جميع ديار الروم والشام ومصر وغيرها في الفقه على المؤلفين: أحدهما: مؤلف الملا خسرو الرومي المسمى "بالدرر والغرر" متنًا وشرحًا، والمؤلف الآخر لمحمد أفندي مفتي دمشق المسمى "بالدر المختار"، وأخبرنا أن هذا محمد أفندي هو من أهل القرن الحادي عشر.
وقد طلب مني صاجا الترجمة بعض مؤلفاتي، فأعطيته "الدرر"، وشرحه "الدراري"، وقد تلقيت منه الذكر على الطريقة النقشبندية، انتهى حاصله.
٤٣٥ - الإمام الهادي عز الدين بن الحسن .
كان من ملوك اليمن الميمون، عالمًا بجميع العلوم، تلمذ على العامري صاحب "البهجة".
قال في "البدر الطالع": سمع منه "سنن أبي داود"، وأجازه في سائر كتب الحديث، وبرع في جميع العلوم، وصنف - وهو دون العشرين -، وشرحه للبحر شرح مفيد، سلك فيه طريقة الإنصاف، وهو يدل على تبحره في عدة علوم، دعا الناس إلى مبايعته، فبايعوه في سنة ٨٧٩، وهو من أكابر أئمة الآل في العلم والعمل، ولديه من التسليم للحق واتباع الدليل ما لم يكن لغيره، حتى رأيته قد حرر بحثًا في مسألة انحصار الإمامة في بعض بطون قريش، وتكلم بالصواب - مع كونه إذ ذاك إمامًا -، واستمرت إمامته إلى أن مات في سنة ٩٠٠، ومدة خلافته إحدى وعشرون سنة، انتهى.
٤٣٦ - قال في "البدر الطالع" في ترجمة السيد علي بن إبراهيم الإمام:
لا أعلم أنه غضب قَطُّ، أو خاصم في شيء منذُ عرفته إلى أن مات سنة ١٢٠٧، وليس له نظير في حفظ الأشعار لأهل الجاهلية والإسلام، وكتب من نفائس الكتب بخطه شيئًا كثيرًا، وكنت أعجب من سرعة ما يتحصل له من ذلك، مع شغلته بالتدريس، فسألته بعض الأيام عن ذلك، فقال: إنه لا يترك النسخ يومًا واحدًا، وإذا عرض له ما يمنع، فعل من النسخ شيئًا يسيرًا، ولو سطرًا واحدًا، أو سطرين، فلزمتُ قاعدته هذه، فرأيت في ذلك منفعة عظيمة، انتهى.
стр. 387
٤٣٧ - علي بن إبراهيم، حفيدُ صاحب "سُبل السلام ".
ذكر له الشوكاني ترجمة حسنة، وقال له: مصنفات، منها: "السر المصون من نكتة الإظهار والإضمار في أكثر الناس وأكثرهم لا يعلمون"، قال: والده من أعيان العلماء، وأكابر الفضلاء، جامع بين الشريعة والطريقة، عارف بفنون العلم، لا سيما التفسير والحديث، وله في التصوف والسلوك والوعظ يد طولى، مات سنة ١٢١٣، ومولده سنة ١١٤١، وولده هذا الآن ما بين الأربعين والخمسين من عمره - دامت فوائده، ومدت موائده -، انتهى. قلت: ثم مات - رحمه الله تعالى - سنة ١٢١٦.
٤٣٨ - القاضي علي بن أحمد بن عطية .
من علماء ذمار، ولد سنة ١٢٠٨، أو بعده بقليل، قال الشوكاني: له ميل إلى العمل بالأدلة، وفهم ثاقب، وإدراك تام، وله عناية بمؤلفاتي، وعملٌ بما فيها - زاد الله أهلَ العلم بأمثاله -، انتهى. أقول: مات في ذمار سنة ١٢٥٢ - رحمه الله تعالى -.
٤٣٩ - علي بن أحمد علاءُ الدين الحنفيُّ الروميُّ .
كان عالمًا كبيرًا جليلاً، حرر له الشوكاني ترجمة حسنة، وحكى أنه كان مفتيًا في زمن السلطان سليم خان، فاتفق أن السلطان حكم أن يضربوا أعناق مئة وخمسين رجلاً من حفظة الخزائن، فذهب إلى السلطان، وقال: وظيفة أرباب الفتوى أن يحفظوا آخرة السلطان، وقد سمعتُ أنك أمرت بقتل مئة وخمسين رجلاً، لا يجوز قتلُهم شرعًا، فغضب السلطان، وقال: إنك تتعرض لأمر السلطنة، وليس ذلك من وظيفتك، قال: بل أتعرض لأمر آخرتك، وإنه من وظيفتي، فإن عفوت، فلك النجاة، وإلا، كانت عليك العقوبة العظيمة، فسكن غضب السلطان، وعفا عن جميعهم، وله حكايات كثيرة من هذا الجنس، وماجرياتٌ مع السلطان، له كتاب "المختارات"، مات سنة ٩٣٢ - رحمه الله تعالى -.
стр. 388
٤٤٠ - علي بن إسماعيل النهميُّ .
كان من علماء صنعاء من تلامذة أحمد قاطن وغيره، بارع الذكاء، فائق الذهن، جيد الإدراك، حسن الأخلاق، كريم الصحبة، استفاد بذهنه الوقاد غرائبَ من المسائل.
قال الشوكاني: له ميل إلى الأدلة، وعمل بما يصح منها، وعدم الالتفات إلى محض الرأي، وله قوة في المباحثة، والتصرفات الذهنية، والاستنباطات العجيبة، وإقبال على معالي الأمور، ورغبة في الشرف، ولد سنة ١١٧٠، مات سنة ١٢٣٢، انتهى.
٤٤١ - السيد علي بن إسماعيل .
من نسل الإمام المتوكل على الله، كان من أئمة اليمن، وأكابر علماء الزمن، قال الشوكاني: وفد إلى صنعاء، وسمع مني رسالتي المسماة: "الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد"، وكذلك حضر معنا في قراءة مؤلفي المسمى "إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر"، وحصل كلا المؤلفين بخطه.
وبالجملة: فقد دار بيني وبينه من المساجلات الأدبية والمكاتبات الشعرية ما يكثر سردُ بعضه، وقد رقمتُ بعضَ ذلك في مجموع شعري، ثم مات في سنة ١٢٢٩، انتهى.
٤٤٢ - علي بن يوسف القونويُّ، علاءُ الدين الشافعيُّ .
ولد في قونية من بلاد الروم في سنة ٦٦٨، تلمذ على الحافظ ابن القيم، وابن دقيق العيد، وابن عساكر، وغيرهم من أكابر العلماء، وبرع في جميع العلوم والفنون.
قال في "البدر الطالع": وكان السلطان ناصر يعظمه، ويثني عليه، ثم ولاه قضاء دمشق، ولم تكن له في الحكم تهمة.
وكان كثير الفنون، كثير الإنصاف، كثير الكتب. وكان يعظم الشيخ تقي الدين بن تيمية، ويذب عنه، ويقال: إن الناصر قال له: إذا وصلتَ إلى دمشق،
стр. 389
قل للنائب يفرج عن ابن تيمية، قال: يا خاوند! لأي معنى سجن؟ قال: لأجل الفتاوى، قال: فإن كان رجع عنها، أفرجنا عنه، فيقال: كان هذا الجواب سببًا لاستمرار ابن تيمية في السجن إلى أن مات؛ لأنه كان لا يذعن للرجوع، ولما خرج ابن القيم من القلعة، وأتاه، بَشَّ به، وأكرمه، ووصله، وكان يثني على أبحاثه، ومن شعره:
غَمَرَتْني المكارمُ الغُرُّ منكَ ... إذْ توالَتْ عَلَيَّ منها فُنونُ
شَرْطُ إحسانِكُمْ تَحَقَّقَ عندي ... ليتَ شعري الجزاءُ كيفَ يكونُ
مات بدمشق سنة ٧٣٩، وتأسف الناس على فقده، انتهى - رحمه الله تعالى -.
٤٤٣ - علي بن أبي بكر بنِ سليمانَ، الهيثميُّ، الشافعيُّ، الحافظ .
ولد في رجب سنة ٧٣٥ بالقاهرة، ونشأ بها، وهو مكثر سماعًا وشيوخًا، ولم يكن الزين يعتمد في شيء من أموره إلا عليه، وزوجه ابنته، ورزق منها أولادًا عدة. وكان عجيبًا في الدين والتقوى والزهد، والإقبال على العلم والعبادة، والمحبة للحديث وأهله، وحدث بالكثير، أخذ الناس عنه وأكثروا، مات في سنة ٨٠٧. قال ابن حجر: إنه تتبع أوهامه في "مجمع الزوائد"، فبلغه، فعاتبه، فترك التتبع.
٤٤٤ - الملا علي القاري الهرويُّ .
هاجر إلى مكة المكرمة، وتلمذ على ابن حجر المكي - فقيه حنفي -. له "المرقاة في شرح المشكاة"، و"شرح الشفا" للقاضي عياض، و"الحزب الأعظم في الأدعية"، و"الناموس في مختصر القاموس".
بالغ العصامي في مديحه، لكن قال: امتُحن بالاعتراض على الأئمة، لا سيما الشافعي وأصحابه، واعترض على الإمام مالك بن أنس في إرساله يديه، ولهذا تجد مؤلفاته ليس عليها نور العلم، ولهذا نهى عن مطالعتها كثيرٌ من العلماء والأولياء، انتهى. قال الشوكاني - رح -: وأقول: هذا دليل على علو
стр. 390
منزلته؛ فإن المجتهدَ شأنهُ أن يبين ما يخالف الأدلة الصحيحة ويعترضه، سواء كان قائله عظيمًا، أو حقيرًا، ع * فتلك شكاة ظاهر عنك عارها *، وكانت وفاة صاحب الترجمة سنة ١٠١٤ - رحمه الله تعالى -.
٤٤٥ - قال الشوكاني - رحمه الله تعالى - في "البدر الطالع": مولانا الإمامُ خليفةُ العصر، أميرُ المؤمنين المنصورُ بالله ربِّ العالمين، عليُّ بنُ الإمام المهديِّ العباسِ بنِ المنصورِ الحسين بنِ المتوكل القاسم بنِ الحسين .
وأطال في ترجمة إخوانه وأولاده إطالة حسنة، وقال في ضمنها: ولي القضاء الأكبر عند مبايعته القاضي العلامة يحيى بن صالح السحولي، فلما مات، وكنت إذ ذاك مشتغلاً بالتدريس في علوم الاجتهاد والإفتاء والتصنيف، منجمعًا عن الناس، لا سيما أهل الأمر وأرباب الدولة، فإني لا أتصل بأحد منهم كائنًا من كان، ولم تكن لي رغبة في سوى العلوم، كنت أدرس الطلبة في اليوم الواحد نحو ثلاثة عشر درسًا، منها: ما هو في التفسير؛ كالكشاف وحواشيه، ومنها: ما هو في الأصول؛ كالعضد وحواشيه، والغاية وحاشيتها، وجمع الجوامع وشرحه، ومنها: ما هو في المعاني والبيان؛ كالمطول، والمختصر، وحواشيهما، ومنها: ما هو في النحو؛ كشرح الرضي، والمغني، ومنها: ما هو في الفقه؛ كالبحر، وضوء النهار، ومنها: ما هو في الحديث؛ كالصحيحين، وغيرهما - مع ما يعرض من تحرير الفتاوى، ويمكن من التصنيف، فلم أشعر إلا بطلاب من الخليفة - حفظه الله - بعد وفاة القاضي السحولي بنحو أسبوع، فعزمت إلى مقامه العالي، فذكر لي أنه قد رجح قيامي مقام القاضي المذكور، فاعتذرت إليه بما كنت فيه من الاشتغال بالعلم، فقال: القيام بالأمرين ممكن، وليس المراد إلا القيام بفصل ما يصل من الخصومات إلى ديوانه العالي في يومي اجتماع الحكام فيه، فقلت: ستقع مني الاستخارة لله، والاستشارة لأهل الفضل، وما اختاره الله فالخير فيه، فلما فارقته، ما زلت مترددًا نحو أسبوع.
