رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام
تأليف
الإمام تاج الدين الفاكهاني
أبي حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري المالكي
المولود بالإسكندرية سنة ٦٥٤ هـ المتوفى بها سنة ٧٣١ هـ - رحمه الله تعالى -
يطبع لأول مرة كاملا محققا على ثلاث نسخ خطية
[المجلد الأول]
تحقيق ودراسة
نور الدين طالب
بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين
стр. 72
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 73
رِيَاضُ الأَفْهَامِ فِي شَرح عُمْدَةِ الأَحْكَامِ
стр. 74
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
ردمك: ٧ - ١٣ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN
دَار النَّوَادِر
لصَاحِبهَا ومديرها الْعَام
نور الدّين طَالِب
سوريا - دمِشق ص. ب: ٣٤٣٠٦
لبنان - بِيروت ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤
هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ (٠٠٩٦٣١١)
فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
www.daralnawader.com
стр. 75
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر وأعن يا كريم (١)
الحمد لله المتوحد بالكبرياء والكمال، المنفرد بالعزة والجلال، المتنزه (٢) في ديمومية جلاله عن مناسبة الأشباه، ومشاكلة (٣) الأمثال، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو الله (٤) الكبير المتعال، أحمده عدد آياته [حمدا] مستمر النوال، وأشكره وشكري له من جملة الإنعام والإفضال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، شهادة لا امتراء فيها ولا اعتلال (٥)، وأصلي على أكرم رسله محمد الهادي من الكفر والضلال، وعلى آله وصحبه خير صحب وآل، أرسله وطرقُ الإيمان قد دثرت معالمها، وتغيرت مراسمها، ووهت أركانها، وخفي بيانها، ودجت أنوارها، وجهلت آثارها، وسدت مسالكها، وعمي
стр. 76
سالكها، فشيد ﷺ من معالمه ما دثر، وميز من مراسمه ما قد أبهم واستتر، وأعلى من أركانه ما وهى، وأظهر من بيانه ما اختفى، وأوضح من أنواره ما دجا، وفتح ما سد من مسالكه واعتفى، وأنهج السبيل لسالكيه بعدما عفا، وأنقذ بكلمة التوحيد من كان من النار على شفا، - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل والوفا.
أما بعد:
فإنه لما عزم جماعة من الطلبة النبهاء، و (١) الحذاق الفضلاء، على قراءة كتاب «عمدة الأحكام في أحاديثه ﵊»، للشيخ الإمام الحافظ تقي الدين عبد الغني (٢) ﵀ علي قراءة دراية، لا مجرد رواية، أردت أن أجمع في هذا التعليق ما يمضي في أثناء ذلك (٣) من المباحث المحققة، والفوائد المنقحة، مع شرح غريبه، والتنبيه على نكت من إعرابه، والبيان لأحكامه، والاستدلال بأحاديثه، والإيضاح لمشكلاته، والتعريف برواته بحسب الإمكان، مضيفا إلى ذلك ما نقله أئمة هذا الشأن إلى ما تفضل به المولى من الإلهام (٤)، خشية استيلاء يد النسيان، واندراج ذلك في خبر كان، وسميته ب:
стр. 77
رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام ليكون لفظه وفق معناه، ومترجما عن فحواه.
وحيث تجد في هذا الكتاب: (ع) هكذا، فهو للقاضي عياض.
أو (ح) هكذا، فهو للشيخ محيي الدين النواوي.
أو (ق) هكذا، فهو للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ﵏.
ومن عدا ذلك ممن نقلت عنه، أعينه، وإلى الله أرغب في أن يجعل ذلك خالصا لوجهه الكريم، وموصلا إلى النظر إليه في جنات النعيم، وأن ينفع به قارئه، وكاتبه، وسامعه، والناظر فيه، وجميع المسلمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فسبيلك أيها الناظر المنصف في هذا المصنف (١) أن تنظره بعين الرضا، ولا تَرْمُقُهُ معرضا إن رمت له إنصافا، ولا توله منك إجحافا، فإن عثرت فيه على خلل، فالعذر أني لست معصوما من الزلل، وما من قائل إلا وعليه قائل، والله المستعان، وعليه التكلان.
