← Тараджим

Тараджим · id 17349

التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول

صديق حسن خان

Полный текст (544 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

يبكون ويثنون، وأخبر أخوه أنه منذ دخل القلعة ختم ثمانين ختمة، وانتهى إلى قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥]. صلى عليه الزاهدُ القدوة محمدُ بن تمام، وأُخرج إلى جامع دمشق، وكان الجمع أجمع من جمع الجمع، ثم ساروا به والناس في بكاء وثناء وتهليل وتأسف، والنساء فوق الأسطحة، وكان يومًا مشهودًا لم يُعهد بدمشق مثلُه، ولم يتخلف من أهل البلد وحواضره إلا الضعفاءُ والمخدَّرات، وصرخَ صارخ: هكذا يكون جنائزُ أهل السنة، فبكى الناس بكاء كثيرًا عند ذلك، واشتد الزحام، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم، وصار النعش على الرؤوس، يتقدم تارة، ويتأخر أخرى، وخرج الناس من أبواب المدينة كلها، ودُفن وقت العصر، وحُزر الرجال بستين ألفًا إلى مئة ألف وأكثر، والنساء بخمسة عشر ألفًا. ظهر بذلك قول الإمام أحمد: بيننا وبينَ أهل البِدع يومُ الجنائز، وخُتم له ختماتٌ كثيرة بالصالحية والمدينة، وتردد الناس إلىَ زيارة قبره أيامًا كثيرة ليلاً ونهارًا. ورئيت له منامات كثيرة صالحة، ورثاه خلق من العلماء والشعراء بقصائد كثيرة من بلدان شتى، وأقطار متباعدة، وتأسف المسلمون لفقده، وصلى عليه صلاة الغائب في غالب بلاد الإسلام - القريبة والبعيدة -، حتى في اليمن والصين، وأخبر المسافرون أنه نودي بأقصى الصين للصلاة عليه يوم الجمعة: الصلاة على ترجمان القرآن!. قال ابن رجب: وقد أفرد الحافظ محمدُ بنُ عبد الهادي له ترجمة في مجلدة، وكذلك أبو حفص عمرُ بنُ علي البغدادي البزار في كراريس، وإنما ذكرنا ها هنا على وجه الاختصار، وقد حدث الشيخ كثيرًا، وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة من الحديث، وخرج له ابن الواني أربعين حديثًا حدث بها، انتهى. قلت: وقد اختصرت هذه الترجمة من الترجمة المختصرة التي ذكرها ابن رجب مع زيادة بعض ألفاظ عليها، فإن شئت أن تطلع على جملتها، فعليك بالمجلدات الكبار، والتراجم الحوافل التي كتبها الأئمة الكبار مستقلة مفردة، والله يختص برحمته من يشاء، ويدخل من يشاء في رحمته.

стр. 422

قال في "الروضة الغناء": ولد سنة ٦٦١، وأفتى ودرَّس، وصنف التصانيف البديعة الكثيرة، وجرت له محن كثيرة إلى أن توفي، ودفن بمقبرة الصوفية، انتهى. وقال المعلم بطرس البستاني، في "دائرة المعارف": وكان ﵀ سيفًا مسلولاً على المخالفين، وشجًى في حلوق أهل الأهواء والمبتدعين، طنت بذكره الأمصار، وضنت بمثله الأعصار، وله تصانيف ومؤلفات، وقواعد وفتاوى، وأجوبة ورسائل، وتعاليق كثيرة، انتهى. وذكر منها نبذة، ثم قال: فلما رأى أهل بلاده ما كان له من الشهرة ورفعة الشأن، دبَّ في قلوبهم الحسد، وأكبَّ أهل النظر منهم بما ينتقد عليه من أمور المعتقد، فحفظوا عليه في ذلك كلامًا، قد أوسعوا لثلبه ملامًا، وفَوَّقوا لتبديعه سهامًا، وزعموا أنه خالف طريقهم، وفرق فريقهم، وقاطع بعضهم وقاطعوه، ثم نازعه طائفة أخرى ينتسبون من الفقراء إلى طريقة، ويزعمون أنهم على طريق أدق باطنًا منها وأجلى حقيقة، فكشف تلك الطرائق، وذكر لها مراغم موابق، فآضت إلى الطائفة الأولى من منازعيه، واستعانت بذوي الضعف عليه من مقاتليه، فوصَّلوا إلى الأمراء أمرَه، وأعمل كل منهم في كفره فكرَه، فرتبوا الحاضر، وألبوا الرويبضة للسعي بها بين الأكابر، قال: فرد الله كيد كل في نحره ونجاه، والله غالب على أمره، انتهى حاصله. ٤٦٧ - محمد بن أبي بكر المراغيُّ، القاهريُّ، المدنيُّ . ولد في أواخر سنة ٧٧٥. وأخذ عن البلقيني، وابن الملقن، والزين العراقي، والهيثمي، ودخل اليمن مرات كثيرة. وسمع على المجد الشيرازي، وتفقه على الدميري. قال في "البدر الطالع": أجاز له أكابر من محلات مختلفة، وأتقن جملة من الحديث وغريب الرواية، واختصر "فتح الباري" لابن حجر، وسماه: "تلخيص أبي الفتح لمقاصد الفتح"، ودرَّس بمكة والمدينة، وحدَّث بالأمهات وغيرها حتى مات بمكة سنة ٨٥٩، انتهى - رحمه الله تعالى -.

стр. 423

٤٦٨ - محمد بن أبي بكر الهمدانيُّ، المعروفُ بالسكاكيني . ولد سنة ٦٣٥، قال في "البدر الطالع": طلب الحديث، وتأدب وقعد في صناعة السكاكين عند شيخ رافضي، فأفسد عقيدته، وأقام بالمدينة النبوية عند أميرها، ولم يُحفظ عنه سبُّ الصحابة، بل له نظمٌ في فضائلهم، إلا أنه كان كما قال ابن حجر: يناظر على القدر، وينكر الجبر. قال ابن تيمية: هو ممن يتسنن به الشيعي، ويتشيع به السني. ويقال: إنه رجع في آخر عمره، ونسخ "صحيح البخاري"، مات في سنة ٨٢١. ٤٦٩ - السيد محمد بن الحسن بن عبد الله، الظفريُّ، الصنعانيُّ . ولد في سنة ١١٧٦. قال في "البدر الطالع": برع في العلوم الآلية، وشارك في غيرها. وله فهم جيد، وإدراك قوي، وسمت حسن، وعقل رصين، وهو ممن يعمل باجتهاده، ويتقيد بنصوص الأدلة، ولا يعول على غير ذلك، انتهى. ٤٧٠ - السيد محمد بن حسن، المعروفُ بالمحتسب . ولد سنة ١١٧٠. أخذ العلوم عن جماعة من علماء صنعاء، واستفاد في العلوم الآلية، وشارك في علم السنة مشاركة قوية، وعمل بالأدلة، ولم يقلد أحدًا، وهو بمكان عظيم من اطراح الدعاوى التي يتعلق بها كثير من أهل العلم، وله قراءة علي في "الصحيحين"، وغيرهما، قاله في "البدر الطالع". توفي - رحمه الله تعالى - في سنة ١٢٥٧. ٤٧١ - القاضي محمد بن حسن بنِ عليٍّ، الذماريُّ . مولده تقريبًا سنة ١٢٠٠. قاله في "البدر الطالع" له ذهن قوي، وفهم سوي، وذكاء كأنه شعلة نار، وبلاغة بليغة إلى غاية، وشعر جيد، ونثر فائق، وترسُّل رائق، سمع عليَّ في "صحيح البخاري".

стр. 424

وقد جمع مؤلفًا في ترجمتي، وذكر فيه شيوخي وتلامذتي، وقد أوقفني على كراريس منه، كلُّ من وقف عليه من العلماء انبهر لبلاغته، وحسن مسلكه، وجودة فقره، وبلاغة كلامه، وسماه: "التقصار في جيد زمان علامة الأقاليم والأمصار". ٤٧٢ - السيد الإمام أحمدُ بن إدريس المغربيُّ، الحسنيُّ نسبًا، من ذرية الإمام إدريس بن عبد الله المحض . قال العلامة السيد حسن بن أحمد البهلكي في "الديباج الخسرواني": هو شيخنا، إمام المفسرين، ومقدام المحدثين، جعل الكتابَ والسنةَ إماميه، وتقيد بهما حالاً وقالاً، ومشى على سنن السير المحمدية طريقة وفعالاً، له قوة فكر في أخذ الدليل من الكتاب والسنة استنباطًا وانتزاعًا، وهو لا مذهب له غير ما دل عليه الدليل من كتاب وسنة، وكان يكافح أولئك بتزييف هذه المذاهب، والعكوف على ما مضى عليه الناس من التقليد، ويعلن لهم بأن قصر الحق على هذه المذاهب المعروفة من البدع، وأن الجزم بتعذر الحكم من دليله لا مستند له، وأنه من تحجر الواسع؛ لأن فضل الله غير مقصور على شخص دون شخص، والفهم الذي هو شرط التكليف قد منحه الله تعالى كل أحد، ولو كان مختصًا به أحد دون أحد، أو زمان دون زمان، لما قامت الحجة على العباد بكتاب الله العزيز، والسنة البيضاء، وهذا لا يرتضيه أحد، وهذا الصنيع من كفران النعمة. وقد تكلم في هذه المسألة جماعة من أهل العلم، وأفردها الشيخ صالح الفلاني (١) بمؤلف، وأجاد في الكلام على هذه المسألة الإمام الحافظُ محمد بن

стр. 425

إبراهيم الوزير في "عواصمه"، نعم! انحرفَ عنه علماء مكة لهذا السبب، ولله در القائل: ألا قلْ لمنْ باتَ لي حاسدًا ... أَتَدري على مَنْ أسأتَ الأَدَبْ أسأتَ على الله في فعلِه ... لأنك لم ترضَ لي ما وَهَبْ ومع هذا، فهم إذا أشكلت عليهم مسألة، دَسُّوا إليه من يسأله، فيجلِّيها لهم، وقد نشر الله تعالى له من الصيت وحسن الذكر ما ملأ الآفاق، وما ضرُّه حسدُهم ولا تمالؤهم على غمط فضائله، والاتفاق على أنه طاهر السريرة، صافي القلب من داء الحسد والحقد، وكان عند ملوك مكة هو العين الناظرة منزولاً عندهم في أرفع المنازل، ملحوظًا بعين الإجلال في جميع المحافل، وفي آخر مدته خرج من مكة إلى اليمن، وكان وصوله إلى زَبيد سنة ١٢٤٣، وتلقاه شيخنا الحافظ السيد عبدُ الرحمن بن سليمان الأهدل، وجعل نفسَه له مقام التلميذ، وأجَّله غاية الإجلال، ثم ترجح له المسير نحو الشام، وأنشد لسانُ حالهم قولَ بعض الأنام: أَيُّها السائرُ عَنَّا عَجِلاً ... إنَّما سِرْتَ فما عنكَ خَلَفْ إنما أنتَ سحابٌ هاطِلٌ ... حيثما صَرَّفَهُ اللهُ انصرَفْ ليتَ شعري أَيّ قومٍ أجدَبوا ... فأُغيثوا بكَ من بعدِ التَّلَفْ قلت: مات صاحب الترجمة - رح - سنة ١٢٥٣، وهو عام وفاة والد محرر هذه السطور أيضًا، وقد كان ﵀ على علم تام بحال المترجَم له، وأقواله وفعاله في اتباع الدليل، وطرح التقليد، وإيثار الحق على الخلق، واختيار التقوى على الفتوى، وكانت ولادته الشريفة سنة ١٢١٠، وقد ذكر صاحب "النفس اليماني" لصاحب الترجمة ترجمةً حافلة، هذا حاصله: قال شيخُنا: السيد العلامة الإمام، ذو المعارف الربانية، والمواهب الرحمانية، صفيُّ الإسلام، أحمد المغربي الحسينيُّ، وفد إلى مدينة زبيد سنة ١٢٤٤، ناشرًا فيها ما منحه الله من علوم أسرار الكتاب والسنة، وكاشفًا عن إشاراتهما الباهرة، ولطائفهما الزاهرة، بعبارته الجلية المشرق عليها نور الإذن الرباني، واللائح عليها أثر القبول الرحماني.