ولكنه رفد إلي كلَّ من ينتسب إلى العلم في مدينة صنعاء، وأجمعوا على أن الإجابة واجبة، وأنهم يخشون أن يدخل في هذا المنصب الذي إليه مرجع
стр. 391
الأحكام الشرعية في جميع الأقطار اليمنية مَنْ لا يوثق بدينه وعلمه، وأكثروا من هذا، وأرسلوا إليّ بالرسائل المطولة، فقبلت مستعينًا بالله، ومتكلاً عليه، ولم يقع التوقف على مباشرة الخصومات في اليومين فقط، بل انثار الناس من كل محل، فاستغرقت في ذلك جميع الأوقات إلا لحظات يسيرة قد أفرغها للنظر في شيء من كتب العلم، أو لشيء من التحصيل في تتميم ما قد كنت شرعت فيه، واشتغل الذهن شغلة كبيرة، وتكدر الخاطر تكدرًا زائدًا، ولا سيما وأنا لا أعرف الأمور الاصطلاحية في هذا الشأن، ولم أحضر عند قاطن في خصومة، ولا في غيرها، بل كنت لا أحضر في مجالس الخصومة عند والدي - رحمه الله تعالى - من أيام الصغر فما بعدها.
ولكن شرح الله الصدر، وأعان على القيام بذلك الشأن، ومولانا الخليفة - حفظه الله - ما ترك شيئًا من التعظيم إلا وفعله، وكان يجلني إجلالاً عظيمًا، وينفذ الشريعة على قرابته وأعوانه، بل على نفسه، وأنا حالَ تحرير هذه الأحرف في سنة ١٢١٣ مستمر على مباشرة تلك الوظيفة مؤثرًا التدريس للطلبة في بعض الأوقات في مصنفاتي وغيرها، وأسأل الله بحوله وطَوْله أن يرشدني إلى مراضيه، ويحولَ بيني وبين معاصيه، وييسر لي الخير حيث كان، ويدفع عني الشر، ويقيمني في مقام العدل، ويختار لي ما علم فيه الخير في الدين والدنيا.
وفي رمضان سنة ١٢٢٤ توفي مولانا الإمام بداره المسماة بدار الإسعاد، وكان الذي صلى عليه في جمع جَمٍّ راقمُ هذه الأحرف. ووقعت البيعة لولده مولانا الإمام المتوكل على الله، أحمد بن المنصور في الليلة التي مات فيها الإمام، وكنت أول من بايعه، ثم كنت المتولي لأخذ البيعة له من إخوته وأعمامه وسائر آل الإمام القاسم، وجميع أعيان العلماء والرؤساء، وكانت البيعة منهم في أوقات، والله المسؤول أن يجعل فيه للمسلمين صلاحًا وفلاحًا، انتهى، كلامه.
أقول: وما جرى لحضرة الأستاذ ﵁ من ولاية القضاء، جرى لنا أيضًا مثله من ولاية فصل الخصومات في منزلنا هذا، من جهة واليته - أصلح الله حالها ومآلها - وكان ذلك على إكراه منا، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
стр. 392
إنَّ الولايةَ ليس فيها راحةٌ ... إلا ثلاثٌ يبتغيها العاقلُ
حكمٌ بحقًّ أو إزالةُ باطل ... أو نفعُ محتاجٍ، سواها باطلُ
ثم أقول والحالة هذه:
لعمرُكَ إنَّ لي نفسًا تَسامَى ... إلى ما نيل دار ابنِ دارا
فمِنْ هذا أرى الدنيا هباءً ... ولا أرضى سوى الفردوسِ دارا
اللهمَّ يا مالك الملك! اجعلني في حل مما أنا فيه، واجعل باقي عمري خيرًا من ماضيه، ولا تجعلْني ممن قلت فيهم: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]، وإن كانت والية هذه الحوزة الإسلامية في محاسن صفاتها ومكارم ذاتها - حفظها الله تعالى - سيدة الرؤساء الحاضرين وتاجهم، ولا أقدر على أن أبوح بما تفضلَتْ به عليَّ من عطاياها؛ فإنها لا تحملها إلا مطاياها، جعلها الله تعالى وإيانا من إمائه وعبيده الصلحاء، وختم لها ولنا بالحسنى.
٤٤٦ - السيد علي بنُ عبدِ الله بنِ أحمدَ، جلالُ الصنعانيُّ .
ولد في سنة ١١٦٩، وقرأ على علماء صنعاء؛ كصاحب "البدر التمام"، والسيد عبد القادر الكوكباني.
قال الشوكاني - رح -: برع في الحديث والتفسير، وشارك في الفروع مشاركة قوية، وتتبع الأدلة، فعمل بها، ولم يقلد أحدًا، وانتفع به الطلبة في جميع الفنون، وأخذوا عنه في جميع علوم الاجتهاد، وفيهم من النبلاء جماعة كثيرة، وهو من محاسن العصر، وأفراد الدهر، مُكِبٌّ على العلوم في جميع الأوقات، قويُّ الحفظ، سريعُ الفهم، صحيحُ الذهن، جعله مولانا الإمام من جملة قضاة صنعاء، وعظمه بما يستحقه بعد أن عرفته بجلالة مقداره، وأشرت إليه بنصبه، وقد دار بيني وبينه مباحثات نافعة، ومراجعات جيدة، ومطارحات أدبية، وترافقنا في القراءة على شيخنا المغربي في "الكشاف"، وفي "شرح بلوغ المرام". توفي - رح - في سنة ١٢٤٠، انتهى.
стр. 393
٤٤٧ - علي بن قاسم حنش، وزيرُ الإمام المهدي .
ولد سنة ١١٤٣، سكن بصنعاء، وهو من نوادر الدهر في جميع أوصافه، وله في العلم حظ وافر، وفي الأدب سهم قامر، وقد رأى نفسه أميرًا، كما رآها فقيرًا، تارة في اليفاع، وتارة في أخفى البقاع، وهو الآن في قيد الحياة قد جاوز السبعين. ومن محاسن كلامه الذي سمعته منه قوله: الناس على طبقات ثلاث: فالطبقة العليا: العلماءُ الأكابر، وهم يعرفون الحق من الباطل، وإن اختلفوا، لم تنشأ عن اختلافهم الفتن؛ لعلمهم بما عند بعضهم بعضًا، والطبقة السافلة: العامة، وهم على الفطرة، لا ينفرون عن الحق، وهم أتباع من يقتدون به، إن كان محقًا، كانوا مثله، وإن كان مبطلاً، كانوا كذلك، والطبقة المتوسطة: هي منشأ الشر، وأصل الفتن الناشبة في الدين، وهم الذين لم يُمْعِنوا في العلم حتى يرتقوا إلى رتبة الطبقة العليا، ولا تركوه حتى يكونوا من أهل الطبقة السافلة، فإنهم إذا رأوا أحدًا من أهل الطبقة العليا يقول بقول لا يعرفونه؛ مما يخالف عقائدهم التي أوقعهم فيها القصور، فَوَّقوا إليه سهامَ التقريع، ونسبوه إلى كل قول شنيع، وغيروا فطرة أهل الطبقة السفلى على قبول الحق تمويهات باطلة، فعند ذلك تقوم الفتن الدينية على ساق. هذا معنى كلامه الذي سمعناه منه، وقد صدق، فإن من تأمل ذلك، وجده كذلك. مات - رحمه الله تعالى - سنة ١٢١٩، انتهى كلام الشوكاني ﵁.
٤٤٨ - علي بن محمد الشوكاني .
هو والد قاضي القضاة شيخنا وبركتنا محمد بن علي الشوكاني، ذكر له في "البدر الطالع" ترجمة حافلة حسنة نافعة، وأوصل نسبه الشريف بعد التنقيح الكامل والتصحيح الشامل أبا عن جد إلى هود ﵇، وبين ما فيه من الاختلاف إلى أبي البشر آدم ﵇. وقال: إن شوكان اسمُ موضع، وبعدما بسط في تحقيق ذلك، قال: إنه من قرية هجرة شوكان، وهذه الهجرة قرية معمورة بأهل فضل وصلاح ودين من قديم الزمان، ولم تَخْلُ قط من وجود عالم كامل، مرة في بطن، وأخرى في بطن، ولهم عند سلف الأئمة جلالة
стр. 394
عظيمة، وفيهم رؤساء كبار ناصروا الأئمة، ولا سيما في حروب الأتراك؛ فإن لهم في ذلك اليد البيضاء، وقد اشتهر جماعة من أهل المحل المذكور - أعني: هجرة شوكان - بالعلم والفضل، فمنهم: العلامة الحسين بن علي الشوكاني، وأحمد بن سعيد الهبل، ومحمد بن أحمد الهبل - عم أم شيخنا الشوكاني -، ومنهم: حسن بن صالح الشوكاني، ومنهم: والد الإمام الشوكاني المترجَم له، برع في علم الفقه والفرائض، وكان بقيةَ السلف في التفسير والحديث، ودرَّس وأفتى، وولاه الإمامُ المهدي العباسُ بن الحسين القضاءَ بالجهات الخولانية - خولان صنعاء -، ثم اعتذر عنه، فولاه القضاء بصنعاء، قال في "البدر الطالع": ولقد كان - تغشاه الله برحمته ورضوانه - من عجائب الزمن، ومَنْ عرفه حقَّ المعرفة، تيقن أنه من أولياء الله.
ولقد بلغ بي إلى حد من البر والشفقة والإعانة على طلب العلم وقيام بما احتاج إليه مبلغًا عظيمًا؛ بحيث لم يكن لي شغلة بغير الطلب، فجزاه الله خيرًا، وكافاه بالحسنى، وهو في آخر أيامه قرأ علي في "صحيح البخاري"، ولم يزل مستمرًا على حاله الجميل، معرضًا عن القال والقيل، ماشيًا على أهدى سبيل حتى توفاه الله سنة ١٢١١.
ولم يباشر شيئًا مما يتعلق بالقضاء قبل موته بنحو سنتين، بل تجرد للاشتغال بالطاعة، والمواظبة على الجُمَع والجماعة، ولم يكن له التفات إلى غير أعمال الآخرة - رح -. وترك ولدين: أكبرهما محمد، وهو جامع هذا الكتاب، ويحيى، وهو الآن مشتغل بقراءة علوم الاجتهاد، وقد انتفع في أنواع منها، مع كمال اشتغاله بعلم الفروع، انتهى.
٤٤٩ - علي بن محمد بنِ عليِّ الشوكاني - ولدُ شيخنا العلامة الشوكاني .
ولد يوم عاشوراء من محرم سنة ١٢١٧، وتلمذ على القاضي عبد الله العنسي، ويحيى الرومي، وأحمد الكبسي، وعلي الطفري، قال في "البدر الطالع": هو حسن الفهم، جيد التصور، قوي الإدراك، وهو الآن في حال الطلب في علوم الاجتهاد، مع عناية تامة، وحرص كامل، وله سماع في الكتب
стр. 395
الحديثية عليَّ، وفي شرحي للمنتقى، وفي مؤلفي "السيل الجرار"، وفي تفسيري، وغير ذلك مع الطلبة، فتح الله عليه أبواب معارفه، وجعله من العلماء العاملين، ورفع شأنه، وبارك فيه، وجعله لي قرة عين بحوله وطوله، وهو في كل مدة يسيرة يزداد عرفانًا، ويكتسب علمًا وتحقيقًا، حتى صار الآن من أعيان أهل العلم بصنعاء، انتهى.
ومن مؤلفاته كتاب "الدرر الفاخرة الشاملة على سعادة الدنيا والآخرة"، وهو عندي، انتفعت به، وقد جمع فتاوى والده في مجلدين، وسماه: "الفتح الرباني في فتاوى الشوكاني"، وهو مشتمل على أبحاث شريفة، ورسائل مجموعة لطيفة، ومسائل نظيفة، تتعلق بعلم التفسير، والحديث والفقه، والأصول واللغة وغيرها، وقد استفدت منها في كتابي "دليل الطالب على أرجح المطالب"، وهو كتاب نافع جدًا.
٤٥٠ - السيد علي بن محمد بن أبي القاسم، مؤلف "تجريد الكشاف ".
له تفسير في ثمانية مجلدات، تلمذ عليه الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير، ولما ترك ابن الوزير التقليد وصار متبحرًا في المعارف والعلوم، قام عليه صاحب الترجمة بالإنكار، وأرسل إليه برسالة تدل على عدم الإنصاف ومزيد التعصب، فحرر ابن الوزير في جوابه كتابه "العواصم والقواصم"، قال في "البدر الطالع"، وهو الكتاب الذي لم يؤلف في هذه الديار اليمنية مثله، انتهى. وهذا الكتاب ومختصره المسمى "بالروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم" موجودان عند راقم هذه الأحرف.
٤٥١ - السيد علي بن محمد بن علي، عالم الشرق، المعروف بالسيد الشريف الجرجاني .