* الشرح:
مادة (كتب) (١) مع هذا التبويب دالة على الجمع والضم، ومنه الكتيبة، والكتابة، والكتب، واستعملوا ذلك فيما (٢) يجمع أشياء من الأبواب والفصول والمسائل؛ لحصول معنى الجمع والضم فيه، ثم قد يحتمل أن يكون حقيقة إذا جنحت (٣) بالضم إلى المكتوب من الحروف بالنسبة (٤) إلى محلها، ويحتمل أن يكون مجازا بالنسبة إلى المعنى المدلول عليه بالألفاظ المذكورة، فإن الجمع والضم حقيقة في الأجسام (٥).
والطهارة: فعالة من الطُّهر، وهي على قسمين: لغوية، وشرعية.
стр. 81
فاللغوي: النزاهة والخلوص من الأدناس، قال الله (١) -تعالى-: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]؛ أي: مخلصك من أدناسهم، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وليس على المجاز، والتشبيه بالتطهير (٢) بالماء لتأكيد الفعل بالمصدر، وهو في الأغلب يمنع المجاز.
وأما الشرعية: فرفع الحدث، وإزالة الخبث، أو ما (٣) في معناهما؛ من تجديد الوضوء، وإزالة النجاسة (٤)، والتيمم، وغير ذلك مما لا يرفع حدثا، ولا يزيل خبثا، ولكنه في معناه.
وأما الطُّهارة -بضم الطاء-، فقيل: هي بقية الماء المتطهر به (٥).
* التعريف:
عمر ﵁: هو الفاروق، وكنية أبو حفص بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح -بكسر الراء المهملة بعدها المثناة تحت- ابن عبد الله بن قرطِ بن رزاح -بفتح الراء المهملة-، بعدها زاي معجمة ابن عدي بن كعب القرشي العدوي؛ يجتمع (٦) مع رسول الله ﷺ
стр. 82
في كعب بن لؤي.
وأمه: حنتمة -بحاء مهملة بعدها نون، بعدها المثناة فوق- بنت هاشم بن المغيرة، أخي هشام بن المغيرة، والد أبي جهل بن هشام، والحارث بن هشام، وهاشم جد عمر لأمه -على الأصح-، يقال له: ذو الرمحين.
أوصى له أبو بكر ﵁ بالخلافة، فتولاها يوم مات أبو بكر ﵁، وهو يوم الثلاثاء، لثلاث بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة.
أسم قديما، وهاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول الله ﷺ المدينة، وشهد المشاهد كلها، ومناقبه أشهر من أن تذكر، ومآثره أكثر من أن تحصر.
ولي الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر، وقيل: ستة أشهر، وقتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، وقيل: لثلاث بقين منه (١) سنة ثلاث وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، سِنَّ رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ على الصحيح من ذلك.
ودفن مع النبي ﷺ ، ومع أبي بكر ﵁ في بيت عائشة، وصلى عليه صهيب بن سنان الرومي.
مات شهيدا، قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، طعنه وهو
стр. 83
يصلي بالناس صلاة الصبح، فأقام ثلاثة أيام ومات، وقيل: سبعة أيام.
قال عمرو (١) بن علي: «مات يوم السبت غرة المحرم، سنة أربع وعشرين» (٢).
* وقد روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد خلق كثير، ينيِّف عن المئتين بكثير (٣).
وقد روي من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، ومعاوية؛ قالوا: «ولا يصح مسندا إلا من (٤) أربعة حديث عمر بن الخطاب ﵁.
وقد اتفق على صحته مع أنه غريب، إذ لم يصح إلا من رواية
стр. 84
عمر ﵁، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي (١)، ولم يروه عن محمد إلا يحيى بن سعيد الأنثاري، ورواه عن يحيى بن سعيد نحو من مئتين وخمسين رجلا، كما تقدم.
