← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عليه خوفًا من توهم أنه مخصوص به، بل ذكَر العلة بعده، والله أعلم. وأما دليل مالك، والشافعي على عدم الوجوب، فأمران: أحدهما: حديث الأعرابي (١). والثاني: أنه قد قامت القرينة على عدم الوجوب، وهي تعليله ﵊ للغسل بأمر يقتضي الشك، وهو قوله: «لا يدري أين باتت يده». والقواعد: أن الشك لا يقتضي وجوب الحكم إذا كان الأصل المستصحب على خلافه موجودا، والأصل في اليد الطهارة، فليستصحب. ولتعلم أن القائلين باستحباب غسل اليدين قائلون باستحباب ذلك في ابتداء الوضوء مطلقًا، سواء قام من النوم، أم لا؛ لوجهين: أحدهما: أنه صفة (٢) وضوء رسول الله ﷺ ، وهذا كاف. والثاني: أن المعنى المعلل به في الحديث، وهو جولان اليد موجود في كل منتقض الطهارة، فيعم الحكم؛ لعموم عِلَّتِه. السابع: ق: فرق أصحاب الشافعي بين حالة المستيقظ من النوم وغير المستيقظ، فقالوا في المستيقظ من النوم: يكره له (٣) أن يغمس يده في الإناء قبل غسلها ثلاثًا، وفي غير المستيقظ: يستحب له (٤) غسلها

стр. 142

قبل إدخالها في الإناء، قال: ولتعلم الفرق بين قولنا: يستحب فعل كذا، وبين قولنا: يكره تركه؛ فإنه لا تلازم بينهما، فقد يكون الشيء مستحب الفعل، ولا يكون مكروه الترك؛ كصلاة الضحى، وكثير من النوافل، فغسلهما لغير المستيقظ من النوم قبل إدخالهما الإناء من المستحبات، وترك غسلهما للمستيقظ من المكروهات، فقد ورد صيغة النهي عن إدخالهما في الإناء (١) قبل الغسل في حق المستيقظ من النوم، وذلك يقتضي الكراهة على أقل الدرجات (٢). قلت: وظاهر كلام أصحابنا، أو نصه: أنه لا فرق بين المستيقظ وغيره، وإن كانوا يفرقون بين المكروه وترك الأولى، كما قال. الثامن: قوله ﵊: «فإنه (٣) لا يدري أين باتت يده»، فيه استحباب استعمال الكنايات فيما يستحيى من التصريح به، فإنه ﷺ قال: «لا يدري أين باتت يده»، ولم يقل: فلعل يده وقعت على دبره، أو ذكره، أو على نجاسة ونحو ذلك، وإن كان هذا في معنى قوله ﵊، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، والأحاديث الصحيحة. وهذا إذا علم أن (٤) السامع يفهم بالكناية

стр. 143

المقصود، فإن لم يكن كذلك، فلا بد من التصريح؛ لينتفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحا به، والله أعلم. التاسع: قوله ﵊: «فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر». ع: يدل على أنهما مشروعان -كما تقدم-، وهما عندنا سنتان، وقد عدهما بعض شيوخنا سنة واحدة. وقال ابن قتيبة: الاستنشاق والاستنثار سواء، مأخوذ من النَّثْرَة، وهو طرف الأنف. ولم يقل شيئًا، بل الاستنشاق) (١) من التنشق، وهو جذب الماء إلى الأنف بالنفس، والنشوق: الدواء الذي يصب في الأنف، والاستنثار من النثر، وهو الطرح، وهو هنا طرح الماء الذي ينشق، قيل: ليخرج ما تعلق به (٢) من قذر الأنف، وقد فرق بينهما النبي ﷺ بقوله: «فليستنشق بمنخريه من الماء، ثم لينتثر». قلت: قد تقدم أنه يحتمل أن يكون سماه استنشاقًا باعتبار أول الفعل، واستنثارا باعتبار آخره.

стр. 144

ثم قال: وقد احتج بعضهم بأمره (١) ﷺ بهما على وجوبهما على المتوضئ، وذلك عند أكثر العلماء على الندب. وإلى أنهما سنتان في الوضوء والغسل ذهب مالك، والأوزاعي، وربيعة، والشافعي. وذهب الكوفيون إلى وجوبهما في الغسل دون الوضوء. وذهب ابن أبي ليلى وغيره إلى وجوبهما (٢) فيهما. وذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور (٣) إلى وجوب الاستنثار فيهما دون المضمضة؛ بدليل هذا) (٤) الحديث (٥). العاشر: قال الشافعية: يؤخذ من هذا الحديث الفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورود النجاسة على الماء، ووجهه: أنه نهى (٦) عن إدخالهما في الإناء؛ لاحتمال النجاسة، وذلك يقتضي أن ورود النجاسة على الماء (٧) مؤثر فيه، وأمر بغسلهما بإفراغ الماء عليهما للتطهير،

