← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ويحتمل أن يريد: أنه مما أُبيح بحالة مخصوصة، فيرتفع الحكمُ بزوالها، ولا يكون نسخًا، وعلى كل حال، فهو ضعيف؛ لعدم قيام الدليل على ما ذكره هذا القائل علةً لهذا الفعل؛ ولأن القدر المجزىء من القراءة في الصلاة ليس حَافِظُه بقليل (١)، وما زاد على الحاجة من زيادة القراءة فلا يصح أن يكون سببًا لارتكاب ممنوع شرعًا؛ كما يقوله هذا المانع. فهذا جامعُ ما حضرَ من كلام الفريقين، مع تقريرٍ لبعضه فيما يتعلق بهذا الحديث، وما زاد على ذلك من الكلام على أحاديثَ أُخر، والنظر في الأقيسة، فليس من شرط هذا الكتاب، واللَّه أعلم. انتهى كلامه (٢). وقد تقدم ما ينبغي أن يذكر على هذا الحديث من مسائل صلاة الجماعة، وأحكام الإعادة، وغير ذلك بما يغني عن الإعادة. واللَّه الموفق. * * *

стр. 1157

الحديث السادس ١١١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ، بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ (١).

стр. 1158

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: ظاهرُه: تقديم (١) الظهر في أول وقتها، وهو في معنى حديث جابر بن عبد اللَّه الذي فيه: كانَ رسولُ اللَّه ﷺ يصلِّي الظهرَ بالهاجرة، الحديث، وقد تقدم الكلامُ على الجمع بينه وبين حديث الإبراد. ويحتمل أن لا يكون حديثُ أنس هذا معارضًا لحديث الإبراد؛ لأن الغالب بقاء حرارة الأرض، وإن ذهبت الشمسُ عنها، فيُحتاج (٢) من أجل ذلك إلى بسط الثوب عليها، واللَّه أعلم. الثاني: فيه: دليل على أن الأصل مباشرةُ الأرض بالجبهة (٣) واليدين؛ لتعليقه بسطَ الثوب على عدم استطاعة مباشرة الأرض لشدة الحر، وقد كره أصحابنا السجودَ على الطنافس (٤)، وثياب الصوف، والكتان، والقطن، وأحلاس الدوابِّ؛ وهي أكسية رقيقة تكون تحت

стр. 1159

البردعة، واحدها حِلْس وحَلَس؛ مثل: شِبْه وشَبَه، ومِثْل ومَثَل، وكذلك الأَدَم، واللبود، وبُسط الشَّعر، إلا أنه لا يكره أن يقوم عليها ويجلس، ويسجدَ على الأرض إذا لم يضع كفيه عليها. ولا يكره السجود على الخُمْرَة، وهي سجادةٌ صغيرة تُعمل من سَعَف النخل، وتُرمل بالخيوط، وكذلك الحُصُر، وما تُنبت الأرضُ، ولكن الصلاة على التراب والجص أحبُّ إلى مالك رحمه اللَّه تعالى. قال ابن حبيب: وهذا أقربُ إلى التقوى، ولولا ما مضى عليه الأمر من تَحْصيبِ المسجدينِ وغيرِهما، لفرشَهما أهلُ الطَّوْل بأفضلَ من ذلك (١). وبالجملة: فالمصلي مأمورٌ بالتواضع للَّه في صلاته بقلبه وجسده، وتعمُّدُ بَسْطِ الثياب التي لها قدرٌ والطنافسِ والسجاداتِ، ولا سيما المتَّخَذَةِ من الخرقِ الرفيعة؛ مما يضادُّ قصدَ التواضع، ويؤدي ذلك بالمصلي إلى مضاهاةِ أهلِ الكِبْر والترفُّه، وذلك مكروه في الصلاة، ولو لم يقصد المصلي بذلك الكبر والترفُّه، إلا أنَّا نكرهُه لأجل أنه في صورة المتكبرين. وقريبٌ من هذا ما سمعتهُ من شيخنا محي الدين المازوني ﵀، وقد رأى بعضَ أعوانِ أصحاب الشُّرَط، فقال: هؤلاء يأثمون، وإن لم يقصدوا؛ لأن هيئتهم هيئةُ المُرْجِفين.