* ثم (٢) الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: هذا الحديث متفق على صحته -كما تقدم-، مجمع على عظم موقع وجلالته، وهو وأحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقد اختلف فيها؛ فقيل: هي أربعة أحاديث: «الأعمال بالنيات»، «الحلال بين والحرام بين» (٣)، و «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٤)
стр. 85
«وازهد في الدنيا يحبك الله» (١)، وقد نظمها أبو الحسن طاهر بن الْمُفَوَّز (٢) ﵀ تعاتلى-، فقال:
عُمْدَةُ الدِّينِ عِنْدَنَا كَلِمَاتٌ ... أَرْبَعٌ مِنْ كَلَامِ خَيْرِ الْبَرِيَّهْ
اِتَّقِ الشُّبُهَاتِ وَازْهَدْ وَدَعْ مَا ... لَيْسَ يَعْنِيكَ وَاعْمَلَنَّ بِنِيَّهْ (٣)
وقال أحمد بن حنبل: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث؛ «الأعمال بالنية»، و «الحلال بين، والحرام بين»، و «من أحدث في أمرنا ما ليس منه (٤) فهو رد» (٥)(٦).
стр. 86
وقال أبو داود: «الفقه يدور على خمسة أحاديث، «الأعمال بالنيات»، و «الحلال بين، والحرام بين» (١)، و «وما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» (٢)، و «لا ضرر ولا ضرار» (٣)(٤).
وروي عن أبي داودالسجستاني، قال: «كتبت عن رسول الله ﷺ خمس مئة ألف حديث، الثابت منها أربعة آلاف حديث، وهي ترجع إلى أربعة أحاديث: قوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيات»، وقوله: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٥)، وقوله: «لا يكون المؤمن مؤمنات حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه» (٦)
стр. 87
الحديث (١)، وقوله: «الحلال بين، والحرام بين» (٢).
وقال الشافعي ﵀: «يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه» (٣).
قلت: يحتمل أن يريد بالسبعين: التحديد، ويحتمل أن يريد: المبالغة (٤) في التكثير؛ لأن العرب تستعمل السبعين في ذلك، ومن ذلك (٥) قوله -تعالى-: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (٦) الآية [التوبة: ٨٠]، والله أعلم.
وكان السلف وتابعوهم ﵏ يستحبون استفتاح المصنفات بهذا الحديث؛ تنبيها للمطالع على حسن النية، واهتمامه بذلك، واعتنائه به.
وقال أبو سليمان الخطابي: «كان المتقدمون من شيوخنا يستحبون
стр. 88
تقديم حديث: «الأعمال بالنيات»، أمام كل شيء ينشأ ويبدأ (١) من أمور الدين؛ لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها (٢).
قلت: ومثل هذا الحديث في اعتبار النية قوله ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبشاركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (٣)، وكلاهما يشير إلى قوله -تعالى-: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله -تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، والمراد من ذلك: أن تكون أفعال العبد وأقواله متمحضة (٤) لإرادة التقرب إلى الله -تعالى-، أعاننا الله على ذلك.
الثاني: كلمة (إنما) تقتضي الحصر لوجهين:
أحدهما: أن (٥) ابن عباس ﵄ لم يعارض في فهمه الحصر منها في قوله ﷺ : «إنما الربا في النسيئة» (٦)، وعورض بدليل آخر يقتضي
стр. 89
ربا الفضل، ففي ذلك أيما اتفاق على أنها للحصر.
الثاني: قالوا: إنها مركبة من الإثبات والنفي، فإما أن تفيد نفي المذكور وإثبات غيره، أو العكس، والأول لا سبيل إليه، فتعين الثاني، وهو المطلوب.
و (١) قال أبو علي الفارسي في «شيرازياته»: «يقول ناس من النحويين في قوله -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣]: إن المعنى: ما حرم ربي إلا الفواحش، قال: ووجدت ما يدل على صحة قولهم في هذا، وهو قول الفرزدق: [من الطويل]
أَنَا الذَّئِدُ الْحَامِي الذِّمَارَ وَإِنّمَا ... يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي
و (٢) قال الزجاج: «والذي أختاره في قوله -تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣]: أن تكون (ما) هي التي تمنع (إن) من العمل، ويكون المعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة؛ لأن (إنما) تأتي إثباتا لما يذكر بعدها، ونفيا لما سواه.
وقال أبو علي: التقدير في البيت: وما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي (٣).
وقال ابن عطية: (إنما) لفط لا تفارقه المبالغة والتأكيد حيث
стр. 90
وقع، ويحصل مع ذلك للحصر، فإذا دخل في قصة (١) وساعد معناها على الانحصار، صح ذلك، وترتب؛ مثل قوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، وغير ذلك من الأمثلة، وإذا كانت (٢) القصة لا يتأتى فيها انحصار، بقيت (إنما) للمبالغة والتأكيد فقط؛ كقوله ﵊: «إنما الربا في النسيئة»، وقولهم (٣): إنما الشجاع عنترة.