стр. 426

كما قال ابن عطاء: من أذن له في التعبير، فهمت في مسامع الخلق عبارته، وجليت إليهم إشارته، ولقد أملى - عافاه الله - من تلك الدقائق والحقائق ما استنارت به قلوب سليمة، وتداوت من جراحات غفلاتها أفئدة أليمة، وازدحم الخاص والعام على الاستفادة من تلك العلوم، والاقتباس من نور مشكاة تلك الفهوم: جميعُ العلمِ في القرآنِ لكنْ ... تقاصر عنه أفهامُ الرجالِ وتلقى كلُّ أحد من تلك المعاني واللطائف على قدر الاستعداد، وعلى ما قدره الله من مسوق فيض الإمداد: على قدرِكَ الصهباءُ تُعطيكَ نشوةً .... ولستَ على قدرِ السُّلافِ تُصابُ قال ابن القيم ﵀ في "شرح منازل السائرين": القوم يسمُّون أخبارهم عن المعارف والمطلوب: إشارات؛ لأن المعروف والمطلوب أجلُّ من أن يفصح عنه بعبارة تطابقه، وشانه فوق ذلك، فالكامل إشارتُه إلى الغاية، ولا يكون ذلك إلا لمن فني عن اسمه، وهوى حظه، وبقي بربه، وكلُّ أحد فإشارته بحسب معرفته وهمته، ومعارفُ القوم وهممُهم تؤخذ من إشارتهم، انتهى. وهذا السيد الجليل: طريقتُه السالكُ بها، والداعي إليها، الإقبالُ بالكلية على تدبر معاني كتاب الله، وإطالة التفكر في استجلاب أسرار معانيه، ولقد ذكر لي - عافاه الله - أنه مكث عدة سنين لا شغلَ له إلا تلاوة كتاب الله، والتعرضُ لنفحات أسرار علومه، ولطائف رقائقه وفهومه، حتى منح الله بما منح، وفتحَ بما فتح، وهذه الطريقة هي التي أشار إليها الإمام ابنُ القيم في "شرح منازل السائرين" حيث قال ما نصه: والطريقة المختصرة، القريبة السهلة الموصلة إلى الرفيق الأعلى، التي لا يلحق سالكَها خوفٌ ولا عطب، ولا فيها آفة من آفات سائر الطرق البتة، وعليه من اللهِ حارسٌ وحافظ، يكلأ السالكين فيها، ويحميهم ويدفع عنهم، هي: أن تنقل قلبك من وطن الدنيا إلى وطن الآخرة، ثم به كله إلى معاني القرآن واستجلائها وتدبرها، وفهمِ ما يُراد منه، وما نزل لأجله، وأخذُ

стр. 427

نصيبك وحظك من كل آية من آياته، وتنزيلُها على أدواء قلبك، ولا يعرف قدرَ هذه الطريقة إلا من عرف طرق الناس وغوائلها وقطاعها، والله المستعان، انتهى كلامه. قال: ونزل السيد المذكور على العبد الحقير، وكان نزوله كنزول العافية على السقيم، والشفاء للجراح الأليم، والحمد لله على ذلك، ونسأله التوفيق لدوام الشكر على ما هنالك، ثم بدا له التوجهُ إلى جهة بندر "المخا"، ثم جهة موزع. فلما وصل إلى تلك الجهات، ازدحم عليه الخاص والعام، وانتفعوا به في أمر دينهم انتفاعًا عظيمًا؛ لأن السيد: هديُه في عباداته وعاداته الهديُ النبوي، سيما الصلاة؛ فإنه - نفع الله - به يُقيمها ويحسنها على الوجه التام الذي وردت به الأحاديث الصحاح والحسان، عن معلم الشريعة ﷺ ، لا يلتزم في إقامتها ولا إقامة غيرها مذهبًا من المذاهب، بل مذهبه ما صحَّ به الحديث؛ كما هي طريقة خلائق من العلماء الأعلام: ومذهبي: كلُّ ما صَحَّ الحديثُ به ... ولا أُبالي بلاحٍ فيه أو زاري وله فيَّ كلامٌ منظوم رائق عذب، ثم عاد بعد إقامته مدةً في تلك الجهات إلى زَبيد، والعود -، كما يقال في المثل السائر:- أحمدُ، ولم تزل الأيام والليالي زاهرة رياضُها بلطائف العلوم، ورقائق الفهوم، معمورة أوقاتُها بالعبادات، والأقلام تكتب من إملاء السيد من الفوائد العوائد، النوادرَ والشوارد، ما ملئت منه الدفاتر، وفي هذه المدة وقعت إجازات منه لكل من طلب ذلك، بل أجاز أهلَ زبيد خصوصًا، وأهل اليمن عمومًا، كما وقع نظير ذلك للحافظ ابن حجر العسقلاني عند قدومه زَبيد؛ فإني رأيت بخط الفقيه الولي الكبير العلامة المحدث عبد النور بن عبد الواحد الهائلي ما نصه: رأيت بخط غير خط الإمام شهاب الدين بن حجر العسقلاني - رحمه الله تعالى -: أجزت لأهل "زبيد" خصوصًا، ولأهل اليمن كافة عمومًا، أن يرووا عني هذه الكتب: "صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم"، و"الجمع بين الصحيحين" للحميدي، وكتاب "السنن" لأبي داود، وكتاب "السنن" للحافظ النسائي،

стр. 428

و"المختار من السنن الكبرى"، وكتاب "الجامع" للإمام أبي عيسى الترمذي، وكتاب "العلل" له أيضًا، وكتاب "الموطأ" للإمام مالك بن أنس الأصبحي، وكتاب "التجريد" للقاضي عبد الرحمن البارزي، بأسانيدي التي ذكرتها إجازة معين لمعين، وكذلك ما يصح عندهم من مروياتي من الأجزاء الحديثية، والكتب المسندة، ومالي من قول ونظم ونثر، على اختلاف جميع ذلك، وتباين أنواعه وأجناسه، إجازةً تامة بشرطه المعتبر، عند أهل الأثر، قاله وكتبه أحمد بن علي بن محمد العسقلاني الشهير بابن حجر، انتهى. قال: وهو باق إلى هذا العام سنة ١٢٤٨، يذكر الله، ويذكر بأيامه، ويملي من علوم السنة والكتاب ما يفيد ذوي العقول والألباب، أمتع الله للمسلمين في حياته، وبارك لنا ولهم في أوقاته. وامتدحه أهل تلك الجهات بقصائد فرائد، انتهى. ٤٧٣ - الشيخُ العلامةُ الفاضلُ إبراهيمُ بن أحمد، الزمزميُّ . كان له ميلٌ إلى الأدب، وعمل بالدليل "عدم الالتفات إلى التقليد"، نظم متن "الدرر البهية" للبدر اليماني العلامة الشوكاني في فقه الحديث، توفي بمدينة أبي عريش في سنة ١٢٦٣ - رح -. ٤٧٤ - الإمام يحيى بنُ المطهر بن يِحيى . نشأ في مدينة صنعاء، ولازم العلامة الشوكاني، واستفاد من علومه، وقرأ جميع مؤلفاته عليه. وأكبَّ على علم الحديث، فبلغ فيه النهاية، وترك التقليد، له "شرح على سنن أبي داود" يخرج في أربعة مجلدات، وله رسائل متعددة، توفي - رح - سنة ١٢٦٨. ٤٧٥ - أحمد بن ناصر، الكبسيُّ . كان من أئمة العلم والعمل، من أخلص تلامذة البدر العلامة الشوكاني، قال صاحب "الديباج الخسرواني": قد أطلت ترجمته في "حدائق الزهر" وكان مولده عام ١٢٠٩، وتوفي سنة ١٢٧١، وفيها كانت وفاة السيد العلامة عبد الله بن

стр. 429

عبد الباري الأهدل في قرية مراوعة، وكان فيه إنصاف في المراجعة، لا يتعصب ولا يكابر، وفيها وفاة القاضي عبد الرحمن بن محمد بمدينة زبيد، مولده سنة ١١١٢ ببلدة ضمد، انتهى. وآخر كتاب "الديباج" إلى سنة ١٢٧٢ الهجرية. ٤٧٦ - العلامةُ، الحافظُ، المتألهُ، الربانيُّ، القاسمُ بنُ محمد بنِ إسماعيلَ الأميرُ اليماني، أخو السيد عبد الله . كان - رح - في العلوم كلها إمامَ أهل التحقيق، والمجلي من قصبات الإتقان والتدقيق، روحُ جسم العبادة، وحليفُ التقى والزهادة، نهاره صائم، وليله قائم. مولده تقريبًا سنة ١١٦٦، وتوفي سنة ١٢٤٦، خلف عن والده شيخ الإسلام. وكان عاملاً بالدليل، تاركًا للتقليد، مجانبًا عن القال والقيل، ومع ذلك كان إذا تكلم في مسألة، لم يترك بعده مقالاً لقائل، أو خاض في ثبج المشكلات وإيضاحها، فمن ذا له يناضل، وكان مؤثرًا للخمول والعزلة، تاركًا لفضول العيش، مطرحًا للعادات التي عليها الناس في الملبوس وغيره. ولا يحب الشهرة في شيء من أمره، وكان كثيرًا ما ينشد قول الإمام الغزالي - رحمه الله تعالى -: تَرَكْتُ هَوَى ليلَى وسُعْدَى بَمعزلِ ... وعُدْتُ إلى مصحوبِ أَوَّلِ منزلِ ونادَتْنِيَ الأشواقُ مهلاً فهذهِ ... منازلُ مَنْ تَهْوَى رُويدَكَ فانزلِ وهذا يشعر بأنه لا ملحظ له إلا ما فيه رضا مولاه، وأنه لا يشتغل بما سواه، وهكذا حالُ من علم أن المقام في الدنيا قليل ذو هوان، وأن من خالف هواه تكون عقباه الراحة في دار الحيوان: نَزَلْنا ها هنا ثم ارتَحَلْنا ... كَذَا الدنيا نزولٌ وارتحالُ يظنُّ المرءُ في الدنيا خلودًا ... خلودُ المرءِ في الدنيا مُحالُ هذا حاصل ما في "الديباج". وقد ترجمه جماعة من أهل العلم، وذكروا له فضائل لا يأتي عليها الحصر، ولله در القائل: أَذانُ المَرْءِ حينَ الطفلُ يأتي ... وتأخيرُ الصلاة إلى المَمَاتِ

стр. 430

دليلٌ أن محياه يَسيرٌ ... كما بينَ الأذانِ إلى الصلاة وقال الآخر: لو قَنِعْنا لَكَفانا ... منكِ يا دارُ يسيرُ أنتِ نُعْماك قليلٌ ... وبَلاياكِ كثيرُ وقبورٌ تتلاشى حيثُ ... لا تمشي القبورُ يا مُبَهْرِجْ لا تُبهرج ... إنَّما الناقدْ بَصيرُ قال في "النفس اليماني": ومنهم سادتي القادةُ الأحبار الأخيار الأطهار، مَنْ منهجُهم القويمُ في جميع شؤونهم اقتفاءٌ بآثار النبيِّ الأمين الصادقِ المختار، ﵌، وعلى سائر النبيين والمرسلين، سيدي قاسم، وسيدي إبراهيم، وسيدي عبد الله: أولادُ أمير المؤمنين - في حديث سيد المرسلين - محمد بن إسماعيل الأمير، ومناقبُهم الزاهرة، وفضائلهم الفاخرة، أجلى من الشمس في رابعة النهار ... إلى آخر ما قال. ٤٧٧ - السيد محمد بن حسين حوثي الصنعانيُّ . ولد تقريبًا سنة ١١٥٠، وأخذ العلم عن جماعة، منهم: السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير، والقاضي أحمد قاطن، وغيرهما، وصار أحد علماء صنعاء المفيدين، ودرَّس في فنون، وكان مائلاً إلى العمل بالأدلة، مطرحًا للتقليد، له مباحث علمية جيدة، ولعل موته كان في سنة ١٢١١ - رح -. ٤٧٨ - محمد بن حسين دلامة، الذماريُّ . ولد تقريبًا سنة ١١٥٠. وكان حسن المحاضرة، رقيق الحاشية، كثير الميل إلى الصور الحسان، مع عفة ونزاهة بحيث ناهز الستين السنة، وهو كالشاب في الغرام، ويغلب على الظن أنه مات عشقًا، فإنه كان قبل موته يهيم ببعض المِلاح، وكنتُ أتعجب من تسلُّط الغرام عليه، مع ضعفِ البدن، وكثرةِ الأمراض، ومزيدِ الفقر، وعلوَّ السن، وهو لا يكره نسبة ما ذكرته إليه؛ فإني كنت أمازحه قبل تحرير هذه التراجم بزيادة على خمس سنين: أني سأكتب له