стр. 1160

قال اللخمي: يُستحب للمصلي أن يقوم على الأرض من غير حائل، وأن يباشر (١) بجبهته الأرضَ؛ لقوله ﵊: "يَا رَبَاحُ! عَفِّرْ وَجْهَكَ في الأَرْضِ" (٢)، ولأن ذلك هو المعمولُ به في الحرمين، والصلاةُ فيهما على الحصباء والتراب، ولم تُتخذ فيهما حصر، فإن صلى على حائل، فيستحب أن يكون مما تُنبت الأرض؛ كالحصر، وما أشبهَ ذلك. قال صاحب "البيان والتقريب": يعني: مما لا ترفُّهَ فيه ولا داعيةَ في فَرْشه إلى كِبْر. واختُلف في ثياب القطن والكتان، فكرهه مالكٌ (٣) في "المدونة"، وأجازه ابن مسلمة. والأولُ أحسن؛ لما فيهما من الترفُّه، وموضعُ الصلاة التواضعُ والخضوعُ والتذلل. وكره الصلاة على الحصر السامان مما عظم ثمنه، والتواضعُ للَّه تعالى أفضلُ.

стр. 1161

قال: ويُباشر بيديه ما يسجد عليه، ويُبرزهما عن كُمَّيه، ويَحْسِرُ العِمَامةَ عن جبهته. وقال محمد بن مسلمة: ينبغي أن لا (١) يسجدَ على ثوبه الذي على جسده، ولا على يديه وهما في كُمَّيه حتى يفضي (٢) بهما إلى الأرض؛ لأنه كان [كمن] يسجد بغير وجهه ويديه. قال ابن وهب: وقد رأى النبيُّ ﷺ رجلًا يسجد وقد اعتمَّ على جبهته، فحسرَ رسولُ اللَّه ﷺ عن جبهته (٣). قال صاحب "البيان والتقريب" وقد وردت أخبارٌ في السجود على ما لا ترفُّه فيه. منها: ما رواه البخاري عن أنس، قال: كنا نصلِّي معَ النبيِّ ﷺ ، فيسجدُ على فِراشِه (٤).

стр. 1162

وما رواه أبو داود عن المغيرة بن شعبة، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يصلِّي على الحصير، والفَرْوَةِ المدبوغَة (١). وما رواه الترمذي عن ابن عباس: أن (٢) النبيَّ ﷺ كان يُصلِّي على الخُمْرَة (٣). وما رواه البخاري، ومسلم عن أنس، قال: كانَ رسولُ اللَّه ﷺ أحسنَ الناس خُلُقًا، فربما تحضُرُه الصلاةُ وهو في بيتنا، فيأمر بالبِساط الذي تحته، فَيُنْشَر، ثم يُنْضَح، ثم يقوم رسولُ اللَّه ﷺ ، ويصلِّي بنا، ونقومُ خلفَه، وكان بساطُهم من جريدِ النَّخْل (٤). وما رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود عن ميمونةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ، قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ يصلِّي وأنا حِذَاءَهُ، وربما أصابني (٥) ثوبُه،

стр. 1163

وكان يصلِّي على الخُمْرة (١). الرابع: قال الجوهري: الاستطاعةَ: الإطاقَةُ، وقالوا: اسطاع (٢) يسطيع، يحذفون التاء استثقالًا لها مع الطاء، ويكرهون إدغامَ التاء فيها، فتحرِّك السين، وهي لا تُحرَّك (٣) أبدًا. وذكر الأخفش: أن بعض العرب يقول: استاعَ يستيعُ، قال: وبعضُ العرب يقول: اسطاع يسطيع، بقطع الألف، وهو يريد أن يقول: أطاعَ يُطيع، ويجعل السين عوضا من ذهاب حركة عين الفعل، ويقال: تطاوع لهذا الأمر حتى يستطيعه، وتطوَّعَ؛ أي: تكلَّفَ استطاعته، واللَّه أعلم (٤). * * *

стр. 1164

الحديث السابع ١١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" (١). * * *

