله قراءة في بعض مؤلفاتي، مولده سنة ١١٧٥، وتوفي - رح - في سنة ١٢٥٠.
وقال في ترجمة السيد إسماعيل بن الحسن الشامي: بيني وبينه مودة صادقة ومحبة خالصة ولنا اجتماعات نفيسة، وله يد في المعارف العلمية، وعمل بما يقتضيه الدليل، وإنصاف في جميع مسائل الخلاف، توفي - رح - في سنة ١٢٣٤. قال في "النفس اليماني" في ترجمة "أحمد قاطن": ومنهم: شيخنا العلامة المسند وحيدُ عصره صفي الإسلام أحمد قاطن، كان من أجل الأعلام الأعيان، كبير المقدار عظيم، ومن مشايخه السيد الإمام محمد بن إسماعيل
стр. 356
الأمير، والسيد المحقق هاشم بن يحيى الشامي، وسيدي الجد يحيى بن عمر مقبول الأهدل، ثم ذكر له قصائد رائقة لا يتسع المقام لذكرها.
٣٨٦ - وفي "البدر الطالع" في ترجمة الحافظ ابن كثير عمادِ الدين بن إسماعيل بن عمر .
برع في الفقه والتفسير والنحو، وأمعن النظر في الرجال والعلل.
ومن جملة مشايخه: شيخ الإسلام ابن تيمية، ولازمه، وأحبه حبًا عظيمًا كما ذكر معنى ذلك ابن حجر في "الدرر"، وأفتى ودرَّس، وله تصانيف مفيدة، منها: التفسير المشهور، وهو في مجلدات، وقد جمع فيه فأوعى، ونقل المذاهب والأخبار والآثار، وتكلم بأحسن كلام وأنفسه، وهو من أحسن التفاسير، مات في سنة ٧٧٤ - رحمه الله تعالى -.
٣٨٧ - قال في "البدر الطالع" في ترجمة إسماعيل بن يحيى بنِ حسنٍ الصديقِ الصعديِّ، ثم الذماريِّ:
ولد بعد سنة ١١٣٠، وكان صدرًا من الصدور، عظيم الهمة، شريف النفس، كبير القدر، نافذ الكلمة، له دنيا واسعة، وأملاك جليلة، وقد دعاني في أيام طلبي للعلم إلى بيته مرات، و [كان] يظهر من التعظيم والإجلال ما لا يوصف، وآخر ذلك قبيل موته بنحو نصف سنة؛ فإنه أضافني منفردًا، وقد كان اشتغل جماعة في تلك الأيام بالحط عليَّ بما يقتضيه اجتهادي في كثير من المسائل؛ كما هو دأب اليمن وأهله، بل دأب جميع المقصرين مع من يمشي مع الدليل من العلماء، فقال - رح - ما مضمونه: أن في التظهر بذلك فتنة، وذكر لي قضايا اتفقت مع السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير شاهدَها وعرفَها، وما زال يضرب في الأمثال بكلام رصين، وخطاب متين، من جملته: أن السيد محمد الأمير قد عرفت ما ناله من الناس من الأذى بالقول والفعل، ومع ذلك فمعه الوزير فلان، والأمير فلان وفلان وفلان يقومون بنصره، ويدفعون عنه ما يكره، وأنت يا ولدي قد انقبضتَ عن الناس، وعكفت على العلم، وانحجمت عن الأكابر، ثم إن السيد قد كان عند مخالفته للناس في سن عالية في
стр. 357
أواخر عمره، وأنت في عنفوان الشباب، فقد لا يحتمل الناس منك ما كانوا يحتملونه منه. وأطال معي في هذا الشأن - رح -، وما زال على حاله الجميل حتى مات في تاسع شهر صفر سنة ١٢٠٩، انتهى.
٣٨٨ - وفي "البدر الطالع": أيمن بن محمد بن محمد - أربعة عشر أبًا في نسق واحد -.
قال ابن حجر في "الدرر": لم يوجد له نظير في ذلك، إن كان ثابتًا.
ولد بتونس، ثم قدم القاهرة، وكان كثير الهجاء والوقيعة، ثم قدم المدينة النبوية، وجاور بها، وتاب، والتزم أن يمدح النبي ﷺ خاصة إلى أن يموت، فوفى بذلك، وأراد الرحلة عن المدينة، فذكر أنه رأى النبي ﷺ في النوم، فقال: يا أبا البركات! كيف ترضى بفراقنا؟ فترك الرحيل، وأقام المدينة إلى أن مات، وسمى نفسه: عاشقَ النبيَّ ﷺ ، وذكر: أن صاحب تونس بعث إليه يطلب منه العود إلى بلده، ويرغبه فيه، فأجاب: إني لو أُعطيت ملكَ المشرق والمغرب، لم أرغب عن جوار رسول الله ﷺ ، فذكر أنه رأى النبي ﷺ ، فأطعمه ثلاث لقمات، قال: وقال لي كلامًا لا أقوله لأحد، غير أن في آخره: واعلم أني عنك راض. فعمل قصيدة، منها شعر:
فَرَرْتُ من الدنيا إلى ساكنِ الحِمى ... فِرارَ مُحِبٍّ عائذ بِحَبيبِهِ
لجأتُ إلى هذا الجنابِ وإنما ... لجأتُ إلى سامي العِمادِ رَحيبِهِ
قال ابن فضل الله: وذكر أبو البركات: أنه رأى النبي ﷺ ، فأنشد هذا البيت:
لولاك لم أدر الهوى ... لولاك لم أدرِ الطريق
قلت: وفي معناه البيت:
فلولاكمُ ما عَرَفنا الهوى ... ولولا الهوى ما عرفناكُمُ
٣٨٩ - قال في "البدر الطالع" في ترجمة الأمير تيمور (١) كوركان، بذيل "فتح حلب":
جلس في إيوانها، وطلب القضاة والعلماء للسلام عليه، فامتثلوا أمره، وجاؤوا إليه فلم يكرمهم، وجعل يتعنتهم بالسؤال، وكان آخر ما سألهم عنه أنه قال: ما تقولون في معاوية ويزيد؟ هل يجوز لعنُهما أم لا؟ وعن قتال علي ومعاوية؟ فأجابه القاضي علم الدين القفصي المالكي: بأن عليًا اجتهد فأصاب فله أجران، ومعاوية اجتهد فأخطأ فله أجر، فتغيظ من ذلك، ثم أجاب الشرف أبو البركات الأنصاري الشافعي: بأن معاوية لا يجوز لعنهُ؛ لأنه صحابي، فقال تيمور: ما حد الصحابي؟ فأجاب القاضي أنه من رأى النبي ﷺ ، فقال تيمور: فاليهودُ والنصارى رأوا النبي ﷺ ، فأجاب بأن ذلك بشرط كون الرائي مسلمًا، وأنه رأى في حاشية على بعض الكتب أنه يجوز لعن يزيد، فتغيَّظَ لذلك، ولا عتب عليه إذ تغيظ، فالتعويلُ في مثل هذا الموقف العظيم في مناظرة هذا الطاغية الكبير، في ذلك الأمر الذي ما زالت المراجعة به بين أهل العلم في قديم الزمان وحديثه على حاشيةٍ وجدها على بعض الكتب مما يوجب الغيظ، سواء كان محقًا، أو مبطلاً. وقد سألهم في هذا الموقف، أو في موقف آخر بمسألة عجيبة، فقال ما مضمونه: أنه قد قتل مِنَّا ومنكم من قُتل، فمن في الجنة، ومن في النار؟ هل قتلانا أو قتلاكم؟ فقال بعض العلماء الحاضرين وهو عالم بلاد الروم: هذا سؤال قد سُئل عنه رسول الله ﷺ ، فاستنكر "تيمور" ذلك، وقال: كيف قلت؟ قال: ثبت في الحديث الصحيح: أن قائلاً قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! الرجلُ يُقاتل حَمِيَّةً، ويقاتلُ شجاعة، ويقاتلُ ليرى مكانُه، فقال: "من قاتل لتكونَ كلمةُ الله هي العليا، فهو في الجنة"، أو كما قال، فلما سمع تيمور هذا الجواب، أعجبه وأطربه - ولله در هذا المجيب؛ فلقد وفقه الله في هذا الجواب، وهكذا فلتكن جوابات العلماء، لا كما قال القاضي شرف الدين: إنه رأى في حاشية! ومن رام الاطلاع على أحواله، فليرجع إلى كتاب سيرته، انتهى
стр. 361
- يعني: كتاب "عجائب المقدور في أحوال تيمور" لابن عرب شاه، وكان مُغْزًى بغزو المسلمين دون الكفار، واستولى على غالب البلاد الإسلامية، وجميع ما وراء النهر والشام والعراق والروم والهند، وما بين هذه الممالك، وله فكر صائب، ومكائد في الحرب عجيبة، وفراسة قلَّ أن تخطىء مع كونه أمّيًا لا يحسن الكتابة ولا القراءة، ويعتمد قواعد جنكيز خان، ويجعلها أصلاً.
قال السخاوي: ولعله قارب الثمانين، انتهى. ولقد كان شيخًا طويلاً مَهولاً، طويلَ اللحية، حسنَ الوجه، أعرجَ، شديد العرج، ومع ذلك يصلي من قيام، مهابًا بطلًا شجاعًا، جبارًا ظلومًا سفاكًا للدماء مقدامًا على ذلك، أفنى في مدة سلطنته من الأمم ما لا يحصيهم إلا الله، وخرب بلادًا كثيرة تفوت الحصر، انتهى.
٣٩٠ - جلال بن أحمد التباني .
كان عالمًا كبيرًا، قال في "البدر الطالع": انتهت إليه رئاسة الحنفية، وعرض عليه القضاء غير مرة، فأصر على الامتناع، وقال: هذا أمر يحتاج إلى دراية ومعرفة اصطلاح، ولا يكفي فيه مجرد الاتساع في العلم. له مصنف في منع تعدد الجمعة، وآخر في أن الإيمان يزيد وينقص، وكان محبًا للحديث، حسنَ الاعتقاد، شديدًا على الاتحادية والمبتدعة، مات في سنة ٧٩٣ بالقاهرة عن بضع وستين سنة.
٣٩١ - السيد حسن بنُ أحمدَ بنِ محمد، المعروفُ بجلال .
كان علامة كبيرًا من أئمة اليمن، ذكر له في "البدر الطالع" ترجمة حسنة، وقال: صنف التصانيف الجليلة، منها "ضوء النهار"، جعله شرحًا للأزهار للإمام المهدي، وحرر اجتهاداته على مقتضى الدليل، ولم يعبأ بمن وافقه من العلماء أو خالفه، وفيه ما هو مقبول، وما هو غير مقبول، وهذا شأن البشر، فكل أحد يؤخذ من قوله ويُترك، إلا المعصوم.