من أولاد محمد بن زيد الداعي، ولد سنة ٧٤٠، كان علامة مشهورًا في الآفاق، ذكر الشوكاني مؤلفاته، وقال: كان مقريًا مفتيًا، أخذ عنه الأكابر، وهو والسعد التفتازاني حجتان في العلوم، عند علماء المعجم ونبلاء الروم، وجرى بينهما مباحثات في مجلس تيمور الأعرج، ثم اختلف الناس في أن أيهما محق،
стр. 396
وهذا الاختلاف دائر بين أهل العلم في جميع الأزمنة، ومال علماء الروم إلى ترجيح جانب الشريف، وافتخر الناس بأخذ العلوم منه. توفي - رح - سنة ٨١٤، أو سنة ٨١٦ في شيراز.
٤٥٢ - فرج (١) بن برقوق الجركسي، الملقب بناصر.
ولد سنة ٧٥١. قال في "البدر الطالع": وكان سلطانًا مهيبًا، فارسًا كريمًا، فتاكًا ظالمًا جبارًا، منهمكًا على الخمر واللذات، طامعًا في أموال الناس، والعجب أن هذا السلطان المشتمل على هذه الأوصاف، هو المحدث للمقامات في بيت الله الحرام، التي كانت سببًا لتفريق الجماعات، واختلاف القلوب، والتباين الكلي في أشرف بقاع الأرض، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وليس العجب من صاحب الترجمة، فإنها إحدى مساويه وجهالاته.
ولكن العجب من تقرير مَنْ بعده لذلك، وسكوت العلماء إلى الآن، وقد ذكر قطب الدين الحنفي في الأعلام ما يدل على أنه أنكر هذه الجماعات علماءُ ذلك العصر، فقال في ترجمة السلطان سليم خان - سلطان الروم - ما لفظه: أن تعدد الجماعات في مسجد واحد لاستقلال كل مذهب بإمام، ما أجازه كثير من العلماء، وأنكروه غاية الإنكار في ذلك العهد، ولهم في ذلك العصر رسالات متعددة بأيدي الناس إلى الآن، وإن علماء مصر أفتوا بعدم جواز ذلك، وخطؤوا من قال بجواز ذلك، انتهى.
стр. 397
٤٥٣ - السيد قاسم بن أحمد بن عبد الله .
من نسل الإمام المهدي، ولد سنة ١١٦٦. عالم عارف شاعر أديب فقيه، حرر له في البدر الطالع ترجمة حسنة، وقال: قد استمر الاتصال بيني وبينه زيادة على خمس عشرة سنة، قلَّ أن يمضي يوم من الأيام لا نجتمع فيه، ثم ذكر بعض المطارحات الأدبية التي جرت معه، وذكر أبياته وأشعاره، وفي تلك الأبيات حطَّ على الصوفية، قال: فأجبته برسالة، وقد أوضحت في تلك الرسالة حال كل واحد من هؤلاء، وأوردت نصوص كتبهم، وبينت أقوال العلماء في شأنهم، وكان تحرير هذا الجواب في عنفوان الشباب، وأنا الآن أتوقف في حال هؤلاء، وأتبرأ من كل ما كان من أقوالهم مخالفًا لهذه الشريعة البيضاء الواضحة التي ليلُها كنهارها، ولم يتعبدني الله بتكفير من صار في ظاهر أمره من أهل الإسلام، وهَبْ أن المراد بما في كتبهم، وما نُقل عنهم من الكلمات المستنكرة المعنى الظاهر المدلول العربي، وأنه قاض على قائله بالكفر البواح، والضلال الصراح، فمن أين لنا أن قائله لم يتب عنه؟ ونحن لو كنا في عصره، بل في مصره الذي يعالج فيه سكرات الموت، لم يكن لنا إلى القطع بعدم التوبة سبيل؛ لأنها تقع من العبد بمجرد عقد القلب ما لم يغرغر بالموت، فكيف وبيننا وبينهم من السنين عدة مئين؟ ولا يصح الاعتراض على هذا بالكفار، فيقال: هذا التجويز ممكن في الكفار على اختلاف أنواعهم؛ لأنا نقول: فرقٌ بين مَنْ أصله الإسلام، ومن أصلُه الكفر؛ فإن الحمل على الأصل مع اللبس هو الواجب، لا سيما والخروج من الكفر إلى الإسلام لا يكون إلا بأقوال وأفعال، لا بمجرد عقد القلب والتوجه بالنية المشتملة على الندم والعزم على عدم المعاودة، فإن ذلك يكفي في التوبة، ولا يكفي في مصير الكافر مسلمًا، وأيضًا فرق بين كفر التأويل، وكفر التصريح، على أني لا أثبت كفرًا لتأويل كما حققته في غير هذا الموطن، وفي هذه الإشارة كفاية لمن له هداية، وفي ذنوبنا التي قد أثقلت ظهورنا لقلوبنا أعظم شغلة، وطوبى لمن شغلته عيوبه عن عيوب غيره، و"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، فالراحلة التي قد حملت ما لا تكاد تنوء به إذا وضع عليها زيادة عليه،
стр. 398
انقطع ظهرها، وقعدت على الطريق قبل وصول المنزل، وبلا شك أن التوثب على ثلب أعراض المشكوك في إسلامهم - فضلاً عن المقطوع بإسلامهم - جرأة عظيمة غير محمودة، فربما كذب الظن، وبطل الحديث، وتقشعت سحائب الشكوك، وتجلت ظلمات الظنون، وطاحت الدقائق، وحقت الحقائق، كان يومًا يفر المرء فيه من أبيه، ويَشِحُّ بما معه من الحسنات عن أحبابه وذويه، لحقيق بأن يحافظ فيه على الحسنات، ولا يدعها يوم القيامة نهبًا بين قوم قد صاروا تحت أطباق الثرى قبل أن يخرج إلى هذا العالم بدهور، وهو غير محمود على ذلك ولا مأجور، فهذا ما لا يفعله بنفسه العاقل، وأشد من ذلك أن ينثر جراب طاعاته، وينثل كنانة حسناته على أعدائه غير مشكور بل مقهور، وهكذا يُفعل عند الجُثُوَّ للحساب بين أيدي الجبار بالمغتابين والهمَّازين والنمَّامين واللمَّازين، فإنه علم بالضرورة الدينية: أن مظلمة العرض كمظلمة المال والدم، ومجرد التفاوت في مقدار المظلمة لا يوجب عدم اتصاف ذلك الشيء المتفاوت أو بعضه بكونه مظلمة، فكل واحدة من هذه الثلاث مظلمة لآدمي، وكل مظلمة لا تسقط إلا بعفوه، وما لم يعف عنه باقٍ على فاعله يوافي عرصات القيامة.
فقل لي! كيف يرجو من ظلم ميتًا بثلب عرضه أن يعفو عنه، ومن ذاك الذي يعفو في هذا الموقف، وهو أحوجُ ما كان إلى ما يقيه من النار، وإذا التبس عليك هذا، فانظر ما نجده من الطباع البشرية في هذه الدار، فإنه لو ألقي الواحد من هذا النوع الإنساني إلى نار من نيران هذه الدنيا، وأمكنه أن يتقيها بأبيه، أو بأمه، أو بابنه، أو بحبيبه، لفعل، فكيف بنار الآخرة التي ليست نار هذه الدنيا بالنسبة إليها شيئًا.
ومن هذه الحيثية قال بعض من نظر بعين الحقيقة: لو كنت مغتابًا أحدًا، لاغتبت أبي وأمي؛ لأنهما أحق بحسناتي التي تؤخذ مني قصرًا، وما أحسنَ هذا الكلام! ولا ريب أن أشد أنواع الغيبة وأضرَّها وأشرَّها وأكثرَها بلاءً وعقابًا ما بلغ منها إلى حد التكفير واللعن، فإنه قد صح أن تكفير المؤمن كفر، ولعنه راجع على فاعله، وسبابه فسوق، وهذه عقوبة من جهة الله سبحانه، وأما من وقع له
стр. 399
التكفير واللعن والسب، فمَظْلَمَتُه باقية على ظهر المكفِّر واللاعن والسابِّ، فانظر كيف صار المكفر كافرًا، واللاعن ملعونًا، والسابُّ فاسقًا، ولم يكن ذلك حد عقوبته، بل غريمه ينتظره بعرصات المحشر ليأخذ من حسناته، أو يضع عليه من سيئاته بمقدار تلك المظلمة ومع ذلك فلا بد من شيء غير ذلك، وهو العقوبة على مخالفة النهي؛ لأن الله تعالى قد نهى في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ عن الغيبة بجميع أقسامها، ومخالفُ النهي فاعلُ محرَّم، وفاعل المحرم معاقَبٌ عليه. وهذا عارضٌ من القول جرى به القلم، ثم أحجم عن الكلام، سائلاً من الله حسن الختام، انتهى.
٤٥٤ - السيد قاسم بنُ أمير المؤمنين المتوكل على الله، من نسل الإمام المهدي عباس بن منصور .
قال في "البدر الطالع": ولد سنة ١٢١١، ونشأ في حجر الخلافة نَشْئًا طاهرًا، فلما قارب سن البلوغ، قرأ "بلوغ المرام" على محمد بن عابد السندي، ثم حفظه عن ظهر قلب، ووصل إليّ، وأسمعه عليَّ مِنْ حفظِه من أوله إلى آخره، والكتاب بيدي، فسبحان الفاتح المانح، وهو الآن يسمع علي "صحيح البخاري" و"مسلم"، ويواظب على ذلك مواظبة عظيمة، ويفهم فهمًا جيدًا، ويحفظ حفظًا صالحًا، مع اشتغاله بقراءة علم الآلة، وإكبابه على مطالعة الكتب الحديثية، وله بالسنة المطهرة شغف عظيم، ومحبة زائدة، ويعمل بكل ما صح منها، ولا يبالي أطارَ لومُ مَنْ يلومه أو وقع، ولا يلتفت إلى من يريد صده عن ذلك؛ لأنه قد عرف أن هذا هو الحق الذي بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه، ووالده مولانا الإمام يرغبه في ذلك، ويقوي عزمه عليه، ويُعْجِبه ما يرى منه، والحمد لله الذي أخرج من هذا البيت الشريف مثلَ هذا الفاضل - زاده الله علمًا وكمالاً، وعملاً بالحق، وانقيادًا له، وجعله من أنصار السنة المطهرة -.
وعمره عند تحرير هذه الترجمة نحو تسع عشرة سنة، انتهى.
٤٥٥ - السيد قاسم بنُ عبد البر بنِ محمدٍ الكوكبانيُّ .
ولد سنة ١١٧٣. قال الشوكاني في "البدر الطالع": وهو الآن بدر طالع
стр. 400
بكوكبان، قد حمل خافقة لواء الآداب، وسلم له السبق أبناءُ هذا الشأن، وله في العلم باع وساع واطلاع أي اطلاع، وله تقريظ لشرحي على "المنتقى" في غاية الحسن والجودة.
مات فجاءة في شهر محرم سنة ١٢١٦، انتهى - رحمه الله تعالى -.
٤٥٦ - لطف الباري بنُ أحمدَ، خطيبُ صنعاء .
تلمذ على العلامة قاسم الكبسي، وأحمد القاطن، قال في "البدر الطالع": برع في جميع العلوم لا سيما علم الحديث والتفسير، فإنه فيهما من المبرزين، ولا ينطق لسانه إلا بذكر الله، أو بالموعظة والتذكير، أو بإملاء أو تفسير كتاب الله، وأحاديث رسول الله ﷺ . ولوعظه في القلوب وَقْع، ولكلامه في النفوس تأثير، مع فصاحة زائدة، وحسن سَمْت، ورجاحة عقل، وجمال هيئة، وله أتمُ عناية، وأكملُ رغبة بالعمل بما جاءت السنة، والمشي على نمط السلف الصالح، وعدم التقيد بالرأي، وأنا سمعت مجالس تفسيرهَ للقرآن، ومواقفَ إملائِه للحديث، ولكن كان ذلك حضورًا فقط، انتهى.
٤٥٧ - محمد بن أحمد بنِ سعدٍ، السوديُّ، الصنعانيُّ .