قال: وأما من قال: (إنما) لبيان البموصوف، فهي عبارة فاترة؛ إذ بيان الموصوف يكون في مجرد الإخبار دون (إنما) انتهى كلامه (٤).
قلت: وأبسط من هذا أن يقال: إن (إنما) تارة تقتضي الحصر المطلق، وتارة تقتضي حصرا مخصوصا، ويفهم ذلك بالقرائن والسياق.
فالأول: كقوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، هاهنا على إطلاقه؛ لشهادة العقول والنقول على وحدانيته -تعالى-، وغير ذلك من الأمثلة مما في هذا المعنى.
والثاني: كقوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]؛ أي: بالنسبة
стр. 91
لمن لا يؤمن، وإلا، فالنبي ﷺ لا تحصر صفاته الجميلة من البشارة، والشجاعة، والكرم، وغير ذلك، وكذلك قوله ﵊: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي» (١)، أي: بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصم، لا بالنسبة إلى كل شيء، على ما تقرر، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦]؛ أي: باعتبار من آثرها، والله أعلم، وإلا، فقد تكون سبيلا إلى الخيرات، وموصلة إلى الدرجات، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر، أو يكون ذلك من باب التغليب لحال الأكثر؛ إذ الواقع كذلك، فاعتبر هذا الأص، فحيث دل السياق على الحصر في شيء مخصوص، فقل به، وإلا (٢)، فالأصل الإطلاق، ومن قوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات».
فائدة: قال ابن خطيب زملكا (٣) ﵀: أودع فهمك أن الأصل في
стр. 92
في (إنما): أن تجيء بخبر لا يجهله المخاطب، أو لما هو منزل (١) هذه المنزلة، ومثال الأول: قولهم: إنما يعجل من يخشى الفوت، وفي التنزيل: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]، و ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، كل ذلك يذكر بأمر معلوم، فإن كل عاقل يعلم أنه لا تكون استجابة إلا ممن يسمع، وأن الإنذار إنما يجدي إذا كان مع من يصدق بالبعث، ومنه قولك: إنما هو أخوك، وإنما هو صاحبك القديم لمن يقر به ويعلمه (٢)، غير أنك تريد أن تنبهه على ما يجب من حق الأخوة عليه.
ومثال الثاني قوله: [الخفيف]
إِنَمَا مُصْعَبٌ شِهَابٌ مِنَ اللَّ ... هِ تَجَلَّتْ عَنْ وَجْهِهِ الظَّلْمَاءُ (٣)
ادعى أن الممدوح بهذه الصفة ثابت له ذلك، معلوم لا خفاء به، على عادة الشعراء في دعواهم أن الصفات التي ذكرت للممدوح لا يكتنفها النزاع، كما قال البحتري: [الكامل]
لَا أَدَّعِي لِأَبِي الْعَلَاءِ فَضِيلَةً ... حَتَّى يُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ عِدَاهُ
ومثله: إنما هو أسد وسيف صارم، كان ذلك مما لا يدفع (٤).
стр. 93
الثالث: الأعمال ثلاثة: بدنية، وقلبية، ومركبة منما:
فالأول: كل عمل لا يشترط فيه النية؛ كرد الغصوب والعواري، والودائع والنفقات، وإزالة النجاسات، ونحو ذلك.
والثاني: كالاعتقادات، والتوبة، والحب والبغض في الله -تعالى-، وما أشبه ذلك.
والثالث: كالوضوء، والصلاة، والحج، وكل عبادة بدنية مشترط في حصولها النية، قولا كان أو فعلا، وبعض الخلافيين يخصص العمل بما لا يكون قولا (١)، واستبعد؛ لأن القول (٢) عمل جارحي، ولا فرق في ذلك بين جارحة وجارحة، أما الأفعال فقد استعملت مقابلة للأقوال (٣)، ولا شك أن هذا الحديث يتناول الأقوال، والله أعلم.
الرابع: قوله ﵊: (بالنيات» يتعلق بمحذوف هو الخبر.
