← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال خليفة: توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين. وقال الهيثم بن علي: توفي أبو هريرة سنة ثمان وخمسين. وقال الواقدي: سنة تسع وخمسين. وقال غيره: مات بالعقيق، وصلى عليه الوليد بن عتبة (١) بن أبي سفيان، وكان أميرا يومئذ على المدينة، ومروان معزول. روى له الجماعة، والله أعلم (٢). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله ﵊: «لا يقبل الله» هو (٣) بفتح الموحدة في المضارع، وكسرها في الماضي؛ كَعَلِمَ يَعْلَمُ، والقبول فُسِّرَ بترتب (٤) الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، يقال: قبل فلان عذر فلان: إذا رتب على عذره الغرض المطلوب منه، وهو محو الجناية والذنب.

стр. 107

قال القرطبي في «المفهم»: هذا الحديث دليل لمالك، وابن نافع على قولهما: إن من عَدِمَ الماء والصعيد، لم يصلِّ، ولم يقض، إن خرج وقت الصلاة؛ لأن عدم قبولها (١) لعدم شرطها، يدل على أنه ليس مخاطبا بها حالة عدم شرطها، فلا يترتب شيء في الذمة، فلا يقضي، وعلى هذا فتكون الطهارة من شروط الوجوب. واختلف أصحاب مالك في هذه المسألة؛ لاختلافهم في هذا الأصل انتهى (٢). وفي هذه المسألة أربعة أقوال معروفة في مذهب مالك، والمشهور منها: أنه (٣) يصلي، ويقضي، وقد نظمها بعض أصحابنا من (٤) المتأخرين: [وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا مُتَيَمَّمًا ... فَأَرْبَعَةُ الْأَقْوَالِ يَحْكُونَ مَذْهَبا (٥)] يُصَلِّي وَيَقْضِي عَكْسَ مَا قَالَ [١] ... وَأَصْبَغُ يَقْضِي وَالْأَدَاءُ لِأَشْهَبا (٦)

стр. 108

وتوجيه (١) هذه الأقوال في كتب الفقه، وقصدنا هاهنا ما يتعلق بلفظ الحديث. الثاني: هذا الحديث نص في وجوب الوضوء وشرطيته في الصلاة، وهو مما أجمعت عليه الأمة. ع: واختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة؟ فذهب ابن الجهم: إلى أن الوضوء كان في أول الإسلام سنة، ثم نزل فرضه في آية التيمم. وقال الجمهور: بل كان قبل ذلك فرضا. واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم (٢) إلى الصلاة، أم على المحدث خاصة؟ فذهب ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض، بدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وذهب قوم إلى أن ذلك قد كان ثم نسخ. وقيل: الأمر به لكل صلاة على الندب، وقيل: بل لم يشرع إلا لمن أحدث، ولكن تجديده لكل صلاة مستحب، وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك، ولم يبق بينهم فيه خلاف، ومعنى الآية عندهم: إذا قمتم محدثين.

стр. 109

وأما الوضوء لغير الفرائض: فذهب بعضهم إلى أن الوضوء بحسب ما يفعل له من نافلة أو سنة. وذهب بعضهم إلى أنه فرض على كل حال، ولكل عبادة لا تستباح إلا به، إذا عزم على فعلها، فالمجيء بها بغير الطهارة معصية، واستخفاف بالعبادة، فلزمه المجيء بشرطها فرضا (١)؛ كما إذا دخل في عبادة نفلًا، لزمته (٢)، ووجب عليه تمامها لهذا الوجه (٣). ح: ولو صلى محدثًا متعمدا بلا عذر، أثم، ولا يكفر عندنا، وعند الجمهور، وحكي عن أبي حنيفة: أنه يكفر بتلاعبه، ودليلنا أن الكفر بالاعتقاد، وهذا المصلي اعتقاده صحيح (٤). قلت: وفي هذا الاستدلال عندي نظر؛ للاتفاق على تكفير من استهان بالمصحف استهانة مخصوصة في الصورة المخصوصة، والله أعلم. الثالث: ظاهر هذا الحديث يقتضي انتفاء الصحة عند انتفاء القبول، ويحتاج ذلك إلى تحقيق؛ إذ لا يتم الاستدلال على وجوب (٥) الطهارة إلا بذلك.

стр. 110

ق (١): وقد حرك في هذا بحثا؛ لأن انتفاء القبول قد ورد في مواضع مع ثبوت الصلاة؛ كالعبد إذا أبق لا تقبل له صلاة، وكما ورد فيمن أتى عرافًا، وفي شارب الخمر، فإذا أراد أن يقوي الدليل على انتفاء الصحة بانتفاء القبول، فلا بد من تفسير معنى (٢) القبول. وقد فسر (٣) بأنه تَرَتُّبُ الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، فإذا ثبت ذلك، فيقال مثلاً: في هذا المكان الغرض من الصلاة؛ وقوعها مجزئة لمطابقتها للأمر، فإذا حصل هذا الغرض، ثبت القبول على ما ذكر من التفسير، وإذا ثبت القبول على هذا التفسير، ثبتت الصحة، وإذا انتفى القبول على هذا التفسير، انتفت الصحة. وربما قيل من جهة بعض المتأخرين: إن القبول كون العبادة بحيث يترتب الثواب والدرجات عليها، والإجزاء كونها مطابقة للأمر. والمعنيان إذا تغايرا، وكان أحدهما أخص من الآخر، لم يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، والقبول على هذا التفسير أخص من الصحة، فإن (٤) كل مقبول صحيح، وليس كل صحيح مقبولاً، وهذا إن نفع في تلك الأحاديث التي نفي (٥) فيها القبول مع بقاء الصحة، فإنه يضر في