стр. 431

ترجمةً أذكر فيها ما صار فيه من مكابدة غرام بعد غرام، وهيام عقب هيام، وكان يأذن بذلك، ولو علمتُ أنه يكرهه، ما ذكرته؛ لأني صنفت هذا الكتاب عن ذكر المعايب، وطهرته عن نشر المثالب، لا كما يفعله كثير من المترجمين من الاستكثار من ذلك؛ فإن الغيبة قبيحة إذا كانت بفلتات اللسان لا تحفظ ولا يبقى أثرها، بل تُنسى في ساعتها، فكيف بها إذا حُررت بالأقلام، وبقيت أعوامًا بعد أعوام، ولا سيما إذا لم يتعلق بها غرض الجرح والتعديل، فإنها من حصائد الألسنة التي تكبُّ صاحبَها على منخره في نار جهنم - نسأل الله السلامة - مات في سنة ١٢٠٩ - رحمه الله تعالى -. ٤٧٩ - محمد بن عبد الرحيم بنِ محمدٍ الهنديُّ، الشافعيُّ، الأصوليُّ . ولد بالهند سنة ٦٤٤، وقدم اليمن، فأكرمه المظفَّر، وأعطاه تسع مئة دينار، ثم حج، وأقام بمكة ثلاثة أشهر، ورأى بها ابن سبعين، وسمع كلامه، ثم دخل القاهرة، وقدم دمشق، فاستوطنها، وقعد في الجامع ودرَّس، وصنف في أصول الدين: "الفائق"، وفي أصول الفقه: "النهاية". ولما عقد بعض المجالس لابن تيمية، عين صاحب الترجمة لمناظرته، فقال لابن تيمية في أثناء البحث: أنت مثل العصفور، تزط من هنا إلى هنا، ولعله قال ذلك لما رأى من كثرة فنون ابن تيمية، وسَعَة دائرته في العلوم الإنسانية، والرجل ليس بكفءٍ لمناظرة ذلك الإمام إلا في فنونه التي يعرفها، وقد كان عُريًا عن سواها، ولهذا قيل: إنه ما كان يحفظ من القرآن إلا ربعَه، حتى نقل أنه قرأ ﴿المص﴾ [الأعراف: ١]: بفتح الميم وتشديد الصاد. وتوفي في آخر صفر سنة ٧١٥، انتهى. ٤٨٠ - محمد بن عبد الرحمن بن محمدٍ، السخاويُّ . ولد في ربيع الأول سنة ٨٣١، قرأ على البلقيني، والمناوي، وابن الهمام، وابن حجر، ولازمه، وانتفع منه، وتخرج به في الحديث، وأقبل على هذا الشأن بكليته، وتدرب فيه، وسمع العاليَ والنازل، وأخذ عن مشايخ عصره بمصر ونواحيها، حتى بلغوا أربع مئة شيخ، ثم حج، وأخذ عن مشايخ مكة والمدينة،

стр. 432

وارتحل إلى سائر جهات الشام، وبرع في هذا الشأن، وفاق الأقران، وحفظ من الحديث ما صار به منفردًا عن أهل عصره، ثم حج مرات، وجاور مجاورات، وخرَّج لجماعة من شيوخه أحاديث. وله: "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع"، في أربع مجلدات، ومصنف في ترجمة نفسه، و"القول المني في ذم ابن عربي". وبالجملة: فهو من الأئمة الأكابر، ترجم لنفسه ترجمة طويلة، قال تلميذه ابن فهد المكي: إن شيخنا صاحب الترجمة حقيق، بما ذكره لنفسه من الأوصاف الحسنة، ولقد والله العظيم! لم أر في الحفاظ المتأخرين مثله، ويعلم ذلك من اطلع على مؤلفاته، أو شاهده وهو عارف بفنه، وقال بعض العلماء: لم يأت بعد الحافظ الذهبي مثلُه، وبعدَه مات فنُّ الحديث، وأسفَ الناسُ على فقده، مات سنة ٩٠٢. قال الشوكاني: ولو لم يكن لصاحب الترجمة من التصانيف إلا "الضوء اللامع"، لكان أعظمَ دليل على إمامته، ثم لم يتقيد في كتابه بمن مات في القرن التاسع، بل ترجم لجميع من وجد فيه ممن عاش إلى القرن العاشر، وليته صان ذلك الكتاب الفائق عن الوقيعة في أكابر العلماء من أقرانه، ولكن ربما كان له مقصد صالح، وقد غلبت عليه محبة شيخه الحافظ ابن حجر، فصار لا يخرج عن غالب أقواله، كما غلبت على ابن القيم محبة شيخه ابن تيمية، وعلى الهيثمي محبة شيخه العراقي، انتهى. وعليَّ محبة شيخي العلامة الشوكاني - رح -. وفي هذه الترجمة رجح الشوكاني "الضوء اللامع" على "الدرر الكامنة" وذكر أسماء مؤلفات السخاوي،﵀. ٤٨١ - محمد بنُ عبد الله بنِ سعيدٍ، التلمسانيُّ، القرطبيُّ، واشتهر بلسانِ الدين ابنِ الخطيب . سمع من جماعة وتأدب. وأخذ الطلب والمنطق، وتولع بالشعر، فبرع فيه، وترسَّلَ فأجاد، ومن شعره: ما ضَرَّني إنْ لم أَجِىءْ مُتَقَدِّمًا ... السبق يعرفُ آخرَ المِضْمارِ ولَئِنْ غدا رَبْعُ البلاغة بَلْقَعًا ... فَلَرُبَّ كنزٍ في أَساسِ جِدارِ

стр. 433

يا مَنْ بأكنافِ فؤادي قَدْ رَتَعْ ... قَدْ ضاقَ بي عن حبكَ المُتَّسَعْ ما فيكَ جدوى حيثُ لا تَرْعَوي ... شُحٌّ مطاعٌ وهَوًى مُتَّبَعْ قتل في سنة ٧٧٦، وقتلُه من المجازفات التي صار يرتكبها قضاة المالكية، ويريقون بها دماء المسلمين بلا قران ولا برهان، وأما وجودُه على شفير القبر محرَّقًا، فلا ريبَ أن ذلك من صنيع أعدائه، وليس بجرم، ولا فيه دليل على صحة ما امتُحن به، فإن الأرضَ قد قبلتْ فرعونَ وهامانَ وسائرَ أساطين الكفران، انتهى. ٤٨٢ - محمد بن عطاءِ الله، الرازيُّ، الهرويُّ . كان يقول: إنه من ذرية الفخر الرازي، ولد سنة ٧٦٧، وكان حنفيًا، فصار شافعيًا. تلمذ على التفتازاني، ودخل الروم، وحجَّ ورحل إلى القدس، وأتباعُه قالوا بإمامته في المذهب الحنفي والشافعي، وسائر العلوم، وشهروه بذلك في الناس. قال الشوكاني: يعني: على جاري عادة العجم في التفخيم والتهويل، وله دعاوى عريضة طويلة، منها: أنه يحفظ "الصحيحين" عن ظهر قلب، ويحفظ اثني عشر ألف حديثا بأسانيدها، ولكن ظهر كذبه في مجلس السلطان، والمرء عند الامتحان يكرم أو يهان. قال السخاوي: سئل عن سنده لصحيح البخاري؟ فذكر شيوخًا لا يعرفون. وقال ابن حجر: لا وجودَ لأحد منهم، قال الشوكاني: انتقصَهُ الحافظ ابنُ حجر، ووصفَه بالكذب، وكذلك السخاويُّ، لكن وصفه ابنُ قاضي شهبة، والعيني: له شرح على مسلم، موسوم بـ "فضل المنهم"، وكان تيمور يكرمه، ويعظمه، وكان محترما في بلاد سمرقند، قال بعض مترجميه: إن الفقهاء تعصبوا عليه، وبالغوا في التشنيع حتى رموه بعظائم، الظنُّ براءته عن أكثرها، قال: وهذا غيرُ بعيد، لا سيما وقد صار معظمًا عند سلطانهم، مقدمًا في مناصبهم، مع كونه

стр. 434

ليس منهم؛ فإن ذلك مما يؤثر الطعن بدون السبب، مات في سنة ٨٢٩، انتهى - رحمه الله تعالى -. ٤٨٣ - محمد بن علي بن حسين، العمرانيُّ، الصنعانيُّ . ولد سنة ١١٩٤. اشتغل بطلب علوم الاجتهاد على جماعة من علماء العصر، فبرع فيها وصار في عداد من يعمل بالدليل، ولا يعرِّجُ على القال والقيل، وبلغ في المعارف إلى مكان جليل. قال الشوكاني: وقد أخذ عنِّي من جملة الطلبة، وهو قويُّ الذهن، سريعُ الفهم، جيدُ الإدراك، ثاقبُ النظر، يقلُّ وجودُ نظيرِه في هذا العصر - كثر الله فوائده -، ونفع بعلومه، وسمع مني أكثرَ مصنفاتي، وأكثرُ اشتغاله بعلم الحديث ورجاله، حتى صار الآن من أعظم رجال هذا الشأن، وله مصنف على سنن ابن ماجه، جعله أولاً كالتخريج، ثم جاوز ذلك إلى شرح الكتاب. وهو إلى الآن في عمله، انتهى. قال في "الديباج": توفي سنة ١٢٦٣، لازم شيخَنا البدرَ الشوكانيَّ، وبه انتفع، وفي آخر المدة وقع منه وحشة من شيخنا الشوكاني؛ كما جرت به العادة بين الأقران، ومن اطلع على "سيرة النبلاء" للحافظ الذهبي، ورأى ما وقع بين الحافظ محمد بن يحيى الذهلي، وتلميذِه الإمامِ البخاري، هان عليه الأمر، وعلمَ أن العصمةَ لغير الأنبياء متعذرة، والمرجو من الله سبحانه أن يتجاوز عن الجميع؛ لسوابقهم في الإسلام، وعنايتهم بحفظ شريعة سيد الأنام، وبابُ التأويل للمؤمنين مفتوح، والأعمال بالنيات. وبعد الوحشة كان استقراره بزبيد ووصوله بها سنة ١٢٥٠، وحين تكدرت عليه صور في الإقامة، ارتحل إلى مكة المشرفة، وجاور فيها نحو ثلاث سنين، ثم نزل بأبي عريش، ومكث نحو سنتين، ثم عاد إلى زبيد، واختار الله له الانتقال إلى رحمته. وكان له إلمام بعلم الحديث، فهو إمامُ محرابِه، والذي لا يدانيه قرينٌ من أهل زمنه وأترابه، فهو يستحضر رجال الكتب الستة بحيث لا يخفى عليه من

стр. 435

أحوالهم خافية تعديلاً وتضعيفًا، أطلعني على مؤلَّف له سماه: "التعريف بما ليس في التهذيب من قوي وضعيف"، فرأيت ما بهرني من الاستدراك، وهو يأتي في مجلد حافل، وله حاشية على ابن ماجه مفيدة جدًا، سماها: "عجالة ذوي الحاجه"، وقد جاء في تلك التعليقة بأسلوب مخترع، وله مؤلفات غير ذلك، اتفقت به - في رحلتي إلى صنعاء - عام ثلاثة وأربعين بعد المئتين والألف، ولازمتهُ مدة، وقرأت عليه شرح الغاية بتمامه، المسمى: بـ "الهداية"، وكنت أحضر القراءة في حلقة شيخنا البدر الشوكاني، وله به العناية التامة، والملاحظة الكلية، وبذلك ظهر صيتُه، وانتشر ذكرُه، وارتفع بين الناس قدرُه، وله إلمام بعلم المعقول، واطلاعٌ على مأخذ كل أمر، وتوضيح مشكلاته على وجه مقبول، انتهى حاصله. ٤٨٤ - شيخُنا وبركتُنا، قاضي القضاة، وإمامُ الأئمة الهداة، بقيةُ السلف، وذخيرةُ الخلف، محمدُ بنُ عليِّ بنِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ، الشوكانيُّ، الصنعانيُّ، مؤلفُ كتاب "البدر الطالع ". قال ﵁: قد جرت عادة كثير من المؤرخين، لا سيما من كان من المحدثين: أن يترجموا لأنفسهم في مصنفاتهم التاريخية، فاقتدى المصنف - غفر الله له - بهم، انتهى. (ولادت شريف وي ﵁ در هجره "شوكان" در أيام خريف اِتفاق اُفتاد، ونشو نما صنعا يافت، قرآن كريم را بر معلمين خواند، وختم آن بر فقيه حسن هبل نمود، "ملحه" حريري، و"كافية" و"شافية" ابن رجب، و"تهذيب" تفتازاني، و"تلخيص" قزويني، و"غاية" ابن إمام، و"مختصر المنتهى" لابن حاجب، و"منظومة" جزري، و"جرار در" عروض، و"آداب بحث" للعضد، ورسائله وضع أز وي حفظ كرد، واين حفظ مختصرات بيش از شروع در طلب بود، وقبل از طلب كثير الاشتغال بود بمطالعة كتب تاريخ، ومجاميع اَدب اَز زمان نشتن در مكتب وكتب ومجاميع بسيار از نظر كزرانيد، وبر بدر شرح آزهار وشرح ناظري، وبر سيد علامه عبد الله بن حسين بن علي بن إمام متوكل على الله شرح جامي با حواشي، وشرح رضي

стр. 436

وشرح شافية از لطف الله غياث كزرانيد، جنانكة در ترجمة خود نام جملة كتب محصلة خويش از بدايت تا نهايت جه عقلية وجه نقلية با نام أساتذة علما برده، وذكر خواندن كتب صحاح ستة با شرح وحواشي آنها مع بلوغ المرام، وجزآن از مجاميع ومسانيد وكتب لغت - همجو صحاح وقاموس وغيرهما - نموده، وجملة مسموعات ومقر وات خودرا سرو فرموده وكفته). وأما ما يجوز لي رواية بما معه من الإجازات، فلا يدخل تحت الحصر، وقد درَّس في جميع ما تقدم ذكره. (وبنا بر اِعذار كه منجملة آنها يكي عدم اِذن والدين ست در طلب علم رحلت نكرده، ودر يك شبانه روز قريب سيزده درس مي كفت، ودر جميع علوم تعليم طلبه كرد، ودر حيات آكابر شيوخ خود مفتي بود در آقطار صنعا، واز عمر بست سال فتوى دادن كرفت، وبر فتوى وتدريس از هيج شيء نمى كرفت، وجون درين باب عتاب ميكردند مى فرمود). وأنا أخذت العلم بلا ثمن، فأريد إنفاقه كذلك. (در علم حكمت از رياضي وطبيعي واِلهي وعلم هيئت وعلم مناظره وعلم وضع درس داد، ومصنفاتِ مطولات ومختصرات تاليف نمود، آسما بعضى از آن در اِتحاف وآبجد العلوم، وجزآن در ترجمة شريفش نوشته ايم، از آنجملة شرح منتقى ست در هشت مجلد، كه درين نزديكي بسنة ١٢٩٧ هجري ببذل همت رئيسه معظمه، صاحب قران تاج هند "نواب شاهجهان بيكم" واليه حوزهُ "بهوبال" محميه، در مصر قاهره بمطبع بولاق، هزار نسخه از آن بصرف بست وبنج هزار مبلغ مطبوع شده، وبر هامش آن، "عون البارى" لحل أدلة البخاري است، از آدنى تلامذة او، يعني أن جاني فإني عفا الله عنه، واز آنجمله، تفسير "فتح القدير"، و"سيل جرار" و"وبل الغمام" ست. وهمه مولفاتش مقبول ومرغب فيها ومعشوق علماي سنت ست، در بدر طالع بذكر بعض مصنفات وحقائق آن برداخته، ونام: اِرشاد الفحول در اُصول فقه برده وكفته).