ولد سنة ١١٧٨. قال في "البدر الطالع": حفظ القرآن، ثم لازمني منذ ابتداء
طلبه إلى انتهائه، وهو الآن يقرأ عليّ في شرحي للمنتقى، وفي مؤلفي المسمى
بالدرر، وشرحه المسمى بالدراري، وغير ذلك من مصنفاتي، وقد برعَ في جميع
الفنون، وفاقَ الأقران، ودرَّس الطلبة بالجامع المقدس، وهو الآن من أعيان
علماء صنعاء، ومن أعظم المفيدين للطلبة، وله عمل بما يرجحه من الأدلة،
وطرح للتقليد، ومحبة للحق، والقياد للصواب، وقوة عارضة، وقدرة على المناظرة، وحسن تطبيق للأدلة على القواعد الأصولية، مع علو همة، وشهامة نفس، وتعفف وقنوع وانجماع، لا سيما عن بني الدنيا، وله أشعار فائقة، وقد صار الآن قاضيًا من قضاة صنعاء، وللناس إليه رغوب، ثم مات ﵀ في سنة ١٢٣٦ الهجرية، وتأسف عليه الناس؛ لانتفاع الطلبة به، وانتفاع العامة بقضائه.
стр. 401
٤٥٨ - محمد بنِ أحمد بنِ سليمان، الشافعيُّ، المعروف بابن خطيب داريا .
ولد سنة ٧٤٥، واشتهر بوفور الذكاء، حتى إنه كان يقتدر على تصوير الباطل حقًا، والحق باطلاً، والغالب عليه المُجون والهزل، مع تقدمه في فنون الأدب، حتى صار شاعر الشام في وقته بلا مدافع، وسلك آخِرَ مدته طريقة مثلى في التصوف والتعفف.
له مصنفات جليلة، منها: أرجوزة نحو ثلاث مئة بيت، ذكر فيها من روى عن النبي ﷺ من الصحابة، وعدد ما روى كل واحد من الحديث، "ونهاية الأمنيات في الكلام على حديث: إنما الأعمال بالنيات"، وكان قد صاهر المجد اللغوي، فلازمه وسمع معه على جماعة، [مات سنة ٨١١، انتهى].
وهو القائل:
يا عينُ إن بَعُدَ الحبيبُ ودارُه ... ونَأَتْ مَرابعُه وشَطَّ مَزارُهُ
فلقد حظيتِ من الزمانِ بطائلٍ ... إن لم تَرَيه فهذهِ آثارُهُ
له - رح -:
لعمرُك ما في الأرض من يُسْتَحَى له ... ولا مَنْ يُدارى أو يُخافُ له عَتْبا
فَعِشْ مُلقِيًا عنكَ التكلُّفَ جانبًا ... ولا تَرْضَ بينَ الناسِ من أحدٍ قُرْبا
٤٥٩ - محمد بن أحمدَ بنِ عبد الهادي، المقدسي، شمس الدين، بن قدامة المقدسي .
الفقيه المحدث الحافظ، الناقد النحوي المتفنن، ولد في رجب سنة ٧٠٥ أو سنة ٧٠٤، سمع من التقي سليمان، وابن سعد، وطبقتهم، وتفقه بابن مسلم، وتردد إلى ابن تيمية، ومهر في الحديث، قال الصفدي: لو عاش، لكان آية، كنت إذا سألته عن مسائل أدبية، وفوائد عربية، ينحدر كالسيل، وكنت أراه يَرُدُّ على المِزَّي في أسماء الرجال، فيقبل منه. وقال الذهبي في "معجمه المختص": الفقيه البارع، المقرىء المجود، الحافظ، النحوي، الحاذق في الفنون، كتب عليَّ، واستفدت منه. وقال ابن كثير: كان حافظًا علامة ناقدًا، حصل من العلوم
стр. 402
ما لا يبلغه الشيوخ الكبار، وبرع في الفنون، وكان جبلاً في العلل والطرق والرجال، حسنَ الفهم جدًا، صحيحَ الذهن، له كتاب "الأحكام" في ثمان مجلدات، والردّ على السبكي في رده على ابن تيمية، و"المحرر" في الحديث، وشرع في كتاب "العلل"، ولم يكمل، قال الذهبي: ما اجتمعت به قط إلا واستفدت منه، مات سنة ٧٤٤، وكان عمره دون أربعين سنة، وتأسف الناس عليه، هكذا في "البدر الطالع". قال ابن رجب: سمع الكثير، وعُني بالحديث وفنونه، وتفقه في المذهب، وأفتى، وقرأ الأصلين، والعربية، وبرع فيها، ولازم الشيخ تقي الدين بن تيمية مدة، ولازم المزي الحافظ حتى برع في الرجال، وأخذ عن الذهبي وغيره، وقد ذكره الذهبي في "طبقات الحفاظ"، فقال: ولد سنة خمس أو ست وسبع مئة، وله توسع في العلوم، وذهن سيال، تصدى للإفادة والاشتغال بالقرآن والحديث، وذكره في "معجمه المختص"، وقال: عني بفنون الحديث، ومعرفة رجاله، وله عدة محفوظات وتعاليق وتواليف مفيدة، كتب عني، واستفدت منه، درَّس بالحديث وبغيره بالسفح، وكتب بخطه الحسن المتقن الكثير، فمن تصانيفه: "الأحكام الكبرى"، وكتاب "العمدة في الحفاظ"، والكلام على أحاديث كثيرة فيها ضعف من "المستدرك" للحاكم وغيره، و"الإعلام في ذكر مشايخ الأئمة الأعلام"، و"ترجمة الشيخ تقي الدين بن تيمية" مجلد، و"منتقى من تهذيب الكلام" للمزي، و"منتخب من سنن البيهقي وسنن أبي داود"، وقد عد ابن رجب من مؤلفاته ما يزيد على خمسين كتابًا، وقال: حدث بشيء من مسموعاته، وسمع منه غير واحد، وقد سمعت من ابنه، فإنه عاش بعده نحو عشر سنين، قال: وتوفي سنة ٧٤٤، ودفن بسفح قاسيون، وشيعه، خلق كثير، وتأسفوا عليه، ورئيت له منامات حسنة - رحمه الله تعالى رحمة واسعة -.
٤٦٠ - محمد بن أحمد بنِ عثمانَ بنِ قايماز الذهبيُّ، الحافظُ الكبير .
ولد سنة ٦٧٣. قال في "البدر الطالع": وأجاز له في سنة مولده جماعة بعناية أخيه من الرضاع، أخذ عن الدمياطي، وابن الصواف، ومهر في فن الحديث،
стр. 403
وجمع فيه المجاميع المفيدة الكثيرة. قال ابن حجر: حتى كان أكثرَ أهل عصره تصنيفًا، وجمع "تاريخ الإسلام"، فأربى فيه على مَنْ تقدمه بتحرير أخبار المحدِّثين خصوصًا، انتهى، ولعل "تاريخ الإسلام" في زيادة على عشرين مجلدًا، وقفت منه على أجزاء، وله "الميزان" في نقد الرجال جعله مختصًا بالضعفاء الذين قد تكلم فيهم متكلم، وإن كانوا غير ضعفاء في الواقع، ولهذا ذكر فيه مثل ابن معين، وعلي بن المديني؛ باعتبار أنه قد تكلم فيهما متكلم، وهو كتاب مفيد، وجميع مصنفاته مقبولة مرغوب فيها، رحل إليه الناس لأجلها، وأخذوها عنه وتداولوها، وقرؤوها وكتبوها في حياته، وطارت في جميع بقاع الأرض.
وله فيها تعبيرات رائقة، وألفاظ رشيقة غالبًا، لم يسلك فيها مسلك أهل عصره، ولا مَنْ قبلهم، ولا مَنْ بعدهم، وقد أكثر التشنيع عليه تلميذُه السبكي، وذكر في مواضع من "طبقاته" ولم يأت بطائل، بل غاية ما قال: إنه كان إذا ترجم الظاهرية والحنابلة، أطال في تقريظهم، وإذا ترجم غيرهم من شافعي أو حنفي، لم يستوف ما يستحقه، وعندي: أن هذا مثل ما قال الأول:
ع * تلكَ شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارها *.
فإن الرجل قد ملىء حبًا للحديث، وغلب عليه، فصار الناس عنده هم أهله، وأكثر محققيهم وأكابرهم هم من كان يطيل الثناء عليه، لا من غلب عليه التقليد، وقطع عمره في الاشتغال بما لا يفيد.
ومن جملة ما قاله السبكي: إنه كان إذا أخذ القلم، غضب حتى لا يدري ما فيقول. وهذا باطل؛ فإن مصنفاته تشهد بخلاف هذه المقالة، وغالبُها الإنصاف والذبُّ عن الأفاضل، وإذا جرى قلمه بالوقيعة في أحد، فإن لم يكن من معاصريه، فهو إنما روى ذلك عن غيره، وإن كان من معاصريه، فالغالب أنه لا يفعل ذلك إلا مع من يستحقه، وإن وقع ما يخالف ذلك نادرًا، فهذا شأن البشر، وكل أحد يؤخذ منه ويُترك إلا المعصوم، والأهوية تختلف، والمقاصد تتباين، وربك يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون. قال الصفدي: لم يكن عنده
стр. 404
جمود المحدثين، بل كان فقيه النفس، له دراية بأقوال الناس، مات - رحمه الله تعالى - في سنة ٧٤٨. قال الصلاح الكتبي: أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأبان الإيهام في تواريخهم والإلباس، جمع الكثير، ونفع الجمَّ الغفير، وأكثر التصنيف، ووقر بالاختصار معرفة التطويل في التأليف، وقف ابن الزملكاني على "تاريخ الإسلام"، وقال: هذا كتاب جليل. ومن شعره:
إذا قرأ الحديثَ عليَّ شخصٌ ... وأخلى موضعًا لوفاة مثلي
فما جازى بإحسان لأني ... أريدُ حياتَه ويريدُ قتلي
وقال أيضًا:
العلمُ قالَ اللهُ قالَ رسولُه ... إنْ صحَّ بالإجماع، فاجهدْ فيه
وحَذار من نصبِ الخلافِ جهالةً ... بينَ الرسولِ وبينَ رأيِ فقيه
انتهى.
٤٦١ - محمد بن أحمد بنِ محمد، يُعرف بالجلال المحلي .
ولد في سنة ٧٩١ بالقاهرة، وأخذ عن البلقيني، والعراقي، والعز بن جماعة، والحافظ ابن حجر، وتفنن في العلوم النقلية والعقلية، وعمل لنفسه منسكًا وتفسيرًا لم يكمل، وإذا ظهر له الصواب على يد من كان رجع إليه. قال السخاوي: وترجمتُه تحتمل كراريس، وقد حج مرارًا، مات سنة ٨٦٤، وتأسف الناس على فقده، ولم يخلف بعده في مجموعة مثله، كذا في "البدر الطالع".
٤٦٢ - محمد بن أحمد مشحم، الصعديُّ الأصل، الصَّنعانيُّ المولد .
قال في "البدر الطالع": ولد سنة ١١٨٦، وقرأ في سائر العلوم، وشارك في سائر الفنون، له ذهن قويم، وفهم جيد، وذكاء متوقد، وحسن تصور باهر، وقوة إدراك مفرط، وهو ممن لا يعول على التقليد، بل يعمل بما ترجحه الأدلة، ولاه مولانا الإمام المنصور بالله القضاءَ بصنعاء من جملة قضاتها، ثم حج، ثم نُقل إلى قضاء الحديدة، وهو الآن هنالك مستمر على القضاء، بيني وبينه مودة أكيدة، ومحبة زائدة، ثم رغب عن القضاء لأجل ما حصل من الفتن بتهامة،
стр. 405
ووصل إلى صنعاء، وأخذ عني في فنون الحديث، ثم انتقل إلى رحمة الله تعالى في رجب سنة ١٢٢٣، انتهى.
٤٦٣ - محمد بن أحمد، الشاطبيُّ، الصنعانيُّ .
ولد تقريبًا سنة ١٢١٠، وقرأ على المشايخ في الآلات والحديث، وله قراءة عليَّ في "السيل الجرار".
وهو قوي الفهم، صحيح التصور، من عباد الله الصالحين، ومن العاملين بالأدلة، الماشين على الطريقة النبوية، المؤثرين لها على الرأي، وكذلك والده العالم الفاضل الزاهد العابد - أكثر الله في أهل العلم من أمثالهما -. وقرأ عليّ أيضًا في مؤلفي "نيل الأوطار"، و"فتح القدير"، و"إرشاد الفحول"، وفي غير ذلك، وحصلها بخطه، وفي كثير من مجاميع الحديث من الأمهات وغيرها، وهو الآن من أكابر العلماء، ومحاسن الفضلاء، وله سماع عليَّ في دواوين الإسلام سماعًا محققًا، مع معرفة تامة بعلم السنة، وحفظ لها، ومعرفة حالها، والحاصل: أنه الآن من أفراد علماء صنعاء ومحققيهم.