стр. 111

الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة؛ كما حكينا عن الأقدمين، اللهم إلا أن يقال: دلَّ الدليل على كون القبول من لوازم الصحة، فإذا انتفى، انتفت، فيصح الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة، ويحتاج في تلك الأحاديث التي نفي فيها القبول مع بقاء الصحة إلى تأويل أو تخريج جواب على أنه يَرِدُ على من فسر القبول بكون العبادة مثابا عليها ومرضية، أو ما أشبه ذلك، إذا كان مقصوده بذلك أن لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة أن يقال: القواعد الشرعية تقتضي أن العبادة إذا أتي بها مطابقة للأمر، كانت سببا للثواب، والظواهر في ذلك لا تحصى انتهى (١). وحاصل هذا أن الإشكال باقٍ حتى تتأول تلك الأحاديث التي نفي فيها القبول مع بقاء الصحة بما يكون جمعا بينها وبين هذا الحديث. ويحتمل أن يقال في ذلك -والله الموفق-: إنَّ الأصل فيمن أتى بالعبادة المأمور بها ناقصة عما أمر به (٢)؛لترك شرط من شروطها، ونحو ذلك: أن تكون غير صحيحة؛ إذ لم يأت بما أمر به، صح لنا ذلك في هذا الحديث، وخالفناه في تلك الأحاديث الأخر لدليل دلَّ على ذلك، فبقي ما كان على ما كان، فثبت بذلك انتفاء الصحة عند انتفاء القبول، والله أعلم.

стр. 112

الرابع: ق: الحدث قد يطلق بإزاء معان ثلاثة: أحدها (١): الخارج المخصوص الذي يذكره الفقهاء في باب نواقض الوضوء، ويقولون: الأحداث كذا، وكذا. الثاني: نفس خروج الخارج. الثالث: المنع المرتب على ذلك الخروج، وبهذا المعنى يصح قولنا: رفعت الحدث، أو (٢): نويت رفع الحدث، فإن كل واحد من الخارج والخروج قد وقع، وما وقع يستحيل رفعه؛ بمعنى أن لا يكون واقعا، وأما المنع المرتب على الخروج، فإن الشارع حكم به، ومد غايته إلى استعمال المكلف الطهور، فباستعماله يرتفع المنع، فيصح قولنا: رفعت الحدث، وارتفع الحدث؛ أي: ارتفع المنع الذي كان ممدودا إلى استعمال المطهر. وبهذا التحقيق يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث؛ لما بينا أن المرتفع إنما هو المنع من الأمور المخصوصة، وذلك المنع مرتفع بالتيمم، فالتيمم يرفع الحدث. غاية ما في الباب: أن رفعه للحدث (٣) مخصوص بوقت ما، أو بحالة ما، وهو عدم الماء، وليس ذلك ببدع؛ فإن الأحكام قد تختلف

стр. 113

لاختلاف محالها، وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبا لكل صلاة على ما حكوه، ولا شك أنه كان رافعا للحدث في وقت مخصوص، وهو وقت الصلاة، ولم يلزم من انتهائه بانتهاء وقت الصلاة في ذلك الوقت (١) أن لا يكون رافعا للحدث، ثم نسخ ذلك الحكم عند الأكثرين، ونقل عن بعضهم أنه مستمر، ولا شك أنه لا يقول: إن الوضوء لا يرفع الحدث. نعم (٢) هاهنا معنى رابع يدعيه كثير من الفقهاء، وهو أن الحدث وصف حُكْمِيٌّ مقدر قيامه بالأعضاء على مقتضى الأوصاف الحسية، ويُنْزِلُون ذلك الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء. فما نقول: إنه يرفع الحدث؛ كالوضوء، والغسل يزيل ذلك الأمر الحكمي، فيزول المعنى المرتب على ذلك الأمر المقدر الحكمي. وما نقول بأنه لا يرفع الحدث، فذلك المعنى (٣) المقدر القائم بالأعضاء حكما باق لم يزل، والمعنى المرتب عليه زائل. فبهذا الاعتبار نقول: إن التيمم لا يرفع الحدث، بمعنى: أنه لم يزل ذلك الوصف الحكمي المقدر، وإن كان المنع زائلاً. وحاصل هذا: أنهم أثبتوا للحدث معنى رابعا غير ما ذكرناه من