стр. 437

وهو الآن في عمله، أعانه الله على تمامه، ثم تم بعد ذلك في مجلد. واِين كتاب را مخنصريست از كاتبِ حروف "حصول المأمول" نام، كه اَولا در هند وثانيًا در قسطنطينية طبع شده، وبجميع أقطار اَرض بريده، وشرمائة اَهل اِتباع كرديده، ولله الحمد - بعده كفته. وقد جمع من رسائله ثلاثة مجلدات كبار، ثم لحق بعد ذلك قدر مجلد، وسمى الجميع: "الفتح الرباني في فتاوى محمد الشوكاني"، وجميع ذلك رسائل مستقلة وأبحاث مطولة، وأما الفتاوى المختصرة، فلا تنحصر أبدًا. (واِين كتاب نزد اِين بنده شرمنده موجودست، واز آن در "دليل الطالب" وجزآن انتفاع كثير بدست آورده، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤]. قال: وهو الآن يشتغل بتصنيف الحاشية على الأزهار، وسماها: "السيل الجرار"، وهي مشتملة على تقرير ما دل عليه الدليل، ودفع ما خالفه، والتعرض لما ينبغي التعرض له، أو الاعتراض عليه من شرح الجلال وحاشيته، وهذا الكتاب - إن أعان الله على تمامه -، فسيعرف قدره من يعترف بالفضائل، ولا يجحد ما وهب الله لعباده من الخير، قال: ثم تم هذا الكتاب بمعونة الله تعالى. (اين كتاب نيز نزدِ محرر سطور موجودست، وآن را در فارسي باِختصار برده، و"بدور الأهلة من مسائل بالأدلة" نام كرده، ودر حين نكارش اين اَوراق از قالب مطبع شاهجهاني برآمده، تازكى بخشِ روح طالبان سنت كرديده، ودر سبك عبارات وحسن اِشارات نظير اَصل خودست، جز آنكه لسان هر دو جدا كانه بوده، آنجه حضرت مؤلف - رح - اين كتاب خود را بدان ستوده ذره از بيابان وقطره از عمان ست، ورنه در نفس الأمر فوق الوصف ست، معرفت فضلش موقوف بر تفاوت مقادير اَفهام ومدارك اَذهان علماء اَعلام باشد). قال: وقد تعقب هذه المصنفات مصنفات كثيرة يطول تعدادها، وهو الآن يجمع تفسيرًا لكتاب الله جامعًا بين الدراية والرواية، ويرجو الله أن يعين على

стр. 438

تمامه بمنه وفضله، ثم من الله، وله الحمد بتمامه في أربعة مجلدات كبار. (واِين تفسير را جامع اَوراق اَولا اِختصار كرد، بيشتر بر آن از ديكر تفاسير معتبره جيزها اَفزوده، تا آنكه كتابي مستقل كرديد، ومسمى شد "بفتح البيان في مقاصد القرآن"، ودر طبع واِشاعات آن بست هزار سكه كلدار تقريبا صرف اُفتاد، ونزديك ست كه از قالب "مطبعه جوائب" بارِ ديكر جلوه اَفروز شود، وبالله التوفيق). قال ﵁: وقد أخذ عنه أهل العلم كثيرًا من مصنفاته كلها - إلا النادر -، وكتبوها، ففي بعضها سمعه طائفة وطلبة بعد طلبة، وسارت في جميع المدائن اليمنية، بل انتشرت إلى الحرمين ومصر والشام، وإلى الهند، وشراها الطالبون لها من أهل الديار القاصية بأبلغ الأثمان، وهذا من التحدث بنعمة الله ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] فليس هذا إلا من تفضُّل الرب على عبده - أي: هذا الحقير -، وأنا عند نفسي لست بأهل لبعض ذلك، ولكن التفضلات الربانية تلحق العاجز بالقادر، وفضل الله واسع، وعطاؤه جم. (كويم وبركت وي ﵁ در بعض تلامذة اُو نيز سرايت كرد، تا آنكه مؤلفات اُو در لسان عجم وعرب ودر فنون دين وعلم اَدب، ومصنفات مطولة ومختصرة أو در معارف كتاب ومدارك سنت عالمكير شد، واَقطار كيتي را از شرق وغرب ويمين وشمال فرا كرفت، ودلهاى اَهل علم از جميعَ امصارِ بعيده واقطار دور دست بسوى اُو متوجه كرديد، ومصنفين عصر مؤلفات خود را نزد اُو مى رسانيد، واز وى اِجازات مى ستانند، وجريان كتابت مى خواهند. جنانكه درين سال سيد علامة خير الدين نعمان، آلوسي زاده، مفتي دار السلام بغداد، كتاب "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" فرستاد، وفقيه فهامة شهاب الدين بن بهاء الدين مرجاني حنفي از "قازان" سه مؤلف خود اِهداء كرد، يكى "منتخب الوفيه در ضبط تواريخ ووفيات أكابر علماى اُمت" از عهد نبوت تا زمان والد خود، وكتاب "فوائد مهمه وموائد متمه" در علم قرآن ورسم مصاحف

стр. 439

عثمان، وكتاب "حق المعرفة وحسن الإدراك بما يلزم في وجوب الفطر والإمساك" واين هر سه نسخه در بلده "قازان" در سنه ١٢٩٧ هجري طبع شد، وشيخ علامه برهان الدين بلغارى كتاب "ناظورة الحق" را اتحاف فرموده، إلى غير ذلك. وأما مكاتب علماى اَقطار صنعا ومدائن يمنيه وفضلاى حرمين شريفين ومصر وقدس وشام وبيروت وتونس واسلامبول وجزائر وجزآن بس در حصر نمى كنجد، تا آنكه مجموعى كبير از آن مجتمع شده، وكذلك تقريظاتِ علما وشعراى فرس وعرب بر كتب وَى در نظم ونثر بيش از آن ست كه در بيان حصر بذيرد. وتا آنكه مجلدى متوسط از آن سليم فارس افندي مدير "مطبع جوائب" در سنه ١٢٩٧ در قسطنطينيه طبع كرده، ونامش "قرة الأعيان ومسرة الأذهان" كذاشته، وهنوز ذخائر از آن باقي ست، واَديب عالم مرحوم اَبو الفتح محمد عبد الرشيد بن محمد شاه، المرحوم، شوبياني كشميرى، ترجمة مستقلة اُو بعبارات بليغه وفقرات فصيحة نوشته. وآبزا "قطر الصيب في ترجمة الإمام أبي الطيب" نام نهاده، وكتب مؤلفه من عاجز به ره كذر صنعت طبع، تا الآن تقريبا زياده بر بست هزار نسخة در تقسيم اَهل علم از دور ونزديك رفته، واَموال بيشمار درين كاروبار مبذول كرديده، اَكر حق تعالى بقبول آن بنوازد دور از شانِ بنده برورى وغريب نوازى نيست، ورنه من آنم كه من دانم، وشك نيست كه اِين همه كرامات وبركات حضرت شيخ علامة "محمد شوكاني" ﵁ ست، زيرا كه درين مؤلفات غالب اِستفاده واِستفاضه از مصنفات جناب رفيع اُوست، همان باعث برين قبول وشهرت كرديده، ورنه جه من وجه مؤلفات من: داغ غلاميت كرد بايه خسروا بلند ... مير ولايت شود بنده كه سلطان خريد) قال ﵁: وكان جميع ما تقدم من القراء على شيوخه في تلك الفنون وقراءة تلامذته لها عليه مع غيرها، وتصنيف بعض ما تقدم تحريره قبل أن يبلغ صاحب الترجمة أربعين سنة، بل درس في شرحه للمنتقى قبل ذلك، وترك

стр. 440

التقليد، واجتهد رأيه اجتهادًا مطلقًا غيرَ مقيد، وهو قبل الثلاثين، وكان منجمعًا عن بني الدنيا، لم يقف بباب أمير ولا قاض، ولا صحب أحدًا من أهل الدنيا، ولا خضع لمطلب من مطالبها، بل كان مشتغلاً في جميع أوقاته بالعلم درسًا وتدريسًا، وإفتاء وتصنيفًا، عائشًا في كنف والده - رح -، راغبًا في مجالسة أهل العلم والأدب، وملاقاتهم والاستفادة منهم وإفادتهم. وربما قال الشعر إذا دعت لذلك حاجة؛ كجواب ما يكتبه إليه بعض الشعراء من سؤال، أو مطارحة أدبية، أو نحو ذلك، وقد جمع ما كتبه من الأشغال لنفسه، وما كتب به إليه في نحو مجلد. (واز محاسن اِتفاقات ست كه زَمنِ مراهقت كه اَول عمر وآغار سن بلوغ بود، مشاركت درين اُمور مرا نيز دست بهم داد، جز اَفتاء وعيش در ظل بدر جه بنجساله بودم، كه والد مرحوم اِنتقال أبجوار رحمت اِلهي - فرمود، وبجاى افتا متصدر خطابت مسجد جامع در وطن ووعظ وتذكسر در بلاد هند شدم، وهيجده ساله بلكه كمتر از آن بودم، كه شوق تاليف وتحرير تراجم دامنكيرِ دل شد، تا اَنكه مؤلفات بسيار در هر سه زبان: فرس، واُردو، وتازى بهم رسيد، واكثرى از آن همان زمانِ تاليف در كانبور ودهلى وغيرهما مطبوع كرديد. اَما بعد از آنكه عبور بر دواوين سنت وصحف فقهِ حديث وكتبِ علوم اجتهاد صورت بست ساخته، وبراخته بيشين جون تقويم بارين بنظر آمد، بس مقدار كثيري را از آن مؤلفات از دائرة اعتبار بيرون انداخته شد، زيراكه بر هنجار اَهل تقليد بود، وطريقة حنفيه داشت در تحرير فروع، واكنون بعون الله تعالى وحسن توفيقه أنجه بقلم مى آيد، وتاليف وتصنيف مى يابد همخ معتمد بر دليل "وطرح تقليد" ست، ورائحه از تفريعات راى وتخريجات اَهل راى ندارد، ونخبة النخبة حقائق محررة أئمة اَعلام ست، وصفوة الصفوة سنن خير الأنام، شعر وآدب رفيق قديم من ست، وحسن سلوك شيوه مستقيم از جميع فنون ومعارف في الجملة آكاهى حاصل ست، ودر جمله مدارك وعلوم دخل كما هي، شعر: مِن كُلِّ شيءٍ لذيذٍ أَحْتَسي قَدَحًا ... وكُلُّ ناطقةٍ في الكونِ تطربُني