стр. 145

وذلك يقتضي أن ملاقاتهما للماء (١) على هذا الوجه غير مفسد للماء بمجرد الملاقاة، وإلا، لما حصل المقصود من التطهير. الحادي عشر: ق: استنبط من هذا الحديث أنّ الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه؛ فإنه منع من (٢) إدخال اليد فيه؛ لاحتمال النجاسة، وذلك دليل على أنّ يقينها (٣) مؤثر، وإلا، لما اقتضى احتمال النجاسة المنع. وفيه عندي نظر؛ لأنَّ مقتضى (٤) الحديث: أنَّ ورود النجاسة على الماء مؤثر فيه، ومطلق التأثير أعم من التأثير بالتنجيس، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص المعين، فإذا سلم الخصم أن الماء القليل بوقوع النجاسة فيه يكون مكروها، فقد ثبت مطلق التأثير، ولا يلزم ثبوت (٥) خصوص التأثير بالتنجيس (٦). الثاني عشر: الْمَنْخِرُ: ثقب الأنف، وقد تكسر الميم إتباعا لكسرة الخاء، كما قالوا: مِنْتِنٌ، قال الجوهري: وهما نادران؛ لأنَّ مِفْعِلًا ليس من الأبنية.

стр. 146

وَالْمُنْخُورُ لغة في الْمَنْخِرِ، قال الشاعر: مِنْ لَدُ لِحْيَيْهِ (١) إلى مُنْخُورِهِ (٢) قلت: ومثله فيما كسر للإتباع، قولهم: الْمِغِيرَة، وَرِغِيفٌ، بكسر أولهما. وانظر ذكر المنخرين في الحديث ما فائدته؛ فإن الاستنشاق لا يكون إلا بهما؟ وليس لقائل أن يقول: إن ذلك من باب قوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]؛ لأن ذلك جاء لرفع المجاز؛ كما قيل؛ إذ كان يقال: فلان (٣) يطير في حاجتك، ونحو ذلك، وقد استغني عن ذكرهما في الرواية الأخرى، وهو قوله ﵊: «من توضأ فليستنشق»، والله الموفق. * * *

стр. 147

الحديث الخامس ٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : - «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي , ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ (١)» (٢). وَلِمُسْلِمٍ: «لا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» (٣).

стр. 148

* الشرح: * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: هل هذا النهي على التحريم، أو على الكراهة؟ فمالك ﵀ حمله على الكراهة؛ لاعتقاده أنَّ الماء لا ينجس إِلَّا بالتغيير (١)؛ لدليل دله (٢) على ذلك. وحمله غيره على التحريم، وسيأتي الكلام على ذلك (٣) بعد إن شاء الله تعالى. الثاني: الدائم: الراكد الساكن، والدائم -أيضا-: الدائر، قيل: هو من الأضداد، يقال للساكن والدائر: دائم (٤)، ويقال: به (٥) دُوَامٌ -بالضم-؛ أي: دُوار، وهو دوار الرأس.

стр. 149

قال الجوهري: وتدويم الطير: تحليقه، وهو دورانه في تحليقه؛ ليرتفع إلى السماء، وقال بعضهم: تدويم الكلب: إمعانه في الهرب (١). وقوله ﷺ : «الذي لا يجري»، قيل: هو توكيد لمعنى الدائم، وتفسير له. وهذا عندي ضعيف، والذي يليق بالحديث غيره، وهو أن يقال: لا يمتنع أن يطلق على البحار والأنهار الكبار التي (٢) لا ينقطع ماؤها؛ أنها دائمة، بمعنى أنها غير منقطع ماؤها، وقد اتفق على أنها غير مرادة في هذا الحديث، فيكون قوله ﵊: «الذي لا يجري»، مخرجا لها من حيث كان يطلق عليها أنها دائمة (٣) بالمعنى المذكور. و (٤) هذا أولى من حمله على التوكيد الذي الأصل عدمه، ولأنَّ حمل الكلام على فائدة جديدة أولى من التوكيد، لاسيما كلام الشارع، بل أقول: لو لم يأت قوله: «الذي لا يجري»، لكان مجملاً بحكم (٥) الاشتراك بين الدائر والدائم، فلا يصح الحمل على التوكيد، والله أعلم.

стр. 150

وقال بعض الشافعية: يجوز أن يكون تحرزا عن الراكد الذي لا يجري بعضه؛ كالبرك، ونحوها (١). وهذا كأنه راجع لما قلناه، ولكن في العبارة فتور. الثالث: أصل الماء: مَوْهٌ؛ بدليل مُوَيْه وأمواه تصغيرا، أو تكسيرا، فحركت (٢) الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا، فاجتمع (٣) خفيان: الألف والهاء، فقلبت الهاء همزة، والله أعلم (٤). الرابع: الألف واللام في الماء لبيان حقيقة الجنس، ويقال فيها -أيضا-: للمح الحقيقة، كما يقال ذلك في نحو: أكلت الخبز، وشربت الماء، وليست للجنس الشامل؛ إذ لا ينهى الإنسان عن البول في جميع مياه الأرض؛ إذ النهي (٥) إنما يتعلق بالممكن دون المستحيل، ويجوز أن تكون للعهد الذهني، والأول أظهر. فائدة: الألف واللام لها تسعة أقسام: للجنس: نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]. وللعهد: نحو قوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦].