стр. 114

المعاني الثلاثة، وجعلوه مقدرا قائما بالأعضاء حكما كالأوصاف الحسية، وهم مطالبون بدليل شرعي يدل على إثبات هذا المعنى الرابع الذي ادعوه مقدرا قائما بالأعضاء، فإنه منفي بالحقيقة (١)، والأصل موافقة الشرع لها، ويبعد أن يأتوا بدليل على ذلك، وأقرب ما يذكر فيه: أن الماء المستعمل قد انتقل إليه المانع؛ كما يقال. والمسألة متنازع فيها، فقد قال جماعة بطهورية الماء المستعمل، ولو قيل بعدم طهوريته، أو بنجاسته، لم يلزم منه انتقال مانع إليه، فلا يتم الدليل، والله أعلم. انتهى كلامه ﵀ (٢). وهذا تحقيق لا ينازع فيه منصف، ولا ينكره إلا مجحف متعسف، فلينظر توجيه المذهبين؛ أعني: مذهب مالك، والشافعي رحمهما الله تعالى، فإن المشهور فيهما أن التيمم لا يرفع الحدث، والله أعلم (٣). الخامس: قوله ﵊: «حتى يتوضأ» معناه: أو يتيمم بشرطه، وإنما اكتفى بالوضوء عن التيمم؛ لأصالته، وأكثريته. السادس: لا بد في الحديث من تقدير حذف وهو: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، ويصلي؛ إذ يستحيل قبول صلاة غير مفعولة.

стр. 115

ق: استدل بهذا الحديث على أن الوضوء لا يجب لكل صلاة، ووجه الاستدلال منه: أنه ﵊ نفى القبول ممتدا (١) إلى غاية الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فيقتضي ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا، وتدخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء (٢) لها ثانيا (٣). قلت: ويحققه أن (صلاة) (٤) اسم جنس، وقد أضيف، فعم، وبالله التوفيق. * * *

стр. 116

الحديث الثالث ٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ ﵃، قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (١).

стр. 117

* التعريف: قد تقدم الكلام على أبي هريرة ﵁ (١). وأما عبد الله بن عمرو بن العاصي: فقرشي سهمي. يكنى أبا محمد، وقيل: أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا نصير. قال ابن معين: كنيته أبو عبد الرحمن، والأشهر أبو محمد. ولم يَفُتْهُ أبوه في السن إلا باثنتي عشرة سنة، ولد لعمرو عبد الله (٢) وهو ابن اثنتي عشرة سنة، أسلم قبل أبيه، وكان فاضلاً حافظًا عالمًا، قرأ الكتب، واستأذن النبي ﷺ في أن يكتب حديثه، فأذن له، قال: يا رسول الله! أكتب كل

стр. 118

ما سمعته (١) منك في الرضا والغضب؟ قال: «نعم، فإني لا أقول إلا حقًا» (٢). وقال عبد الله: حفظت عن رسول الله ﷺ ألف مثل (٣). واختلف في وقت مماته، فقال أحمد بن حنبل: مات ليالي الحرة في ولاية يزيد بن معاوية، وكانت (٤) الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين. وقال غيره: مات سنة ثلاث وسبعين. قال (٥) يحيى بن عبد الله: مات بأرضه بالسبع من فلسطين سنة خمس وستين. وقيل: سنة سبع وستين، وهو ابن اثنين وسبعين سنة (٦). وقيل: توفي سنة خمس وخمسين بالطائف. وقيل: إنه مات بمصر سنة خمس وستين، وهو ابن اثنتين

стр. 119

وسبعين سنة (١). وأما عائشة زوج النبي ﷺ ، فهي عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄، تزوجها رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وهي بنت ست سنين، وقيل: سبع، وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع. قال أبو عمر بن عبد البر: لا أعلمهم اختلفوا في ذلك. وتزوجها بعد موت خديجة بثلاث سنين، وتوفي عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة، وعاشت بعده أربعين سنة (٢)، قال لها رسول الله ﷺ : «تكني بابنك عبد الله بن الزبير» (٣)، يعني: ابن أختها. وكان مسروق إذا حدث عنها، يقول: حدثتني الصادقة بنت الصادق، و (٤) البرة المبرأة بكذا وكذا (٥).

стр. 120

وكان أشياخ الصحابة يسألونها عن الفرائض. قال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس (١). وفضائلها كثيرة جمةٌ. روي لها عن رسول الله ﷺ ألفا حديث، ومئتا حديث، وعشرة أحاديث، اتفقا منها على مئة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثًا، ومسلم بثمانية وستين حديثًا. روى عنها: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن قيس الرومي الأشعري، وعبد الله بن عامر بن ربيعة. وروى عنها من التابعين نَيِّفٌ وستون رجلاً وامرأة في الصحيح. روى لها الجماعة (٢). توفيت ﵂ سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن ليلاً بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، ونزل في قبرها خمسة: عبد الله، وعروة ابنا الزبير، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر (٣).

стр. 121

* ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: كلمة (ويل) من المصادر التي لا أفعال لها، ومثلها (ويح)، و (وَيْب)، و (وَيْس)، ويقال: ويل، وَوَيْلَةٌ، قال تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ﴾ [هود: ٧٢]، والأصل: يا ويلتي، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفًا. كـ: يا غُلَامًا في إحدى اللغات الست، ويستعمل (ويل) مفردا ومضافًا، فإذا أفرد فالأكثر الرفع، وإذا أضيف فالأكثر النصب، فالرفع على الابتداء، والنصب إما على المصدرية، أو بإضمار فعل، كأنه قال: ألزمه الله ويلاً، ونحو ذلك، ويقال: ويل له، وويل عليه، وويل منه، قال (١) الشاعر: [البسيط] قَالَتْ هُرَيْرَةُ لَمَّا جِئْتُ زَائِرَهَا ... وَيْلِي عَلَيْكَ، وَوَيْلِي مِنْكَ يَا رَجُلُ (٢) وهي كلمة عذاب وقبوح. وعن أبي سعيد الخدري، وعطاء بن يسار: هو واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال، لماعت من حره (٣).