وما أظن سبب كثرة الوهم في ذلك الكتاب إلا أن هذا السيد كالبحر الزخار، وذهنه كشعلة نار، فيبادر إلى تحرير ما يظهر له واثقًا بكثرة علمه وسعة دائرته
стр. 362
وقوة ذهنه، ولا أقول كما قال بعضهم: إنه عظام لا لحمَ عليها، بل أقول: هو بحر عجاج، متلاطم الأمواج، وله القصيدة التي سماها: فيض الشعاع، أولها:
العلمُ علمُ محمدٍ وصِحابِهِ ... يا هائمًا بقياسِهِ وكتابِهِ
ولي كثير من المناقشات في ترجيحاته التي حررها في مؤلفاته، ولكن مع اعترافي بعظيم قدره، وطول باعه، وتبريزه في جميع أنواع المعارف، ومن رام الوقوف على ما وقع بيني وبينه من الخلاف، فلينظر في شرحه على الأزهار، وفي حاشيتي التي سميتها: "السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار"، وكان له مع أبناء دهره قلاقل وزلازل، كما جرت به عادة أهل القطر اليمني من وضع جانب أكابر علمائهم المؤثرين لنصوص الأدلة على أقوال الرجال، مات - رحمه الله تعالى - في سنة ١٠٨٤، انتهى.
٣٩٢ - حسن بن إسماعيل بنِ حسينٍ، المغربيُّ، حفيدُ صاحبِ "البدر التمام شرح بلوغ المرام ".
كان بارعًا في جميع العلوم والمعارف، شيخ مشايخ عصره.
قال في "البدر الطالع" بعد بيان مناقبه: والحاصل: أنه من العلماء الذين إذا رأيتهم، ذكرتَ الله وكل شؤونه جارية على نمط السلف الصالح، وكان إذا سأله سائل، أحاله في الجواب على أحد تلامذته، وإذا أشكل عليه شيء في الدرس، أو فيما يتعلق بالعمل، سأل عنه غيرَ مبال، سواء كان المسؤول عنه خفيًا، أو جليًا؛ لأنه جبل على التواضع، ومع هذا ففي تلامذته القاعدين بين يديه نحو عشرة مجتهدين، والبعض منهم يصنف إذ ذاك في أنواع العلوم، وهو لا يزداد إلا تواضعًا. قرأت عليه في "المطول" وحواشيه، و"العضد"، و"الكشاف" وحواشيه، و"الرسالة الشمسية" وشرحها للقطب، وحاشيتها للشريف، وبعض "تنقيح الأنظار" في علوم الحديث، و"شرح بلوغ المرام" لجده، توفي - رح - في سنة ١٢٠٨، انتهى. وترجمته حافلة حسنة طويلة ليس هذا محل ذكرها بالتمام.
стр. 363
٣٩٣ - الشريف حسن بن خالد الحازمي العريشي .
كان عالمًا كبيرًا. ولد تقريبًا بعد سنة ١١٧٠، قال في "البدر الطالع": صار لمزيد ذكائه وحسن حفظه وقوة إدراكه من العلماء الأعلام، ثم لما استولى أهل نجد على بلاد أبي عريش، ودخل الشريف حمود في طاعتهم، صار هذا عنده هو المرجوع إليه في الأمور الشرعية، وكان حمود يطيعه، ويأتم به، ولا يخالفه، ثم ارتفعت درجته حتى صار يقود الجيوش، ويتولى الحروب، ويقيم الحدود مستقلاً، وحمل الناس على العمل بالسنة، ومنعهم عن التدريس في فقه المذاهب بأسرها، فعظم ذلك على المقلَّدَة، ولم يزل على هذه الطريقة حتى قُتل في المعركة في سنة ١٢٣٤ - رحمه الله تعالى -.
٣٩٤ - السيد حسن بن زيد بن حسن الشامي .
من علماء القرن الثاني عشر، حصل العلم بصنعاء، قال في "البدر الطالع": برع في علم الحديث، وشارك في غيره من الفنون مشاركة قوية، ونشر العلم، وأتعب نفسه في الإرشاد إلى الحق من العمل بالدليل، وأقبل إليه الخاص والعام، وأخذوا عنه، وتخلقوا بأخلاقه، ومشوا على طريقته، وكان لا يمل من ذلك في جميع الأوقات، فظهرت بركته، وعَمَّ النفعُ به؛ فإنه سكن في صنعاء، فصار له أتباع لا يعملون إلا بالأدلة، وكان مقبولَ الكلمة عند الإمام المهدي، مع قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انتهى ملخصًا.
٣٩٥ - حسن بن عليَّ بنِ حسن .
من كبار علماء الديار اليمنية، ذكر له في "البدر الطالع" ترجمة حسنة طويلة، وقال: له كمال الشغلة والعناية بعلم الحديث والتفسير، يعمل بما تقتضيه الأدلة، ولا يبالي بما عدا ذلك، ولديه من الكتب النفيسة [ما] لا يوجد عند غيره، وبيني وبينه من خالص الوداد ما لا أقدر على التعبير عن بعضه، والحاصل: أنه للدولة جمال، ولأهل العلم جلال، وللفقراء ذخيرة إفضال، توفي - رح - في سنة ١٢٤٥, انتهى.
стр. 364
٣٩٦ - حسين بن محمد بن عبد الله الطيبي، صاحب "شرح المشكاة ".
إمام مشهور، وعالم مبرور، وكان في مبادىء عمره صاحبَ ثروة عظيمة، بذل المال في وجوه الخيرات حتى صار فقيرًا في آخر عمره، قال في "البدر الطالع": كان حسنَ المعتقدَ، شديدَ الرد على الفلاسفة والمبتدعة، مظهرًا فضائحهم، مع استيلائهم على بلاد المسلمين في عصره، شديدَ المحبة لله ورسوله، كثيرَ الحياء، ملازمًا للجمعة والجماعة، ملازمًا لتدريس الطلبة في العلوم الإسلامية، له إقبال على استخراج الدقائق من الكتاب والسنة، وحاشيتُه على "الكشاف" هي أنفس حواشيه على الإطلاق، مع ما فيها من الكلام على الأحاديث في بعض الحالات إذا اقتضى الحال ذلك على طريقة المحدثين؛ مما يدل على ارتفاع طبقته في علمَي المعقول والمنقول، شرع في جمع كتاب في التفسير، وعقد مجلسًا عظيمًا لقراءة كتاب البخاري، فكان يقرأ في التفسير من بكرة إلى ظُهر، ومن ثَمَّ إلى العصر لإسماع البخاري، إلى أن كان يوم وفاته، فرغ عن قراءة التفسير، وتوجه إلى مجلس الحديث، فدخل مسجدًا عند بيته، فصلى قاعدًا، وجلس ينتظر الإقامة للفريضة، فقضى نحبه متوجهًا إلى القبلة في شعبان سنة ٧٤٣، انتهى - رحمه الله تعالى -.
٣٩٧ - السيد حسين بن يحيى بن إبراهيم، الديلميُّ، الذماريُّ .
قال في "البدر الطالع": ولد في سنة ١١٤٩، وبيني وبينه من المودة ما لا يعبر عنه، وهو من جملة مَنْ رغَّبني في "شرح المنتقى"، فلما أعان الله على تمامه، صار يراسلني في الإرسال إليه بنسخة منه، ولم يكن قد تيسر ذلك، ولما ألفت الرسالة التي سميتها: "إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي"، ونقلت إجماعهم من ثلاث عشرة طريقة على عدم ذكر الصحابة بسبِّ وما يقاربه، وقعَتْ هده الرسالة بأيدي جماعة من الروافض، فجالوا وصالوا، وتعصبوا وتحزبوا، وأجابوا بأجوبة ليس فيها إلا محضُ السباب والمشاتمة، وكتبوا أبحاثًا نقلوها من كتب الإمامية، وزاد الشر، وعظم الفتنة، وأعانهم على ذلك جماعة ممن له صولة ودولة، وتعصب أهل العلم لها وعليها، وكل مَنْ له
стр. 365
أدنى معرفة بعلم يعلم أني لم أذكر فيها إلا مجردَ الذبِّ عن أعراض الصحابة الذين هم خيرُ القرون، قال: والمترجَم له - عافاه الله - ناشرٌ للعلم في مدنية ذمار، مع احتمال لما يلاقيه من الجفاء الزائد من أهل بلده بسبب نشره لعلم الحديث بينهم، وميلُه إلى الإنصاف في بعض المسائل، مع مبالغته في التكتم، وشدة احترازه حتى توفاه الله في سنة ١٢٤٩، ويكون عمره مئة، انتهى ﵀.
٣٩٨ - قال في "البدر الطالع" في ترجمة خليل بن ميران شاه بنِ تيمورلنك:
فيه جمال صورة، مات بالري مسمومًا في سنة ٨٠٩. ونحرت زوجته - المسماة بشاه ملك - نفسَها بخنجر من قَفاها، فهلكت من ساعتها.
وقد وصف مؤلف سيرة تيمور من مزيد عشقه لزوجته هذه، وإفراط محبته لها ما يقضى منه العجب، حتى قال: إنه كان يقف معها في قميص واحد يدخلان [فيه] جميعًا؛ لمزيد شغفِ كلِّ واحدٍ منهما بالآخر، فلهذا قتلت نفسها بعدَ موته، ووصف من جماله ما تُعذر معه زوجته، وكذلك وصفَ من جمالها ما يخففُ عنهُ الملامةَ فيما تهتك به من عشقها؛ حتى كان ذلك سبب ذهاب ملكه ونفسه، والأمر لله، انتهى.
٣٩٩ - قال في "البدر الطالع": السلطان حيدر الغازي، الهندي سلطان الولاية التي يقال لها "لكهنؤ ":
وقفنا على كتاب مشتمل على وصف حاله، صنفه أحمد الشرواني الراحل إلى بلاد الهند، وتاريخ هذا الكتاب سنة ١٢٣٥، ذكر فيه أنه شاهد فيلاً ينوح على الحسين السبط ﵁ في الشهر المحرم بشعر موزون ... إلى قوله:- وهذا مستبعَد جدًا، والظاهر: أن اللَّيل يُهَمْهِم همهمةً تحصل وزن الشعر، فإن كان صدور ذلك بلسان فصيح كنطق الإنسان، فما أظن الناطق من حنجرته إلا شيطان، وقد ينطق من الأصنام - وهي جمادات -، وهو ينطق من رؤوس من يدعي أنه قد صار له قرين من الشياطين؛ كما ذلك معروف، انتهى.