стр. 151

ولبيان حقيقة الجنس، أو لتعريف (١) الحقيقة: نحو ما تقدم من قولنا: أكلت الخبز، وشربت الماء. وللحضور: نحو يا أيها الرجل! وخرجت هذا (٢) الحين، وهذا الوقت، ونحو ذلك. وَلِلَمْحِ الصفة: نحو الحارث، والعباس، على ما هو مبين في كتب النحو. وبمعنى الذي: نحو الضارب، والمضروب، أي: الذي ضَرَبَ، والذي ضُرِبَ. وغالبة (٣): نحو النجم، والعَيُّوق، فإنه غلب على نجم مخصوص، وعَيُوقٍ مخصوص، وكذلك قولنا: قرأت الكتاب العزيز، فإنه غلب على القرآن الكريم، وإن كان الكتاب صالحًا لغيره. وللتزيين: في نحو: الذي، والتي، على الصحيح عند النحاة رحمهم الله تعالى، لا للتعريف، وهي كذلك عند بعض الأصوليين في قولهم: دلَّ الدليل على كذا. وزائدة: كقولهم: ادخلوا الأول فالأول، وجاؤوا الجماء الغفير، ومن ذلك قول الشاعر: [الرجز]

стр. 152

بَاعَدَ أُمَّ الْعَمْرِ وَمِنْ أَسِيرِهَا ... حُرَّاسُ أَبْوَابٍ عَلَى قُصُورِهَا (١) فأدخل الألف واللام على الاسم العلم زيادة (٢). الخامس: قال القرطبي في «المفهم»: الرواية الصحيحة «يغتسلُ» برفع اللام، ولا يجوز نصبها؛ إذ لا ينصب بإضمار أن بعد (٣) ثم، وبعض الناس قيده (ثم يغتسل) مجزوم اللام على العطف على (٤) (يبولن)، وهذا ليس بشيء، إذ لو أراد ذلك، لقال: ثم لا يغتسلن؛ لأنه إذ ذاك عطفُ فعل على فعل، لا عطف جملة على جملة، وحينئذ يكون الأصل مساواة الفعلين في النهي عنهما، وتأكيدهما بالنون الشديدة؛ فإن المحل الذي تواردا عليه هو شيء واحد، وهو الماء، فعدوله (٥) عن «ثم لا يغتسلن» دليل على أنه لم يرد العطف، وإنما جاء (ثم يغتسل) على التنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنه إذا بال فيه، قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله؛ لما أوقع فيه من البول، وهذا مثل قوله ﷺ : «لا يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة، ثم يضاجعُها» (٦)،

стр. 153

برفع يضاجعها، ولم يروِه أحد بالجزم، ولا تخيله فيه؛ لأن المفهوم منه: أنه إنما نهاه عن ضربها؛ لأنه يحتاج إلى مضاجعتها في ثاني حال، فيمتنع عليه بما أساء من معاشرتها، ويتعذر عليه المقصود لأجل الضرب، وتقدير اللفظ: ثم هو يضاجعها، وثم هو يغتسل، انتهى كلامه (١). ح: الرواية: (يغتسل) مرفوع، أي: لا تبل، ثم أنت تغتسل منه. قال: وذكر شيخنا أبو عبد الله (٢) بن مالك: أنه يجوز أيضا جزمه عطفًا على (يبولن)، ونصبه بإضمار أن؛ بإعطاء (ثم) حكم واو الجمع، فأما الجزم فظاهر، وأما النصب فلا يجوز؛ لأنه يقتضي أن (٣) المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل البول منهي عنه، سواء (٤) أراد الاغتسال فيه، أو منه (٥)، أو لا (٦)، انتهى كلامه.

стр. 154

فقد رأيت موافقته في جواز الجزم لابن مالك، وهو ضعيف، كما قاله القرطبي آنفًا. ق (١): وهذا التعليل الذي عّلل به يحيى -يعني (٢) النواوي- امتناع النصب ضعيف؛ لأنه ليس فيه أكثر من كون هذا الحديث لا يتناول النهي عن البول في الماء الراكد بمفرده، وليس يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة بلفظ واحد، فيؤخذ النهي عن الجمع من هذا الحديث (٣)، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر، والله أعلم (٤). قلت: ووقع لي أن مثل هذا الحديث على القول بجواز النصب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]، على أحد الوجهين، وهو النصب لا الجزم؛ فإن النهي في الآية أيضا عن شيئين: أحدهما: لبس الحق بالباطل، وهو زيادتهم في التوراة ما ليس منها. والثاني: كتمان الحق، وهو جحدهم ما فيها من نعوته ﵊، وغير ذلك، حتى إنه يقال في الآية أيضا على

стр. 155

وجه النصب -إنه يؤخذ منها النهي عن الجمع، ويؤخذ النهي عن الإفراد من دليل آخر، كما قاله ق في الحديث المذكور، ثم إني بعد ذلك وجدت الآية المذكورة منصوصا عليها في «شرح المفصل» لابن يعيش ﵀. قال: وجرت هذه المسألة يوما في مجلس قاضي القضاة بحلب، فقال أبو الحزم الموصلي: لا يجوز النصب في الآية؛ لأنه لو كان منصوبا، لكان من قبيل: لا تأكلِ السمك وتشربَ اللبن، وكان مثله في الحكم، فيجوز (١) تناول كل واحد منهما، كما يجوز ذلك في (٢) لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فقلت: يجوز أن يكون منصوبا، ويكون النهي عن الجمع بينهما، ويكون كل واحد منهما منهيا (٣) عنه بدليل آخر، ونحن إنما قلنا في قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، إنه يجوز تناول كل واحد منهما منفردا؛ لأنه لا دليل إلا هذا (٤)، ولو قدرنا دليلاً آخر للنهي عن كل واحد منهما منفردا، لكان كالآية، فانقطع الكلام عند ذلك، انتهى كلامه. فالحمد لله الذي أرشدنا لما أرشد إليه من قبلنا. فإذا ثبت جواز النصب في الآية المذكورة، ثبت جوازه في الحديث