стр. 122

وقال ابن مسعود: هو صديد أهل النار (١). ع: هي كلمة تقال لمن وقع في هَلَكَةٍ، وقيل: لمن يستحقها، وقيل: هي الهلكة، وقيل: المشقة من العذاب، وقيل: الحزن (٢). الثاني: الأعقاب: جمع عَقِبٍ، وَعَقِبُ كل شيء: طرفه وآخره، والعقب هنا مؤخر القدم، وجاء -أيضا-: «ويل للعراقيب» (٣)، وهي جمع عُرْقوب، وهو العصب الغليظ الموتر (٤) فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها. قال الأصمعي: وكل ذي أربع عرقوباه في رجليه، وركبتاه في يديه (٥). الثالث: معنى الحديث: أن الأعقاب أو العراقيب تعذب إن لم تعم بالغسل، وإنما خص الأعقاب أو العراقيب؛ لأن الحديث ورد على سبب، وهو أنه ﷺ رأى قوما وأعقابهم تلوح؛ فقال: «ويل للأعقاب من النار» (٦).

стр. 123

وفيه دليل على أن العقب محل للتطهير؛ خلافًا لمن لم يوجب ذلك، وظاهر الحديث أو نصه وجوب غسل الرجلين في الطهارة دون المسح، وهو مذهب جمهور السلف وأئمة الفتوى. قال القرطبي: وقد حكي عن ابن عباس، وأنس، وعكرمة: أن فرضهما المسح، إن صح ذلك عنهم، وهو مذهب الشيعة، وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح. وسبب الخلاف اختلاف القَرأَة (١) في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض والنصب، وقد أكثر الناس في تأويل هاتين القراءتين، والذي ينبغي أن يقال: إن قراءة الخفض عطف على الرأس، فهما يمسحان، لكن إذا كان عليهما خفان، وتلقَّينا هذا القيد (٢) من فعل رسول الله ﷺ ؛ إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان، والمتواتر عنه غسلهما، فبين النبي ﷺ بفعله الحال التي تغسل فيها الرجل، والحال التي تمسح فيها، فليكتف بهذا، فإنه بالغ، انتهى (٣). وبالتخيير المذكور قال داود. و (٤) حكي عن بعض أهل الظاهر، والإمامية من الرافضة: إيجاب (٥)

стр. 124

المسح، ولا يجزئ الغسل، وهم قوم لا يعتد بوفاقهم، ولا بخلافهم (١). وحكي عن بعض أهل الظاهر أنه قال: يجب الجمع بينهما. والمسألة ليست بالسهلة، فلا بد من بسطها بأكثر من هذا، فنقول، والله الموفق: شبهة القول بالمسح قراءة من قرأ: (وأرجلِكُم) بالخفض، ولم يتقدم ما يصح عطف الأرجل عليه إلا الرأس، والرأس ممسوح بالإجماع، فلتكن (٢) الرجلان كذلك. فإذا قيل لهؤلاء: قد قرأ نصف (٣) القراء بالنصب، قالوا: لا يمتنع العطف على الموضع في اللغة الفصيحة، والمجرور في قوله تعالى: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ في محل النصب؛ لأنه مفعول به، وإنما قصر الفعل عنه، فاحتيج في تعديته إلى حرف الجر، وقد قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْإِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] بالرفع نَعْتًا للإله على الموضع، وقال الشاعر: [الرجز] يَسْلُكْنَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرًا (٤)

стр. 125

وقال آخر: [الوافر] فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا (١) فعطف على الموضع في البيتين فقد تظافرت القراءتان على المسح في الرجلين. فإن قيل لهم: وجه قراءة الجر على أنه خفض على الجوار. قالوا في الجواب عن (٢) ذلك: إن الخفض على الجوار لغة شاذة ركيكة، ويتحاشى القرآن عن حمله على الشاذ (٣) الركيك، مع إمكان حمله على الفصيح. ويقوي قولهم: ما ذكره إمام الحرمين في «برهانه»: من أن كل تأويل يؤدي إلى حمل القرآن على ركيك شاذ في اللغة لا يقبل، ويعد متأوله معطِّلاً، لا متأولا، وضرب المثال بمسألتنا هذه، وقال: لا يبعد أن تحمل قراءة النصب على العطف على الموضع، ومن لغتهم: يا عمر الجوادا (٤)، أو تكون قراءة النصب مظافرة لقراءة الجر، على أن المراد في الرجلين المسح.