стр. 1165

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الثوب هنا: الإزارُ ونحوُه. والعاتِقُ: موضعُ الرداء من المَنْكِب، يذكَّر ويؤنَّث. قال الجوهري: يقال: رجلٌ أَمْيَلُ العاتِقِ؛ أي: موضعُ الرداء منه مُعْوَجٌّ (١). الثاني: ع: ونهيه ﵊ أن يصلي به "وليس على عاتقه منه شيء"، قيل: لأنه إذا لم يكن كذلك، لم يأمن من النظر إلى عورته، والأولى عندي أن يكون: لئلا يسقط عنه، لأنه إذا لم يصلِّ به متوشِّحًا، واضعًا طرفيه على عاتقه؛ كما كان يفعل ﵊، لم يؤمن (٢) سقوطُه عنه، وتكشُّفُه، وإن تكلَّف ضبطَه بيديه، شغلَهما بذلك، واشتغلَ به عن صلاته، فإذا احتاج إلى استعمال يديه في الركوع والسجود والرفع، وغير ذلك ربما انقلع (٣) ثوبُه، فينكشف. وأيضًا: فإن فيه إذا لم يجعل على عاتقه شيئًا، تَعَرَّى بعضُ الجسمِ والأعالي من الثياب في الصلاة، والخروج عن ذلك في الزينة فيها (٤) كما جاء في النهي عن الصلاة في السراويل وحدَه، ويشبه (٥)

стр. 1166

الصلاة في المئزر وحدَه، وقد روي عن بعض السلف الأخذُ بظاهر هذا الحديث، وأنه لا تجزىء صلاةُ مَنْ صلَّى بثوبٍ واحدٍ متزرًا به ليسَ على عاتقه منه شيء، إلا أن لا يقدرَ على غيره (١). قلت: وعن أحمد روايتان: إحداهما: لا تصحُّ صلاته، يوافق فيها بعضَ السلف المشار إليه. والأخرى: أنها تصح، ويأثم بتركه. ح: وحجةُ الجمهور: قولُه ﷺ في حديث جابر: "فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا، فَالْتَحِفْ به، وإنْ كانَ ضَيِّقًا، فَائْتَزِرْ بِهِ" رواه (٢) البخاري، ورواه مسلم في آخر الكتاب في حديثه الطويل (٣). ثم قال ع: وكذلك اختلفوا في السَّدْل في الصلاة، وهو إرسالُ ردائه عليه من كتفيه إذا كان عليه مئزر، وإن لم يكن عليه قميص، وإن انكشف بطنه، فأجازه عبدُ اللَّه بنُ الحسن، ومالك وأصحابه، وكرهه النخعيُّ، وآخرون، إلا أَنْ يكون عليه قميصُ يستر جسده، وقد نحا إلى هذا بعضُ أصحابنا، وهو أبو الفرج؛ من أجل أن سترَ جميع الجسد في الصلاة لازمٌ، وأكثرُهم جوازُه على قميص، وقد كرهه

стр. 1167

بعضهم على كل حال؛ كأنه عنده من حد جَرِّ الإزار، وهو مذهب الشافعي، وهذا بعيد؛ لأنه في الصلاة ثابتٌ غيرُ جارٍّ له؛ بخلاف الماشي. قال: ومن المعنى الأول: اختُلف في صلاة الرجل محلول الإزار، وليس عليه أزرار، فمنعه أحمد، والشافعي؛ لعلَّة النظرِ لعورته، وربما بدا ذلك لمن يقابله، وأجاز ذلك له مالك، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وكافة أصحاب الرأي ندبًا إذا تكلف ذلك، ورؤيته كرؤيته من أسفل الإزار وبين الرجلين، وذلك لا يلزم (١). * * *

стр. 1168

الحديث الثامن (١) ١١٣ - (٢) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (٣)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا، وَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ في بَيْتِهِ"، وَأُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خُضَرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ (٤)، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ البُقُولِ، فَقَالَ: "قَرِّبُوهَا" إلى بَعْضِ أَصْحَابهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، فَقَالَ: "كُلْ؛ فَإِنِّي أُناجِي مَنْ لَا تُنَاجِي" (٥).