стр. 366
٤٠٠ - أبو السعود أفندي .
إمام كبير، عالم الروم، بارع في جميع الفنون، فائق على الأقران، قال في "البدر الطالع": مولده سنة ٩٠٠، أخذ عن أكابر علمائها، ودرَّس بمدارسها، وصار قاضيًا بمدينة بروس، ثم صار مفتيًا بقسطنطينية، وعينَ له السلطان كل يوم مئتين وخمسين درهمًا. وله تصانيف، منها: التفسير المشهور عند الناس بأبي السعود في مجلدين ضخمين، سماه: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"، وهو من أجل التفاسير وأحسنِها واكثرِها تحقيقًا وتدقيقًا، وأهداه للسلطان سليمان خان، فأنعم عليه بنعم عظيمة، وزاد في معلومه اليومي زيادة واسعة، وكان قد تناهت عظمته في الممالك الرومية، وصار المرجع فيما يتعلق بالعلم، مات سنة ٩٨٢، انتهى.
٤٠١ - سعيد بن محمد المقدسيُّ، المعروف بابن الديري .
كان علامة وقته، ذكره في "البدر الطالع"، وقال: ولد في سنة ٨٦٨، وتولى قضاء الحنفية وصار معظَّمًا عند الملوك والوزراء والأمراء، وقد عرض القضاء على ابن الهمام والأمين الاقصرائي، فامتنعا، وقالا: لا يقدران على ذلك مع وجوده.
أخذ عنه أهل كل مذهب، له تصانيف، منها: "الكواكب النيرات في وصول ثواب الطاعات إلى الأموات"، و"رسالة في نوم الملائكة، هل هو كائن أم لا"، و"هل منع الشعر مخصوص بنبينا ﷺ أم هو عام لكل الأنبياء؟ "، وله نظم.
مات في سنة ٩٦٧، وأكرمه الله قبل موته بشهر بانفصاله عن القضاء، انتهى.
٤٠٢ - سليمان بن إبراهيم بنِ عمرَ، نفيسُ الدين، الزبيديُّ .
ولد سنة ٧٤٥، أجازه البلقيني، وابن الملقن، والعراقي، والهيثمي، والمناوي، قال في "البدر الطالع": برع في الحديث، وصار شيخ المحدثين ببلاد اليمن، وحافظَهم، وأخذ عنه الناس طبقة بعد طبقة، وارتحلوا إليه من الآفاق، وتلمذ له من لا يحيط به الحصر.
стр. 367
حدث عن نفسه: أنه قرأ "البخاري" أكثر من خمسين مرة، ووصفه شيخه - صاحب "القاموس" -، فقال: إمام السنة، وأما ابن حجر، فقال في أنبائه: إنه مع محبته للحديث وإكبابه على الرواية غير ماهر فيه، انتهى. مات في سنة ٨٣٥، رح.
٤٠٣ - صالح بن مهدي بن علي، المعروفُ بالمُقْبِلي، الصنعانيُّ، ثم المكيُّ .
ولد سنة ١٠٤٧، تلمذ على ابن الوزير، قال في "البدر الطالع": جرت بينه وبين علمائها - يعني: صنعاء - مناظرات أوجبت المنافرة؛ لما فيه من الحدة والتصميم على ما يقتضيه الدليل، وعدم الالتفات إلى التقليد، ثم ارتحل إلى مكة، ووقعت له امتحانات هنالك، واستقر بها حتى مات في سنة ١١٠٨، وهو ممن برع في جميع علوم الكتاب والسنة، وحقق الأصول العربية، والمعاني والبيان، والحديث والتفسير، وفاق في جميع ذلك، وله مؤلفات كلها مقبولة عند العلماء، محبوبة إليهم، يتنافسون فيها، ويحتجون بترجيحاته وهو حقيق بذلك، وفي عباراته قوة وفصاحة وسلامة تعشقها الأسماع، وتلتذ بها القلوب، ولكلامه وقع في الأذهان، قلَّ أن يمعن في مطالعته مَنْ له فَهم، فيبقى على التقليد بعد ذلك، وإذا رأى كلامًا متهافتًا، زيفه، ومزقه بعبارات عذبة حلوة، وقد أكثر الحطَّ على المعتزلة في بعض المسائل، وعلى الأشعرية في بعض آخر، وعلى الصوفية في غالب مسائلهم، وعلى الفقهاء في كثير من تفريعاتهم، وعلى المحدِّثين في بعض علوهم، ولا يبالي إذا تمسك بالدليل بمن يخالفه، كائنًا من كان، وله مؤلفات منها: "الإتحاف لطلبة الكشاف"، انتقد فيه على الزمخشري كثيرًا من المباحث، وذكر ما هو راجح لديه، ومنها: "الأبحاث المسددة" - جمع فيه مباحث تفسيرية وحديثية وفقهية وأصولية، وكان قد ألزم نفسه السلوك في مسلك الصحابة، وعدم التعويل على التقليد لأهل العلم في جميع فنون.
ولما سكن مكة، وقف عالمُها البرزنجي محمد بن عبد الرسول المدني على "العلم الشامخ في الرد على الآباء والمشايخ"، فكتب عليه اعتراضات، فرده عليه
стр. 368
بمؤلف سماه: "الأرواح النوافخ"، فكان ذلك سبب الإنكار عليه من علماء مكة، ونسبوه إلى الزندقة بسبب عدم التقليد، والاعتراض على أسلافهم، ثم رفعوا الأمر إلى سلطان الروم، فأرسل بعض علماء حضرته لاختباره، فلم ير منه إلا الجميل، وسلك مسلكه، وأخذ عنه بعضُ أهل داغستان، ونقلوا بعض مؤلفاته، والمترجمَ له - مع اتساع دائرته في العلوم - ليس له التفات إلى اصطلاحات المحدَّثين في الحديث، ولكنه يعمل بما حصل له عنده ظن صحته؛ كما هو المعتبر عند أهل الأصول، مع أنه لا ينقل الأحاديث إلا من كتبها المعتبرة كالأمهات، وما يلحق بها، وإذا وجد الحديث قد خرِّج من طرق، وإن كان فيها من الوهي ما لا ينتهض معه للاحتجاج، ولا يبلغ به إلى رتبة الحسن لغيره، عمل به، وكذلك يعمل بما كانت له علل خفية، فينبغي للطالب أن يثبت في مثل هذه المواطن، وقد ذكر: أنه أخذ في مكة عن الشيخ إبراهيم الكردي - رحمهما الله تعالى -، انتهى.
٤٠٤ - صديق بن علي، المزجاجيُّ، الزبيديُّ .
ولد سنة ١١٥٩ تقريبًا، أتقن كتب الأحاديث والفقه الحنفي، وسافر للدرس والتدريس إلى مخاثم، ثم رجع إلى صنعاء.
قال في "البدر الطالع": ووصل إليَّ، ولم أكن قد عرفته قبلَ ذلك، ولا عرفني، وجرت بيني وبينه مذاكرات في عدة فنون، ثم خطر ببالي أن أطلب عنه الإجازة، فعند ذلك المخاطر طلب مني هو الإجازة، فكان ذلك من المكاشفة، فأجزت له، وأجاز في، وكان إذ ذاك سنُّه فوق خمسين سنة، وعمري دون الثلاثين، ثم ما زال يتردد إليّ، وفي بعض المواقف بمحضر جماعة وقعت بيني وبينه مراجعة في مسائل، واكثرت الاعتراض على مسائل من فقه الحنفية، وأوردت الدليل، وما زال يتطلب المحامل لما يقوله الحنفية، فلما خلوت به، قلت له: اصدُقْني، هل ما تبديه في المراجعة تعتقده اعتقادًا جازمًا؟ فإن مِثْلَك في علمك بالسنة لا يُظن به أنه يؤثر مذهبه الذي هو محض الرأي في بعض المسائل على ما يعلمه صحيحًا ثابتًا عن رسول الله ﷺ ، فقال: لا أعتقد صحة
стр. 369
ما يخالف الدليل، وإن قال به من قال، ولا أدينُ اللهَ بما يقوله أبو حنيفة وأصحابه إذا خالف الحديث الصحيح، ولكن المرء يدافع عن مذهبه، انتهى.
٤٠٥ - السيد صلاح بن الجلال، صاحبُ "تتمة شفاء الأوام" للأمير حسين .
ولد بهجرة رغافة سنة ٧٤٤. قال في "البدر الطالع": وقد كنت أرجو أن أجعل على هذا الكتاب حاشية، أُبين فيها ما لعلَّه يحكُّ في المخاطر في مواضع منه، فأعان الله - وله الحمد والمنة - على ذلك، وكتبت عليه حاشية تأتي في مقدار حجمه أو أقل، وسميتها: "وبل الغمام على شفاء الأوام"، وكان الفراغ منها في شهر رجب سنة ١٢١٣، وهو العام الذي شرعت فيه في تحرير هذه التراجم، وقد سلكت في تلك الحاشية مسلك الإنصاف كما هو دأب من كان فرضه الاجتهاد، ومن نظر إليها بعين الإنصاف، مع كمال أهليته، عرف مقدارها، انتهى. مات سنة ٨٠٥.
٤٠٦ - قال في "البدر الطالع" في ترجمة الضياء العجمي:
كان حسنَ الأخلاق، لكنه كان مغرمًا بمشاهدة الحِسان من المُرْدان، لا ينفك عن هوى واحدٍ يتهتك فيه، ويخرج عن طور العقل مع العفة، وكان يمشي وفي يده حزمة من الرياحين، فمن لقيه من المرد، أدناها إلى أنفه، فيُشِمُّها إياه، فإن التمس منه ذلك ذو لحية، قلبها، وضربه على أنفه، واتفق أنه دخل مصر، فرأى نصرانيًا نازعه في أمر من الأمور، فضربه بعكاز في يده ضربة قضى منها في الحال، فتعصب عليه بعض الرؤساء إلى أن أمر السلطان بقتله، فقتل - رحمه الله تعالى - وهو مظلوم لا محالة؛ لأن القائل بقتل المسلم بالكافر - وهم الحنفية - لا يوجبون القصاص في القتل بالمثقَّل، وسائر العلماء لا يقولون: إنه يُقتل مسلم بكافر، وكان وجودُ صاحب الترجمة في القرن الثامن.