стр. 156

المذكور على ما تقرر؛ إلا أن الرفع فيه هو (١) الأصل، كما أن الجزم في الآية هو الأصل، وبالله التوفيق. فائدة أصولية: النهي المتعلق بشيئين؛ تارة يكون نهيا عن الجمع (٢) بينهما (٣)، وتارة يكون على (٤) الجمع بينهما. أما النهي عن الجمع (٥) بينهما (٦)، فيقتضي المنع من كل واحد منهما. وأما النهي على (٧) الجمع بينهما، فمعناه: النهي عن فعلهما معا بقيد الجمعية، ولا يلزم منه المنع من أحدهما إلا (٨) مع الجمعية، فيمكن أن يفعل أحدهما من غير أن يفعل الآخر، والنهي عن الجمع مشروط بإمكان الانفكاك بين الشيئين، والنهي على (٩) الجمع مشروط بإمكان الخلو عن الشيئين، والنهي على الجمع (١٠) منشؤه أن يكون في

стр. 157

كل واحد منهما مفسدة تستقل بالمنع، والنهي عن الجمع حين تكون المفسدة ناشئة عن اجتماعهما، وهذا الحديث من باب النهي عن الجمع؛ أي: لا يجمع بين البول في الماء الراكد، والاغتسال منه، وقد جاءت فيه رواية تقتضي النهي على (١) الجمع، وهي رواية محمد بن عجلان، وهي: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه»، والله أعلم (٢). * السادس: وفيه مسائل: الأولى: الماء إما جارٍ، أو راكد، فالراكد إذا خلط بنجاسة، ولم تغيره، فإن كان مستبحرا جدا، لم تؤثر (٣)، وإن كان دون ذلك ففيه مذاهب: أحدها: قال مالك: لا ينجس إلا بالتغيير، قليلاً كان أو كثيرا، ونقل ذلك عن بعض الصحابة، وهو مذهب الأوزاعي، وداود، وقول (٤) لأحمد بن حنبل، نصره بعض المتأخرين من أتباعه، ورجحه الروياني (٥)، من أتباع الشافعي.

стр. 158

وأما أبو حنيفة ومن تابعه، فإن الطحاوي قال في «مختصره»: وإذا وقعت نجاسةٌ في ماء ظهر لونها أو طعمها، أو ريحُها، أو لم يظهر ذلك فيه، فقد نجّسه، قليلاً كان (١) أو كثيرا؛ إلا أن يكون جاريا، أو حكمه حكم الجاري؛ كالغدير الذي لا يتحرك أحد أطرافه بتحرك (٢) سواه من أطرافه (٣). وأما الشافعي ﵀، فاعتبر القلتين، وقال: إنه ينجس ما دونهما بوقوع النجاسة وإن لم يتغير (٤)، وهي رواية عن أحمد، ورجحها جماعة من أتباعه في غير بول الآدمي، وعذرتِهِ المائعة، فأما هما فينجسان الماء، وإن كان قلتين فأكثر على المشهور، ما لم يكثر إلى حيث لا يمكن نزحه (٥)؛ كالمصانع التي بطريق مكة. وأما الجاري: فهو عندنا كالكثير إذا كان المجموع كثيرا. هذا على الجملة، ولا حاجة بنا هنا (٦) إلى التفصيل والتفريع؛ إذ ذلك مبسوط في كتب الفقه، والقصد (٧) هنا ما يتعلق بألفاظ الحديث.

стр. 159

* الثانية: عموم هذا الحديث لا بد من تخصيصه بالاتفاق، فإن المستبحِرَ لا يثبت فيه هذا الحكم -كما تقدم-، ولا تؤثر فيه النجاسة. واتفق على منع استعمال المغير (١) بالنجاسة، فمالك ﵀ وإن حمل (٢) النهي على الكراهة؛ لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغير (٣) -كما سبق-، فلا بد أن تخرج صورة التغير (٤) بالنجاسة؛ فإن الحكم ثم التحريم، والحنفي خصصه بما حكيناه آنفًا، وكذلك أحمد بن حنبل رحمهما الله، فقد اتفق الكل على التخصيص، فاعرفه. * الثالثة: ارتكب الظاهرية ها (٥) هنا مذهبا شنيعا، واخترعوا في الدين أمرا بديعا، فوَّق سهام الملامة إليهم، وأوجب عظيم الإزراء عليهم، حتى أخرجهم بعض الناس من (٦) أهلية الاجتهاد، بل من العلم مطلقًا، واعتبار الخلاف في الإجماع، منهم: ابن حزم القائل: إن كل ماء راكد، قلّ أو كثر، نحو (٧) من البرك العظام وغيرها، بال فيه إنسان (٨)،