فمن أوجب النية، قدره: إنما الأعمال مجزئة، أو: معتبرة بالنيات، أو (٤): إنما صحت الأعمال، أو: اعتبار الأعمال بالنيات، فيكون قد
стр. 94
حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
ومن لم يوجبها، قدره: إنما الأعمال كاملة بالنيات، أو (١): إنما كمال الأعمال بالنيات.
ورجح الأول من حيث إن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى؛ لأن ما كان ألزم للشيء، كان أقرب خطور بالبال عند إطلاق اللفظ، وهذا الحديث أصل في وجوب النية في سائر العبادات.
واحتجوا -أيضا- بقوله ﵊: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» الحديث (٢).
واحتجوا -أيضا- بقوله ﵊ فيما رواه ابن مسعود: «إذا أنفق الرجل على أهله، وهو يحتسبها، فهي له صدقة» (٣).
وفي حديث سعد: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا
стр. 95
أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك» (١)، وغير ذلك من الأحاديث.
وأما ما في الكتاب العزيز، فقوله -تعالى-: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]، قال البخاري: على نيته (٢)(٣).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، فأخبر سبحانه أنه لا يكون في الآخرة نصيب إلا لمن قصدها بالعمل، والله أعلم.
الخامس: وجه إفراد النية على هذه الرواية كونها مصدرا، وإنما جمعت (٧) في رواية «بالنيات»؛ لاختلاف أنواعها ومعانيها؛ لأن المصدر إذا اختلفت أنواعه، جمع، نحو: الحلوم، والعلوم، وما أشبه ذلك، فمتى أريد مطلق النية من غير نظر لأنواعها، تعين الإفراد، ومتى
أريد
стр. 96
غير (١) ذلك جمعت.
السادس: حقيقة النية قصد المكلف (٢) الشيء المأمور به، وقيل: قصد الشيء وتخصيصه ببعض أحكامه وأوصافه.
ومحلها القلب عند الجمهور، لا الدماغ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، والإخلاص إنما يكون بالقلب.
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
وقال ﷺ (٣): «التقوى ها هنا» وأشار إلى صدره ثلاثًا (٤)(٥).
وهذا مما لا يدرك إلا بالسمع، وظواهر السمع تقتضي الأول، وإذا ثبت أن محلها القلب، فالذي يقع به الإجزاء عندنا أن ينوي العبادة بقلبه من غير نطق بلسانه، وهو الأفضل -أيضا-؛ إذ اللسان ليس محلاً للنية على ما تقرر.
ونقل التلمساني من أصحابنا عن صاحب «الاستلحاق» (٦):
стр. 97
استحباب النطق، وهو غير المعروف من مذهب مالك ﵀.
فائدة:
قيل: جميع النيات المعتبرة في العبادات لا بد لها من المقارنة للفعل، إلا الصيام، والكفارات، فإنه يجوز تقديمها على الفعل والشروع (١).
السابع: إن قلت: ما فائدة قوله ﵊: «وإنما لكل امرئ ما نوى» بعد تقدم لفظ يقتضي التعميم، وهو قوله: «إنما الأعمال بالنيات»؟
قلت: فيه معنى جليل، وهو أن اللفظ الأول إنما يقتضي اشتراط النية لكل عمل، وذلك لا يقتضي منع الاستنابة في النية؛ إذ لو نوى واحد عن غيره لصدق عليه أنه عمل بنية، وذلك ممتنع، فلما قال ﷺ : «وإنما لكل امرئ ما نوى»، أفادنا النص على منع الاستنابة في النية، فاعرفه.
وقد استثني من هذا نية الولي عن الصبي في الحج، والمسلم عن زوجته الذمية عند طهرها من الحيض، على القول بذلك، وحج الإنسان عن غيره.
الثامن: يقال: امرؤ، وَمَرْءٌ، قال الله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
стр. 98
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وفي المؤنث: امرأة، ومَرْأة، ومَراة، بغير همز في الثالث (١).
و (ما) بمعنى الذي، وصلته (نوى)، والعائد محذوف، أي: نواه، وإن قدرت (ما) مصدرية، لم يحتج إلى حذف؛ إذ (ما) المصدرية عند سيبويه حرف، والحروف لا تعود عليها الضمائر (٢)، والتقدير: لكل امرئ نيته.
التاسع: قوله ﵊: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله» إلى آخره.