стр. 441

معهذا، ممكن نيست كه خروج از دائرة اِتباع دليل صورت بندد، يا راى واِجتهاد كسى از راه برد، ولله الحمد). قال ﵁: وابتُلي بالقضاء في مدينة صنعاء، وهو حال تحرير هذه الأحرف، مستمر على ذلك، ولم يدع الاشتغال بالعلم، وإن كان اشتغاله الآن بالنسبة إلى ما كان عليه ليس شيئًا، وكان دخوله في القضاء وهو ما بين الثلاثين والأربعين. (همجنين دخول محرر سطور در سن مذكور رد دولتكده فصل خصومات وسماع مرافعات رياست "بهوبال" شد، اَكرجه از ته دل اَزين ماجريات بيزارست، وبنا بر قصور در اشتغال بعلم با اَندوه همكنار). وهو الآن كما قال شيخه ﵁ يسأل الله الذي لا إله إلا هو الحليم الكريم، رب العرش العظيم أن يحسن ختامه، وينيله من خيري الدارين مرامه، ويسدده في أقواله وأفعاله، وينزع حب الدنيا من قلبه حتى ينظر إلى الحقيقة، فيفوز بنيل دقائق الطريقة، اللهم اجذبه إلى جنابك العلي جذبة يصحى عندها من سكر غروره، وافتح له خوخة يتخلص بها عن حجابه المظلم إلى معارف الحقيقة، ولا تخرجه من هذه الدار إلا بعد أن يسبَحَ في بحار حبك، ويغسل أدران قلبه وقالبه بمياه قربك، فأنت إذا شئتَ، جعلتَ المريد مرادًا. إذا كان هذا الدمعُ يَجْري صَبابةً ... على غيرِ ليلى فهو دمعٌ مُضَيَّعُ وأقول كما قال الشاعر: ألا إن وادي الجِزْعِ أضحى ترابُه ... من المسك كافورًا وأعوادُه رَنْدا وما ذاكَ إلا أن هندًا عشيةً ... تَمَشَّتْ وجَرَّتْ في جوانبه بُرْدا (واز محاسن اِتفاقات آنست كه در حال تحرير اِين كتاب در ماه ربيع الأول سنة ١٢٩٨ شبى كه صبح آن تاريخ شئم اَز ماه مذكور بود، حضرت اِيشان دا در خواب ديدم، وشرح منتقى را در حالتى كه كتاب در دست من ست بر اِيشان قراءات كردم، وبلا واسطه اِجازات حاصل نمودم، وتا ديركاه سخن درميان

стр. 442

رفت، وهكذا بيش ازين بدو سه سال در منام ديدم، كه اِيشان تشريف آورده اند، وبر مؤلفات من ثنا نموده. وعزيزى ديكر خواب ديده كه دختران اِيشان بخانه من اَز يمن قدوم آورده اند، تعبير رفت كه مراد بآمدن اِيشان اِتيان بنات - اَفكار اِيشان ست، كه عبارات ست از مؤلفات ممتعه شريفه نافعه اِيشان، وجلوه كر شدن تحقيقات عاليه اِيشان در مؤلفات محرر سطور در هر بيرايه عربي وعجمي، وشيوع يافتن آن بتوسط اِبن عاجز در اَمصار وبلدان دور ونزديك شرقا وغربا ويمينا وشمالا، ولله الحمد. وترجمة حافلة حضرت اِيشان در ديباج خسروانى وغيره مذكورست). وهذا عارض من القول، فلنرجع إلى ما نحن بصدده من بقية ترجمته الشريفة، ونقول: قال السيد العلامة حسن بن أحمد البهلكي، في كتابه "الديباج الخسرواني في أخبار أعيان المخلاف السليماني"، ما نصه: السنة الخمسون بعد المئتين والألف، وفيها في شهر جمادى الآخرة كانت وفاة شيخنا محمد بن علي الشوكاني، وهو قاضي الجماعة، شيخُ الإسلام، المحقق العلامة الإمام، سلطان العلماء، إمام الدنيا، خاتمة الحفاظ بلا مراء، الحجة النقاد، عالي الإسناد، السابق في ميدان الاجتهاد، المطلع على حقائق الشريعة وغوامضها، العارف بمداركها ومقاصدها. وعلى الجملة: فما رأى مثلَ نفسه، ولا رأى من رآه مثله عِلْمًا وورعًا وقيامًا بالحق بقوة جنان وسلاطة لسان، قد أفرد ترجمته تلميذه الأديب العلامة محمد بن حسن الشجني الذماري بمؤلف، سماه: "التقصار في جيد زمن عالم الأقاليم والأمصار"، قصره على ذكر مشايخه وتلامذته، وسيرته، وما انطوت عليه شمائله، وما قاله من شعر، وما قيل فيه من مدح وثناء بالنظم والنثر، جاء في مجلد ضخم، مولده يوم الاثنين الثامن والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة اثنتين وسبعين بعد المئة والألف، كما أخبرني بذلك في بلده هجرة شوكان، ونشأ على العفاف والطهارة، وما زال يدرب ويدرج ويجمع النشأت ويحرز المكرمات، له قراءة على والده، ولازم القاضي إمامَ الفروع في زمانه أحمدَ بنَ

стр. 443

محمد الحرازي، وانتفع به في الفقه، وأخذ النحو والصرف عن السيد العلامة إسماعيل بن حسن، والعلامة عبد الله بن إسماعيل النهمي، والعلامة القاسم بن محمد الخولاني، وأخذ علم البيان والمعاني والمنطق والأصلين عن العلامة حسين بن محمد المغربي، والعلامة علي بن الهادي عرهب، ولازم في كثير من العلوم مجددَ زمانه السيد عبدَ القادر بن أحمد الكوكباني، وأخذ في علم الحديث عن الحافظ علي بن إبراهيم بن عامر، وغير هؤلاء من المشايخ الكملة في جميع العلوم العقلية والنقلية، حتى أحرز جميع المعارف، واتفق على تحقيقه المخالف والمؤالف، وصار المشارَ إليه في علوم الاجتهاد بالبنان، والمجلِّي في معرفة غوامض الشريعة عند الرهان. له المؤلفات الجليلة الممتعة المفيدة النافعة في أغلب العلوم، منها "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار" لابن تيمية - رح -، في أربعة مجلدات، لم تكتحل عينُ الزمان بمثله في التحقيق، ولم يسمح الدهر بنحوه في التدقيق، أعطى المسائل حقها في كل بحث على طريق الإنصاف، وعدم التقيد بالتقليد، ومذهب الأخلاف والأسلاف، وتناقله عنه مشايخه الكرام فمن دونهم من الأعلام، وطار في الآفاق في زمان حياته، وقرىء عليه مرارًا، وانتفع به العلماء، وكان يقول: إنه لم يرض، عن شيء من مؤلفاته سواه؛ لما هو عليه من التحرير بأرفع مكان، ومن التمسك بالدليل في أعلى شأن، وكان تأليفه في أيام مشايخه، فنبهوه على مواضع منه حتى تحرر، وله التفسير الكبير، المسمى: "فتح القدير" الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، وقد سبقه إلى التأليف في الجمع بين الرواية والدراية، العلامةُ محمدُ بن يحيى بن بهران، فله تفسير في ذلك عظيم، لكن تفسير شيخنا أبسطُ وأجمعُ وأحسنُ منه ترتيبًا وتصنيفًا، وأحرزُ لمعاني اللغات وشواهدها تحقيقًا وتأليفًا. وقد ذكر الحافظ السيوطي في "الإتقان": أنه جعله مقدمة لتفسير جامع لتحرير الرواية، وتقرير الدراية: وسماه: "مجمع البحرين ومطلع البدرين". وله مختصر في الفقه على مقتضى الدليل، سماه: "الدرر البهية"، وشرحه

стр. 444

شرحًا نافعًا، "المضية"، أورد فيه الأدلة التي بنى عليها ذلك المؤلف، وله "وَبْل الغمام" حاشية سماه "الدراري شفاء الأوام"، للأمير حسين بن محمد، وله "در السحابة في مناقب القرابة والصحابة"، وله "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول" يعز نظيره في جمعه وترصيفه، وحسن ترتيبه وتصنيفه، وله "السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار"، كان تأليفه في آخر مدته، ولم يؤلف بعده شيئًا - فيما أعلم -. وقد تكلم فيه على عيون من المسائل، وصحح من المشروع ما هو مقيد بالدلائل، وزيّف ما لم يكن عليه دليل، وحَسَّن العبارة في الرد والتعليل، والسبب في ذلك أنه نشأ في زمنه جماعة من المقلدة الجامدين على التعصب في الأصول والفروع، ولم تزل المصاولة والمقاولة بينه وبينهم دائرة، ولم يزالوا ينددون عليه في المباحث من غير حجة ولا برهان من سنة وقرآن، فجعل كلامه في ذلك الشرح - في الحقيقة - موجهًا إليهم في التنفير عن التقليد المذموم، وإيقاظهم إلى النظر في الدليل؛ لأنه يرى تحريم التقليد الشوم، وقد ألف في ذلك رسالة سماها: "القول المفيد في حكم التقليد"، وقد تحاماه لما حواه جماعةٌ من علماء الوقت، وأرسل عليه أهلُ جهته بسببه سهامَ اللوم والمَقْت، وثارت من أجل ذلك فتنة في صنعاء بين مَنْ هو مقلد، وبين من هو متقيد بالدليل، توهمًا من المقلدين أنه ما أراد إلا هدم مذهب أهل البيت؛ لأن "الأزهار" هو عمدتهم في هذه الأعصار، وعليه في عبادتهم والمعاملة المدار، وحاشاه من التعصب على من أوجب الله تعالى محبتهم، وجعل أجرَ نبينا ﷺ في تبليغ الرسالة مودتَهم؛ لأن له الولاء التام لهم، وقد نشر محاسنهم في مؤلفه "در السحابة" بما لم يخالج بعده ريبة لمرتاب، وله العناية التامة بحفظ مذهبهم؛ فإنه أفنى شبابه في الدرس والتدريس في ذلك. وعندي: أن من جملة العناية بهم هذا الشرحَ؛ فإن من تأمله حقَّ التأمل - بعين الإنصاف - عرف أنه بيان لما اقتضاه "متن الأزهار" من الأدلة الصحيحة؛ لأنه جاء فيه بأدلة لم توجد في غيره، وأوضح مأخذها من الكتاب والسنة على

стр. 445

أبدع أسلوب، وقد اطلعت على غالب "شروح الأزهار"، فلم أر في شروحه ما يدانيه في إيراد الأدلة، وإنما لم يرتض ما بُني في ذلك الكتاب من التفاريع على القياس الذي علتُه المناسبة، أو تخريج، وسبيل الإمام في ذلك [...] المفرعين من سائر المذاهب الإسلامية؛ فإن كتبهم الفروعية ممزوجة بذلك على أن كلامه مع الجميع من أهل المذاهب، لأن المأخذ واحد، والرد واحد، وإن كان في الحقيقة أن الخطب يسير، والخلاف في المسائل العلمية الظنية سهل؛ لأنها مطارح الأنظار، والاجتهادُ يدخلها، والمصيب من المجتهدين في ذلك له أجران، والمخطىء له أجر، وأن تنبيه العالم بالخطأ على ذلك الخطأ للمقلد لا بأس به، لئلا يقلد في الخطأ؛ فإنه مؤاخذ به، مع أن من قلده معفو عنه في ذلك. وهذه الطريقة ربما يُحمد عليها من قصد ذلك، ولا يخرج المجتهد ما اجتهد ونبه على فيه، الخطأ بحسب ما ظهر له عن توليه لأهل بيت النبوة - صلوات الله عليهم أجمعين -؛ لأن التولية في جانب، وبيان الخطأ في جانب، وربما يحمده ذلك المجتهد الذي قد أصَّل ما هو خطأ في كتبه؛ لئلا يتبعه في ذلك الخطأ من يتبع، وهذا شأن أهل العلم في كل زمان ومكان ما بين راد ومردود عليه، وكلٌّ مأخوذ من قوله ومتروك، إلا صاحب العصمة - عليه أفضل الصلاة والتحية -. وقد ذكر السيوطي في كتابه "الخصائص": أن من خصائص هذه الأمة: ألا يقر بعضهم بعضًا على الخطأ، ولو كان أحبَّ حبيب إليه، ومن طالع الكتب الإسلامية في الفروع والأصول على اختلاف أنواعها، عرف ذلك، وهان عليه سلوك هذه المسالك، ومن وزن الأمور بالإنصاف، لا تخفى عليه الحقيقة، ومن جمد على التقليد، وضاق عطنُه عن مدارك الاستدلال، فما له وللاعتراض على المجتهدين، ولا ينبغي له أن يضايق المجتهد في اجتهاده لأجل توقفه في موقفه الذي هو التقليد، وقد تفضل الله عليه بالاجتهاد والتجديد، ولكل منهم عرفت مقامًا شرحه في الكتاب مما يطول. والتقليد لا يجوز إلا لغير المجتهد، والاجتهاد عند أئمة أهل البيت -