стр. 1169

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: يقال: ثوم، وفوم، وفي قراءة ابن مسعود: ﴿وثومها﴾. ويقال: الفومُ: الحنطة. وقال ابن دُريد: الفومة: السُّنبلة (١). وقال بعضهم (٢): الفوم: الحِمِّص، لغة شامية، بائِعُه فامِيٌّ مُغَيَّر عن فومي (٣)، والفوم: الخبز أيضًا. قال الفراء: هي (٤) لغة قديمة، (٥) ذكره الجوهري (٦)، وغيره.

стр. 1170

زاد العُزَيرِي: ويقال (١): الفوم: الحبوب (٢). الثاني: قال الإمام أبو عبد اللَّه المازَري: الأحاديثُ التي فيها النهيُ عن دخول المسجد لمن أكل الثومَ و (٣) شبهَه، قال (٤) أهل العلم: يؤخذ منها (٥) منعُ أصحاب الصنائع المنتنة؛ كالحَوَّاتين والجَزَّارِين مِنَ المسجد (٦) (٧). ع: اختُلف في معنى هذا الحديث، والأخذِ به، فذهب (٨) عامةُ العلماء، وجمهور الفتوى، والسَّلَف إلى إباحة أكل هذه الخضر، الثوم، والبصل، والكراث، وشبهها، وأن النهي عن حضور المساجد لمن أكلها ليس بتحريم لها؛ بدليل (٩) إباحة النبي ﷺ إياها لمن حضره من أصحابه، وتخصيصِه نفسَه بالعلة التي ذكرها من قوله: "فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لا تُناجِي"، وبقوله: "و (١٠) لَيْسَ لي تحريمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ، ولَكِنِّي (١١)

стр. 1171

أَكْرَهُهَا" (١)، وكذلك حكمُ أكلِ الفجلِ يتجشَّؤُهُ أو غير ذلك مما تُستقبح رائحتُه، ويُتأذى به. قال: وقد ذكر أبو عبد اللَّه ابنُ المرابط في "شرحه": إن حكمَ مَنْ به داء البَخْر في فيه، أو به خُراج (٢) له رائحة، هذا الحكمُ. وفيه دليلٌ على أن إتيان الجماعات للآحاد على الدوام ليس بفرض، وإن كانت إقامتُها بالجملة متعينةً؛ لأن إحياء السنن الظاهرة فرض. قلت: قولُه: فرض، يريد -واللَّه أعلم-: فرضَ كفاية، وهو أحدُ القولين (٣) في المذهب. قال: خلافًا لأهل الظاهر في تحريم أكل الثوم؛ لأجل منعه من حضور الجماعة التي يعتقدون فرضَها على الأعيان، وجمهورُ العلماء (٤): أن النهي عن دخول المساجد لآكلها؛ نهيٌ عامٌّ في كل مسجد (٥)، وذهب بعضُهم إلى أن هذا (٦) خاصٌّ بمسجد المدينة؛ لأجل ملائكة

стр. 1172

الوحي، وتأذِّيهم بذلك، ويحتج بقوله ﵊: "فَلا يَقْرَبْ مَسْجِدَنَا" (١)، وحجة الجماعة: قوله ﵊: "فَلَا يَقْرَبِ المَسَاجِدَ" (٢). ذكر الروايتين مسلم. وقاسوا على هذا مجامعَ الصلاة في غير المسجد؛ كمصلَّى العيدين، والجنائز، ونحوِها من مجامع العبادات، وقد ذكر بعضُ فقهائنا: أن حكم مجامع المسلمين فيهم (٣) هذا الحكم؛ كمجالس العلم، والولائم، وحِلَقِ الذِّكْر (٤). الثالث: قوله: "وأُتي بقِدْر": قال الإمام أبو عبد اللَّه: وقع في بعض هذه الأحاديث جوازُ اكلِ هذه البُقول مطبوخةً -وذكر هذا الحديث-، ثم قال: فظاهر (٥) هذا: أن الكراهةَ باقيةٌ مع الطبخ. قال: ولعلَّ (٦) قولهم: (قدر) تصحيف من الرواة (٧)، وذلك أنه