стр. 160

لا يحل لذلك البائل خاصة الوضوء منه، ولا الغُسل، وإن لم يجد غيره، وفرضه (١) التيمم، وجائز لغيره الوضوء منه والغُسل، وهو طاهر مطهر لغير الذي بال فيه، قال: ولو تغوط فيه، أو بال خارجا منه، فسال البول إلى الماء الدائم، أو بال في إناء (٢) وصبه في ذلك الماء، ولم تتغير له صفة، فالوضوء منه والغُسل جائز لذلك المتغوط فيه، والذي سال بوله فيه، ولغيره (٣). فيا له مذهبا ما أشنعه، ومعتقدا ما أبشعه! وممن شنع على ابن حزم في ذلك، الحافظ أبو بكر بن مفوز، فقال (٤) بعد حكاية كلامه: فتأمل -أكرمك الله- ما جمع هذا القول من السخف، وحوى من الشناعة! ثم يزعم أنه الدين الذي شرعه الله تعالى، وبعث به رسوله ﷺ . واعلم -أكرمك الله- أن هذا الأصل الذميم مربوط إلى ما أقول، ومخصوص على ما أمثل: أن البائل في (٥) الماء الكثير -ولو نقطة، أو جزءًا من نقطة-، فحرام عليه الوضوء منه، وإن تغوط فيه حِملًا، أو

стр. 161

جمع بوله في إناء شهرا، ثم صبه فيه، فلم يغير له (١) صفة، جاز له الوضوء منه، فأجاز له الوضوء منه بعد حمل غائط أنزله به (٢)، أو صب من بول صبه فيه، وحرمه عليه لنقطة من بول بالها فيه، جَلَّ الله تعالى عن قوله، وكرم دينه عن إفكه. السابع: النهي عن الاغتسال لا يخص الغسلَ، بل الوضوءَ كذلك. كما ورد مصرحا به في الرواية الأخرى المتقدم ذكرها، وهو قوله: «ثم يتوضأ منه»، ولو لم ترد، لكان ذلك معلوما؛ إذ لا فرق بين الوضوء والغسل في المعنى؛ لما تقدم من أن المقصود: إنما هو التنزه عن النجاسات والمستقذرات مطلقًا، كان ذلك في وضوء، أو غسل. الثامن: أما الرواية الثانية، وهي قوله ﵊: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، فقد استدل به بعض الشافعية على مسألة الماء المستعمل، وأن الاغتسال في الماء يفسده؛ لأن النهي هاهنا وارد على مجرد الغسل، فدل على وقوع المفسدة بمجرده، وهي خروجه عن كونه أهلاً للتطهير (٣)، إما لنجاسته، أو لعدم طهوريته، وإن كان للشافعي قولان، لكن أشهرهما: أنه غير طهور، وهذا بناء منهم على أن النهي على التحريم.

стр. 162

وأما مالك رحمه الله تعالى، فقد تقدم أنه يحمله على الكراهة دون التحريم -كما تقرر-، وإذا ثبت أن النهي على الكراهة، أو احتمل ذلك، سقط الاستدلال على عدم طهورية الماء المستعمل بهذا الحديث. هذا، وقد روى أبو داود: أنه ﵊ مسح رأسه من فضل ماء كان في يده (١)، وقد قال في بئر بُضاعة: خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء» (٢)، ومن جهة المعنى: أن هذا الماء لم يلاقِ إلا جسما طاهرا، ولم يخرج عن اسم الماء، وكونه أديت به عبادة لا تأثير له كما لو صلى بالثوب الواحد مرارا، وكالمد من الطعام يكفر به مرارا. فإن قلت: لم كُره عند وجود غيره، عند مالك ﵀؟ قلت: اختلف في علة ذلك، فقيل: لاختلاف العلماء فيه، فغيره مما لا خلاف فيه أولى، وقيل: لشبهه بالماء المضاف؛ وإن كانت الإضافة لم تغيره، إذ الأعضاء -في الأغلب- (٣) لا تخلو عن الأعراق

стр. 163

والأوساخ، لا سيما أعضاء الوضوء؛ لأنها بارزة للغبرات والقترات -غالبا-، فتخالط الماء. هذا هو المشهور من مذهب مالك رحمه الله تعالى؛ أعني: طهورية الماء المستعمل، لكن كره لما ذكرناه. وقال أصبغ: إنه (١) غير طهور. وقيل: مشكوك فيه، فيتوضأ به، ويتيمم. وأما أبو حنيفة ﵀، فقال في إحدى الروايات عنه: إنه نجس نجاسة صريحة، إلا أنه يقول على هذه الرواية: إن ما يترشش منه على الثوب، وما يعلق بالمنديل عند التنشيف (٢) من بلله طاهر، وإنما يحكم بنجاسته عند استقراره متصلاً إلى الأرض، أو إلى الإناء. وعنه رواية ثانية: أنه طاهر غير مطهر. وقال أحمد بن حنبل ﵀: هو طاهر غير مطهر. وروي عنه أيضا: أنه مطهر كما يقول مالك. التاسع: مادة الجنابة، البعد؛ هذا أصلها في اللغة، قال الشاعر: [الطويل] يَنَالُ يَدَاكَ الْمُعْتَفِي عَنْ جَنَابَةٍ ... وَلِلْجَارِ حَظٌّ مِنْ نَدَاكَ سَمِينُ (٣)