стр. 446

رضي الله عنهم - غير متعذر، كما يقول غيرهم من مقلدة المذاهب، ومن اعترض على المجتهد فيما أدى إليه اجتهاده، فقد تَحَجَّرَ الواسع، وما جرى على نهج السلف له فيه من أهل العلم، نعم! أنا قد حبرت مقاصد "السيل الجرار" في مؤلف سميته: "نزهة الأبصار من السيل الجرار"، وهو واف بالمقصود من إيراد تلك الأدلة من غير تعرض لما يقع به بسط الألسنة من الناس، وللمترجَم له تاريخ حافل سماه: "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن التاسع"، جرى فيه من ذلك الوقت إلى زمانه، وابتدأ فيه بذكر عابد اليمن إبراهيم الكنعي الوليِّ المشهور، وله جملة رسائل من مطولات ومختصرات، وقد جُمعت فتاواه ورسائله فجاءت في مجلدات، وسماها ابنه العلامة علي بن محمد الشوكاني "بالفتح الرباني"، وله في الأدب اليد الطولى، وله أشعار كثيرة مدونة قد رتبها ابنه المذكور على حروف المعجم، فجاءت في ديوان، كتب إلى أديب عصره السيد محمد بن هاشم بن يحيى الشامي، ورفيقه العلامة حسين بن أحمد الصباغي، يسألهما على سبيل المطارحة عن الشوق، هل هو من قسم المشكك، أو من المتواطي المعروفين في علم المنطق بهذه الأبيات البديعة: يا نَيِّرَيْ فَلَكِ العلياءِ دامَ لنا ... من نورِ عِلْمِكما ما يَكْشِف الظُّلَمَا ماذا تقولانِ فيما قد تقرَّرَ بِالْ ... إجماع حققَ هذا مَنْ به حَكَما قالوا بأنَّ شهاداتِ القلوبِ إذا ... قاسَتْ بصدقِ ودادٍ صارَ مُلْتَزَما ومَنْ أَحَبَّ إذا صَحَّ القياسُ له ... قطعًا بأنهما في السلكِ قَدْ نُظِما وقد تضمَّنَ تصديقًا تصوره ... بنسبةٍ يتساوى الوُدُّ بينَهُما وإنما الشوقُ من قسمِ المشككِ هل ... فيه اعتراضُ قياسٍ في استوائهما وقد تردَّدْتُ في تقريرِهِ فأفيـ ... ـدا مُغْرَمًا صارَ مشتاقًا لوَصْلِكُما فأجاب المترجَم له وأجاد: يابنَ البَهاهيلِ والأطوادِ من مُضَرٍ ... والمُنْعِمين بِسَيْبٍ يُخْجِلُ الدِّيَما قد دلَّ نظمُك للدرِّ الثمينِ بلا ... شَكًّ بأنك بحرٌ للعلوم طَمَى ورُمتَ إبداءَ عطبٍ في ملاطفةٍ ... وقد أسأتُ ببعدي فاحتملْ كَرَما

стр. 447

فالشوقُ بالشوق منقاسٌ ومعتبرٌ ... قضى بذلكَ خير الرسل والحكما وإن تشكَّك بالتشكيك فهو على ... تواطُؤ باتحاد الجنس قد نظما وموجباتُ ودادي فيك ما سلبت ... ولا غدا عقدُ ودي عنكَ مُنْفَصِما محصلات ودادي ما رضيت لها ... عنك العدول ولا أوليتها عدما وقد تألَّفَ شملانا على نَمَطٍ ... لنا نتائج وُدٍّ تمنَعُ العَقَما وهذه القطعة من شعره تدل على أنه مفرد بليغ، ولا مفرد سواه يوصف بالبلاغة، وقد تم التوجيه بالقضايا المنطقية الموجبة والسالبة والمحصلة والمعدومة، ولله در القائل: الحُسْنُ يظهَرُ في شيئين رونَقُه ... بيتٌ من الشَّعْرِ أَوْ بيتٌ [من] الشَّعَرِ وقد أخذت عنه في كثير من الفنون العلمية، وأخذت عنه غالب مؤلفاته الشريفة، وبموته طفىء على اليمن مصباحُهم المنير، ولا أظن يرون مثله في تحقيقه للعلوم والتحرير، وقد جرت بيني وبينه مكاتبة أدبية، ومراسَلةٌ لمسائل علمية، هي عندي مثبتةٌ بخطه الشريف، وقلمه اللطيف، وكان قد توفي قبله بمدة يسيرة ابنُه العلامةُ عليُّ بن محمد، وهو أحد محققي العلماء، وممن لازم والده في جميع المعارف، حتى بلغ ذروة العلوم تحقيقًا وتدقيقًا، وقد شاركتُه في الأخذ على والده في كثير من مقروءاته - رحمهما الله تعالى -، وقد كنت قلتُ في والده مراثيَ، وأشركته فيها، لولا الإطالُة لذكرتُها، انتهى كلام "الديباج"، وهو أزينُ من الديباج على أجساد أهل التاج، وفي كتاب "النفس اليماني والروح الريحاني" للسيد الإمام والعلامة المحدِّث عبدِ الرحمن بن سليمان بن يحيى بن عمر مقبول الأهدل، وممن تخرج بسيدي الإمام عبد القادر بن أحمد الكوكباني، ونشرَ علومه الزاخرة، وحررَ لطائفَ فُهومه الباهرة، وانتسب إليه، وعوَّلَ في الاقتداء في سلوك منهاج الحق عليه، إمامُ عصرنا في سائر العلوم، وخطيبُ دهرنا في إيضاح دقائق المنطوق والمفهوم، الحافظُ المسنِدُ الحجة، الهادي في إيضاح السنن النبوية إلى المَحَجَّة، عزُّ الإسلام، قاضي القضاة، محمد بن علي الشوكاني، بلغه الله في الدارين أقصى الأماني.

стр. 448

إن هَزَّ أقلامَه يومًا لِيُعمِلَها ... أَنساكَ كُلَّ كَمِيًّ هَزَّ عامِلَهُ وإنْ أقرَّ على رَقًّ أنامِلَهُ ... أَقَرَّ بالرِّقِّ كُتَّابُ الأنامِ لَهُ فإن المذكور من أخص الآخذين عن شيخنا السيد الإمام عبد القادر، والمنتفعين به. ولقد كان أخذُ مثلِه، على مثلِ سيدي عبد القادر - من أعظم إحياء ربوع العلوم، وإقامة سوق تحقيقات المنطوق والمفهوم. ذكر الحافظ السخاوي في "الضوء اللامع" في أثناء ترجمة الحافظ ابن حجر ما نصه: قال ثعلب: إنما يتسع علم العالم بسبب حذق من يسأله، فيطالبه بحقائق الكلام، وبمواضيع النكت؛ لأنه إذا صار طالبه، احتاج إلى البحث والتنقير، والنظر والفكر، فيتجدد حفظه، ويتذكر ما تقدم، انتهى. ولقد منح رب العالمين سبحانه من بحر فضل كرمه الواسع هذا القاضي الإمام ثلاثة أمور، لا أعلم أنها في هذا الزمان الأخير جُمعت لغيره. ١ - الأول: سعة التبحر في العلوم على اختلاف أجناسها وأنواعها وأصنافها. ٢ - الثاني: سعة التلاميذ المحققين، والنبلاء المدققين، أولي الأفهام الخارقة، والفضائل الفائقة، الحقيق أن يُنشد عند حضور جمعهم الغفير، ولمشاهدة غوصهم على جواهر المعاني التي استخراجُها من بحر الحقائق غير يسير. إِنَّي إذا حضرَتْني ألفُ محبرةٍ ... تقولُ أخبرَني هذا وحَدَّثني صاحَتْ بعقوتها الأقلامُ ناطقةً ... هذي المكارمُ لا قعبانُ من لَبَنِ ٣ - الثالث: سعة التصانيف المحررة، والرسائل والجوابات المحبرة، التي تسامى في كثرتها الجهابذة الفحول، وبلغ من تنقيحها وتحقيقها كل غاية وسول. (كويم من نيزيكي از تلاميذه آن عالي مقام شيخ الإسلام، اكرجه بيك واسطه ودو واسطه بجناب رفيع اُو مي رسم، ودر تفنن علوم قدم بقدم وي - رحمه الله تعالى - مى روم، كو بالغ شأوِ اُو نشوم، وهمجنين در كثرت مؤلفات مانا باستاد خودم، هو جيد در نفس الأمر ريزه جين مائدة اِفادة دى - قدس سره - باشم، آرى زمانه مساعدت بكثرت تلاميذ نمى كند، وجه قسم مي تواند كرد كه دامن حسد

стр. 449

اَهل فروع بسيار درازست، وطلبه علم عصر حاضر با محبت تقليد وبدع آن باز آند. معذلك، رجال بلاد شاسعة وعلماء أقطار بعيده وفضلاء ونبلاء مدائن دور دست، از عرب وعجم باوي محبت مي دارند وراهِ حسن ظن في سيرند، وبمكاتيب وتقاريظ مؤلفاتش غائبانه بصدق نيت واِخلاص طويت مي بردازند، واين قدر از براي تاديه شكر حضرت حق سبحانه حق بسيارست. هنديانِ ظلمت شرست، وسكنه اِين اِقليم بدعت برست - اَكرسر نياز فرود نيارند مرا شكوه اَز اِيشان نيست، كه قدر شناسي اِيشان در واقع در خور اِزدَراست نه اِفتخار، معذلك اِبن حال جمله رجال اِين اَجيال نيست، بلكه ماجراي مشتى از فروعيان تقليد دوست بدعت بسند وجهله مستمد از مردم هندست، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]) قال: فمن مؤلفاته الجليلة: تفسيرُ كتاب الله، المسمى: "فتح القدير" جمع فيه بين علمي الرواية والدراية، ومنها: "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار"، لم يكن يوجد - في إقليم اليمن - شرح على هذا الكتاب المضطر إلى كشف ما فيه من الأحكام سوى هذا الشرح النفيس، ومنها: "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول"، جمع فيه زيد القواعد وبدائع الفوائد، ومنها: "السيل الجرار شرح الأزهار"، من أنفس الشروح على هذا الكتاب، وله غير ذلك من المؤلفات، وقد ذكر في بعض المعتمدين أن مؤلفاته الجليلة الحاصلة الآن المئة وأربعة عشر مؤلفًا عدد سور كتاب الله مما قد شاع ووقع بها في الأمصار الشاسعة فضلاً عن القريبة غايةُ الانتفاع، والله المسؤول أن يبارك للإسلام والمسلمين في أوقاته، وأن يمتع بحياته، آمين: كُلُّنا عالِمٌ بأَنَّك فينا ... نعمةٌ ساعدَتْ بها الأقدارُ فوَقَتْ نفسَكَ النفوسُ مِنَ الشَّر ... وزِيدَتْ في عُمْرِك الأعمارُ وقد اعتنى بشرح بعض مناقبه وفضائله عدةٌ من العلماء الأعلام، والجهابذة الفخام، منهم: السيد العلامة إبراهيمُ بنُ عيد الله الحوثيُّ، ومنهم: بعض علماء كوكبان، عظماء القدر كبراء الشأن، ومنهم: السيد العلامة محمد بن محمد

стр. 450

الديلمي، ومنهم: القاضي العلامة محمد بن حسن الشجني الذماريُّ في كتاب حافل سماه: "التقصار في جيد زمن علامة الأقاليم والأمصار"، ومنهم: الحبرُ العلامة، والبحرُ الفهامة لطفُ الله جحاف. وبالجملة: فمحل القول في هذا الإمام ذو سعة، فإن وجدت لسانًا قائلًا، فقل: زِدْ في العُلا مَهْما تَشاءُ رفعةً ... وليصنعِ الحاسدُ ما يصنعُ فالدهرُ نحوي كما ينبغي ... يَدْري الذي يَخْفِضُ أَوْ يَرْفَعُ (كويم! واِين اِنشاد يكى از كرامات صاحب "نفس يماني" ست، جه علاوه حساد آن زمانه كه بوجود با وجود علامه شوكاني نازش بر لمعات نيرات آسماني داشت، درين نزديكي نيز بعض شوريده سر آن بي مغز بر تحقيقات شريفش حسد مى برند وهزيان مى سرايند، واين نيست مكر تكميل مدارج عليه، واتمام نعم اِلهية در حق جناب رفيع اُو). ولولا الأعداء، لما ظهر فضلُ العلماء والأولياء، ولولا الجهلة السفهاء، لما تبين رتب الحفاظ الأصفياء، حملة الدين، ونقلة آثار النبيِّ الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وجنده من الحفاظ العاملين بسنته المطهرة، الرافضين للتقليد، والتاركين لآراء المشركين المبتدعين، الذابِّين عن الإسلام، الرادِّين على المبتدعة المقلدةِ الطغام، الطارحين للفروع التي لم تُؤَسَّس على أصل من أصول الإيمان، القابضين على أحكام الحديث والقرآن، زادهم الله إيمانًا، وأصلح لكل منا أُولاه وأُخراه منًا عنه سبحانه وإحسانًا. ٤٨٥ - الشيخ عبد الوهاب أحمد بن علي الشعرانيُّ، ويقال: الشعراويُّ . كان عالمًا محدِّثًا صوفيًا، ذا كرامات كثيرة، وتأليفات (١) نفيسة، متبعًا للسنة، مجتنبًا عن البدعة، جامعًا بين الشريعة والطريقة، ومن كلامه في كتابه