стр. 1173

في كتاب أبي داود: أنه ﵊ أُتي ببَدْر (١) -والبدرُ هنا: هو (٢) الطَّبَق، شُبه بذلك؛ لاستدارته كاستدارة البدر-، فإذا (٣) كان كذلك، لم يكن هذا مناقضًا (٤) لحديث الطبخ، لاحتمال أن تكون كانت نِيئَةً (٥) (٦). ع: الصواب: ببَدْر؛ أي: طبق، وكذا ذكره البخاري، عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب في هذا الحديث، وقال: "أُتي بِبَدْر"، وقال ابن وهب: يعني: طبقًا (٧)، وذكر أن ابنَ عفير رواه عنه (٨): بِقِدْر (٩). الرابع: (١٠) قوله ﵊: "فإني أناجي مَنْ لا تُناجي"؛ أي: أُسارِرُ مَنْ لا تُسارِر (١١)، انْتَجَى القَوْمُ، وتَناجَوْا:

стр. 1174

أي (١): تَسارُّوا، وانْتَجَيْتُه (٢) أيضًا: إذا خَصَصْتَه بمناجاتك، والاسمُ: النَّجْوَى، والنَّجِيُّ على فَعيل: الذي تُسَارُّه (٣)، والجمعُ: الأَنْجِيَة. قال الأخفش: وقد يكون النَّجِيُّ جماعةً، مثل الصَّديق (٤)، قال اللَّه تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]. وقال الفراء: وقد يكون النجيُّ والنَّجْوى اسمًا ومصدرًا (٥). قال الإمام: قوله ﵊: "أُناجي مَنْ لا تُناجي" يدل على أن الملائكة تُنَزَّه عن هذه الروائح، وفي بعض الأحاديث: "أنها تتأذَّى مما (٦) يَتَأَذَّى بِهِ بَنُو (٧) آدَمَ" (٨)، قالوا: وعلى هذا يمتنع (٩) الدخول بهذه الروائح المسجدَ (١٠)، وإن كان خاليًا؛ لأنه محلُّ (١١) الملائكة (١٢).

стр. 1175

ع (١): قالوا (٢): وفي اختصاص النهي عن دخول المسجد إباحةُ دخول الأسواقِ وغيرِها بها (٣) (٤)، وذلك لأنه ليس فيها (٥) حُرْمَةُ المساجد، ولا هي محلُّ الملائكة؛ لأنه إن تأذى به أحد في سوقه، تَنَحَّى عنه إلى غيره، وجالسَ سواه، ولا يمكنه ذلك في المسجد؛ لانتظاره (٦) الصلاةَ، وإن خرج، فاتَتْه (٧). قلت: وحكمُ رحابِ المسجد حكمُ المسجد؛ إذ الأذيةُ (٨) بذلك موجودةٌ في الرحاب كما هي في المسجد، ولذلك كان رسول اللَّه ﷺ إذا وجد ريحها من الرجل في المسجد، أمر به فأُخرج إلى البقيع؛ إبعادًا له عن (٩) المسجد ورحابه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1176

الحديث التاسع ١١٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ البَصَلَ وَالثُّومَ (١) وَالْكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإنسان" (٢).

стр. 1177

وفي رواية: "بَنُو آدَمَ" (١). الكلام على هذا (٢) الحديث؛ كالكلام على الحديث الذي (٣) قبلَه سواء، غير أن فيه زيادةَ الكُرَّاث، واستواء حكمه مع البصل والثوم، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1178

باب التشهد الحديث الأول ١١٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ، كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ، كَمَا يُعَلِّمُنِي (١) السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: "التَّحِيَّاتُ للَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ (٢) ورَسُولُهُ" (٣). وفي لَفْظٍ (٤): "إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيْقُلِ: "التَّحِيَّاتُ للَّهِ"،

стр. 1179

وذكره (١)، وَفِيهِ: "فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ للَّهِ صَالحٍ في السَّمَاءَ وَالأَرْضِ" (٢)، وَفِيهِ: "فَلْيَتَخَيَّرْ مِنَ المَسْأَلَةِ مَا شَاءَ" (٣).