٤٠٧ - عبد الرحمن بن أحمد، البهكليُّ، الضمديُّ، ثم الصنعانيُّ. ولد سنة ١١٨٠ تقريبًا، كان من أكابر العلماء، وأخذ عن أكابرهم، وكان فائقًا في جملة العلوم؛ من الصرف والنحو، والمنطق والمعاني والبيان، والأصول والتفسير والحديث .
стр. 370
قال في "البدر الطالع": وقد أجزته بكل ما تجوز في روايته، وهو مشارك لي في السماع من أكابر شيوخي، له قدرةٌ على النظم والنثر، ومَلَكَة كاملة في جميع العلوم عقلاً ونقلاً، ولا يقلد أحدًا، بل يجتهد رأيه، وهو حقيق بذلك، انتهى. قال في "الديباج الخسرواني": مولده بمدينة صبيا سنة ١١٨٢، ولازم شيخنا البدر الشوكاني.
له شرح على "المجتبى" للنسائي، سماه: "تيسير اليسرى بشرح المجتبي من السنن الكبرى"، وبلغ فيه إلى قريب الحج، وعاقه عن إتمامه الحِمام، وله رسالة جمة، وفوائد مهمة، وتولى القضاء في "بيت الفقيه" من طريق إمام صنعاء - المنصور بالله - عام سنة ١٢١٢، واستمر على ذلك إلى أن مات، ولعمري! إنه جَمَّل منصبَ القضاء، ولم يتجمل به، انتهى.
٤٠٨ - القاضي عضد الدين الإيجي .
ولد بعد سنة ٧٠٠، عَلاَّمة المعقول والمنقول، وفهامة الفروع والأصول.
قال في "البدر الطالع": له "المواقف" في الكلام ومقدماته، وهو كتاب يقصر عنه الوصف، لا يستغني عنه من رام تحقيق الفن، وله السؤال المشهور الذي حرره إلى المحقق الجاربردي في كلام - صاحب "الكشاف" - على قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وأجابه بجواب فيه بعض خشونة، فاعترضه صاحب الترجمة باعتراضات، وتلاعب به وبكلامه، وهو شيخه، ولكنه لم ينصفه في الجواب حتى يستحق التأدب معه، وقد أجاب عن اعتراضات صاحب الترجمة ابن الجاربردي، وأودع ذلك مؤلفًا مستقلاً، وجرت له محنة مع صاحب كرمان، فحبسه بالقلعة، ومات مسجونًا في سنة ٧٥٦، انتهى.
٤٠٩ - عبد الرحمن بن أحمد الجامي .
قال في "البدر الطالع": ولد بـ "جام" من قصبات خراسان، واشتغل بالعلوم اكمل اشتغال حتى برع في جميع المعارف، ثم صحب مشايخ الصوفية، فنال من ذلك حظًا وافرًا، وكان له شهرة بالعلم في خراسان وغيرها من الديار، حتى إنه
стр. 371
استدعاه سلطان الروم بايزيد خان إلى مملكته، وأرسل إليه بجوائز سنية، فسافر إلى جهات الروم، فلما انتهى إلى همدان، قال للذي أرسله السلطان إليه: إني قد امتثلت أمر السلطان حتى وصلت إلى هنا، وبعد ذلك تشبثت بذيل الاعتذار؛ لأني لا أقدر على الدخول إلى بلاد الروم؛ لما أسمع فيها من مرض الطاعون، وكان غرض السلطان في استدعائه أنه خطر له في بعض الأوقات الاختلاف فيما بين الصوفية وعلماء الكلام والحكماء، فأراد أن يجعل صاحب الترجمة حكمًا بين هذه الطوائف، فما تم، وله مصنفات، منها: "شرح الكافية"، وشرع في تفسير القرآن.
وله "شواهد النبوة" بالفارسية، و"نفحات الإنس" بالفارسية أيضًا، ونظم بالفارسية يتنافس في حفظه أهل تلك اللسان، توفي بهراة سنة ٨٩٧، انتهى.
٤١٠ - عبد الرحمن بن حسن الريمي الذماري - رحمه الله تعالى -.
ولد تقريبًا سنة ١٢٠٧، أو بعدها بقليل.
قال الشوكاني في "البدر الطالع": له قراءة عليّ، وهو من عباد الله الصالحين ومن [العلماء] العاملين بالأدلة، الراغبين في الحق، المتمسكين بالإنصاف، وله ميل إلى مؤلفاتي، واشتغال بها، وعمل بما فيها، وهو الآن من أعيان مدينة ذمار، جمل الله بوجوده تلك الأقطار.
٤١١ - السيد عبد القادر بنُ أحمدَ بنِ عبدِ القادر، الكوكبانيُّ .
قال في "البدر الطالع": هو شيخنا، الإمام المحدث الحافظ المسند، المجتهدُ المطلق، ولد - كما نقلته من خطه - في سنة ١١٣٥، نشأ بكوكبان، ثم ارتحل إلى صنعاء، فأخذ عن أكابر علمائها؛ كالعلامة السيد محمد بن إسماعيل الأمير، وإني أذكر وأنا في المكتب مع الصبيان، سألت والدي ﵀: من أعلمُ الناسِ بالديار اليمنية؟ فقال: فلان - يعني: صاحب الترجمة -، وبالجملة: فلم تر عيني مثله في كمالاته، ولم أجد أحدًا يساويه في مجموع علومه، ولم يكن بالديار اليمنية في آخر مدته له نظير.
стр. 372
وهو - رحمه الله تعالى - من جملة من رغبني في تأليف "شرح المنتقى"، فشرعت فيه في حياته، وعرضت عليه كراريس من أوله، فقال: إذا كمل على هذه الكيفية، كان في نحو عشرين مجلدًا، وأهل العصر لا يرغبون فيما بلغ من التطويل إلى دون هذا المقدار، ثم أرشدني إلى الاختصار، ففعلت، فكمل بحمد الله، وبَيَّضْتُه في أربع مجلدات، ولم يكمل إلا بعد موته بنحو ثلاث سنين، وقد أجازني إجازة عامة كتبها لي، ولم تكن له كثرةُ اشتغال بتأليف، ولو أراد ذلك، لكان له في كل فن ما لا يقدر عليه غيره.
وله رسائل حافلة، ومباحث مطولة، وله "فلك القاموس" في كراريس، توفي - رحمه الله تعالى - سنة ١٢٠٧، وتأسف الناس على فقده، ورثاه الشعراء بمراثٍ حسنات هي مجموعة في كراريس، وأنا من جملة من رثاه بقصيدة، مطلعها:
تَهَدَّمَ من رَبْعِ المعارفِ جانِبُهْ ... وأصبحَ في شُغْلٍ عن العلمِ طالبُهْ
وذكر له في "النفس اليماني والروح الريحاني" ترجمة حافلة، حاصلها قوله: السيد الإمام، إنسان عين الأعلام، صدرُ العلماء المعتمدين، بدر الأئمة المجتهدين، له العلوم الزاخرة، والأحوال الشريفة الفاخرة، والأخلاق النبوية، والسيرة المحمدية. ومن مشايخه الشيخان العلامتان: عبد الخالق بن أبي بكر، ومحمد بن علاء الدين المزجاجيان، ومن أهل الحرمين: السيدُ الإمام العلامة محمدُ بنُ الطيب المغربي الفاسي، وله من الأساتذة الكملة: نيف وثمانون شيخًا.
ومن المؤلفات ما يزيد على الأربعين مؤلفًا، منها: "حاشية القسطلاني"، و"حاشية الجلالين"، و"حاشية المطول" و"مختصره"، و"شرح كفاية المتحفظ".
ومن مشايخه الشيخ المسنِدُ محمد حياة السنديُّ المدنيُّ، وقد ترجمه وامتدحه عدة من العلماء الأعلام، منهم: القاضي العلامة، قال في جملة ترجمته: تسامى له السندُ العالي مع النسب الغالي، مظهرًا للسنة النبوية على
стр. 373
رؤوس الأشهاد، مبكتًا لأهل البدعة في الحاضر والباد، ولقد قام بهذا الواجب أتمَّ القيام، وذبَّ عن سنة جدِّه بين الأنام، وأدخلها إلى أذهان الفقهاء المقلِّدين، وقبلَها من له الفهمُ المكين، والذهن السمين، وسلك طريق المتقين، ومال عن الاعتساف، وآض إلى الانصاف، فلله دَرُّه من عالم هُدَى، وأمال عن طريق الردَى، امتدحه السيد العلامة علي بن محمد بن علي بن أحمد اليمني بقصيدة أبان فيها أوصافَه الجميلة، وأياديَه الجزيلة، وقد استجاز منه لأولاده شيخُنا الوالد، فكتب الإجازة، انتهى.
٤١٢ - عبد القادر بن علي البدري .
ولد سنة ١٠٧٠ قال في "البدر الطالع": وهو العلامة المجتهد في جميع العلوم، أخذ العلم عن جماعة من أكابر العلماء؛ كالعلامة المقبلي، وله رسائل ومسائل يسلك فيها مسالك المجتهدين، ويحررها تحريرًا متقنًا، ويمشي مع الدليل، ولا يبالي بما يخالفه من القال والقيل، وكان قاضيًا بمدينة "ثلا"، مات سنة ١١٦٠ - رحمه الله تعالى رحمة واسعة -.
٤١٣ - عبد الله بن أحمد بن إسحاق .
أحد العلماء المبرزين بصنعاء.
قال الشوكاني: أخذ عنه جماعة من شيوخنا، وقرأ الكتب الحديثية، وعمل بما فيها، ومن شيوخه: أحمد بن محمد قاطن، وكان قوالاً بالحق، صادقَ اللهجة، له شعر رائق، منه:
ماذا يفيدُكَ ندبُ الأَرْبُعِ الدُّرُسِ ... وشرحُ سالفِ عيش بالعُذَيْبِ نُسي
فشَنِّفِ السمعَ من ذكرى معتقةٍ ... جَلَوْتُها كشموسٍ في دُجَى الغَلَسِ
ولوالده "شرح العمدة في الحديث"، مات سنة ١١٩١، انتهى.
٤١٤ - السيد عبد الله بن لطف الله الكيسي ثم الصنعاني .
هو أحد علماء صنعاء المبرزين في علم القرآن والحديث والتفسير، وكان يُقرىء في جميع هذه العلوم، وله تلامذة صاروا علماء نبلاء، وكان مقبولَ
стр. 374
الكلمة عند الإمام المهدي، وسائرُ أرباب الدولة كانوا يُجلُّونه ويهابونه، وكان يعمل بالأدلة، ويرشد الناس إليها، وينفر عن التقليد، وله في النهي عن المنكر عناية عظيمة، وكان لا يسمع بمنكر إلا أتعب نفسه في القيام على صاحبه حتى يزيله، وإذا أُصيب رجل بمظلمة فر إليه، فيقوم معه قومة صادقة حتى ينتصف له - فرحمه الله، وكافاه بالحسنى -، فلقد كان من محاسن الدهر، وما زال كذلك حتى توفاه الله في سنة ١١٧٣، انتهى.