٤٦٤ - السيد محمد بنُ إسماعيلَ بنِ صلاح، الأميرُ الكحلانيُّ، ثم الصنعانيُّ .
قال في "البدر الطالع": الإمام الكبير، المجتهد المطلق، ولد سنة ١٠٩٩ بكحلان، ثم انتقل مع والده إلى مدينة صنعاء، وأخذ عن علمائها، ورحل إلى مكة، وقرأ الحديث على أكابر علمائها، وعلماء المدينة، وبرع في جميع العلوم، وفاق الأقران، وتفرد برئاسة العلم في صنعاء، وتظهر بالاجتهاد، وعمل بالأدلة، ونفر عن التقليد، وزيف ما لا دليل عليه من الآراء الفقهية، وجرت له مع أهل عصره خطوب ومحن، وحفظه الله من كيدهم ومكرهم، وكفاه شَرَّهم، وولاه الإمام المنصور الخطابة بجامع صنعاء، واستمر ناشرًا للعلم تدريسًا وإفتاء وتصنيفًا، وكانت العامة ترميه بالنصب، مستدلين على ذلك بكونه عاكفًا على الأمهات، وسائر كتب الحديث، عاملاً بما فيها، ومن صنع هذا الصنعَ، رمته العامة بذلك، ولا سيما إذا تظهر بفعل شيء من سنن الصلاة؛ كرفع اليدين وضمهما، ونحو ذلك؛ فإنهم ينفرون عنه، ويعادونه، ولا يقيمون له وزنًا،
стр. 406
وليس الذنب معاداة لمن كان كذلك للعامة الذين لا تعلق لهم بشيء من المعارف العلمية، فإنهم أتباع كل ناعق، إذا قال لهم مَنْ له هيئةُ أهلِ العلم: إن هذا الأمر حق، قالوا: حق، وإن قال: باطل، قالوا: باطل، إنما الذنب لجماعة قرؤوا شيئًا من كتب الفقه، ولم يمعنوا فيها، ولا عرفوا غيرها، فظنوا - لقصورهم - أن المخالفة لشيء منها مخالفة للشريعة، بل لقطعي من قطعياتها، مع أنهم يقرؤون في تلك الكتب مخالفة أكابر الأئمة وأصاغرهم لما هو مختار لمصنفها، ولكن لا يعقلون حقيقة، ولا يهتدون إلى طريقة، بل إذا بلغ بعض معاصريهم إلى رتبة الاجتهاد، وخالف شيئًا باجتهاده، جعلوه خارجًا عن الدين، والغالب عليهم أن ذلك ليس لمقاصد دينية، بل لمنافع دنيوية تظهر لمن تأملها، وهي أن يشيع في الناس أن من أنكر على أكابر العلماء ما خالف المذهب من اجتهاداتهم، كان من خلص الشيعة، أو تكون تلك الشهرة مفيدة في الغالب لشيء من منافع الدنيا وفوائدها، فلا يزالون قائمين وثائرين في تخطئة أكابر العلماء، ورميهم بالنصب، ومخالفة أهل البيت، فتسمع ذلك العامة، فتظنه حقًا، وتعظم ذلك المنكر؛ لأنه قد نفق على عقولها صدقُ قوله، وظنوه من المحامين عن مذاهب الأئمة، ولو كشفوا عن الحقيقة، لوجدوا ذلك المنكر هو المخالف لمذهب الأئمة من أهل البيت، بل الخارج عن إجماعهم؛ لأنهم جميعًا حرموا التقليد على من بلغ رتبة الاجتهاد، وأوجبوا عليه أن يجتهد رأي نفسه، ولم يخصوا ذلك بمسألة دون مسألة، ولكن المتعصب أعمى، والمقصر لا يهتدي إلى الصواب، ولا يخرج عن معتقده إلا إذا كان من ذوي الألباب، مع أن مسألة تحريم التقليد على المجتهد هي محررة في الكتب التي هي [في] مدارس صغار الطلبة، فضلاً عن كبارهم.
قال: وقد كان كثيرٌ [من] أتباع صاحب الترجمة من الخاصة والعامة، وعملوا باجتهاده، وتظهروا بذلك، وقرؤوا عليه كتب الحديث، وما زال ناشرًا لذلك في الخاصة والعامة، غيرَ مُبال بما يتوعده به المخالفون له، ووقعت في خلال أثناء ذلك فتن كبار وقاه الله شرها، وله مصنفات حافلة جليلة، منها: "سبل السلام" اختصره من "البدر التمام" للمغربي، ومنها: "منحة الغفار" جعلها حاشية على
стр. 407
"ضوء النهار" للجلال، ومنها: "العدة" جعلها حاشية على "شرح العمدة" لابن دقيق العيد، ومنها: شرح التنقيح في علوم الحديث". قال: وله مصنفات غير هذا، وقد أفرد كثيرًا من المسائل بالتصنيف بما يكون جمعه في مجلدات، وله شعر فصيح منسجم، وغالبه في المباحث العلمية، والتوجع من أبناء عصره والردود عليهم. وبالجملة: فهو من الأئمة المجددين لمعالم الدين. وقد رأيته في المنام في سنة ١٢٠٦ وهو يمشي راجلا وأنا راكب في جماعة معي، فلما رأيته، نزلت فسلمت عليه، فدار بيني وبينه كلام حفظت منه، قال لي: دقق الإسناد، وتأنق في تفسير كلام رسول الله ﷺ ، فخطر ببالي عند ذلك أنه يشير إلى ما أصنعه في قراءة "البخاري" في الجامع، وكان يحضر تلك القراءة جماعة من العلماء، ويجتمع من العوام عالَم لا يُحْصَون، فكنت في بعض الأوقات أفسر الألفاظ الحديثية بما يفهمه أولئك العوام الحاضرون. فاردت أن أقول: إنه يحضر جماعة لا يفهمون بعض الألفاظ العربية، فبادرني، وقال قبل أن أتكلم: قد علمتُ أنه يقرأ عليك جماعة، وفيهم عامة، ولكن دقق الإسناد، وتأنق في تفسير كلام رسول الله ﷺ ، ثم سألته عند ذلك عن أهل الحديث ما حالهم في الآخرة؟ فقال: بلغوا بحديثهم الجنة، أو بلغوا بحديثهم بين يدي الرحمن، - الشك مني -، ثم بكى بكاء عاليًا، وضمني إليه، وفارقني، فقصصت ذلك على بعض من له يدٌ في التعبير، وسألت عن تعبير البكاء والضم؟ فقال: لا بد أن يجري لك شيء مما جرى له من الامتحان، فوقع من بعد ذلك بعد تلك الرؤيا عجائبٌ وغرائب - كفى الله شرها -. وتوفي - رحمه الله تعالى - ثالث شعبان سنة ١١٨٢، ونظم بعضهم فكان هكذا: ع * محمدٌ في جِنانِ الخلد قد نَزَلا *، ورثاه شعراء العصر، وتأسفوا عليه.
وله تلامذة نبلاء علماء مجتهدون، منهم: السيد العلامة عبد القادر الكوكباني، والقاضي أحمد قاطن، والعلامة أحمد بن أبي الرجال، وغيرهم ممن لا يحيط به الحصر، ووالدُه كان من الفضلاء الزاهدين في الدنيا، الراغبين في العمل، وله عرفان وشعر جيد، مات سنة ١١٤٢، وكان ولده هذا - صاحب الترجمة - إذ ذاك بشهارة، انتهى حاصله.
стр. 408
٤٦٥ - محمد بن أبي بكر بنِ أيوبَ، الدرعيُّ، الدمشقيُّ، شمسُ الدين، ابنُ القَيِّم .
قال ابن رجب: الفقيه الأصولي النحوي المفسر العارف، شمس الدين، أبو عبد الله، شيخُنا، سمع من الشهاب النابلسي، وفاطمة بنت جوهر، وأبي بكر بن عبد الدائم، وجماعة، وتفقه في المذهب، وبرع وأفتى، ولازم الشيخ تقي الدين بن تيمية، وأخذ عنه، وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفًا بالتفسير لا يجارى فيه، وبأصول الدين، وإليه فيها المنتهى، وبالحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله، وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وبعلم الكلام، وغير ذلك، وكان عالمًا بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم، له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولى.
وكان ذا عبادة وتهجُّد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتألُّهٌ ولهجٌ بذكر، وشغف بالمحبة والإنابة، والافتقار إلى الله تعالى، والانكسار له، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثلَه في ذلك، ولا رأيت أوسعَ منه علمًا، ولا أعرفَ بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو بالمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله.
وقد امتحن وأُوذي مرات، وحُبس مع الشيخِ تقي الدين في المرة الأخيرة منفردًا عنه، ولم يُفرج عنه إلا بعد موت الشيخ، وكان مدةَ حبسه مشتغلاً بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر، ففُتح عليه من ذلك خيرٌ كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف، والدخول في غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك، وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة.
قال: ولازمتُ مجالسه قبل موته سنة، وسمعتُ عليه قصيدته النونية الطويلة في السنة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها، وأخذ عنه العلمَ خلقٌ كثير من حياة شيخه وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاء يعظمونه، ويتلمذون له؛ كابن عبد الهادي، وغيره.
стр. 409
قال القاضي برهان الدين الزرعي: ما تحتَ أديم السماء أوسعُ علمًا منه، صنف في أنواع العلم، وكان شديد المحبة للعلم، وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء كتبه، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره، ثم ذكر تصانيفه زيادة على ثلاثين كتابًا، منها: "شرح منازل السائرين" (١)، وكتاب "زاد المعاد"، وكتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، وكتاب "حادي الأرواح"، وكتاب "مفتاح دار السعادة" وكتاب "تفضيل مكة على المدينة"، وكتاب "الصراط المستقيم في أحكام أهل الجحيم"، وكتاب "رفع اليدين في الصلاة"، وكتاب "نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول"، قال: توفي ﵀ ليلة الخميس ثالث عشرين رجب سنة ٧٥١، وشيعه خلق كثير، ورئيت له منامات كثيرة حسنة، قال ابن رجب: قرأ عليَّ شيخُنا الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب، وأنا أسمع هذه القصيدة من نظمه في أول كتابه "صفة الجنة":
وما ذاكَ إلا غيرةً أن ينالَها ... سوى كُفْوِها والربُّ بالخلقِ أعلمُ
إلى آخرها، قلت: ولقد لخصت كتابه هذا في صفة الجنة، وفيه هذه القصيدة بتمامها، سميته: "مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام". والشيخ العلامة ابن رجب ختم كتابه "الطبقات" على ترجمة شيخه ابن القيم، وعلى هذه القصيدة له - رحمه الله تعالى -، وقد أورد في "الطبقات" جماعة عظيمة من أهل الحديث والسنة البالغين إلى درجة الإمامة والاجتهاد، ويعبر عنهم تارة بقوله: كان أثري المذهب، وتارة بقوله: كان على طريقة السلف، وتارة بما في معنى هذه الألفاظ، أخذت منه في هذا المختصر تراجم جمع من المحدثين بالإيجاز، وتركت كثيرًا منهم خشية الإطالة، وبالله التوفيق.
قال العلامة الشوكاني في "البدر الطالع" في ترجمة الحافظ ابن القيم - رحمه الله تعالى -: العلامة الكبير، المجتهد المطلق، ولد سنة ٦٩١، قرأ على المجد الحراني، وابن تيمية، ودرَّس بالصدرية، وأمَّ بالجوزية، وأخذ الأصول
стр. 410
عن الصفي الهندي، وابن تيمية أيضًا، وبرع في جميع العلوم، وفاق الأقران، واشتهر في الآفاق، وتبحر في معرفة مذاهب السلف، وغلب عليه حب ابن تيمية؛ حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي نشر علمه بما صنفه من التصانيف الحسنة المقبولة، واعتُقل مع ابن تيمية، وأُهين، وطيف به على جمل مضروبًا بالدرة.
فلما مات ابن تيمية، أُفرج عنه، وامتحُن محنة أخرى بسبب فتاوى ابن تيمية، وكان ينال من علماء عصره، وينالون منه.
قال الذهبي في "المعجم المختص": حُبس مدةً لإنكار شد الرحل لزيارة الخليل، ثم تصدر للاشتغال ونشر العلم، ولكنه معجب برأيه جرى على أمور، انتهى.