стр. 164

أي: يناله عن بعد. والجُنُبُ من الرجال: البعيد الغريب، قال الله : ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]. وقال الشاعر: [المنسرح] مَا ضَرَّهُ لَوْ غَدَا (١) لِحَاجَتِنَا ... غَادٍ كَرِيمٍ أَوْ رَائِدٌ جُنُبُ (٢) أي: بعيد، وقد حمل عليه قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١]، فقيل: أي (٣): عن بعد، ويثنى هذا، ويجمع، فيقال (٤): جُنُبَان، وهم جُنُبُون، وأجناب. قالت (٥) الخنساء: [البسيط] فَابْكِي أَخَاكِ لِأَيْتَامٍ وَأَرْمَلَةٍ ... وَابْكِي أَخَاكِ إِذَا جَاوَرْتِ أَجْنَابَا (٦) أي: أقواما بُعَدَاء. وقيل: معنى تَجَنَّبَ الرجل الشيء: جعله جانبا، وتركه، فقيل: من هذا يقال: رجل جُنُبٌ؛ أي: أصابته الجنابة، كأنه في جانب عن الطهارة.

стр. 165

ولتعلم أن الجنابة في عرف حملة الشرع تطلق (١) على إنزال الماء، والتقاء الختانين، أو ما يترتب على ذلك. قال أبو القاسم الراغب في «المفردات»: وقوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: أصابتكم الجنابة، وذلك بإنزال الماء، أو بالتقاء الختانين. ثم قال: وسميت الجنابة بذلك؛ لكونها سببا لتجنب الصلاة في حكم الشرع، والله أعلم (٢)، هكذا نقله ق في «شرح الإلمام» (٣). * * *

стр. 166

الحديث السادس ٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعاً» (١). وَلِمُسْلِمٍ: «أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (٢). وَلَهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا وَلَغَ

стр. 167

الْكَلْبُ فِي الإِناءِ (١)، فَاغْسِلُوهُ سَبْعاً، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» (٢). * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: يقال: شرب الكلب، وولغ، والظاهر تغايرهما؛ أعني: الشرب (٣)؛ والولوغ. قال ابن هشام: ولغ الكلب في الإناء: أدخل لسانه فيه، وَلَحَسَهُ،

стр. 168

شرب أو لم يشرب، كان فيه ماء أو لم يكن. قال: وقيل لا يكون الولوغ إلا في الشيء المائع وشبهه. قال أبو عمر المطرز: ولغ الكلب: إذا حرك لسانه في كل مائع بتصويت في الماء وغيره، ولا يكون الولوغ إلا باللسان وحده. قال: وحكى المطرز وَلَغَ، على وزن فَعِلَ، بكسر اللام (١). الثاني: مذهبنا: أن الإناء يغسل سبعا، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يعتبر العدد، بل يغسل حتى يغلب على الظن نقاؤه من النجاسة كسائر النجاسات، وهذا مناقض لظاهر الحديث، بل ظاهر الأحاديث الصحيحة (٢) الدالة صريحا على وجوب اعتبار (٣) العدد، احتج بأمرين: أحدهما: ما روى عبد الوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل بن عياش، عن عروة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال في الكلب يلغ في الإناء: «يغسله ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا» (٤)، فدل على أنه لا يعتبر عدد؛ كقوله في الميتة: «اغسلنها ثلاثا،

стр. 169

أو خمسا، أو أكثر من ذلك» (١). والثاني: القياس على سائر النجاسات. وأجيب عن الأول: بأن عبد الوهاب راوي الحديث ضعيف، وقد رواه (٢) غيره عن إسماعيل بن عياش، وقال: سبعا، ولو تنزلنا على صحته، ففيه لفظة: «أو»، وهي محتملة للشك والتخيير، ولعلها للشك من الراوي (٣)، فيجب التوقف عن العمل به، ويجب العمل بما لا شك فيه، وهو هذا الحديث وغيره من الصحيح. وأما القياس على سائر النجاسات، فضعيف (٤) من وجوه: أحدها: أنه قياس شبه، وفي قبول قياس (٥) الشبه خلاف بين الأصوليين، ثم إذا تنزلنا على (٦) قبوله، وهو هاهنا في مقابلة نص (٧) خبر الواحد، والصحيح عند أهل الأصول تقديم نص خبر الواحد على القياس المظنون، وإن كان جليا، وادعى الإمام أبو المعالي في ذلك

стр. 170

إجماع الصحابة، قال بعض المتأخرين من أصحابنا: ونحن، وإن لم يصح عندنا الإجماع؛ لكون الإمام إنما ذكره تقديرا لا تحقيقًا، فقال: لو عرض ذلك على الصحابة، لابتدروا العمل بالخبر، فإذا رجعنا إلى النظر في الترجيح بين الأمارتين، فلا شك أن ظن الخبر أرجح من ظن القياس؛ إذ ليس في الخبر إلا احتمال كذب الراوي عمدا أو سهوا، وهو بعيد جدا. وفي القياس سبعة أوجه من الاحتمال، كل واحد منها يضعف الظن: أحدها: احتمال أن يكون الأصل غير معلل. الثاني: أن تكون علته غير ما جمع به الجامع. الثالث: أن يكون ما جمع به غير مستقل، وإن كان معتبرا. الرابع: احتمال أن لا يكون موجودا في الأصل. الخامس: احتمال أن لا يكون موجودا في الفرع. السادس: احتمال أن يكون ثم وجه في الفرق أوقع من الجمع. السابع: أن يعارضه في الأصل والفرع ما هو أرجح، والله أعلم. الثالث: هل غسل الإناء تعبد، أو معلل؟ قولان لأصحابنا. واختلف في التعليل، فقيل: النجاسة، وهو قول عبد الملك، وسحنون، وبه قال الشافعي.