стр. 126

ولكنه ذكر في الجواب: أن الكلام الجزل الفصيح (١) يسترسل في الأحايين استرسالاً، ولا تختلف مبانيه لأدنى تغير معانيه، والعرب ترى المسح قريبًا من الغسل؛ إذ كل واحد منهما إمساس (٢) العضو بالماء، وهو مسكوت عنه في المعطوف، فسهل احتماله (٣)، وهو كقول الشاعر: [مجزوء الكامل المرفل] وَلَقَدْ رَأَيْتُكَ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا (٤) سَيْفًا وَرُمْحَا والرمح يعتقل ويتأبط، ولا يتقلد. وكذلك قول الآخر: [الكامل] فَعَلَى فُرُوعِ الْأَيْهُقَانِ، وَأَطْفَلَتْ ... بِالْجَلْهَتَيْنِ (٥) ظِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا (٦) وقول الآخر: [الرجز] فَعَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا (٧) وَالنَّعَامُ تَبِيضُ وَلَا تُطْفَلُ، أي: لا تلد طفلاً، والماء يسقى

стр. 127

ولا يعلف، ولكن لمَّا اشترك المعطوف والمعطوف عليه في الجهة العامة، جاز العطف، وكره التصريح بالفعل الثاني في المعطوف عليه؛ لئلا ينقطع استرسال الكلام الفصيح، وتسيطر المتكلم (١) واستحقاره، وعدم التفاته إلى تفاصيل ذلك، مع الاشتراك في أمر كلي هو الذي حسن ذلك، وهذا ينضم إلى ما روي أن النبي ﷺ لمَّا علمهم الوضوء، غسل رجليه، وما فهمته الصحابة ﵃، واستمر عليه فعل السلف، هذا آخر كلام الإمام في «البرهان» (٢). وإنما أطلنا الكلام في هذه المسألة؛ لأن بعض من يقول بالمسح في الرجلين يدعي أن ذلك بنص القرآن، وأن من يقول بالغسل متعلقه خبر واحد، ولا يصح نسخ القرآن بخبر الواحد (٣)، ولو كان القرآن نصا فيما ادعاه، لكان الأمر كما قال (٤)، فأردنا أن نبين بما ذكرناه خروج الآية عن رتبة النصوص (٥) في الدلالة على المسح، وإمكان تطرق التأويل إليها. ثم نقول: الذي يعضد هذا التأويل ما ذكرناه من كون الرسول ﵊ لمَّا علمهم الوضوء، غسل رجليه، وكل

стр. 128

من وصف وضوءه ﵊ لم يذكر في الرجلين إلا الغسل. قال صاحب «البيان والتقريب»: وتقييد الرجلين بالكعبين يحقق أنهما معطوفتان (١) على اليدين المقيدتين (٢) بالغسل إلى المرفقين، وقراءة أكثر القراء بالنصب في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ يقوي ذلك، فإن الظاهر أن يعطف المنصوب على المنصوب لفظًا، وغاية ما في (٣) ذلك: الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه: وذلك لا يمتنع. قلت: قوله: أكثر القراء، ليس كذلك، بل القراءتان متساويتان. ثم قال (٤): وقد (٥) قال الله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] عطفًا على قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ولم يضر الفصل بينهما. وأيضا: فقد روي عن عائشة ﵂ أنها لمَّا رأت من مسح رجليه، أنكرت عليه، وقالت: قال رسول الله ﷺ : «ويل للأعقاب من النار» (٦).

стр. 129

وما رواه البخاري عن ابن عمر [و]، قال: تخلف عنا النبي ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة، ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا؛ فنادى بصوته: «ويل للأعقاب من النار»، مرتين، أو ثلاثًا، ورواه مسلم، وأبو داود، والنسائي (١). وإطباق حملة الشرع على الغسل في الرجلين عملاً وقولاً، كل ذلك يحقق التأويل، ويرجحه على الظاهر، وفيما ذكرناه مقنع، والله أعلم (٢). * * *

стр. 130

الحديث الرابع ٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً , ثُمَّ لْيَنْتَثِرْ (١) , وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ , وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الإِنَاءِ ثَلاثاً؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (٢).

стр. 131

وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمِنْخَرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ» (١)، وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ» (٢).

стр. 132

* الشرح: الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله ﵊: «إذا توضأ أحدكم» معناه: إذا أراد الوضوء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ أي: إذا أردت القراءة. الثاني: قوله ﵊: «فليجعل في أنفه»؛ أي: ماء: فحذف ذلك؛ للعلم به، وقد جاء مبينا في الرواية الأخرى، ومعنى (يجعل) هنا يلقي. ول (جعل) (١) معان أربعة: خلق، وصير، وألقى، وشرع: فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، فيتعدى إلى مفعول واحد، ومن الثاني: جعلت البصرة بغداد، فيتعدى إلى مفعولين بنفسه. ومن الثالث: جعلت المتاع بعضه على بعض، فيتعدى للأول بنفسه، وللثاني بحرف الجر. ومن الرابع: جعل زيدٌ يقول كذا، فيكون من أفعال المقاربة، يرفع الاسم، وينصب الخبر، إلا أن خبره لا يكون إلا فعلاً مضارعا

стр. 133

فيه ضمير يعود على اسمها كما تقدم تمثيله. الثالث: قوله ﵊: «ثم لينتثر»: الاستنثار: إيصال الماء إلى الأنف، ونثره منه بنفَس، أو بأصبعه. قال القرطبي: وسمي استنثارا لآخر (١) الفعل، وقد يسمى استنشاقًا بأوله (٢)، وهو استدعاء الماء بنفس الأنف (٣) (٤). ق: قال جمهور أهل اللغة، والفقهاء، والمحدثين (٥): الاستنثار: هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق. وقال ابن الأعرابي، وابن قتيبة: الاستنثار: هو الاستنشاق (٦). والصواب: الأول، وتدل عليه الرواية الأخرى: «استنشق»، و «استنثر»، فجمع بينهما (٧). قلت: ولعل الجمع بينهما على ما ذكر القرطبي من تسميته بأول الفعل وآخره، فلا يكون في هذه الرواية دليل. قال أهل اللغة: وهو مأخوذ من النَّثْرَة، وهو طرف الأنف.