قلت: بل كان يتقيد بالأدلة الصحيحة، معجبًا بالعمل بها، غيرَ معوِّل على الرأي، صادعًا بالحق، لا يحابي فيه أحدًا، ونعمَتْ تلك الجرأة، وكان مغرًى بجمع الكتب، فحصل منها ما لا يحصى، وله من التصانيف: "الهدي"، و"إعلام الموقعين"، و"بدائع الفوائد"، و"جلاء الأفهام"، و"مصائد الشيطان"، و"الداء والدواء"، و"كتاب الصلاة"، و"كتاب تحفة النازلين بجوار رب العالمين"، و"الصواعق المرسَلَة على الجهمية والمعطلة" في مجلدات، وكتاب "نزهة المشتاقين وروضة المحبين"، وكتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزوة الفرقة الجهمية"، و"عدة الصابرين"، و"الفتح القدسي"، و"أقسام القرآن"، و"أيمان القرآن"، وكتاب "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان". ذكر له نعمان ترجمته في "الروضة الغناء"، وقال: الأصولي النحوي المفسر، المفنن في علوم كثيرة، دفن تجاه المدرسة الصابونية، وبني على قبره قبة، انتهى. وقال السخاوي: العلامة الحجة، المتقدم في سعة العلم، ومعرفة الخلاف، وقوة الجنان، ورئيس أصحاب ابن تيمية الإمام، بل هو حسنة من حسناته، والمجمع عليه بين المخالف والموافق، وصاحب التصانيف السائرة، والمحاسن الجمة، انتفع به الأئمة، ودرَّس بأماكن، ثم سرد تصانيفه، فذكر منها اثنين وخمسين
стр. 411
كتابًا، قال: وله نظم كثير، ثم ذكر منه شيئًا، قال: ورئيت له منامات صالحة كثيرة، انتهى.
وغالب هذه الكتب عندي موجود، وله تصانيف كثيرة سوى ذلك، مثل: "قضاء وقدر"، و"طرق السعادتين"، و"مولد النبي ﷺ "، و"نونية"، وغير ذلك.
قال الشوكاني: وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وله من حسن التصرف في الكلام، مع العذوبة الزائدة، وحسن السياق، ما لا يقدر عليه غالبُ المصنفين؛ بحيث تعشق الأفهام كلامه، وتميل إليه الأذهان، وتحبه القلوب، وليس له على غير الدليل معوَّل في الغالب، وقد يميل نادرًا إلى مذهبه الذي نشأ عليه، ولكنه لا يتجاسر على الدفع في وجوه الأدلة بالمحامل الباردة؛ كما يفعله غيره من المتمذهبين، بل لا بد له من مستند في ذلك، وغالب أبحاثه الإنصاف، والميلُ مع الدليل حيث مال، وعدمُ التعويل على القيل والقال، وإذا استوعب الكلام في بحث، وطول ذيوله، أتى بما لم يأت به غيره، وساق ما تنشرح له صدور الراغبين في أخذ مذاهبهم عن الدليل، وأظنه سرت بركة ملازمته لشيخه ابن تيمية في السراء والضراء، والقيام معه في محنه ومواساة بنفسه، وطول تردده إليه، فإنه ما زال ملازمًا له من سنة ٧١٢ إلى تاريخ وفاته.
وبالجملة: فهو واحدُ مَنْ قام بنشره السنة، وجعلها بينه وبين الآراء المحدثة أعظمَ جُنة، فرحمه الله، وجزاه عن المسلمين خيرًا. وحكي عنه قبل موته بمدة: أنه رأى شيخه ابن تيمية في المنام، وأنه سأله عن منزلته - أي منزله -؟ فقال: إنه أنزل فوق فلان - وسمى بعض الأكابر -، وقال له: أنت تلحق به، ولكن أنت في طبقة ابن خزيمة، ومات في ثالث شهر رجب سنة ٧٥١، انتهى - رحمه الله تعالى -.
٤٦٦ - [شيخ الإسلام] أحمدُ بنُ عبد الحليم بنِ عبدِ السلام، ابن تيمية، الحرانيُّ، الدمشقيُّ، الحنبليُّ، تقيُّ الدين، أبو العباس .
قال الشوكاني في كتاب "شرح الصدور في تحريم رفع القبور": هو الإمام المحيط بمذاهب سلف هذه الأمة وخلفها، انتهى. وقال ابن فضل الله العمري
стр. 412
في "مسالك الأبصار": هو العلامة الحافظ المجتهد الحجة، المفسر، شيخ الإسلام، نادرة العصر، عَلَم الزهاد.
وقال ابن رجب: هو الإمام الفقيه المجتهد، المحدث المفسر الأصولي.
وقال الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي في "تذكرة الحفاظ": هو شيخنا الإمام الرباني، إمامُ الأئمة، ومفتي الأمة، بحرُ العلوم، سيدُ الحفاظ، فارسُ المعاني والألفاظ، فريدُ العصر، قريعُ الدهر، شيخ الإسلام، قدوة الأنام، علامة الزمان، ترجمة القرآن، علم الزهاد، أوحد العباد، قامع المبتدعين، علامة المجتهدين.
وقال في "البدر الطالع": شيخ الإسلام، إمام الأئمة، المجتهد المطلق، ولد سنة ٦٦١.
قال ابن حجر في "الدرر": نظر في الرجال والعلل، وتفقه، وتمهر، وتقدم وصنف، ودرَّس وأفتى، وفاق الأقران، وصار عجبًا في سرعة الاستحضار وقوة الجَنان، والتوسُّع في المنقول والمعقول، والاطلاع على مذاهب السلف والخلف، انتهى.
وأقول أنا: لا أعلم بعدَ ابن حزم مثلَه، وما أظنُّ سمحَ الزمان ما بين عصرَي الرجلين بمن يشابههما أو يقاربهما. قال الذهبي ما ملخصه: كان يقضى منه العجب، إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، استدل ورجح، وكان يحق له الاجتهاد؛ لاجتماع شروطه، وما رأيت أسرعَ انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشدَّ استحضارًا للمتون وعزوها منه. كانت السنة نصبَ عينيه، وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة، وكان آية من آيات الله في التفسير والتوسع فيه، قال: ولعل فتاواه في الفنون تبلغ ثلاث مئة مجلد بل أكثر، وكان قوالاً بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان أبيضَ، أسودَ الرأس واللحية، قليلَ الثيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأن عينيه لسانان ناطقان، ربعةَ من الرجال، بعيدَ ما بين المنكبين، جهوريَّ الصوت، فصيحًا، سريعَ القراءة، تعتريه حدة، لكن يقهرها بالحلم. قال: ولم أر مثله في ابتهاله واستعانته بالله،
стр. 413
وكثرة توجهه إليه، وأنا لا أعتقد فيه عصمة، بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية؛ فإنه كان بشرًا من البشر، تعتريه حدة في البحث، وغضب وصدمة للخصوم، تزرع له عداوة في النفوس، ولولا ذلك، لكان كلمةَ إجماع، فإنَّ كبارَهم خاضعون لعلمه، معترفون بأنه بكر لا ساحلَ له، وكنز ليس له نظير، ولكن ينقمون عليه أخلاقًا وأفعالاً، وكلُّ أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ .
قال الذهبي: وما كان متلاعبًا بالدين، ولا يتفرد بمسائل بالتشهي، ولا يطلق لسانه بما اتفق، بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس، ويبرهن ويناظر أسوة لمن تقدمه من الأئمة، فله أجر على خطئه، وأجران على إصابته، انتهى.
قال الشوكاني: ومع هذا، فقد وقع له مع أهل عصره قلائل وزلازل، وامتُحن مرة بعد أخرى، وحُبس حبسًا بَعد حبس، وجرت فتن عديدة، والناس قسمان في شأنه: فبعضٌ منهم مقصر به عن المقدار الذي يستحقه، بل يرميه بالعظائم، وبعض آخر يبالغ في وصفه، ويجاوز به الحدَّ، ويتعصب له كما يتعصب أهل القسم الأول عليه، وهذه قاعدة مطردة في كل عالم يتبحر في المعارف العلمية، ويفوق أهل عصره، ويدين بالكتاب والسنة؛ فإنه لا بد أن يستنكره المقصرون، ويقع له معهم محنة، ثم يكون أمره الأعلى وقوله الأولى، ويصير له بتلك الزلازل لسان صدق في الآخرين، ويكون لعلمه حظ لا يكون لغيره، وهكذا كان حال هذا الإمام؛ فإنه بعد موته عرف الناس مقداره، واتفقت الألسن بالثناء عليه، إلا من لا يُعتد به، وطارت مصنفاته، واشتهرت مقالاته، انتهى.
وقد ترجم له جماعات، منهم: الشهاب ابن فضل الله العمري في "مسالك الأبصار"، وكتب ترجمة حسنة طويلة عريضة كاملة، ومنهم: العلامة ابن رجب الحنبلي في "طبقاته"، وأثنى عليه ثناء كثيرًا، ومنهم: ابن شاكر صاحب "فوات الوفيات"، ومنهم: الشيخ مرعي، وسماها: "الكواكب الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية"، ومنهم: الحافظ ابن عبد الهادي، ترجم له في مجلد مفرد،
стр. 414
ومنهم: أبو حفص عمر بن علي البزار البغدادي، كتب كراريس في ترجمته، ومنهم: العلامة صفي الدين أحمد البخاري نزيل نابلس، وسماها: "القول الجلي"، وقرض عليه العلامة مفتي القدس محمد الباقلاني، ومحدث الشام محمد الكربزي الشافعي، ومنهم: العلامة نجم الدين أبو الفضل، أنشد قصيدة حسنة طويلة في مدحه وثنائه.
قال ابن رجب - رحمه الله تعالى - في حقه: شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب في أمره، عُني بالحديث، وسمع "المسند" مرات، والكتب الستة، ومعجم الطبراني "الكبير"، وما لا يحصى من الكتب والأجزاء، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه جملة من الأجزاء، وأقبل على العلوم في صغره، وبرع في ذلك، وقرأ في العربية، وأقبل على تفسير القرآن الكريم، فبرز فيه، وأحكمَ أصول الفقه والفرائض والحساب، ونظر في علم الكلام والفلسفة، وبرز في ذلك على أهله، ورد على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفضائل، وتأهل للفتوى والتدريس وله دون عشرين سنة، وأفتى من قبل عشرين أيضًا، وأمد بكثرة الكتب وسرعة الحفظ وقوة الإدراك والفهم وبطوء النسيان، حتى قال غير واحد أنه لم يكن يحفظ شيئًا فينساه.
وحصر عنده قاضي القضاة بهاء الدين، والشيخ تاج الدين الفزاري، وزين المرجل، وابن المنجا وجماعة، وذكر درسًا عظيمًا في البسملة - وهو مشهور بين الناس، وعظَّمه الجماعة والحاضرون وأثنوا عليه ثناء كثيرًا.
قال الذهبي: وكان الفزاري يبالغ في تعظيمه، وذكر على الكرسي يوم الجمعة شيئًا من الصفات، فقام بعض المخالفين وسعوا في منعه من الجلوس فلم يمكنهم ذلك، وقال قاضي القضاة شهاب الدين الخوي: أنا على اعتقاد الشيخ تقي الدين فعوتب في ذلك، فقال لأن ذهنه صحيح ومواده كثيرة فهو لا يقول إلا الصحيح. وقال الشيخ شرف الدين المقدسي: أنا أرجو بركته ودعائه وهو صاحبي وأخي، ذكر ذلك البزار إلي في تاريخه، ولم يزل في علو وازدياد من العلم والقدر إلى آخر عمره، قال الذهبي: شيخنا وشيخ الإسلام فريد الزمان
стр. 415
علمًا ومعرفة وشجاعة وذكاء وتنويرًا إلهيًا وكرمًا ونصحًا للأمة وآمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، وسمع الحديث وأكثر بنفسه في طلبه، وكتب ونظر في الرجال والطبقات وحصل ما لم يحصل غيره، برع في تفسير القرآن وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال وخاطر إلى مواقع الإشكال ميال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث وحفظه، فقلَّ مَنْ يحفظ ما يحفظه من الحديث، معزوا إلى أصوله مع شدة استحضار له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث أنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده، وأتقن العربية أصولاً وفروعًا وتعليلاً واختلافًا، ونظر في العقليات وعرف أقوال المتكلمين، ورد عليهم ونبَّه على خطئهم وحذر منهم، ونصر السنة بأوضح حجج وأبره براهين، وأوذي في ذات الله من المخالفين، وأخيف في نصر السنة المحصنة حتى أعلن الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وكتب أعدائه وهدى به رجالاً من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا وعلى طاعته، ويضيء به الشام بل الإسلام بعد أن كاد يتثلم بتشبيه الأمر لما أقبل حرب "التتر" والبغي في خيلائهم، وظننت بالله الظنون وزلزل المؤمنون واشرأب النفاق وأبدى صفحته ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام وبالطلاق ألف طلقة أني ما رأيت بعيني مثله، وأنه ما رأى مثلَ نفسه، ما حنثتُ، وقد قرأت بخط الشيخ العلامة شيخِنا كمالِ الدين بنِ الزملكاني ما كتبه سنة بضع وسبعين تحت اسم: "ابن تيمية": كان إذا سُئل عن فن من العلم، ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غيرَ ذلك، وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا، استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، ولا يُعرف أنه ناظرًا أحدًا، فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم - سواء كان من علوم الشرع، أو غيرها - إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.