٤١٥ - عبد الله بن محسن الحيمي الصنعاني .
ولد تقريبًا سنة ١١٧٠.
قال الشوكاني: قرأ عليَّ في الأصول، وسمع مني "تيسير الوصول" للدَّيْبَع، واستفاد في عدة فنون، ودرَّس في كثير منها، ونقل كثيرًا من رسائلي، وما زال ملازمًا لي في كثير من الأوقات، وبيني وبينه صداقة خالصة، ومحبة صحيحة، ولم يسلم من التعصبات عليه من جماعة الجهال، حتى جرت له بسبب ذلك محن، وهو صابر محتسب، وهذا شأن هذه الديار وأهلها، فالعالمُ المنصفُ بينهم في غربة، لا يزال يكابد شدائد، ويجاهد واحدًا بعد واحد، و ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وهو الآن حي، نفع الله به، انتهى.
٤١٦ - السيد عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني .
قال في "البدر الطالع": ولد سنة ١١٦٠، وبرع في جميع العلوم، وهو أحد علماء العصر العاملين بالأدلة، الراغبين عن التقليد، مع قوة ذهن، وجودة فهم، ووفور ذكاء، وحسن تعبير، وخبرة بمسالك الاستدلال، ومتانة دين، واشتغال بالعبادة، ودراية كاملة بمؤلفات والده ورسائله وأشعاره، وهو الذي جمع شعره في مجلد، وبلغني أنه نظم (١) بلوغ المرام وأنه الآن يشرحه، ولا شغل له بغير العلم والإكباب على كتب الحديث وتحرير مسائله وتقرير دلائله، وله نظم منه قصيدة، مطلعها:
стр. 375
للهِ دَرُّكَ أَيُّها البَدْرُ الذي ... يَهْدي إلى نَهْجِ الصوابِ الظاهِرِ
أبرزتَ من تَيَّارِ عِلْمِكَ دُرَّةً ... في سِلْكِ تِبْرِ قعْرِ بحرٍ زاخِرِ
وهو الآن حي ينتفع به الناس، وله إلي أشعار كثيرة، قال: ثم توفي سنة ١٢٤٤، رأى الفقيه الفاضل عبد الله بن حسين الأنسي ليلة يوم موته: أنه رأى جبلاً انهدم، فكان جبل العلم هذا:
هوَى يا لَعَمْري طودُ علمٍ تَضَعْضَعَتْ ... معالِمُ آثارٍ لَهُ ومَدارِسُ
قال في "النفس اليماني": ومنهم ولد شيخنا السيد الجليل، العالم النبيل، فخر الإسلام وزينة الليالي والأيام، السيد عبد الله، ذكرته في "تحفة الإخوان" أيام طلبه، وقد صار الآن بحمد الله من العلماء الأعلام، النبلاء الفخام، أحد أئمة العصر وحامل لواء الفخر، له اليد الطولى في العلوم العقلية والنقلية، وجودةُ النظر النقادة في الأحاديث النبوية، مشتغلاً بذلك غاية الاشتغال، حتى نال من هذا العلم الشريف كُلَّ منال، مواظبًا على الإفادة في جميع أوقاته، مقبلاً على الآخذين منه بالتعليم والتفهيم في حركاته وسكناته، تاركًا للتعصبات المذهبية، يدور مع الحديث حيث دار، لا يعتريه ملل، ولا يميل إلى الراحة والكسل، فاكهتُه النظرُ في الزبر والأسفار، وغذاؤه من المعاني سمان الأفكار، ولذته منها افتضاضُ الأَبكار، جعل العلم النفيس النبوي له جليسًا، وعند الخلوة أنيسًا، يعرف الرمزة وإن خفي مكانها، واللمحة وإن عظم شأنها، فهو المجلِّي في حَلْبَة العلوم، والحائزُ قصبَ السبقِ إن تأخرت الفُهوم، مع أخلاق شريفة، وشيم لطيفة، ثمراتُها دانية قطيفة، يسمح بها للمتعلمين، ويعدها للطالبين، فهم لها عاشقون، وإليها ناظرون، وعليها مُعَوَّلون، مع حسن نية، وسلامة طوية، وهمة علية، يحلو منها الإطناب والإيجاز، وهما لديهم في رتبة الإعجاز مع طاعة لأوامر الله ونواهيه، تسر الودود، وتسوء كلَّ هَمَّازٍ حسود، حاز من الرتب الشريفة أعلاها، ومن الأوصاف السنية أغلاها وأجلاها، ومن رآه أحبه بمجرد النظر، فكيف إذا خالطه واختبر، تالله لقد أقر الله به عين الوالد، وتَيَّمَ به قلبَ الوارد والوافد، وكَبَتَ بطلعته البهية عينَ العدو والمعاند والحاسد، وأطلع
стр. 376
شمس معرفته على كل جاحد، فَغَطِّ بكفك على الشمس أيها الحسود، ولم نفسك [أيها] المعاند لأنها لام الجحود.
هيهاتَ لا يأتي الزمانُ بمثلِهِ ... إن الزمانَ بمثلِهِ لَبَخيلُ
قال: وله شعر، قال: واستجزت منه، وهذه صورته .. إلى آخر ما قال.
٤١٧ - السيد إبراهيم بنُ السيدِ محمدِ بنِ إسماعيلَ الأميرِ، صاحبُ "سبل السلام ".
نقل في "النفس اليماني" عن الشيخ العلامة أحمد قاطن: أنه قال: ومنهم: ولدُ شيخنا السيد السند، والجليل المعتمد، صارم الدين إبراهيم، ذو الذهن الوقاد، والفكر المستقل النقاد، الحاوي لخصال الكمال بأكمل الخصال، الراقي إلى أوج البلاغة في جميع الأحوال، إن وَعَظَ، خِلْتَهُ الحَسَن، وإن خطبَ، أعلنَ السُّنن، وأيقظَ الوسن، وقلَّد المِنَن، وبَغَّضَ السِّمَن، وحبب الخشن، وضيق العَطَن، ووَسَّع الحزن، وشَجَّعَ الجَبان، وشبع الجنان، وزين الجنان، وشيد الإيمان، يخلط الترهيب بالترغيب، والتبعيد بالتقريب، والوعيد بالوعد، والمطر بالرعد، وإن فاكه الإخوان، فجنةٌ قطوفٌ آدابها دان، وثمراتها أفنان، ذات خلق وألوان، طعمُها شهي، ونظرها بهي، تلتذ بها الأسماع، قبل وصولها إلى الرقاع، كلها زهور، وأنوارها سرور، وإن هزل، خلت الحصى دُرًّا، والشعيرَ بُرًّا، والقمريَّ هِرًّا، والجهرَ سرًا، والحلو مرًا، والصبر جَزَعًا، والوقارَ هلَعًا، والمعالي في رتبة القصور، ولذعَ الذباب كالزنبور، وإن تصوَّفَ، أراكَ محبة الاتِّباع، مزريةً بمحبة الابتداع، وسلك بالطريقة، إلى بحر الحقيقة، فالتقطت بسفينة النجاة در الإحسان، ووصلت إلى المحبوب بكمال الإيمان.
غيبت ذاتك في بحر الأحدية، وأسقطت السوى عن جوهرة قلبك السوية، وأفضت عليها الأنوار المصطفوية، الواصلة من المنن الإلهية، المستولية على الذات القدسية، فتلاشى عنك السِّوَى، وكان كل شيء كالهوى، معدودًا في العلم، عند مَزَلَّة القدم، ووقفت على طاعة الحبيب بالحبيب، ونالتك المحبة منه إن كنت أريب، ناظرًا لنفسك بعين الذل والافتقار، والعبودية المحققة
стр. 377
والاحتقار، قد خلصت عن الشوائب، واطمأننت إلى الرغائب، عزلت عنها حبَّ الدنية، وألبستها القناعة القوية، ووثقت منها بالتوكل، وربطت عِنانَها بالتأمل، وزهدتَ فيما عند الناس، ورغبتَ فيما عند ربِّ الناس، وإن سافر، فنعم الأنيسُ للمسافر، كالبدر السافر، والخبير المساير، والحبيب المسامر، يؤثر على نفسه الرفيق، ويَهديه إلى أوضح طريق، ويقضي له ما يريد، ويُبدي له البِشْر ويعيد، ولقد عاود البيتَ العتيق أعوامًا، ولم يشف له أوامًا، وسكن فيه مرارًا متعددة، ونال ببركته أنوارًا مترددة، ونال القِدْحَ المعلَّى، وسبقَ في ميدان المصلَّى، انتهى.
وبالجملة: كان السيد واحدًا من الفحول الأعلام، وشيخًا عظيمًا من شيوخ الإسلام، وإمامًا من أئمة السنة المطهرة، وعالمًا بالأحاديث عاملاً بها بالطبيعة المنورة، طارحًا للتقليد والآراء، مجانبًا عن أهل البدع والأهواء، ترجمَ له جمعٌ من العلماء جَمّ، بما يذهب معه كل غم وهم، قدس الله سره، ورفع في العالمين ذكره.
٤١٨ - زين الدين محمدٌ الأنصاريُّ، الخزرجيُّ، الحنبليُّ .
زين زمانه، وعين أعيانه، درة تاجه، وعقيلة نتاجه، قال الخفاجي في "الريحانة": كان في عصره بيتَ القصيدة، وعنوانَ الأدب وأول الجريدة، لم تُعقد على مثله الخناصر، ولم تحمل بتوءم له بطونُ الدفاتر، تفقه على مذهب أحمد بن حنبل، فكان لطلابه سهلَ المورد عذبَ المنهل.
ع * وللناس فيما يعشقون مذاهب * وهم في كل عصر أقل من القليل، وهكذا الكرام كما قيل:
يقولون لي قد قَلَّ مذهبُ أحمدٍ ... وكلُّ قليلٍ في الأنامِ ضئيلُ
فقلتُ لهم مهلاً! غَلِطْتُم بزعمِكُم ... أَلَمْ تعلموا أَنَّ الكرامَ قليلُ
وما ضَرَّنا أَنا قليلٌ، وجارُنا ... عزيزٌ، وجارُ الأكثرينَ ذليلُ
وهو جواد لم يهب إن وهب، فالذهبُ عنده كاسمه ذهب، انتهى. ثم ذكر شيئًا من أشعاره.