القاعدة في صناعة النحو: التغاير بين فعلي (٣) الشرط والجزاء، والمبتدأ والخبر في الأمر العام، ولم يتغايرا هنا، فلا بد من تقدير محذوف يصح معه الكلام، وقد قدره بعضهم: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وعقدا، فهجرته إلى الله ورسوله حكما وشرعا.
العاشر: الهجرات الواقعة في الإسلام، قيل: هي خمس:
الأولى: الهجرة إلى الحبشة، حين آذى المشركون أصحاب (٤) رسول الله ﷺ .
стр. 99
الثانية: الهجرة المفترضة على أهل مكة، أن يهاجروا إلى المدينة عند مهاجرة النبي ﷺ إليها.
وفي هذه الهجرة نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقال ﷺ : «لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار» (١)، إشارة (٢) إلى هذه الهجرة.
الثالثة: هجرة القبائل للنبي ﷺ قبل الفتح، كانوا يأتونه يقتبسون منه الشرائع، ويتعلمون منه سنن الهدى والإسلام؛ كوفد عبد القَيْس، وغيرهم، ثم يرجعون إلى مواطنهم، ويعلمون قومهم.
الرابعة: الهجرة الواجبة على من أسلم من أهل مكة أن يأتوا النبي ﷺ ، ثم يرجعوا إلى مكة؛ كفعل صفوان بن أمية.
الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه، وهي المشار إليها بقوله ﵊: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (٣).
قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وهي الهجرة العظمى التي اندرج جميع الأقسام تحتها.
ولقوله ﵊: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه».
فائدتان:
стр. 100
فائدة ترجع للمهاجرين؛ لكي لا يتكل على نفس الهجرة، فبين لهم ﵊ أن الهجرة التامة الكاملة هي (١) هجران الفواحش، ففيه حض على التزام الطاعات (٢)، وعدم الاغترار بالهجرة، وحث على الجد في الفضائل، وأن لا يعتمدوا على الهجرة ويتركوا
العمل.
والفائدة الثانية: ترجع إلى من لم يهاجر، ففيه ترجية لهم، وإيناس وتبيين أن سبل الطاعات باقية، وأعمال الخير متلاحقة، وأن اسم الهجرة باقٍ لهم مقول عليهم عند هجران المحارم
وجميع ما نهى الله عنه، بل هو أعظم هجرة، وأكبر فضيلة.
قلت: وينبغي أن تُسَدَّسَ بهجرة من أمكنه من المسلمين الخروج من دار الكفر؛ كما قيل، والله أعلم.
ومعنى الحديث يتناول الجميع، غير أن السبب يقتضي الهجرة من مكة إلى المدينة (٣)؛ لما نقل: أنَّ رجلاً هاجر من مكة إلى المدينة، لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأةً تسمى: أم قيس، فسمي: مهاجر أم قيس (٤)؛ ولهذا خص ﵊
стр. 101
في الهجرة ذكر المرأة دون سائر ما تنوى به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية.
فإن قلت: لم ذم على طلب الدنيا، وهو أمر مباح، والمباح لا ذم فيه، ولا مدح؟
قلت: لم يخرج في الظاهر لطلب الدنيا، وإنما خرج في صورة طالب (١) فضيلة الهجرة، فأبطن خلاف ما أظهر؛ فلذلك
توجه عليه الذم، والله أعلم.
الحادي عشر: إن قلت: لم أعاد ﷺ ما بعد الفاء الواقعة جوابا للشرط بلفظ الأول، أعني: قوله: «فهجرته إلى الله ورسوله»، ولم يعده في قوله: «ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها»، بل قال: «فهجرته إلى ما هاجر إليه»؟
قلت: سر ذلك والله أعلم الإعراض عن تكرير ذكر (٢) الدنيا، والغض منها، وعدم الاحتفال بأمرها، وذلك مناسب؛ لما قيل: من أحب شيئًا، أكثر من ذكره، وهو ﵊ أبعد الناس عن حبها، وهذا معنى لطيف، فاعرفه، وبالله التوفيق.
стр. 102
الحديث الثاني
٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (١).
* * *
* التعريف:
أبو هريرة كنيته، واختلف في اسمه على نحو من ثلاثين قولاً،
стр. 103
وقد أفرد بعض الحفاظ له جزءً، وأصح ما قيل فيه: عبد الرحمن بن صخر.