قال ابن رجب: قلت: وقد عُرض عليه قضاءُ القضاة، ومشيخةُ الشيوخ، فلم يقبل شيئًا من ذلك، أثنى عليه ابنُ سيد الناس ثناء بالغًا حسنًا، وكتب الذهبي في
стр. 416
"تاريخه الكبير" ترجمة مطولة له، قال فيها: لا يبلغ أحدٌ في العصر رتبتَه، ولا يقاربه، وهو عجب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة، و"المسند" بحيث يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية، فليس بحديث.
قال: فلقد كان عجبًا في معرفة علم الحديث، ولقد كتب "الحموية" في قعدة واحدة، وهي أزيد من ذلك، وله يد طولى في الكلام على المعارف والأحوال والتمييز بين صحيح ذلك وسقيمه، ومعوجه وقويمه. وقد ترجم له ابن الزملكاني ترجمة عظيمة، وأثنى عليه ثناء عظيمًا. ومدحه أبو حيان الأندلسي نظمًا حسنًا. وقال له ابن دقيق العيد عند اجتماعه به وسماعه لكلامه: ما كنت أظن أن الله فيما بقي يخلق مثلك.
قال ابن رجب: ومما وجد في كتاب كتبه العلامة أبو الحسن السبكي إلى الحافظ الذهبي في أمره: أما قول سيدي في الشيخ، فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا، وقدرُه في نفسه أكبرُ من ذلك وأجلُّ، مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع، والديانة، ونصرة الحق، والقيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان، انتهى.
قلت: وأبو الحسن السبكي - هو السبكي الكبير - كما صرح بذلك ابن مفلح في "طبقاته"، وقد قال بعض السفهاء: إن علمه كان زائدًا على عقله؛ يشير بذلك إلى قلة فهمه، كأن القائل بهذا القول لم يقف على ما أثنى به عليه جمعٌ جَمٌّ من الأئمة الكبار بالذكاء وقوة الدرك، وبلوغه في المعقولات مبلغًا عظيمًا، والزهد، فأين هذا يقع من ذاك؟ ولكن من أعمى الله بصر بصيرته، فهو يرى الشمس مظلمة، هذا السبكي عدوُّه، والرادُّ عليه قد أقر له في كتابه هذا بما أقر، ولنعم ما قيل:
стр. 417
وإذا أتتكَ مَذَمَّتي من ناقِص ... فهيَ الشهادةُ لي بأنِّي كامِلُ
وكان الحافظ المزي يبالغ [في] تعظيم الشيخ، والثناء عليه، حتى كان يقول: لم ير مثله منذ أربع مئة سنة، وقال ابن رجب: بلغني من طريق صحيح عن ابن الزملكاني: أنه سئل عن الشيخ، فقال: لم نر من خمس مئة سنة أو أربع مئة سنة - الشك من الناقل، وغالب ظنه أنه قال: من خمس مئة سنة - أحفظَ منه. وكذلك المشايخ العارفون؛ كالقدوة محمد بن قوام. ويحكى أنه كان يقول: ما أسلمت معارفنا إلا على يد ابن تيمية، والشيخ عماد الدين الواسطي كان يعظمه جدًا، ويتلمذ له، مع أنه كان أسنَّ منه، وكان يقول: قد شارف مقام الأئمة الكبار، ويناسب قيامُه في بعض الأمور مقامَ الصديقين.
وكتب رسالة إلى خواص أصحاب الشيخ يوصيهم بتعظيمه واحترامه، ويعرفهم حقوقه، ويذكر فيها أنه طاف أعيان بلاد الإسلام، ولم ير فيها مثل الشيخ عملاً وعلمًا، وحالاً وخلقًا واتباعًا وكرمًا وحلمًا في حق نفسه، وقيامًا في حق الله عند انتهاك حرماته، وأقسم على ذلك بالله ثلاث مرات، ثم قال: أصدقُ الناس عقلاً، وأصحهم علمًا وعزمًا، وأنفذُهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه، وأسخاهم كفًا، وأكملهم اتباعًا لنبيه محمد ﷺ ، وما رأينا في عصرنا هذا من يستجلي النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل؛ بحيث يشهد القلب الصحيح - أن هذا هو الاتباعُ حقيقة.
قال: وطوائفُ من أئمة الحديث، حُفَّاظُهم وفقهاؤهم كانوا يحبون الشيخ، ويعظمونه، ولم يكونوا يحبون له التوغلَ مع أهل الكلام ولا الفلاسفة كما هو طريقة أئمة الحديث المتقدمين؛ مثل الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، ونحوهم، وكذلك كثير من الفقهاء وغيرهم كرهوا له التفرد ببعض شذوذ المسائل التي أنكرها السلف على من شذ بها.
أقول: وهذا الإنكار منهم عليه إنكار جاهل على عالم، والمرء عدو لما جهل، والذي تفرد به شيخ الإسلام من بعض المسائل قد أثبته جماعةٌ من أهل العلم بالأدلة الصحيحة المحكمة الثابتة، وذبوا جنابه الرفيع عن تلك الإيرادات،
стр. 418
ولهذا قال الذهبي: غالبُ حَطَّه على الفضلاء والمتزهدة حقٌّ، وفي بعضه هو مجتهد، ولا يُكفر أحدٌ إلا بعد قيام الحجة عليه، قال: ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية، واحتج ببراهينَ ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجَسُر هو عليها حتى قام عليه خلقٌ من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيدَ عليه، وبَدَّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن بحال، ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أداه إليه اجتهاده، وحدة ذهنه، وقوة عقله وفهمه، وسعة دائرته في السنن والأقوال، مع ما اشتهر عنه من الورع، وكمال الفكرة، وسرعة الإدراك، والخوف من الله، والتعظيم لحرمات الله، فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحدة، فينجيه الله؛ فإنه دائم الابتهال، كثير الاستعانة، قوي التوكل، ثابت الجأش، وله من الشطر الآخر محبون من العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن التجار والكبراء، وسائرُ العامة تحبه؛ لأنه منتصف لنفعهم ليلاً ونهارًا بلسانه وقلمه.
وأما شجاعته، فبها تُضرب الأمثال، وببعضها يتشبه الأكابر الأبطال، فلقد أقامه الله في نوبة غازان، والتقى أعباء الأمر بنفسه، وقام وقعد، وطلع وخرج، واجتمع بالملك مرتين، وكان شقحب يتعجب من إقدامه وجرأته على المغول، وله حدة قوية تعتريه في البحث حتى كأنه ليث حرب، وهو أكبر من أن ينبه مثلي على نعوته.
وله نظم قليل وسط، ولم يتزوج، ولا تسرَّى، ولا له من المعلوم إلا شيء قليل، وأخوه يقوم بمصالحه، ولا يطلب منهم غداء ولا عشاء في غالب الوقت، وما رأيت في العالم أكرمَ منه، ولا أفرغَ منه عن الدينار والدرهم، لا يذكره، ولا أظنه يدور في ذهنه، وفيه مروءة، وقيامٌ مع أصحابه، وسعي في مصالحهم، وهو فقير لا مالَ له، وملبوسه كآحاد الفقهاء، ولم يحن [رأسه] لأحد قط، وإنما يسلِّم، ويصافح، ويتبسم.
وأما محنه، فكثيرة، وشرحها يطول جدًا، منها: أنه امتحن - في سنة ٧٠٥ -
стр. 419
بالسؤال عن معتقده - بأمر السلطان -، فجمع نائبُه القضاة والعلماء بالقصر، وأحضر من داره "العقيدة الواسطية" فقرؤوها في ثلاثة مجالس، وحاققوه، وبحثوا معه، ووقع الاتفاق بعد ذلك على أن هذه عقيدة سنية سلفية، ومنهم من قال ذلك طوعًا، ومنهم من قاله كرهًا، وورد بعد ذلك كتاب من السلطان فيه: إنما قصدنا براءة ساحة الشيخ، وتبين لنا أنه على عقيدة السلف.
وفي آخر الأمر دبروا عليه الحيلة في مسألة المنع من السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، وألزموه من ذلك بالتنقص بالأنبياء، وذلك كفر، وأفتى بذلك طائفة من أهل الأهواء، وهم ثمانية عشر نفسًا - رأسهم القاضي الأحنائي المالكي -، وحبس بقلعة دمشق سنتين وأشهرًا، وبها مات - رحمه الله تعالى -. ووافقه جماعة من علماء بغداد، وكذلك أبناء أبي الوليد - شيخ المالكية بدمشق - أفتيا: أنه لا وجه للاعتراض عليه فيما قاله أصلاً، وأنه نقل خلف العلماء في المسألة، ورجح أحد القولين، قال الحافظ ابن القيم: سمعت ابن تيمية - قدس الله روحه ونَوَّرَ ضريحه - يقول في الحبس: إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها، لم يدخل جنة الآخر. قال: وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي في قلبي، وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان في حبسه يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا، ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي من الخير، ونحو هذا. وقال مرة: المحبوس مَنْ حُبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها، نظر إليه، وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]، انتهى حاصله.
قال ابن رجب: وأما تصانيفه، فهي أشهر من أن تذكر، وأعرفُ من أن تنكر، سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار، قد جاوزت حد الكثرة، فلا يمكن أحدًا حصرُها، ولا يتسع هذا المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها، ثم ذكر نبذة من أعيان مصنفاته الكبار، ثم ذكر طرفًا من مفرداته
стр. 420
وغرائبه، منها: أنه اختار ارتفاع الحدث بالمياه المُعْتَصَرة؛ كالورد ونحوه.
واختار جواز المسح على النعلين والقدمين، وكل ما يحتاج في نزعه من الرَّجل إلى معالجته باليد، أو بالرجل الأخرى؛ فإنه يجوز عنده المسحُ عليه مع القدمين. واختار أن المسح على الخفين لا يتوقت على الحاجة كالمسافرة على البريد ونحوه، وفعل ذلك في ذهابه إلى الديار المصرية على خير البريد، ويتوقت مع إمكان النزع وتيسره، واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها. واختار جواز التيمم لخشية فوات الوقت في حق غير المعذور؛ كمن أخر الصلاة عمدًا حتى تضايقَ وقتُها، وكمن خشي فوات الجمعة والعيدين وهو محِدث، فأما من استيقظ، أو ذكر في آخر وقت الصلاة، فإنه يتطهر بالماء، ويصلي؛ لأن الوقت متسع في حقه، واختار أن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت، وشق عليها النزول إلى الحمام وتكرره، فإنها تتيمم وتصلي. واختار أن لا حدَّ لأقلَّ الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الطهر بين الحيضتين، ولا لسن الإياس من الحيض، وأن ذلك يرجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها.
واختار أن تارك الصلاة عمدًا لا يجب عليه القضاء، ولا يشرع له، بل يكثر من النوافل، وأن القصر يجوز في قصير السفر وطويله، وأن سجود التلاوة لا يشترط له الطهارة.
قلت: وهذه المسائل غالبُها مبرهنة في مواضعها بالأدلة الصحيحة الدالة عليها، وقد ذهب إليها ذاهبون من أهل العلم قديمًا وحديثًا.
ثم ذكر ابن رجب وفاته ﵀، وقال: مرض الشيخ في القلعة بضعة وعشرين يومًا، ولم يعلم أكثر الناس بمرضه، ولم يفجأهم إلا موته، وكانت وفاته في سحر ليلة الاثنين عشرين ذي القعدة سنة ٧٢٨، ذكره مؤذن القلعة على منارة الجامع، وتكلم به الحرس على الأبرجة، فتسامع الناس في ذلك، وبعضُهم أُعلم به في منامه، وأصبح الناس، واجتمعوا حول القلعة، حتى أهل الغوطة، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئًا، ولا فتحوا كثيرًا من الدكاكين التي من شأنها أن تفتح أول النهار، وفتح باب القلعة، واجتمع خلق كثير من أصحابه
стр. 421
يبكون ويثنون، وأخبر أخوه أنه منذ دخل القلعة ختم ثمانين ختمة، وانتهى إلى قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].