стр. 378
٤١٩ - عبد الله بن محمدٍ العنسيُّ .
من علماء صنعاء، ولد تقريبًا في سنة ١١٩٠، أو بعده بقليل، أخذ الكتب الحديثية عن العلامة الشوكاني مرتبة، كان في حسن الإدراك وجودة الفهم وقوة التصور فريدَ عصره، أسند "شرح المنتقى"، و"السيل والجرار"، و"فتح القدير" عن أستاذه، قال في "البدر الطالع": له في الصلاح والعبادة والعمل بالأدلة مسلك حسن، وله في حسن الخلق التودد وحفظ اللسان ما لا يقدر عليه إلا مثله.
ولي القضاء بمدينة تعز وما إليها حتى مات في سنة ١٢١٤، والله يرحمه، انتهى.
٤٢٠ - عبد الله بن يوسف، المعروفُ بابن هشام، صاحبُ "مغني اللبيب" في النحو .
قال الشوكاني في ترجمته: وكان كثير المخالفة لأبي حيان، شديد الانحراف عنه، ولعل [ذلك]- والله أعلم - لكون أبي حيان كان منفردًا بهذا الفن في ذلك العصر، غيرَ مدافَع عن السبق فيه، ثم كان المنفردُ بعدَه هو صاحب الترجمة، وكثيرًا ما ينافسُ الرجل مَنْ كان قبله في رتبته التي صار إليها؛ إظهارًا لفضل نفسه بالاقتدار على مزاحمته لمن كان قبله، أو بالتمكن بالبلوغ إلى ما لم يبلغ إليه، وإلا، فأبو حيان هو من التمكُّن من هذا الفن بمكان، ولم يكن للمتأخرين مثله ومثل صاحب الترجمة، وهكذا نافس أبو حيان الزمخشريَّ، فأكثر من الاعتراض عليه في "البحر"، و"النهر الماد"؛ لكون الزمخشري ممن تفرد بهذا الشأن، وإن لم يكن عصره متصلاً بعصره، وهذه وقيعة ينبغي لمن أراد إخلاص العمل أن يتنبه لها؛ فإنها كثيرة اللقوع، بعيدة عن الإخلاص، وقد تصدَّر صاحبُ الترجمة للتدريس، وتفرد بهذا الفن، وأحاط بدقائقه وحقائقه، وصار له من الملكة ما لم يكن لغيره، واشتهر صيته في الأقطار، وطارت مصنفاته في غالب الديار، حتى قال ابن خلدون: ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه قد ظهر بمصر عالم يقال له: ابن هشام أَنْحَى من سيبويه. ولد سنة ٧٠٨، ومات سنة ٧٦١، وله نظم، انتهى.
стр. 379
٤٢١ - الإمامُ، العلامةُ، الزاهدُ، العابدُ، أبو حامدٍ محمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ الغزالُّي، الطوسيُّ .
قال الخفاجي في "نسيم الرياض شرح شفاء القاضي عياض" في ترجمته ما نصه: صاحب المؤلفات الجليلة الذي على كاهله فقه الشافعي والأصلان.
ولد بطوس سنة ٤٥٠، واشتغل بها، ثم جال البلاد لأخذ العلم، ودخل بغداد، فصار مدِّرسًا بالنظامية، وأقام بدمشق عشرَ سنين بعد ما أخذَ العلم عن إمام الحرمين، وعن النصر المقدسي، ثم انتقل لمصر والإسكندرية، ثم رجع لبغداد، وعقد بها مجلس وعظ.
وتوفي سنة ٥٠٥ عن خمس وخمسين سنة، ودفن بطوس، وقيل: بقصبة طائران.
قال ابن تيمية - رح -: بضاعته في الحديث مُزْجاة، ولذا أكثرَ من إيراد الموضوعات في كتبه، وأكثرَ فيها من مقالات الفلاسفة، حتى قال صاحبه أبو بكر بن العربي - مع شدة تعظيمه له -: شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلسفة، ثم أراد أن يخرج منها، فما قدر.
قلت: كتابُ "التهافت"، و"الإحياء" يناديان على خلافه. قال ابن العربي: لقيته في الطواف وعليه مُرَقَّعة، فقلت له: أَوْلى لك من هذا غير هذا، فأنت صدرٌ بكَ يُقتدى، وبنورك إلى معالم المعارف يُهتدى، فقال: هيهات: لما طلع قمرُ السعادة في تلك الإرادة، أشرقت شموس الأفول، على مصابيح الأصول، فتبين الخالق لأرباب الألباب والبصائر، إذ كل لما طُبع عليه راجع وصائر، وأنشد يقول:
تركتُ هوى ليلى وسُعْدَى بِمَعْزِلِ ... وصرتُ إلى مصحوبِ أولِ منزلِ
ونادَتْنِيَ الأكوانُ حتى أجبتُها ... ألا أيها الساري! رُويدَكَ فانْزِلِ
فعَرَّسْتُ في دار النَّدَى بعزيمةٍ ... قلوبُ ذوي التعريفِ عنها بمعزِلِ
غزلتُ لهم غزلاً رقيقًا، فلم أجدْ ... لغزلي نساجًا، فكسَّرتُ مِغْزَلي
стр. 380
وإذا سمعت هكذا، فكيف يظن [به] اتباع خرافات الفلاسفة، وقد رأى بعضُ المشايخ الغزاليَّ بين يدي رسول الله ﷺ يشكو من شخص طعن فيه، فأمر رسول الله ﷺ بضربه بالسياط، فانتبه، وبه أثر الضرب وألمُه، انتهى كلام الخفاجي.
قلت: وقد حكى عليٌّ القاري: أن الغزالي مات وكتاب "الصحيح" للبخاري على صدره، وهذا يرشدك إلى أنه رجع آخرًا عما ذهب إليه أولاً، ولله الحمد. وفي كتابه "الإحياء" بعضُ الأخبار الضعيفة والأفكار الفلسفية، وظني أنه تاب عنه وأناب، فما أحقها بأن تغتفر مع صحة الأصل، والله أعلم بالصواب.
٤٢٢ - الحسينُ بنُ منصورٍ الحَلاَّجُ .
قال الخفاجي في "نسيم الرياض": قيل: كان أبوه من مجوس فارس، والحلاج في أول أمره صحبَ الجنيدَ والسَّرِيَّ والمشايخ مع الزهد ولزوم العبادة التامة ببغداد، واختُلف في أمره.
ومن خرافات بعض الناس: أنه ذهب في سياحته للهند وخراسان، وتعلم السحر، وأظهره في صورة الكرامات، وأضلَّ به الناس، وصار يدعو الناسَ حتى شاع أمره، فوقع بينه وبين الشِّبلي، وداودَ الظاهري، والوزير علي بن عيسى مطارحة - لما شاع عنه الإخبار بالمغيبات، وإظهار الأمور الخارقة، فقيل: إنه ساحر شعبذة ومخرفة، وله معرفة بالطب والكيمياء، وغير ذلك من علوم الحكماء، فقيل: إنه ادعى الألوهية، وأظهر الزندقة، وكُتب عليه محضر بذلك، فُقتل، وأُحرقت جثته في سنة ٨٠٧ بأمر المقتدر بالله.
قال: وذهب كثير من المشايخ إلى أنه من أولياء الله، منهم الغزالي، واعتذر عما صدر منه في كتاب "مشكاة الأنوار"، وأفرد ابن الجوزي ترجمته بتأليف مستقل، وصح عن الشبلي أنه قال: كنت أنا والحلاج شيئًا واحدًا، إلا أنه أظهرَ وكتمتُ. وقد شهد بولايته كثير من كبار المشايخ، وقالوا: إنه عالم رباني، منهم: الشيخ عبد القادر الجيلاني، وقال: عثر الحلاج، ولم يكن له من يأخذ بيده، ولو أدركتُ زمانه، لأخذتُ بيده، وقال: إن قوله: أنا الحق، إنما قال لما
стр. 381
غلب عليه شوقُه، وسكر من كأس محبته، حتى عاين قدرته في كل شيء.
فكلُّ شيءٍ رآه ظَنَّهُ قَدَحًا ... وكلُّ شخصٍ رآه ظنَّه السَّاقِي
وهو مقام الجمع عندهم، لكن أهل الشرع حفظوا حمى الشريعة، ولهذا سكت عن حاله بعضهم، وقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، والاعتقاد خير من الانتقاد، والكف أسلم، انتهى.
قال عياض في "الشفاء": وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية، وقاضي قضاتها أبو عمرو المالكي محمد بن يوسف بن يعقوب على قتل الحلاج وصلبه؛ لدعواه الألوهية، ودعواه الحلول، وقوله: أنا الحق، مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته - يعني: لتكرر ذلك منه - انتهى.
وأقول: إن ثبت أنه تاب، ثم رجع، ثم أناب، ثم قُتل ولم يقبلوا توبته، فهذا فعلٌ لا يتأتى الإقدامُ عليه إلا ممن لم يدرك مداركَ السنة الصحيحة على وجهها - عفا الله عنا وعنهم أجمعين - "والتائبُ من الذنب كمن لا ذنب له"، وإن تكرر منه الذنب مرارًا، فالتوبة تمحو الحوبة، وإن كثرت النوبة، والله أعلم.
٤٢٣ - إبراهيم بن جعمان .
مفتي زَبيد، كان عالمًا مدرسًا حافظًا محدثًا، وكانت إليه رئاسة مدينة زبيد، وكان مسموعَ الكلمة، مقبولَ الشفاعة، كثيرَ الشيوخ، أخذ عنه الكثير، وانتفعوا به، قال المحبي: كان إمامًا عالمًا خاشعًا، كثيرَ الذكر والخير، ملازمًا للمسجد، أُخذ الفقه والحديث، له فتاوى كثيرة، ورسالة في العروض سماها: "آية الحائر إلى الفلك من أحرف الدوائر"، أخذ عنه جماعة، منهم: الغزي، وكان يحسن إلى الطلبة، ويجيز من قرأ عليه، وكان ينظم شعرًا، ومن شعره في الإلهيات قولُه من أبيات:
قَصْدي رِضاكَ بكلِّ وجهٍ أمكنا ... فامْنُنْ عليَّ بذاكَ من قبل الفَنَا
ولَئِنْ رَضيتَ فذاكَ غايةُ مطلَبي ... والقصدُ كلُّ القصدِ بلْ كُلُّ المُنَى
لو أبذلَنْ رُوحي فِدًى لَرَأَيْتُها ... أمرًا حقيرًا في جَنابكَ هَيِّنَا
стр. 382
وكانت وفاته سنة ١٠٨٤ - رحمه الله تعالى -.