стр. 134

وقال الخطابي وغيره: هي (١) الأنف (٢). والمشهور الأول. قال الأزهري: روى سلمة عن الفراء: أنه يقال: نثر الرجل، وانتثر، واستنثر: إذا حرك النثرة في الطهارة (٣). الرابع: قوله ﵊: «ومن استجمر، فليوتر» الاستجمار: هو التمسح من الغائط والبول (٤) بالجمار، وهي الحجارة الصغار، ومنه الجمار التي يرمى بها في الحج، وقد نص عليها في حديث سلمان (٥). وقال القاضي أبو الحسن بن القصار: ويجوز أن يقال: إنه أخذ من الاستجمار بالبخور؛ لأنه يزيل الرائحة القبيحة، وقد روي ذلك عن مالك -أيضا-، يريد: فيأخذ منه ثلاث قطع، أو يأخذ منه ثلاث مرات، والصحيح الأول. وقد تمسك الشافعي، وأحمد ﵄ بقوله: «فليوتر) على وجوب

стр. 135

تعداد ثلاثة أحجار، وإن حصل الإنقاء بدونها، وبذلك قال القاضي أبو الفرج، والشيخ أبو إسحاق من أصحابنا -رحمهما الله-، ولا دليل لهم في ذلك؛ لأن الإيتار أعم من أن يكون بواحد، أو بثلاث، أو بغير ذلك، ولا يلزم من وجود الأعم وجود الأخص. ونقل عن الخطابي أنه قال: فيه دليل؛ إذ معقول أنه لم يرد الوتر الذي هو واحد فرد؛ لأنه زيادة وصف على الاسم، والاسم لا يحصل بأقل من واحد، فعلم أنه قصد به ما زاد على الواحد، وأقّله (١) الثلاث (٢). قلت: أما قوله: إنه (٣) لم يرد به الواحد، فممنوع؛ إذ ليس في اللفظ ما يدفعه، ولا في العقل ما يمنعه، وأما قوله: لأنه زيادة وصف، فلم أفهمه. وأما مذهب مالك، وأبي حنيفة -رحمهما الله-، فالواجب الإنقاء لا غير، كان ذلك بحجر، أو أكثر. وقد استدل القاضي عبد الوهاب ﵀ بهذا الحديث نفسه على عدم وجوب التعداد، فقال: لأن أقل ما يقع عليه اسم الوتر مرة واحدة، فإذا أتى بذلك، فيجب أن يجزئه. وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من استجمر،

стр. 136

فليوتر؛ من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج» (١)، وهذا نص؛ ولأن الإنقاء قد وجد (٢) بما يجوز الاستنجاء به، دليله: إذا أتى بالثلاث؛ ولأن الاعتبار في ذلك بالإنقاء دون العدد، بدلالة أنه لو لم ينق بالثلاث، زاد عليها، فلما وجبت الزيادة على الثلاث مع عدم الإنقاء، جاز الاقتصار على ما دونها عند وجوده، ولأن القصد من الاستنجاء بالأحجار التجفيف، والأصل هو الماء؛ بدلالة أنه لا يلزمه قلع الأثر بالحجر، وإذا ثبت ذلك، ثم لم يجب في الماء الذي هو أغلظ حكما من الأحجار عدد، ولا عبادة (٣) غير الإنقاء، فأن (٤) لا يجب ذلك في الأحجار أولى، ولأنه أحد نوعي ما يستنجى به، فوجب (أن يكون المستحق فيه الإنقاء دون (٥) العدد أصله الماء، ولأنه إزالة نجس، فأشبهت النجاسة على سائر البدن (٦)، ولأنها طهارة مسح، فوجب أن لا يستحق تكراره في الحدث، ولأن ما زاد على الإنقاء لما كان مسحا

стр. 137

لا يحتاج إليه في تجفيف النجاسة، لم يكن واجبا؛ كالحجر الرابع والخامس. الخامس: قوله ﵊: «وإذا استيقظ أحدكم من نومه» إلى آخره، فإن (١) قلت: ما الفائدة في قوله ﵊: «من نومه»، ومعلوم (٢) أن الاستيقاظ إنما يكون من النوم؟ قلت: لا ينحصر الاستيقاظ في النوم؛ مشاركة الغفلة والغشية في ذلك، ألا ترى أنه يقال: استيقظ فلان من غشيته، أو من غفلته. فإن قلت: لم أضاف ﵊ النوم (٣) إلى ضمير أحدنا، ومعلوم قطعا أن أحدا لا يستيقظ من نوم غيره، فما فائدة هذه الإضافة، حتى لم يقل: من النوم، أو من نوم، وكان ذلك مغنيا عنها، مع خفة الإفراد، وثقل التركيب الإضافي؟ قلت: إنما كان ذلك لمعنى جليل (٤) جدا، وهو الإشارة والتنبيه على أن نومه (٥) ﷺ مغاير لنومنا؛ إذ كان ﵊ تنام عيناه، ولا ينام قلبه. فإن قلت: قوله: (أحدكم) يعطي هذا المعنى المذكور.