وأما نسبه: فهو عبد الرحمن بن صخر، وهو دوسي النسب، نسبة إلى دَوْس -بفتح الدال وسكون الواو، وآخره سين مهملة-،
وهي قبيلة في (١) الأسد، وهو دَوْسَ ابن عُدْثَان -بضم العين وسكون الدال (٢) المهملتين بعدها ثاء مثلثة- ابن عبد الرحمن بن زهران (٣) بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نضر بن أزد، هكذا نسب.
وأما اتصال نسبه بدوس، فقال خليفة بن خياط: هو عمير بن عامر بن عبد ذي الشرى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس (٤).
قال ابن إسحاق: حدثني بعض أصحابناعن أبي هريرة، قال: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس، فسميت في الإسلام عبد الرحمن، وإنما كنيت بأبي هريرة؛ لأني وجدت هرةً، فحملتها في كمي، فقيل لي: ما هذه؟ فقلت: هرة، فقيل: فأنت أبو هريرة (٥).
стр. 104
قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روينا (١) عنه: أنه قال: كنت أحمل هرة يوما في كمي، فرآني رسول الله ﷺ ، فقال: «ما هذه؟»، فقلت: هرة، فقال: «يا أبا هريرة».
قال أبو عمر: أشبه ما عندي أن يكون النبي ﷺ كناه بذلك، والله أعلم.
قال أبو عمر: أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول الله ﷺ ، ثم لزمه، وواظبه (٢) رغبة في العلم راضيا بشبع بطنه، كانت يده مع [يد] رسول الله ﷺ ، وكان يدور معه حيثما دار، وكان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه حريص على العلم والحديث، وقال له: يا رسول الله! إني سمعت منك حديثًا كثيرا، وإني أخشى أن أنساه، قال: «ابسط رداءك»، فبسطته، فغرف بيده فيه، ثم قال: «ضمه»، فضممته، فما نسيت شيئًا بعد (٣).
وقال البخاري: روى عنه أكثر من ثمان مئة رجل من بين صاحب وتابع، وممن روى عنه من الصحابة: ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأنس، وواثلة بن الأسقع، وروى عنه من التابعين: أبو سلمة، وسعيد بن المسيب، والأعرج، وأبو صالح، وسعيد المقبري (٤)،
стр. 105
وابن سيرين، وعكرمة.
استعمله عمر على البحرين، ثم عزله، ثم أراده على العمل، فأبى، ولم يزل يسكن المدينة، وبها كانت وفاته.
روي له عن رسول الله ﷺ خمسة آلاف حديث، وثلاث مئة حديث، وأربعة وسبعون حديثًا، اتفقا على ثلاث مئة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمئة وتسعين (١).
стр. 106
قال خليفة: توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين.
وقال الهيثم بن علي: توفي أبو هريرة سنة ثمان وخمسين.
وقال الواقدي: سنة تسع وخمسين.
وقال غيره: مات بالعقيق، وصلى عليه الوليد بن عتبة (١) بن أبي
سفيان، وكان أميرا يومئذ على المدينة، ومروان معزول.
روى له الجماعة، والله أعلم (٢).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله ﵊: «لا يقبل الله» هو (٣) بفتح الموحدة في المضارع،
وكسرها في الماضي؛ كَعَلِمَ يَعْلَمُ، والقبول فُسِّرَ بترتب (٤) الغرض المطلوب من الشيء على
الشيء، يقال: قبل فلان عذر فلان: إذا رتب على عذره الغرض المطلوب منه، وهو محو
الجناية والذنب.
стр. 107
قال القرطبي في «المفهم»: هذا الحديث دليل لمالك، وابن نافع على قولهما: إن من عَدِمَ الماء والصعيد، لم يصلِّ، ولم يقض، إن خرج وقت الصلاة؛ لأن عدم قبولها (١) لعدم شرطها، يدل على أنه ليس مخاطبا بها حالة عدم شرطها، فلا يترتب شيء في الذمة، فلا يقضي، وعلى هذا فتكون الطهارة من شروط الوجوب.
واختلف أصحاب مالك في هذه المسألة؛ لاختلافهم في هذا الأصل انتهى (٢).