٤٢٤ - إبراهيم بن محمد الحلبي، ويعرف بابن الحنبلي .
قال في "آثار الأدهار": هو الإمامُ الفقيهُ العلامةُ المجتهدُ، صاحب التآليف، ولد في حلب، ورحل إلى دار السعادة، وولي ثَمَّةَ الخطابة في جامع السلطان محمد خان، ومن تآليفه: "شرح ألفية العراقي" في أصول الحديث، وله كتاب سماه: "تسفيه الغبي في تكفير ابن عربي" ردًا على السيوطي، وكتاب سماه: "الرهص والوقص لمستحل الرقص"، كتبه ردًا على رسالة الشيخ سنبل، وله كتاب "ملتقى الأبحر" في فروع الحنفية قدم فيه الراجح من أقوالهم، مشيرًا إلى الأصح والأقوى، وقد وقع الاتفاق على قبوله بين الحنفية، فرغ منه في سنة ٩٢٤، عُمَّر حتى بلغ من العمر تسعين عامًا، وكانت وفاته في سنة ٩٥٦ - رحمه الله تعالى -.
٤٢٥ - إبراهيم بن مصطفى، الحلبيُّ الحنفيُّ .
رحل إلى القاهرة، وأقام بها سبع سنين، وكان عالمًا فاضلاً، مكبًا على المطالعة مجتهدًا.
قدم دمشق، فأخذ بها عن جماعة، ثم عاد إلى القاهرة، وأثرى ثراء واسعًا، ثم نُكب، فرحل إلى قسطنطينية، وتخرج به كثير من علماء الروم، منهم: راغب باشا صاحب "السفينة"، توفي سنة ١١٩٠، ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري - رحمه الله تعالى -.
٤٢٦ - إبراهيم بن معقل، النَّسَفيُّ، الحنفيُّ .
كان من أكابر العلماء، وأصحاب الحديث الثقات، رحل في طلب العلم إلى الحجاز والعراق والشام ومصر، وكتب الكثير، وجمع السنة والتفسير، روى عنه جماعة كثيرة، وولي قضاء نسف، وتوفي سنة ٩٩٥ عن ٨٥ سنة، قاله ياقوت. وله كتاب "التفسير"، قال حجي خليفة: إنه ممن سمع "البخاري"، وفاته قطعةٌ من آخرها رواها بالإجازة.
стр. 383
٤٢٧ - إبراهيم الأحسائي، الحنفيُّ (١).
من أكابر العلماء، كان نَحْويًا متفننًا في علوم كثيرة، قرأ ببلاده على شيوخ كثيرين، وأخذ بمكة عن مفتيها عبد الرحمن بن عيسى المرشدي، له مؤلفات، منها: "دفع الأسى في أذكار الصبح والمسا"، وله أشعار كثيرة، منها:
ولا تَكُ في الدُّنيا مُضافًا، وكُنْ بها ... مُضافًا إليه إن قَدَرْتَ عليهِ
فكلُّ مُضافٍ للعواملِ عُرْضَةٌ ... وقد خُصَّ بالخفضِ المضافُ إليهِ
توفي سنة ١٠٤٨ بمدينة أحساء، قاله المحبي - رحمه الله تعالى -.
٤٢٨ - إبراهيم حنيف أفندي .
ذكره في "آثار الأدهار"، وقال: هو المولى الإمامُ الفاضلُ المجتهدُ الحافظُ عالمُ الروم، نبغ في المئة الثانية عشرة للهجرة، وولي التفتيش في الحرمين الشريفين، ومن مؤلفاته الجليلة: "أسامي أصحاب بدر"، و"تخريج الأحاديث لشرعة الإسلام"، و"شرح حديث: أم رزع"، وآخر في حديث الأربعين، ورسالة سماها: "الراسخ في المنسوخ والناسخ"، ورسالة في تفسير الآية: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، ألفه في سنة ١١٥٠، وقد ولي عدة مناصب، وهو والد أحمد حنيف زاده متمم كتاب "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" قاله حجي خليفة.
٤٢٩ - إبراهيم القزاز بنُ تيمور خان بنِ حمزةَ، الروميُّ الحنفيُّ، شيخُ الطائفة البيرامية .
له رسائل في علوم القوم، منها: "محرقة القلوب في الشوق لعلام الغيوب"،
стр. 384
أصله من بوسنه، ولد بها، ونشأ متعبدًا، ثم طاف البلاد، ولقي الأولياء الأمجاد.
وجد واجتهد، وصار له في كل بلد اسم يعرف به، فاسمه في بلاد الروم "علي" وفي مكة "حسن" وفي المدينة "محمد" وفي مصر "إبراهيم" وأقام بالحرمين مدة، ثم قدم مصر، فأقام بها، وكان في أكثر أوقاته يأوي إلى المقابر، وقد نعت بالأستاذ الكبير. وكانت وفاته في سنة ١٠٢٦، كذا في "آثار الأدهار".
٤٣٠ - إبراهيم اللقاني، المالكيُّ .
أحد الأعلام المشار إليهم بسعة الاطلاع في علم الحديث، والتبحر في الكلام، وكان إليه المرجع في المشكلات والفتاوى في وقته بالقاهرة، وكان قوي النفس، عظيم الهيبة، مقبول الشفاعة، جامعًا بين الشريعة والحقيقة، ألف التآليف النافعة، منها: "جوهرة التوحيد" - منظومة في علم العقائد، أخذ عنه كثير من الأجلاء، وله شعر جيد في الابتهال لعزته تعالى، توفي وهو راجع من الحج سنة ١٠٤١.
له حاشية على "شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، وهو متن متين في علم الحديث، هكذا في "الآثار"، وكان ينكر على أهل المواليد عقدهم مجلس الميلاد، ويجتنب الدخان، وألف في ذلك رسالة سماها: "نصيحة الإخوان في اجتناب الدخان".
والراجحُ أن شربَ الدخان مباح على البراءة الأصلية، وكون الأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي الدليل بكراهيته، ولا دليل (١) في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.
стр. 385
٤٣١ - ابن أبي جمرة: هو الإمامُ الحافظُ المحدثُ، أبو محمد، عبدُ الله بن سعيد، وقيل: سعد، الأزديُّ الأندلسيُّ .
عالم مفسر، له تصانيف عديدة، منها التفسير المعروف، وكتاب "بهجة النفوس في الحديث" اختصره من البخاري، وهو خمس مئة حديث، وكان شيخًا قدوة، توفي سنة ٥٢٥ للهجرة، وقيل: سنة ٦٩٥، كذا في "الآثار".
٤٣٢ - ابن أبي حاتم: هو أبو بكر، محمدُ بنُ حمدون، النيسابوريُّ، البيليُّ .
كان من أعيان المحدثين الثقات الجوالين في الأقطار، سمع بخراسان والعراق والشام والجزيرة، وروى عنه عليُّ بن جمثاد، وأبو علي الحافظ، وغيرهما.
وكانت وفاته في سنة ٤٢٠، قاله ياقوت.
٤٣٣ - ابن أبي ليلى: هو محمدُ بنُ عبد الرحمن .
قال في "الآثار": كان من أصحاب الرأي، وولي قضاء الكوفة، وأقام حاكمًا ثلاثًا وثلاثين سنة، ولي لبني أمية، ثم لبني العباس، وكان فقيهًا مفتيًا، وكانت بينه وبين أبى حنيفة وحشة يسيرة، ومعارضة في الأحكام، صنف في الفرائض، توفي بالكوفة - وهو على القضاء - سنة ١٤٨.
٤٣٤ - السيد عبد الوهاب بنُ محمدٍ الموصليُّ .
قال الشوكاني في "البدر الطالع": كتب إليَّ من شعره بنظم فائق، ومن جملة ما أخبرنا به خبر عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه وجد في جبل قاسيون من جبال الشام رجل من الجن، يقال له: قاضي الجن، واسمه شمهورش، وأنه أدرك الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، وأخذ عنه، فأخبرنا صاحب الترجمة، قال: أخبرنا السيد إسماعيلُ بنُ عبد الله الايدي جكلي نسبة إلى قرية بالروم، قال: أخبرنا أحمد بن محمد المنيني نزيلُ دمشق الشام، قال: أخبرنا عبد الغني بن إسماعيل النابلسي، عن القاضي شمهورش - قاضي الجن - بصحيح البخاري، عن البخاري، ومما أخبرنا به صاحب الترجمة: أن اعتماد حنفية هذا الزمان في
стр. 386
جميع ديار الروم والشام ومصر وغيرها في الفقه على المؤلفين: أحدهما: مؤلف الملا خسرو الرومي المسمى "بالدرر والغرر" متنًا وشرحًا، والمؤلف الآخر لمحمد أفندي مفتي دمشق المسمى "بالدر المختار"، وأخبرنا أن هذا محمد أفندي هو من أهل القرن الحادي عشر.
وقد طلب مني صاجا الترجمة بعض مؤلفاتي، فأعطيته "الدرر"، وشرحه "الدراري"، وقد تلقيت منه الذكر على الطريقة النقشبندية، انتهى حاصله.
٤٣٥ - الإمام الهادي عز الدين بن الحسن .
كان من ملوك اليمن الميمون، عالمًا بجميع العلوم، تلمذ على العامري صاحب "البهجة".
قال في "البدر الطالع": سمع منه "سنن أبي داود"، وأجازه في سائر كتب الحديث، وبرع في جميع العلوم، وصنف - وهو دون العشرين -، وشرحه للبحر شرح مفيد، سلك فيه طريقة الإنصاف، وهو يدل على تبحره في عدة علوم، دعا الناس إلى مبايعته، فبايعوه في سنة ٨٧٩، وهو من أكابر أئمة الآل في العلم والعمل، ولديه من التسليم للحق واتباع الدليل ما لم يكن لغيره، حتى رأيته قد حرر بحثًا في مسألة انحصار الإمامة في بعض بطون قريش، وتكلم بالصواب - مع كونه إذ ذاك إمامًا -، واستمرت إمامته إلى أن مات في سنة ٩٠٠، ومدة خلافته إحدى وعشرون سنة، انتهى.