стр. 138

قلت: أجل، ولكنه جاء على طريق المبالغة والتأكيد، وربما سمى أهل علم البيان مثل هذا توطئة (١)، وهو أن يكون المعنى مستقلاً بالأول، ويؤتى باللفظ الثاني لما ذكر، فتنبه لها إشارة ما أسناها، ولطيفة ما أحلاها (٢)، زادنا الله فهما وعلما من كلامه وكلام رسوله، وبّلغ كُلاً منا غاية قصده وسؤله (٣)، آمين، بمنه وَطوله. السادس: قوله ﵊: «فليغسل يديه):) اختلف أصحابنا في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، هل هو تعبد، أو معلل؟ فمن نظر إلى العدد، قال بالتعبد؛ لأن هذا الغسل إما للنجاسة، وإما للشك في وجودها، وكلاهما لا يقتضي عدداا مخصوصا. ومن نظر إلى قوله ﵊: «فإنه لا يدري أين باتت يده)،) قال بالتعليل، قالوا: وذلك أنهم كانوا يستنجون بالأحجار، وربما عرق الإنسان، وجالت يده، فوقعت على المحل، أو على بثرة في جسمه، أو قملة، وشبه ذلك، فأمروا بغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء؛ إذ الغالب من آنية الوضوء أن تكون صغيرة يؤثر فيها ما يتحلل من اليدين، هكذا يقول من نحا إلى التعليل. وتظهر فائدة هذا الخلاف في موضعين:

стр. 139

أحدهما: من انتقض وضوؤه وهو قريب عهد (١) بغسل يديه، فعلى التعبد: يعيد الغسل، وعلى التعليل: لا يعيد؛ لوجود النظافة فيهما. والثاني: من قال بالتعبد، قال بغسلهما مفترقتين؛ لأن صفة التعبد في غسل الأعضاء: أن لا يشرع في عضو حتى يكمل غسل ما قبله. قال المازري: وهو ظاهر حديث ابن زيد (٢)؛ لأنه ذكر في صفته لوضوئه ﵊: أنه غسل يديه مرتين مرتين، وإفراد (٣) كل واحدة بالذكر يدل على إفرادها بالغسل. ومن قال بالتعليل المذكور، قال: يغسلان مجتمعتين؛ لأنه أبلغ في المراد من تنظيفهما (٤). وعلى القولين جميعا، فالغسل ليس بواجب. وهل هو سنة أو فضيلة؟ قولان لأصحابنا. وهل يفتقر غسلهما إلى نية؟ قال الباجي ما معناه: إن من جعلهما من سنن الوضوء؛ كابن القاسم، اشترط النية في غسلهما، ومن (٥) رأى النظافة فيها؛ كأشهب، ويحيى بن يحيى، لم يشترطها.

стр. 140

قال ابن حبيب: فإن أدخل يده في الإناء قبل الغسل، فسد الماء. وقال مالك: لا يفسد، وإن قلَّ، إِلَّا أن تتبين نجاسته (١). قال سند (٢): يستحب إراقة ذلك الماء؛ لأن قوله ﵊: «لا يدري أين باتت يده» منه يقتضي كراهية (٣) ذلك الماء إن لم يغسلهما، وقد طرح سؤر الدجاج، وإن لم تتيقن نجاسته، وقال بإراقته الحسن البصري، وابن حنبل. قلت: إنما يقول الحسن بإراقته إذا كان من نوم الليل خاصة، وحكي عن أحمد رواية: أنه إن قام من نوم الليل، كره كراهة تحريم، وإن قام من نوم النهار، كره كراهة تنزيه، ووافقه داود الظاهري، اعتمادا على لفظ المبيت في الحديث، وهذا ضعيف جدا؛ فإن النبي ﷺ نبه على العلّة بقوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، ومعناه: لا يأمن النجاسة على يده، وهذا عام؛ لاحتمال وجود (٤) النجاسة في نوم الليل والنهار، وفي اليقظة، وذكر الليل أولاً؛ لأنه (٥) الغالب، ولم يقتصر

стр. 141

عليه خوفًا من توهم أنه مخصوص به، بل ذكَر العلة بعده، والله أعلم. وأما دليل مالك، والشافعي على عدم الوجوب، فأمران: أحدهما: حديث الأعرابي (١). والثاني: أنه قد قامت القرينة على عدم الوجوب، وهي تعليله ﵊ للغسل بأمر يقتضي الشك، وهو قوله: «لا يدري أين باتت يده». والقواعد: أن الشك لا يقتضي وجوب الحكم إذا كان الأصل المستصحب على خلافه موجودا، والأصل في اليد الطهارة، فليستصحب. ولتعلم أن القائلين باستحباب غسل اليدين قائلون باستحباب ذلك في ابتداء الوضوء مطلقًا، سواء قام من النوم، أم لا؛ لوجهين: أحدهما: أنه صفة (٢) وضوء رسول الله ﷺ ، وهذا كاف. والثاني: أن المعنى المعلل به في الحديث، وهو جولان اليد موجود في كل منتقض الطهارة، فيعم الحكم؛ لعموم عِلَّتِه. السابع: ق: فرق أصحاب الشافعي بين حالة المستيقظ من النوم وغير المستيقظ، فقالوا في المستيقظ من النوم: يكره له (٣) أن يغمس يده في الإناء قبل غسلها ثلاثًا، وفي غير المستيقظ: يستحب له (٤) غسلها