وفي هذه المسألة أربعة أقوال معروفة في مذهب مالك، والمشهور منها: أنه (٣) يصلي، ويقضي، وقد نظمها بعض أصحابنا من (٤) المتأخرين:
[وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا مُتَيَمَّمًا ... فَأَرْبَعَةُ الْأَقْوَالِ يَحْكُونَ مَذْهَبا (٥)]
يُصَلِّي وَيَقْضِي عَكْسَ مَا قَالَ [١] ... وَأَصْبَغُ يَقْضِي وَالْأَدَاءُ لِأَشْهَبا (٦)
стр. 108
وتوجيه (١) هذه الأقوال في كتب الفقه، وقصدنا هاهنا ما يتعلق بلفظ الحديث.
الثاني: هذا الحديث نص في وجوب الوضوء وشرطيته في الصلاة، وهو مما أجمعت عليه الأمة.
ع: واختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة؟ فذهب ابن الجهم: إلى أن الوضوء كان في أول الإسلام سنة، ثم نزل فرضه في آية التيمم.
وقال الجمهور: بل كان قبل ذلك فرضا.
واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم (٢) إلى الصلاة، أم على المحدث خاصة؟
فذهب ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض، بدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وذهب قوم إلى أن ذلك قد كان ثم نسخ.
وقيل: الأمر به لكل صلاة على الندب، وقيل: بل لم يشرع إلا لمن أحدث، ولكن تجديده لكل صلاة مستحب، وعلى
هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك، ولم يبق بينهم فيه خلاف، ومعنى الآية عندهم: إذا قمتم محدثين.
стр. 109
وأما الوضوء لغير الفرائض: فذهب بعضهم إلى أن الوضوء بحسب ما يفعل له من نافلة أو سنة.
وذهب بعضهم إلى أنه فرض على كل حال، ولكل عبادة لا تستباح إلا به، إذا عزم على فعلها، فالمجيء بها بغير الطهارة معصية، واستخفاف بالعبادة، فلزمه المجيء بشرطها فرضا (١)؛ كما إذا دخل في عبادة نفلًا، لزمته (٢)، ووجب عليه تمامها لهذا الوجه (٣).
ح: ولو صلى محدثًا متعمدا بلا عذر، أثم، ولا يكفر عندنا، وعند الجمهور، وحكي عن أبي حنيفة: أنه يكفر بتلاعبه، ودليلنا أن الكفر بالاعتقاد، وهذا المصلي اعتقاده صحيح (٤).
قلت: وفي هذا الاستدلال عندي نظر؛ للاتفاق على تكفير من استهان بالمصحف استهانة مخصوصة في الصورة المخصوصة، والله أعلم.
الثالث: ظاهر هذا الحديث يقتضي انتفاء الصحة عند انتفاء القبول، ويحتاج ذلك إلى تحقيق؛ إذ لا يتم الاستدلال على وجوب (٥) الطهارة إلا بذلك.
стр. 110
ق (١): وقد حرك في هذا بحثا؛ لأن انتفاء القبول قد ورد في مواضع مع ثبوت الصلاة؛ كالعبد إذا أبق لا تقبل له صلاة، وكما ورد فيمن أتى عرافًا، وفي شارب الخمر، فإذا أراد أن يقوي الدليل على انتفاء الصحة بانتفاء القبول، فلا بد من تفسير معنى (٢) القبول.
وقد فسر (٣) بأنه تَرَتُّبُ الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، فإذا ثبت ذلك، فيقال مثلاً: في هذا
المكان الغرض من الصلاة؛ وقوعها مجزئة لمطابقتها للأمر، فإذا حصل هذا الغرض، ثبت القبول على ما ذكر من التفسير، وإذا ثبت القبول على هذا التفسير، ثبتت الصحة، وإذا انتفى القبول على هذا التفسير، انتفت الصحة.
وربما قيل من جهة بعض المتأخرين: إن القبول كون العبادة بحيث يترتب الثواب والدرجات عليها، والإجزاء كونها مطابقة للأمر.
والمعنيان إذا تغايرا، وكان أحدهما أخص من الآخر، لم يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، والقبول على هذا التفسير أخص من الصحة، فإن (٤) كل مقبول صحيح، وليس كل صحيح مقبولاً، وهذا إن نفع في تلك الأحاديث التي نفي (٥) فيها القبول مع بقاء الصحة، فإنه يضر في