٤٣٦ - قال في "البدر الطالع" في ترجمة السيد علي بن إبراهيم الإمام:
لا أعلم أنه غضب قَطُّ، أو خاصم في شيء منذُ عرفته إلى أن مات سنة ١٢٠٧، وليس له نظير في حفظ الأشعار لأهل الجاهلية والإسلام، وكتب من نفائس الكتب بخطه شيئًا كثيرًا، وكنت أعجب من سرعة ما يتحصل له من ذلك، مع شغلته بالتدريس، فسألته بعض الأيام عن ذلك، فقال: إنه لا يترك النسخ يومًا واحدًا، وإذا عرض له ما يمنع، فعل من النسخ شيئًا يسيرًا، ولو سطرًا واحدًا، أو سطرين، فلزمتُ قاعدته هذه، فرأيت في ذلك منفعة عظيمة، انتهى.
стр. 387
٤٣٧ - علي بن إبراهيم، حفيدُ صاحب "سُبل السلام ".
ذكر له الشوكاني ترجمة حسنة، وقال له: مصنفات، منها: "السر المصون من نكتة الإظهار والإضمار في أكثر الناس وأكثرهم لا يعلمون"، قال: والده من أعيان العلماء، وأكابر الفضلاء، جامع بين الشريعة والطريقة، عارف بفنون العلم، لا سيما التفسير والحديث، وله في التصوف والسلوك والوعظ يد طولى، مات سنة ١٢١٣، ومولده سنة ١١٤١، وولده هذا الآن ما بين الأربعين والخمسين من عمره - دامت فوائده، ومدت موائده -، انتهى. قلت: ثم مات - رحمه الله تعالى - سنة ١٢١٦.
٤٣٨ - القاضي علي بن أحمد بن عطية .
من علماء ذمار، ولد سنة ١٢٠٨، أو بعده بقليل، قال الشوكاني: له ميل إلى العمل بالأدلة، وفهم ثاقب، وإدراك تام، وله عناية بمؤلفاتي، وعملٌ بما فيها - زاد الله أهلَ العلم بأمثاله -، انتهى. أقول: مات في ذمار سنة ١٢٥٢ - رحمه الله تعالى -.
٤٣٩ - علي بن أحمد علاءُ الدين الحنفيُّ الروميُّ .
كان عالمًا كبيرًا جليلاً، حرر له الشوكاني ترجمة حسنة، وحكى أنه كان مفتيًا في زمن السلطان سليم خان، فاتفق أن السلطان حكم أن يضربوا أعناق مئة وخمسين رجلاً من حفظة الخزائن، فذهب إلى السلطان، وقال: وظيفة أرباب الفتوى أن يحفظوا آخرة السلطان، وقد سمعتُ أنك أمرت بقتل مئة وخمسين رجلاً، لا يجوز قتلُهم شرعًا، فغضب السلطان، وقال: إنك تتعرض لأمر السلطنة، وليس ذلك من وظيفتك، قال: بل أتعرض لأمر آخرتك، وإنه من وظيفتي، فإن عفوت، فلك النجاة، وإلا، كانت عليك العقوبة العظيمة، فسكن غضب السلطان، وعفا عن جميعهم، وله حكايات كثيرة من هذا الجنس، وماجرياتٌ مع السلطان، له كتاب "المختارات"، مات سنة ٩٣٢ - رحمه الله تعالى -.
стр. 388
٤٤٠ - علي بن إسماعيل النهميُّ .
كان من علماء صنعاء من تلامذة أحمد قاطن وغيره، بارع الذكاء، فائق الذهن، جيد الإدراك، حسن الأخلاق، كريم الصحبة، استفاد بذهنه الوقاد غرائبَ من المسائل.
قال الشوكاني: له ميل إلى الأدلة، وعمل بما يصح منها، وعدم الالتفات إلى محض الرأي، وله قوة في المباحثة، والتصرفات الذهنية، والاستنباطات العجيبة، وإقبال على معالي الأمور، ورغبة في الشرف، ولد سنة ١١٧٠، مات سنة ١٢٣٢، انتهى.
٤٤١ - السيد علي بن إسماعيل .
من نسل الإمام المتوكل على الله، كان من أئمة اليمن، وأكابر علماء الزمن، قال الشوكاني: وفد إلى صنعاء، وسمع مني رسالتي المسماة: "الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد"، وكذلك حضر معنا في قراءة مؤلفي المسمى "إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر"، وحصل كلا المؤلفين بخطه.
وبالجملة: فقد دار بيني وبينه من المساجلات الأدبية والمكاتبات الشعرية ما يكثر سردُ بعضه، وقد رقمتُ بعضَ ذلك في مجموع شعري، ثم مات في سنة ١٢٢٩، انتهى.
٤٤٢ - علي بن يوسف القونويُّ، علاءُ الدين الشافعيُّ .
ولد في قونية من بلاد الروم في سنة ٦٦٨، تلمذ على الحافظ ابن القيم، وابن دقيق العيد، وابن عساكر، وغيرهم من أكابر العلماء، وبرع في جميع العلوم والفنون.
قال في "البدر الطالع": وكان السلطان ناصر يعظمه، ويثني عليه، ثم ولاه قضاء دمشق، ولم تكن له في الحكم تهمة.
وكان كثير الفنون، كثير الإنصاف، كثير الكتب. وكان يعظم الشيخ تقي الدين بن تيمية، ويذب عنه، ويقال: إن الناصر قال له: إذا وصلتَ إلى دمشق،
стр. 389
قل للنائب يفرج عن ابن تيمية، قال: يا خاوند! لأي معنى سجن؟ قال: لأجل الفتاوى، قال: فإن كان رجع عنها، أفرجنا عنه، فيقال: كان هذا الجواب سببًا لاستمرار ابن تيمية في السجن إلى أن مات؛ لأنه كان لا يذعن للرجوع، ولما خرج ابن القيم من القلعة، وأتاه، بَشَّ به، وأكرمه، ووصله، وكان يثني على أبحاثه، ومن شعره:
غَمَرَتْني المكارمُ الغُرُّ منكَ ... إذْ توالَتْ عَلَيَّ منها فُنونُ
شَرْطُ إحسانِكُمْ تَحَقَّقَ عندي ... ليتَ شعري الجزاءُ كيفَ يكونُ
مات بدمشق سنة ٧٣٩، وتأسف الناس على فقده، انتهى - رحمه الله تعالى -.
٤٤٣ - علي بن أبي بكر بنِ سليمانَ، الهيثميُّ، الشافعيُّ، الحافظ .
ولد في رجب سنة ٧٣٥ بالقاهرة، ونشأ بها، وهو مكثر سماعًا وشيوخًا، ولم يكن الزين يعتمد في شيء من أموره إلا عليه، وزوجه ابنته، ورزق منها أولادًا عدة. وكان عجيبًا في الدين والتقوى والزهد، والإقبال على العلم والعبادة، والمحبة للحديث وأهله، وحدث بالكثير، أخذ الناس عنه وأكثروا، مات في سنة ٨٠٧. قال ابن حجر: إنه تتبع أوهامه في "مجمع الزوائد"، فبلغه، فعاتبه، فترك التتبع.
٤٤٤ - الملا علي القاري الهرويُّ .
هاجر إلى مكة المكرمة، وتلمذ على ابن حجر المكي - فقيه حنفي -. له "المرقاة في شرح المشكاة"، و"شرح الشفا" للقاضي عياض، و"الحزب الأعظم في الأدعية"، و"الناموس في مختصر القاموس".
بالغ العصامي في مديحه، لكن قال: امتُحن بالاعتراض على الأئمة، لا سيما الشافعي وأصحابه، واعترض على الإمام مالك بن أنس في إرساله يديه، ولهذا تجد مؤلفاته ليس عليها نور العلم، ولهذا نهى عن مطالعتها كثيرٌ من العلماء والأولياء، انتهى. قال الشوكاني - رح -: وأقول: هذا دليل على علو
стр. 390
منزلته؛ فإن المجتهدَ شأنهُ أن يبين ما يخالف الأدلة الصحيحة ويعترضه، سواء كان قائله عظيمًا، أو حقيرًا، ع * فتلك شكاة ظاهر عنك عارها *، وكانت وفاة صاحب الترجمة سنة ١٠١٤ - رحمه الله تعالى -.
٤٤٥ - قال الشوكاني - رحمه الله تعالى - في "البدر الطالع": مولانا الإمامُ خليفةُ العصر، أميرُ المؤمنين المنصورُ بالله ربِّ العالمين، عليُّ بنُ الإمام المهديِّ العباسِ بنِ المنصورِ الحسين بنِ المتوكل القاسم بنِ الحسين .
وأطال في ترجمة إخوانه وأولاده إطالة حسنة، وقال في ضمنها: ولي القضاء الأكبر عند مبايعته القاضي العلامة يحيى بن صالح السحولي، فلما مات، وكنت إذ ذاك مشتغلاً بالتدريس في علوم الاجتهاد والإفتاء والتصنيف، منجمعًا عن الناس، لا سيما أهل الأمر وأرباب الدولة، فإني لا أتصل بأحد منهم كائنًا من كان، ولم تكن لي رغبة في سوى العلوم، كنت أدرس الطلبة في اليوم الواحد نحو ثلاثة عشر درسًا، منها: ما هو في التفسير؛ كالكشاف وحواشيه، ومنها: ما هو في الأصول؛ كالعضد وحواشيه، والغاية وحاشيتها، وجمع الجوامع وشرحه، ومنها: ما هو في المعاني والبيان؛ كالمطول، والمختصر، وحواشيهما، ومنها: ما هو في النحو؛ كشرح الرضي، والمغني، ومنها: ما هو في الفقه؛ كالبحر، وضوء النهار، ومنها: ما هو في الحديث؛ كالصحيحين، وغيرهما - مع ما يعرض من تحرير الفتاوى، ويمكن من التصنيف، فلم أشعر إلا بطلاب من الخليفة - حفظه الله - بعد وفاة القاضي السحولي بنحو أسبوع، فعزمت إلى مقامه العالي، فذكر لي أنه قد رجح قيامي مقام القاضي المذكور، فاعتذرت إليه بما كنت فيه من الاشتغال بالعلم، فقال: القيام بالأمرين ممكن، وليس المراد إلا القيام بفصل ما يصل من الخصومات إلى ديوانه العالي في يومي اجتماع الحكام فيه، فقلت: ستقع مني الاستخارة لله، والاستشارة لأهل الفضل، وما اختاره الله فالخير فيه، فلما فارقته، ما زلت مترددًا نحو أسبوع.
ولكنه رفد إلي كلَّ من ينتسب إلى العلم في مدينة صنعاء، وأجمعوا على أن الإجابة واجبة، وأنهم يخشون أن يدخل في هذا المنصب الذي إليه مرجع