стр. 451

"تنبيه المغترين" (١) ما نصه، ومن أخلاق السلف الصالح ﵃، ملازمةُ الكتاب والسنة كلزوم الظل للشاخص، ولا يتصدر أحدُهم للإرشاد إلا بعد تبحُّره في علوم السنة المطهرة؛ بحيث يطلع على جميع أدلة المذاهب المندرسة والمستعملة، ويصير يقطع العلماء في مجالس المناظرة بالحجج القاطعة الراجحة الواضحة، وكتب القوم مشحونة بذلك كما يظهر من أقوالهم وأفعالهم. وقد كان سيد الطائفة جُنيدٌ البغداديُّ، يقول: طريقتنا مشيدة بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن، ويحفظ السنة، ويفهم معانيها، لا يصح الاقتداء به، انتهى. قال: وهذا الخلق قد صار غريبًا في فقراء هذا الزمان، فصار أحدهم يجتمع بمن ليس له قدم في الطريق، ويتلقف منه كلمات في البقاء والفناء، والشطح؛ مما لا يشهد له كتاب ولا سنة، ثم يلبس له جبة، ويرخي له عذبة، ثم يسافر إلى بلاد الروم مثلًا، ويظهر الصمت والجوع، فيطلب له مرتبًا أو مسموحًا، ويتوسل في ذلك بالوزراء والأمراء، فربما رتبوا له شيئًا، فيصير يأكله حرامًا في بطنه؛ لكونه أخذ بنوع تلبيس على الولاة واعتقادهم في الصلاح، وكان شيخنا عليٌّ الخواص يقول: إن طريق القوم ﵃ محررة على الكتاب والسنة، تحريرَ الذهب والجوهر، وذلك لأن لهم في كل حركة وسكون نية صالحة موزونة في ميزان السنة، ولا يعرف ذلك إلا من تبحر في علوم الشريعة، انتهى. قال: ومن أخلاقهم: توقفُهم عن كل قول أو فعل حتى يعرفوا ميزانه على الكتاب والسنة، فعلم أن القوم لا يكتفون في أقوالهم وأفعالهم بمجرد عمل الناس بها؛ لاحتمال أن يكون ذلك القول أو الفعل من جملة البِدع التي لا يشهد لها كتاب ولا سنة. وفي الحديث: "لا تقوم الساعة حتى تصير السنة بدعة": فإذا تُركت البدعة، يقول الناس: تركت السنة، وذلك لتوارث الفروع البدع عن أصولهم، فلما طال

стр. 452

زمن العمل بالبدع، ظن الناس أنها سنة، مما سنه رسول الله ﷺ ، انتهى. قلت: ومما قيل في هذا المعنى، مصراع: هو كفر كه كهنه شد مسلماني شد؟ قال: ولقد كان السلف يحثون الناس - لا سيما أصحابهم - على التقييد بالكتاب والسنة، واجتناب البدع، ويشددون في ذلك، حتى إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ربما كان يهم بالأمر، ويعزم عليه، فيقول له بعض الناس: إن رسول الله ﷺ لم يفعل ذلك، ولم يأمر به، فيرجع عما كان عليه، وهَمَّ مرة أن يأمر الناس بنزع ثياب كانوا يلبسونها، حين بلغه أنها تصبغ ببول العجائز، فقال له شخص: إن رسول الله ﷺ قد لبس منها، ولبسها الناس في عصره، فاستغفر الله تعالى، ورجع، وقال في نفسه: لو كان عدمُ لبسها من الورع، لما لبسها رسولُ الله ﷺ ، انتهى حاصله. قلت: وسئل أبو بكر العياض: متى يُعلم الرجلُ أنه على السنة والجماعة؟ قال: إذا رجع علمه إلى كتاب الله، وسنة رسوله، أو إلى ما قال السلف الصالح، فهو على مذهب السنة والجماعة، وأما إذا كان منسوبًا إلى الجبائي، والكعبي، ونحوهما، فإنه ليس من أهل السنة والجماعة، هكذا في "فتاوى جواهر". وقال الشعراني في كتابه "الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر"، في الباب العاشر والمئتين: من أراد أن يعرف بغض الحق أو محبته، فلينظر إلى حاله الذي هو عليه من اتباع رسول الله ﷺ وأصحابه، والأئمة المهديين بعده، فإن وجد نفسه على هديهم وأخلاقهم؛ من فعلِ جميع المأمورات الشرعية، وتركِ جميع المنهيات البدعية، حتى صار يفرح بالبلايا والمحن وضيق العيش، وينشرح لتحويل الدنيا ومناصبها وشهوتها، فليعلم أن الله تعالى يحبه، وإلا، فليحكم بأن الله تعالى يبغضه، والإنسان على نفسه بصيرة، انتهى. ومن عينه نقلت. الحاصل: أن اتباع الكتاب والسنة هو المعيار لمعرفة الرجال، فإن الرجال تعرف بالحق، لا الحقُّ بالرجال، وهذه خصيصة شريفة خص الله تعالى

стр. 453

بها أهل الحديث وأهلَ السلوك، ولم يشاركهم فيها أحد من الفقهاء المقلدين، وإنك لا تجد عالمًا صوفيًا، وسالكًا فاضلًا، إلا وهو يتقيد بالكتاب والسنة، ولا يقلد أحدًا من الأئمة، ومن هنا قيل: إن الصوفي لا مذهبَ له، فخلاصة الأمة الأمية المرحومة هذان الصنفان من الناس، ولا عطرَ بعد عروس: ما لي إذا أَلْزَمْتُهُ حُجَّةً ... قابَلَني بالضِّحْكِ والقَهْقَهَهْ إن كانَ ضِحْكُ المَرْءِ من فِقْهِهِ ... فالدُّبُّ في الصحراءِ ما أَفْقَهَهْ ٤٨٦ - محمد بن علي بن وهب، المعروف بابن دقيق العيد، الإمامُ الكبيرُ . ولد في شعبان سنة ٦٢٥، بناحية ينبع في البحر، تبحر في جميع العلوم الشرعية، وخضع له أكابر الزمان، وطار صيته، واشتهر ذكره، وأخذ عنه الطلبة، وصنف التصانيف الفائقة، منها: "الإلمام في أحاديث الأحكام"، وشرع في شرحه، أتى فيهما - كما قال ابن حجر - بالعجائب الدالة على سعة دائرته في العلوم، خصوصًا في الاستنباط، وصنف "الاقتراح في علوم الحديث"، ومن مصنفاته "شرح العمدة"، قال الصلاح الكتبي: كان إمامًا متفننًا محدِّثًا مجوِّدًا فقيهًا مدققًا أصوليًا أديبًا شاعرًا نحويًا ذكيًا، غواصًا عَلى المعاني مجتهدًا، وافرَ العقل، كثيرَ السكينة، بخيلاً بالكلام، تامَّ الورع، شديدَ التدين، مُديمَ السهر، مُكِبًا على المطالعة والجمع، قلَّ أن ترى العيونُ مثله، وقد كان قهره الوسواس في أمر المياه، انتهى. قال في "آثار الأدهار": سمع جماعة، وسمع منه غير واحد، وعكف مكبًا على المطالعة، فجمع الكثير، ومن شعره: لم يَبْقَ لي أَمَلٌ سواكَ فإنْ يَفُتْ ... وَدَّعْتَ أيامَ الحياةِ وداعا لا أستلذُّ بغيرِ وجهِك منظَرًا ... وسِوى حديثِك لا أُريدُ سَماعا وله - رح -: تمنيتُ أن الشيبَ عاجَلَ لِمَّتي ... وقَرَّبَ مِنِّي في صِبايَ مَزَارَهُ فآخُذَ من عصرِ الشبابِ نشاطَهُ ... وآخذَ من عصرِ المشيبِ وقارَهُ انتهى.

стр. 454

قال الذهبي: غلب عليه الوسواس في المياه والنجاسة، وله في ذلك حكايات وأخبار تخرج بها أئمة، وكان لا يسلك المراء في بحثه، بل يتكلم بكلمات يسيرة بسكينة، ولا يراجع. قال الحلبي: كان حافظًا للحديث وعلومه، يُضرب به المثل في ذلك، وكان آية في الإتقان. قال ابن الزملكاني: إمامُ الأئمة في فنه، وعلامةُ العلماء في عصره، بل ولم يكن من قبله من سنين مثلُه في العلم والدين، والزهد والورع، تفرد في علوم كثيرة، وكان يعرف التفسير والحديث، ويحقق المذهبين - يعني: مذهب مالك، والشافعي -، ويعرف الأصلَين، وكان السلطان لاجين ينزل له عن سريره، ويقبل يديه. قال ابن سيد الناس: له تخلق وبكرامات الصالحين تحقق، وبعلامات العارفين تعلق، ولو لم يدخل في القضاء، لكان ثوريَّ زمانه، وأوازعيَّ أوانه. قال ابن حجر: واستمر فيه إلى أن مات سنة ٧٠٤ - رحمه الله تعالى -. ٤٨٧ - محمد بن محمد بن عبدِ اللهِ، الخيضريُّ . ولد سنة ٨٢١ ببيت المقدس، ونشأ بدمشق، وأخذ عن جماعة، وسمع الحديث من مشايخ بلده، والقادمين إليها، وتدرب بالحافظ ابن ناصر، ثم ارتحل إلى القاهرة، فسمع من ابن حجر، له مصنفات، منها: "البرق اللموع لكشف الحديث الموضوع". ترجمه السخاوي ترجمة طويلة كلُّها ثلبٌ وشتم؛ كعادته في أقرانه، ومن أعجب ما رأيته فيها من التعصب: أنه قدح في مؤلفات الخيضري، ثم قال: إنه ما رآها، وهذا غريب. ولعل موته بعد كمال المئة التاسعة، انتهى ما في "البدر الطالع". ٤٨٨ - محمد بنِ محمدِ بنِ محمدٍ، المعروفُ بابنِ سيد الناس، الإمامُ، العالمُ، الحافظُ، المحدِّثُ، فتحُ الدين، أبو الفتح اليعمريُّ . سمع وقرأ، وارتحل وكتب، وحدث وأجاز، قال في "آثار الأدهار" كان إمامًا محدثًا حافظًا فصيحًا، وهو من بيت علم، أجاز له جماعة من الشيوخ، له كتاب: "المنقح الشذي في شرح الترمذي"، وكان ينظم الشعر، وله فيه حسنات، انتهى. ولد في سنة ٦٧١، وهو من بيت رئاسة بإشبيلية، قال الذهبي:

стр. 455

لعل مشيخته يقاربون الألف. قال الصلاح الكتبي: وكان عنده كتب كبار، وأمهات جيدة، وشعره رقيق، سهلُ التركيب، منسجمُ الألفاظ، عذبُ النظم بلا كلفة، ومن شعره: عَهدي به والبينُ ليس يَروعُه ... صَبٌّ براهُ نُحولُه ودموعُه لا تطلبوا في الحبِّ ثأرَ مُتَيَّمٍ ... فالموتُ من شرعِ الغرامِ شروعُه عن ساكنِ الوادي سَقَتْه مدامعي ... حَدَّثْ حديثًا طابَ لي مسموعُه أفد الذي عَنَتِ الوجوهُ لحبِّهِ ... إذ حلَّ معنى الحسن فيه جميعُه البدرُ من كَلَفٍ بهِ كَلِفٌ به ... والغصنُ من عَطْفٍ عليه خضوعُه أَهواهُ معسولَ المراشِفِ واللَّمى ... حلُو الحديثِ ظريفُه مطبوعُه دارتْ رحيقُ لِحاظِه، فلنا بها ... سكرٌ يجلُّ عنِ المُدامِ صنيعُه يَجْني فاضم (١) عَتْبَهُ فإذا بَدَا ... فجمالُه مِمَّا جناهُ شفيعُه انتهى. قال البرزالي: كان أحدَ الأعيان إتقانًا وحِفظًا للحديث، وتفهمًا في عِلَله وأسانيده، عالمًا بصحيحه وسقيمه، مستحضرًا للسيرة، له الشعرُ الرائق، والنثرُ الفائق، وكان مُحِبًا لطلبة الحديث، ولم يخلف في مجموعه مثله، له تصانيف، منها: "السيرة النبوية" (٢)، و"شرح الترمذي". قال الصفدي: أقمت عنده بالظاهرية قريبًا من سنتين، فكنت أراه يصلي كل صلاة مرات كثيرة، فسألته عن ذلك، فقال: خطر لي أن أصلي كل صلاة مرتين، ففعلت، ثم ثلاثًا، ففعلت، وسهل علي، ثم أربعًا ففعلت، قال: وأشك هل قال: خمسًا؟ انتهى. قال الشوكاني: وهذا وإن كان فيه الاستكثار من الصلاة التي هي خير موضوع، وأجر مرفوع، ولكن الأولى أن يتعود النوافل بعد الفرائض على غير