стр. 171

وقيل: بل العلة استقذاره؛ لكثرة ملابسته للنجاسة، ولأن في اتخاذه مخالفة دأب أهل (١) المروءات، ولما فيه من الترويع للمسلمين (٢)، فغلظ في اتخاذه بوجوب غسل الإناء من ولوغه سبعا. فإذا قلنا: علته النجاسة، لم يجب الغسل إلا على من أراد استعمال ذلك الإناء (٣)؛ كالوضوء للنافلة. وإن قلنا: علته غير النجاسة، أو هو تعبد، فهل الغسل واجب أو مستحب؟ لأصحابنا قولان منشؤهما الاختلاف (٤) في مسألة أصولية، وهي أن صيغة الأمر المطلقة هل تحمل على الوجوب، أو على (٥) الندب؟ الرابع: هل يلحق الخنزير بالكلب، أو لا؟ في ذلك قولان منشؤهما: هل الغسل تعبد؟ فلا يقاس (٦) على الكلب غيره، أو معّلل بالإبعاد أو التنجيس (٧)؟ فالخنزير بذلك أولى. والمشهور: أنه تعبد، فلا يقاس الخنزير عليه، وكذلك إن كانت

стр. 172

العلة بهذا ما كانوا يتخذونه؛ لما فيه من المنافع التي ليست في الخنزير، فشدد عليهم فيه، فلا يقاس على الخنزير؛ لعدم العلة. وروى مطرف عن مالك: أن الخنزير كالكلب، يغسل الإناء من ولوغه (١) سبعا بناءً على (٢) التعليل بكثرة ملابسته للنجاسة، والخنزير أكثر ملابسة لها، ولأنها طعامه، وقد (٣) ورد النهي عن أكله، وحرم اتخاذه، فكان أولى بذلك من الكلب. والأول أشهر وأظهر. الخامس: هل يختص وجوب غسل الإناء بالكلب المنهي عن اتخاذه، أو هو عام في كل الكلاب؟ فيه قولان لمالك ﵀ منشؤهما: التعبد، أو التعليل: فعلى التعبد: يبقى اللفظ على عمومه في كل الكلاب، وهو المشهور. وعلى التعليل بالإبعاد: يخرج منه المأذون في اتخاذه، وهو قول أحمد بن المعذل (٤)، وفي ذلك نظر أصولي؛ فإن هذا يؤدي إلى

стр. 173

تخصيص العموم بالمعنى المستنبط من محل النص، وفيه خلاف بين الأصوليين؛ الأكثرون على المنع منه؛ لأن الاستنباط إنما شرع لتوسيع مجال الأحكام، وهذا الاستنباط يؤدي إلى تضييقها، وإخراج بعض ما تناوله (١) اللفظ. وقيل: لا يمتنع ذلك إذا صح الاستنباط بشروطه؛ لغلبة الظن في أن ذلك مراد الشارع بلفظه (٢). ولكن هذا الخلاف إنما هو في المعنى الخفي الذي يحتاج في استنباطه إلى فكر ونظر، وأما المعنى الجلي الذي يفهم عند ورود اللفظ من غير حاجة إلى فكر، فلا إشكال في تنزيل اللفظ عليه؛ كقوله ﵊: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (٣)، فإن

стр. 174

فُهم بأن (١) العلة الدهش والحيرة، وعدم التهدي لفصل الخصومات، فيقتضي ذلك خروج الغضب اليسير الذي لا دهش معه، وإن كان ذلك غير (٢) مقتضى اللفظ، فيجوز أن يقضي القاضي مع وجود ذلك الغضب اليسير، وقد يدعي من يخصص هذا الخبر بالكلب المأذون في اتخاذه المعنى، ومساوقة فهمه لورود اللفظ، والأول أظهر، وهو ظاهر «المدونة»، والله أعلم. السادس: هل يغسل من ولوغ الكلب كل إناء، أو إناء الماء خاصة؟ والذي في «المدونة»، وهو المشهور: أن يغسل إناء الماء دون الطعام، ولذلك قال مالك: إن كان يغسل سبعا للحديث، ففي الماء وحده. قال صاحب «البيان والتقريب»: ووجهه أمران: أحدهما: ما قدمناه من تقييد المطلق بالعرف الغالب، والعرف أن الطعام محفوظ عن الكلاب، مصون عنها؛ لعزته عند العرب، فلا تكاد الكلاب تصل إلا إلى آنية الماء، فيقيد (٣) اللفظ بذلك.

стр. 175

الأمر الثاني: أن في الحديث: «فليرقه، وليغسله سبع مرات»، والطعام لا تجوز إراقته؛ لحرمته، ولنهيه ﵊ عن إضاعة المال. قال في «المدونة»: ورآه عظيما أن يعمد إلى رزق من رزق الله، فيراق؛ لكلب ولغ فيه (١). وروى عنه ابن وهب: أنه يؤكل الطعام، ويغسل الإناء (٢). ورجح القاضي عبد الوهاب، واللخمي: أن يغسل إناء الماء والطعام؛ لعموم الحديث. والقول الأول أظهر عندنا؛ لأن قوله: «فليرقه» يقتضي تقييد النهي بإناء الماء. فإن قيل: فقد ورد في بعض طرق الخبر الأمر بالغسل مطلقًا؟ قلنا: القاعدة الأصولية: أنه إذا ورد مطلق ومقيد في واقعة واحدة، قيد المطلق، وترك حكم المقيد، بلا خلاف. قلت: قوله: بلا خلاف، ليس كذلك، بل الخلاف منقول شائع في كتب الأصول، نقله القاضي عبد الوهاب وغيره، وقد بينت ذلك في «شرح التنقيح»، أعان الله على إكماله (٣).