стр. 142

قبل إدخالها في الإناء، قال: ولتعلم الفرق بين قولنا: يستحب فعل كذا، وبين قولنا: يكره تركه؛ فإنه لا تلازم بينهما، فقد يكون الشيء مستحب الفعل، ولا يكون مكروه الترك؛ كصلاة الضحى، وكثير من النوافل، فغسلهما لغير المستيقظ من النوم قبل إدخالهما الإناء من المستحبات، وترك غسلهما للمستيقظ من المكروهات، فقد ورد صيغة النهي عن إدخالهما في الإناء (١) قبل الغسل في حق المستيقظ من النوم، وذلك يقتضي الكراهة على أقل الدرجات (٢). قلت: وظاهر كلام أصحابنا، أو نصه: أنه لا فرق بين المستيقظ وغيره، وإن كانوا يفرقون بين المكروه وترك الأولى، كما قال. الثامن: قوله ﵊: «فإنه (٣) لا يدري أين باتت يده»، فيه استحباب استعمال الكنايات فيما يستحيى من التصريح به، فإنه ﷺ قال: «لا يدري أين باتت يده»، ولم يقل: فلعل يده وقعت على دبره، أو ذكره، أو على نجاسة ونحو ذلك، وإن كان هذا في معنى قوله ﵊، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، والأحاديث الصحيحة. وهذا إذا علم أن (٤) السامع يفهم بالكناية

стр. 143

المقصود، فإن لم يكن كذلك، فلا بد من التصريح؛ لينتفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحا به، والله أعلم. التاسع: قوله ﵊: «فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر». ع: يدل على أنهما مشروعان -كما تقدم-، وهما عندنا سنتان، وقد عدهما بعض شيوخنا سنة واحدة. وقال ابن قتيبة: الاستنشاق والاستنثار سواء، مأخوذ من النَّثْرَة، وهو طرف الأنف. ولم يقل شيئًا، بل الاستنشاق) (١) من التنشق، وهو جذب الماء إلى الأنف بالنفس، والنشوق: الدواء الذي يصب في الأنف، والاستنثار من النثر، وهو الطرح، وهو هنا طرح الماء الذي ينشق، قيل: ليخرج ما تعلق به (٢) من قذر الأنف، وقد فرق بينهما النبي ﷺ بقوله: «فليستنشق بمنخريه من الماء، ثم لينتثر». قلت: قد تقدم أنه يحتمل أن يكون سماه استنشاقًا باعتبار أول الفعل، واستنثارا باعتبار آخره.

стр. 144

ثم قال: وقد احتج بعضهم بأمره (١) ﷺ بهما على وجوبهما على المتوضئ، وذلك عند أكثر العلماء على الندب. وإلى أنهما سنتان في الوضوء والغسل ذهب مالك، والأوزاعي، وربيعة، والشافعي. وذهب الكوفيون إلى وجوبهما في الغسل دون الوضوء. وذهب ابن أبي ليلى وغيره إلى وجوبهما (٢) فيهما. وذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور (٣) إلى وجوب الاستنثار فيهما دون المضمضة؛ بدليل هذا) (٤) الحديث (٥). العاشر: قال الشافعية: يؤخذ من هذا الحديث الفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورود النجاسة على الماء، ووجهه: أنه نهى (٦) عن إدخالهما في الإناء؛ لاحتمال النجاسة، وذلك يقتضي أن ورود النجاسة على الماء (٧) مؤثر فيه، وأمر بغسلهما بإفراغ الماء عليهما للتطهير،

стр. 145

وذلك يقتضي أن ملاقاتهما للماء (١) على هذا الوجه غير مفسد للماء بمجرد الملاقاة، وإلا، لما حصل المقصود من التطهير. الحادي عشر: ق: استنبط من هذا الحديث أنّ الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه؛ فإنه منع من (٢) إدخال اليد فيه؛ لاحتمال النجاسة، وذلك دليل على أنّ يقينها (٣) مؤثر، وإلا، لما اقتضى احتمال النجاسة المنع. وفيه عندي نظر؛ لأنَّ مقتضى (٤) الحديث: أنَّ ورود النجاسة على الماء مؤثر فيه، ومطلق التأثير أعم من التأثير بالتنجيس، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص المعين، فإذا سلم الخصم أن الماء القليل بوقوع النجاسة فيه يكون مكروها، فقد ثبت مطلق التأثير، ولا يلزم ثبوت (٥) خصوص التأثير بالتنجيس (٦). الثاني عشر: الْمَنْخِرُ: ثقب الأنف، وقد تكسر الميم إتباعا لكسرة الخاء، كما قالوا: مِنْتِنٌ، قال الجوهري: وهما نادران؛ لأنَّ مِفْعِلًا ليس من الأبنية.
следующие страницы →