صلى عليه الزاهدُ القدوة محمدُ بن تمام، وأُخرج إلى جامع دمشق، وكان الجمع أجمع من جمع الجمع، ثم ساروا به والناس في بكاء وثناء وتهليل وتأسف، والنساء فوق الأسطحة، وكان يومًا مشهودًا لم يُعهد بدمشق مثلُه، ولم يتخلف من أهل البلد وحواضره إلا الضعفاءُ والمخدَّرات، وصرخَ صارخ: هكذا يكون جنائزُ أهل السنة، فبكى الناس بكاء كثيرًا عند ذلك، واشتد الزحام، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم، وصار النعش على الرؤوس، يتقدم تارة، ويتأخر أخرى، وخرج الناس من أبواب المدينة كلها، ودُفن وقت العصر، وحُزر الرجال بستين ألفًا إلى مئة ألف وأكثر، والنساء بخمسة عشر ألفًا. ظهر بذلك قول الإمام أحمد: بيننا وبينَ أهل البِدع يومُ الجنائز، وخُتم له ختماتٌ كثيرة بالصالحية والمدينة، وتردد الناس إلىَ زيارة قبره أيامًا كثيرة ليلاً ونهارًا. ورئيت له منامات كثيرة صالحة، ورثاه خلق من العلماء والشعراء بقصائد كثيرة من بلدان شتى، وأقطار متباعدة، وتأسف المسلمون لفقده، وصلى عليه صلاة الغائب في غالب بلاد الإسلام - القريبة والبعيدة -، حتى في اليمن والصين، وأخبر المسافرون أنه نودي بأقصى الصين للصلاة عليه يوم الجمعة: الصلاة على ترجمان القرآن!.
قال ابن رجب: وقد أفرد الحافظ محمدُ بنُ عبد الهادي له ترجمة في مجلدة، وكذلك أبو حفص عمرُ بنُ علي البغدادي البزار في كراريس، وإنما ذكرنا ها هنا على وجه الاختصار، وقد حدث الشيخ كثيرًا، وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة من الحديث، وخرج له ابن الواني أربعين حديثًا حدث بها، انتهى. قلت: وقد اختصرت هذه الترجمة من الترجمة المختصرة التي ذكرها ابن رجب مع زيادة بعض ألفاظ عليها، فإن شئت أن تطلع على جملتها، فعليك بالمجلدات الكبار، والتراجم الحوافل التي كتبها الأئمة الكبار مستقلة مفردة، والله يختص برحمته من يشاء، ويدخل من يشاء في رحمته.
стр. 422
قال في "الروضة الغناء": ولد سنة ٦٦١، وأفتى ودرَّس، وصنف التصانيف البديعة الكثيرة، وجرت له محن كثيرة إلى أن توفي، ودفن بمقبرة الصوفية، انتهى.
وقال المعلم بطرس البستاني، في "دائرة المعارف": وكان ﵀ سيفًا مسلولاً على المخالفين، وشجًى في حلوق أهل الأهواء والمبتدعين، طنت بذكره الأمصار، وضنت بمثله الأعصار، وله تصانيف ومؤلفات، وقواعد وفتاوى، وأجوبة ورسائل، وتعاليق كثيرة، انتهى. وذكر منها نبذة، ثم قال: فلما رأى أهل بلاده ما كان له من الشهرة ورفعة الشأن، دبَّ في قلوبهم الحسد، وأكبَّ أهل النظر منهم بما ينتقد عليه من أمور المعتقد، فحفظوا عليه في ذلك كلامًا، قد أوسعوا لثلبه ملامًا، وفَوَّقوا لتبديعه سهامًا، وزعموا أنه خالف طريقهم، وفرق فريقهم، وقاطع بعضهم وقاطعوه، ثم نازعه طائفة أخرى ينتسبون من الفقراء إلى طريقة، ويزعمون أنهم على طريق أدق باطنًا منها وأجلى حقيقة، فكشف تلك الطرائق، وذكر لها مراغم موابق، فآضت إلى الطائفة الأولى من منازعيه، واستعانت بذوي الضعف عليه من مقاتليه، فوصَّلوا إلى الأمراء أمرَه، وأعمل كل منهم في كفره فكرَه، فرتبوا الحاضر، وألبوا الرويبضة للسعي بها بين الأكابر، قال: فرد الله كيد كل في نحره ونجاه، والله غالب على أمره، انتهى حاصله.
٤٦٧ - محمد بن أبي بكر المراغيُّ، القاهريُّ، المدنيُّ .
ولد في أواخر سنة ٧٧٥. وأخذ عن البلقيني، وابن الملقن، والزين العراقي، والهيثمي، ودخل اليمن مرات كثيرة.
وسمع على المجد الشيرازي، وتفقه على الدميري. قال في "البدر الطالع": أجاز له أكابر من محلات مختلفة، وأتقن جملة من الحديث وغريب الرواية، واختصر "فتح الباري" لابن حجر، وسماه: "تلخيص أبي الفتح لمقاصد الفتح"، ودرَّس بمكة والمدينة، وحدَّث بالأمهات وغيرها حتى مات بمكة سنة ٨٥٩، انتهى - رحمه الله تعالى -.
стр. 423
٤٦٨ - محمد بن أبي بكر الهمدانيُّ، المعروفُ بالسكاكيني .
ولد سنة ٦٣٥، قال في "البدر الطالع": طلب الحديث، وتأدب وقعد في صناعة السكاكين عند شيخ رافضي، فأفسد عقيدته، وأقام بالمدينة النبوية عند أميرها، ولم يُحفظ عنه سبُّ الصحابة، بل له نظمٌ في فضائلهم، إلا أنه كان كما قال ابن حجر: يناظر على القدر، وينكر الجبر.
قال ابن تيمية: هو ممن يتسنن به الشيعي، ويتشيع به السني.
ويقال: إنه رجع في آخر عمره، ونسخ "صحيح البخاري"، مات في سنة ٨٢١.
٤٦٩ - السيد محمد بن الحسن بن عبد الله، الظفريُّ، الصنعانيُّ .
ولد في سنة ١١٧٦. قال في "البدر الطالع": برع في العلوم الآلية، وشارك في غيرها.
وله فهم جيد، وإدراك قوي، وسمت حسن، وعقل رصين، وهو ممن يعمل باجتهاده، ويتقيد بنصوص الأدلة، ولا يعول على غير ذلك، انتهى.
٤٧٠ - السيد محمد بن حسن، المعروفُ بالمحتسب .
ولد سنة ١١٧٠. أخذ العلوم عن جماعة من علماء صنعاء، واستفاد في العلوم الآلية، وشارك في علم السنة مشاركة قوية، وعمل بالأدلة، ولم يقلد أحدًا، وهو بمكان عظيم من اطراح الدعاوى التي يتعلق بها كثير من أهل العلم، وله قراءة علي في "الصحيحين"، وغيرهما، قاله في "البدر الطالع". توفي - رحمه الله تعالى - في سنة ١٢٥٧.
٤٧١ - القاضي محمد بن حسن بنِ عليٍّ، الذماريُّ .
مولده تقريبًا سنة ١٢٠٠.
قاله في "البدر الطالع" له ذهن قوي، وفهم سوي، وذكاء كأنه شعلة نار، وبلاغة بليغة إلى غاية، وشعر جيد، ونثر فائق، وترسُّل رائق، سمع عليَّ في "صحيح البخاري".
стр. 424
وقد جمع مؤلفًا في ترجمتي، وذكر فيه شيوخي وتلامذتي، وقد أوقفني على كراريس منه، كلُّ من وقف عليه من العلماء انبهر لبلاغته، وحسن مسلكه، وجودة فقره، وبلاغة كلامه، وسماه: "التقصار في جيد زمان علامة الأقاليم والأمصار".
٤٧٢ - السيد الإمام أحمدُ بن إدريس المغربيُّ، الحسنيُّ نسبًا، من ذرية الإمام إدريس بن عبد الله المحض .
قال العلامة السيد حسن بن أحمد البهلكي في "الديباج الخسرواني": هو شيخنا، إمام المفسرين، ومقدام المحدثين، جعل الكتابَ والسنةَ إماميه، وتقيد بهما حالاً وقالاً، ومشى على سنن السير المحمدية طريقة وفعالاً، له قوة فكر في أخذ الدليل من الكتاب والسنة استنباطًا وانتزاعًا، وهو لا مذهب له غير ما دل عليه الدليل من كتاب وسنة، وكان يكافح أولئك بتزييف هذه المذاهب، والعكوف على ما مضى عليه الناس من التقليد، ويعلن لهم بأن قصر الحق على هذه المذاهب المعروفة من البدع، وأن الجزم بتعذر الحكم من دليله لا مستند له، وأنه من تحجر الواسع؛ لأن فضل الله غير مقصور على شخص دون شخص، والفهم الذي هو شرط التكليف قد منحه الله تعالى كل أحد، ولو كان مختصًا به أحد دون أحد، أو زمان دون زمان، لما قامت الحجة على العباد بكتاب الله العزيز، والسنة البيضاء، وهذا لا يرتضيه أحد، وهذا الصنيع من كفران النعمة.
وقد تكلم في هذه المسألة جماعة من أهل العلم، وأفردها الشيخ صالح الفلاني (١) بمؤلف، وأجاد في الكلام على هذه المسألة الإمام الحافظُ محمد بن
стр. 425
إبراهيم الوزير في "عواصمه"، نعم! انحرفَ عنه علماء مكة لهذا السبب، ولله در القائل:
ألا قلْ لمنْ باتَ لي حاسدًا ... أَتَدري على مَنْ أسأتَ الأَدَبْ
أسأتَ على الله في فعلِه ... لأنك لم ترضَ لي ما وَهَبْ
ومع هذا، فهم إذا أشكلت عليهم مسألة، دَسُّوا إليه من يسأله، فيجلِّيها لهم، وقد نشر الله تعالى له من الصيت وحسن الذكر ما ملأ الآفاق، وما ضرُّه حسدُهم ولا تمالؤهم على غمط فضائله، والاتفاق على أنه طاهر السريرة، صافي القلب من داء الحسد والحقد، وكان عند ملوك مكة هو العين الناظرة منزولاً عندهم في أرفع المنازل، ملحوظًا بعين الإجلال في جميع المحافل، وفي آخر مدته خرج من مكة إلى اليمن، وكان وصوله إلى زَبيد سنة ١٢٤٣، وتلقاه شيخنا الحافظ السيد عبدُ الرحمن بن سليمان الأهدل، وجعل نفسَه له مقام التلميذ، وأجَّله غاية الإجلال، ثم ترجح له المسير نحو الشام، وأنشد لسانُ حالهم قولَ بعض الأنام:
أَيُّها السائرُ عَنَّا عَجِلاً ... إنَّما سِرْتَ فما عنكَ خَلَفْ
إنما أنتَ سحابٌ هاطِلٌ ... حيثما صَرَّفَهُ اللهُ انصرَفْ
ليتَ شعري أَيّ قومٍ أجدَبوا ... فأُغيثوا بكَ من بعدِ التَّلَفْ
قلت: مات صاحب الترجمة - رح - سنة ١٢٥٣، وهو عام وفاة والد محرر هذه السطور أيضًا، وقد كان ﵀ على علم تام بحال المترجَم له، وأقواله وفعاله في اتباع الدليل، وطرح التقليد، وإيثار الحق على الخلق، واختيار التقوى على الفتوى، وكانت ولادته الشريفة سنة ١٢١٠، وقد ذكر صاحب "النفس اليماني" لصاحب الترجمة ترجمةً حافلة، هذا حاصله: قال شيخُنا: السيد العلامة الإمام، ذو المعارف الربانية، والمواهب الرحمانية، صفيُّ الإسلام، أحمد المغربي الحسينيُّ، وفد إلى مدينة زبيد سنة ١٢٤٤، ناشرًا فيها ما منحه الله من علوم أسرار الكتاب والسنة، وكاشفًا عن إشاراتهما الباهرة، ولطائفهما الزاهرة، بعبارته الجلية المشرق عليها نور الإذن الرباني، واللائح عليها أثر القبول الرحماني.