стр. 176

السابع: هل يجب أن يراق ما في الإناء؟ فقيل: يجب أن يراق الماء والطعام، وهو مبني على التعليل بالنجاسة. وقيل: لا يراقان، وهو مبني على التعبد. وقيل: يراق الماء دون الطعام؛ ليسارة أمر الماء، وحرمة الطعام وماليته. وقال عبد الملك في «ثمانية أبي زيد» (١): إن شرب من لبن، وكان بدويا، أكل، وإن كان حضريا، طُرح، بخلاف الماء، فإنه يطرحه الحضري والبدوي، قال: فإن عجن به طعام، طُرح؛ لأنه نجس. قال اللخمي: يريد عبد الملك: أنه أذن للبدوي في اتخاذه، ولم يؤذن (٢) للحضري. واستشكل بعض المتأخرين قول عبد الملك؛ إذ (٣) كان الكلب عنده نجسا، قال: فكيف يبيح للبدوي أكل لبن فيه نجاسة؟ إلا أن يكون راعى الخلاف في البدوي في الطعام؛ لماليته، والضرورة إليه.

стр. 177

وقال مطرف: البدوي والحضري سواء، إن كان الطعام كثيرا، أكل، وإن كان قليلاً، طُرح؛ إذ لا ضرورة في القليل بخلاف الكثير. والصواب: أن الطعام لا يطرحه بدوي ولا حضري، قليلاً كان أو كثيرا؛ لأن كونه طعاما مظنة الحاجة إليه، والمالية، ولا (١) ينظر إلى آحاد الصور، انتهى. الثامن: هل يغسل الإناء بالماء الذي ولغ فيه الكلب (٢)؟ قال القزويني من علمائنا: لا أعلم لأصحابنا فيه نصا. وحكى ابن بشير عن أشياخه (٣): أن في المذهب في ذلك قولين منشؤهما (٤): التعليل بالنجاسة، فلا يغسل به، أو التعبد، فيغسل به. التاسع: إذا تعدد الولوغ من كلب واحد، أو من كلاب، فهل يغسل للجميع سبعا، أو يتكرر بتكرار (٥) الولوغ؟ في المذهب قولان منشأهما: هل الألف واللام في (الكلب) (٦) جنسية، أو عهدية؛ أي: الإشارة إلى الكلب الواحد؟

стр. 178

والمشهور: الأول، ويعتضد (١) بأن الأسباب إذا اتحد موجبها تداخلت، وكانت كالسبب الواحد. العاشر: هل الأمر بالغسل على الفور، أو عند إرادة الاستعمال للإناء؟ قال الإمام أبو عبد الله المازري (٢): إنما ذلك عند إرادة الاستعمال، هذا هو مذهب الجمهور. وذهب بعض المتأخرين: إلى غسله، وإن لم يرد استعماله. قال بعض المتأخرين: وهذا القول أقرب إلى القول بأن الأمر بغسله تعبد (٣) إذا قلنا: إنه يغسله على الفور، إذا بنينا على أن صيغة الأمر المطلقة تقتضي الفور، وإن قلنا: لا تقتضيه، فينبغي أن يقول هذا القائل: يجب غسله من غير تقييد، بل متى غسله، فقد امتثل، والله أعلم. الحادي عشر: لم يثبت عند مالك ﵀ رواية زيادة التراب، فلم يقل بها، وإن كانت في رواية ابن سيرين، وقال بها الشافعي ﵀، وأصحاب الحديث (٤).

стр. 179

الثاني عشر: اختلفت الروايات (١) في غسلة التتريب. فجاء: «إحداهن» (٢)، و «أخراهن» (٣)، و «أولاهن» (٤)؛ والمقصود عند الشافعي وأصحابه: حصول التتريب في مرة من المرات، ورجح بعض متأخريهم الأولى. الثالث عشر: الرواية التي فيها: «وعفروه الثامنة» تقتضي زيادة مرة ثامنة (٥) ظاهرا، وبه قال الحسن البصري، قيل: ولم يقل به غيره. ق: ولعله يريد بذلك: من المتقدمين، والحديث قوي فيه، قال: ومن لم يقل به، احتاج إلى تأويله بوجه فيه (٦) استكراه (٧). قلت: ولم أدر الاستكراه الذي أراده، ولعله أراد: قول من نزل استعمال التراب في غسلة من الغسلات بمنزلة (٨) غسلة أخرى (٩).

стр. 180

الرابع عشر: قوله (١): «بالتراب» تقتضي تخصيصه به، وعند الشافعية خلاف هل يقوم مقامه ما (٢) في معناه من صابون وأشنان، أو الغسلة الثامنة، أو لا بد من التراب نفسه؟ ورجح بعض متأخريهم التراب ولا بد؛ لوجود النص فيه، ولأنه أحد المطهرين (٣). * * *
следующие страницы →