стр. 456

صفة الفريضة، فإن حديث النهي عن أن تصلَّى صلاة في يوم مرتين، ربما كان شاملا لمثل صورة صلاة صاحب الترجمة، ولعله يجعله خاصًا بتكرير الفريضة بنية الافتراض. وكان موته في سنة ٧٣٤، انتهى - رحمه الله تعالى -. ٤٨٩ - محمد بن محمد، الدمشقيُّ، الشيرازيُّ، الشافعيُّ، المعروف بابن الجزري . كان أبوه تاجرًا، لم يولد له أربعين سنة، فلما حج، شرب ماء زمزم، ونوى حصول ولد، فأعطاه الله تعالى هذا الابن السعيد، قال في "البدر الطالع": جَدَّ في طلب الحديث بنفسه، وأخذَ الفقه والأصول والمعاني والبيان، وتصدَّر للإقراء بجامع بني أمية، ثم دخل بلاد الروم، واتصل بالسلطان بايزيد خان، فأكرمه وعظَّمه، فنشر هنالك علم القرآن والحديث، ولما مات تيمور في سنة ٨٠٧، خرج من سمرقند إلى خراسان، ودخل هراة، ثم يزد، ثم أصبهان، ثم شيراز، ثم بصرة، ثم جاور بمكة، ثم قدم دمشق، ثم القاهرة، ودخل اليمن. وله تصانيف كثيرة نافعة (١)، منها: "الحصن الحصين"، و"جنة الحصن"، و"المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمد". ولد سنة ٧٥١، ومات بشيراز يوم الجمعة سنة ٨٣٣ - رحمة الله تعالى عليه -. ٤٩٠ - محمد بن محمد، المعروفُ بابن فهد . ولد سنة ٧٨٧. قال في البدر الطالع: سمع بالمدينة عن أهلها، ودخل اليمن، فلقي أكابرها؛ كالمجد - صاحب القاموس -، وسمع منه ومن غيره، وبرع في الحديث، وفاق على الأقران، وصار المعوَّل عليه في هذا الشأن ببلاد الحجاز قاطبة، وانتفع به الناس.

стр. 457

وألف مؤلفات، له "ذيل على طبقات الحفاظ"، مات سنة ٨٧١ - رحمه الله تعالى -. ٤٩١ - محمد بن محمد العلاءُ، البخاريُّ، العجميُّ، الحنفيُّ . ولد سنة ٧٧٩ هو تلميذ التفتازاني، له اليد الطولى في المعقولات والمنقولات. قال في "البدر الطالع": ترقى في التصوف، ومهر في الأدبيات، وتوجه إلى بلاد الهند، ونشر العلم هنالك، ثم قدم مكة، ثم القاهرة، واتفق في بعض المجالس أنه جرى عنده ذكر ابن عربي، وكان يكَفِّره ويقبِّحه، وكل من يقول بمقالته، فشرع العلاء في تقرير ذلك، ووافقه أكثر من حضر، إلا السباطي، فقال: إنما ينكر الناس عليه ظاهر الألفاظ التي يقولها، وإلا، فليس في كلامه ما ينكر إذا حُمل لفظه على معنى صحيح بضرب من التأويل، ومن جملة ما ذكر في ذلك إنكار الوحدة، وقرر العلاء إنكار ذلك، فقال له السباطي: أنتم ما تعرفون الوحدة المطلقة، فلما سمع ذلك، استشاط غضبًا وصاح بأعلى صوته: أنت معزول! ولو لم يعزلك السلطان، يعني: لتضمن ذلك كفره عنده، واستمر يصيح، وأقسم بالله! إن السلطان لو لم يعزله من القضاء، ليخرجن من مصر، فأشير على السباطي بمفارقة المجلس إخمادًا للفتنة. وبلغ السلطانَ ذلك، فأمر بإحضار القضاة عنده، فحضروا، فسألهم عن مجلس العلاء، فقصه كاتبُ السر، وهو ممن حضر المجلس، فسأل السلطانُ الحافظَ ابن حجر عن تكفير العلاء للسباطي، وماذا يستحق، هل التعزير أو العزل؟ فقال ابن حجر: لا يجب عليه شيء بعد اعترافه، وكان السباطي قد اعترف بكفر ابن عربي في مجلس السلطان، وأرسل السلطان إلى العلاء يترضاه، فأبى، ورحل عن مصر، وسكن دمشق، وصنف رسالة سماها: "فاضحة الملحدين"، زيف فيها ابن عربي وأتباعه، واتفقت له بدمشق حوادث، منها: أنه كان يسأل عن مقالات ابن تيمية التي انفرد بها، فيجيب بما يظهر له من الخطأ، وينفر عنه قلبه، إلى أن استحكم ذلك عليه، فصرح بتبديعه، ثم تكفيره، ثم صار

стр. 458

يصرح في مجلسه: أن من أطلق على ابن تيمية أنه شيخ الإسلام، فهو بهذا الإطلاق كافر. فانتدب للرد عليه الحافظ ابن ناصر: وصنف كتابًا، سماه: "الرد الوافر على من زعمَ أَنَّ من أطلق على ابن تيمية أنه - شيخ الإسلام - كافر"، جمع فيه كلام من أطلق عليه ذلك من الأئمة الأعلام من أهل عصره من جميع أهل المذاهب سوى الحنابلة، وضمنه الكثير من ترجمة ابن تيمية، وذكر مناقبه، وأرسل بنسخة منه إلى القاهرة، فقرظه جماعة من أعيانها؛ كابن حجر ومعلم البلقيني، والعيني، والحنفي، والسباطي، وكتب العلاء كتابًا إلى السلطان - يُغريه بمصنفِ الرسالة، وبالحنابلة، فلم يلتفت السلطان إلى ذلك، وما كان أغنى صاحبَ الترجمة عن ذلك، ولكن السلطان له دقائق، لا سيما في مثل من هو في هذه الطبقة من الزهد والعلم، انتهى. قال المقريزي في "العقود": كان يسلك طريقًا من الورع فيسمح في أشياء يحمله عليها بعده عن معرفة السنن والآثار، وانحرافُه عن الحديث وأهله؛ بحيث كان ينهى عن النظر في كلام النووي، ويقول: هو ظاهري، ويحض على كتب الغزالي، انتهى. قال الشوكاني: ومن هذه الحيثية قال في ابن تيمية ما قال، وليس في علم إنسان خير إذا كان لا يعرف علمَ الحديث، وإن بلغ في التحقيق إلى ما لا ينال، انتهى. ٤٩٢ - السيدُ محمدُ بنُ محمدٍ، الشاميُّ . من سكنة بلاد خولان صنعاء، أخذ العلوم الدرسية وعلم الحديث من خيار النبلاء الفضلاء القادة. قال الشوكاني: وهو الآن يقرأ عليَّ شرحي للمنتقى، ويحصله بخطه، وفي مؤلفي المسمى: بالدرر، وشرحه المسمى: بالدراري، و"السيل الجرار"، وفي تفسيري، وغير ذلك من مؤلفاتي، وقد صار الآن من أعيان علماء صنعاء وصلحائها وفضلائها - جَمَّلَ الله بوجوده، وكَثَّرَ من أمثاله - انتهى. ثم توفي - رحمه الله تعالى - بصنعاء سنة ١٢٥١.

стр. 459

٤٩٣ - القاضي محمدُ بنُ يحيى بنِ سعيدٍ، العنسيُّ، الذماريُّ . ولد تقريبًا سنة ١٢٠٠، قال الشوكاني: له قراءة عليَّ في التفسير والحديث والآلة، وفي مؤلفاتي، وأذنتُ له بالقضاء بينَ من يرد إليه من الناس، وهو الآن باقٍ على ذلك، انتهى. لم أقم على تاريخ وفاته - رحمه الله تعالى -. ٤٩٤ - محمد بن يحيى، المعروفُ ببهران . هو من علماء اليمن الميمون كان يَتَّجر في أوائل عمره، ويطوف البلاد، ومع ذلك يطلب العلم في كل محل، حتى تفرد في رئاسة العلم، وألف تآليف حسنة، ذكرها الشوكاني - رح - في "البدر الطالع"، وقال: منها: "المعتمد"، جمع فيه الأمهات الست، ورتبه على أبواب الفقه، وله "التفسير الكبير"، جمع فيه بين تفسير الزمخشري، وتفسير ابن كثير، مات بصعدة سنة ٩٥٧. ٤٩٥ - محمد بن يعقوب بنِ محمدٍ، مجدُ الدين، أبو الطاهر، الفيروز آباديُّ، اللغويُّ، الشافعيُّ، الإمامُ الكبير الماهرُ في اللغة وغيرها من الفنون . قال في "البدر الطالع": ولد سنة ٧٢٩، بكازرون من أعمال شيراز، وارتحل إلى العراق، ودخل واسط، ثم بغداد، ثم دمشق، وسمع بها من التقيِّ السبكيِّ وجماعةٍ زيادة على المئة؛ كابن القيم وطبقته، ودخل بعلبك، وحماة، وحلب، والقدس، وسمع من أهل هذه الجهات، واستقر بالقدس نحو عشر سنين، ودرَّس، وتصدَّر، وظهرت فضائلُه، وكثر الأخذ عنه. وتلمذ له جماعةٌ من الأكابر؛ كالصلاح الصفدي، وجال في البلاد الشمالية والمشرقية، ودخل الروم والهند، ثم دخل اليمن، فوصل إلى "زَبيد" بعد وفاة الجمال الريمي في سنة ٧٩٩، فتلقاه الملك الأشرفُ إسماعيلُ بالقبول، وبالغ في إكرامه، وأضاف إليه قضاء اليمن كله، وقرأ عليه السلطان ومَنْ دونه في الحديث، واستقر قدمه في "زبيد" إلى أن مات، وكان السلطان الأشرف قد تزوج ابنته؛ لمزيد جمالها، ونال منه برًا ورفعة، وفي أثناء هذه المدة قدم مكةَ مرارًا، فجاور بها وبالمدينة والطائف، واقتنى كتبًا نفيسة، حتى قال: إنه اشترى منها بخمسين ألفَ مثقالٍ من الذهب.

стр. 460

وله مصنفات كثيرة، منها: في التفسير "لطائف ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز"، في مجلدات. و"الدر النظيم المرشد إلى مقاصد القرآن العظيم". وفي الحديث "فتح الباري في شرح صحيح البخاري"، ولعل ابنَ حجر لم يسمع بذلك؛ حيث سمى شرحه بهذا الاسم، كمل منه نحو عشرين مجلدًا، وكان يقدر تمامه في أربعين مجلدًا. و"امتضاض السهاد في افتراض الجهاد"، في مجلد. و"الإسعاد بالإصعاد إلى درجة الاجتهاد"، ثلاث مجلدات. و"تسهيل طريق الوصول في الأحاديث الزائدة على جامع الأصول"، و"الأحاديث الضعيفة"، و"الدر الغالي في الأحاديث العوالي"، و"سفر السعادة"، و"القاموس"، وهو كتاب نفيس ليس له نظير، وقد انتفع به الناس، ولم يلتفتوا بعده إلى غيره. قال التقي الكرماني: كان عديمَ النظير في زمانه نظمًا ونثرًا بالفارسي. وحكى الخزرجي: أنه رامَ التوجُّهَ في سنة ٧٩٩ إلى مكة، فكتب إلى السلطان ما مثاله: ومما ينهيه إلى العلوم الشريفة: أنه غيرُ خافٍ عليكم ضعفُ أقلِّ العبيد، ورقَّةُ جسمه، ودقة بنيته، وعلوُّ سنه، وقد آل أمره إلى أن صار كالمسافر الذي تحزم وانتقل، إذ وَهَنَ العظمُ والرأسُ اشتعل، وتضعضع السن وتقعقع الشن، فما هو إلا عظام في جراب، وبنيان مشرف على خراب، وقد ناهز العشر التي تسميها العرب دقاقة الرقاب. وقد مر على المسامع الشريفة غير مرة في "صحيح البخاري" قولُ سيدنا رسول الله ﷺ : "إذا بلغَ المرءُ ستين سنة، فقد أعذرَ اللهُ إليه"، فكيف من نيف على السبعين، وأشرف على الثمانين، ولا يَجْمُل بالمؤمن أن يمضي عليه أربعُ سنين، ولا يتجدد له شوقٌ وعزم إلى بيت رب العالمين، وزيارة سيد المرسلين. وقد ثبت في الحديث النبوي ذلك، وأقلُّ العبيد له ستُّ سنين عن تلك المسالك، وقد غلب عليه الشوق، حتى جل عمره عن الطوق، ومن أقصى أمنيته أن يجدِّدَ العهد بتلك المعاهد، ويفوز مرة أخرى بتقبيل تلك المشاهد، وسؤاله من المراحم الحسنة، الصدقةُ عليه بتجهيزه في هذه الأيام مجردًا عن الأهالي والأقوام، قبلَ اشتداد الحَرِّ وغلبة الأُوام، فإن الفصل أطيب، والريح أزيب،
следующие страницы →