стр. 1180

* التعريف (١): عبدُ اللَّه بنُ مسعودِ: بنِ غافلِ -بالغين المعجمة والفاء- بنِ حبيبِ ابنِ شمخِ -بالشين والخاء المعجمتين بينهما ميم ساكنة، بنِ فارّ (٢) -بتشديد الراء (٣) -، بن مخزوم، الهذليُّ. [كان ابن مسعود قد حالف في الجاهلية عبد بن الحارث بن زهرة ابن قديم بن جاهلة] (٤). يكنى: أبا (٥) عبد الرحمن، وأمه أمُّ عَبْدٍ بنتُ عبدِ ودِّ بنِ سُوى (٦) الهذلية.

стр. 1181

أسلم قديمًا بمكة، يروى (١) عنه: أنه قال: لو رأيتني سادسَ ستةٍ، ما على الأرض مسلمٌ غيرنا (٢). هاجر الهجرتين؛ الحبشة، ثم المدينة. وشهد بدرًا، والمشاهدَ، وشهد بيعةَ الرضوان، وصلَّى إلى (٣) القبلتين، وكان رسول اللَّه ﷺ يُكرمه، ويُقربه، ولا يَحْجُبه. وكان سببُ إسلامه: أنه كان يرعى غنمًا لعُقبةَ بن أبي مُعيط، فمر به النبيُّ ﷺ ، فقال: "يَا غُلَامُ! هَلْ مِنْ لَبَنٍ؟ "، قال: نعم، ولكني مؤتَمَنٌ، قال (٤): "فَهَلْ (٥) مِنْ شَاةٍ لَا يَنْزُو عَلَيْهَا الفَحْلُ، "، فأتاه بها، فمسح ضَرْعَها، فنزل لبنٌ، فحلبه (٦) في إناء، فشربَ، وسقى أبا بكر ﵁، ثم قال للضَّرْع: "اقْلُصْ"، فقَلَصَ، فأسلمَ (٧)، فضمَّه إليه رسولُ اللَّه ﷺ ،

стр. 1182

فكان يَلِجُ عليه، ويُلبسه نعليه إذا قام، فإذا جلسَ، أدخلهما (١) في ذراعه (٢)، وكان كثيرَ الولوج عليه، وكان يمشي أمامه، ومعه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وقال له النبي ﷺ : "إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ تَرْفَعَ (٣) الْحِجَابَ، وَأنْ تَسْمَعَ (٤) سِوَادِي، حَتَّى أَنْهَاكَ" (٥). والسِّواد -بكسر السين-: السِّرار، يقال: ساودتُ الرجلَ سِوادًا ومُساوَدَة: إذا سَارَرْتَهُ. قال أبو عبيد: ويجوز الضم بمنزلة جِوار وجُوار (٦). قال ابن هبيرة: قوله: "وَأَنْ (٧) تَسْمَعَ سِوَادِي"؛ أي: سِراري؛ لتعلم (٨) أن في البيت رجلًا؛ لأنه قد يرفع الحجاب، وثمَّ نسوةٌ ليس معهنَّ رجل، واللَّه أعلم.

стр. 1183

وكان معروفًا في الصحابة بـ: صاحب السواك (١)، والسواد. وفي بعض الطرق: أنه أحدُ العشرة المبشرين بالجنة، وكان من أكابر فقهاء الصحابة ﵃. توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن بضع وستين سنة، وصلى عليه عثمان، وقيل: عَمَّار، وقيل: الزبير، وهو أشهرُ، وكان رسول اللَّه ﷺ قد آخى بينهما، فصلَّى عليه ليلًا، ودفنه بالبقيع؛ لإيصائه بذلك، ولم يعلم به عثمان، فعتَبَهُ على ذلك. وقيل: مات بالكوفة سنة ثلاث وثلاثين. رُوي له عن رسول اللَّه ﷺ ثمان مئة حديث، وثمانية وأربعون حديثًا، اتفقا منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين. روى عنه: أنس بن مالك، وأبو رافع (٢) مولى النبي ﷺ ، وأبو موسى الأشعري، وعمرو بن حُرَيْث (٣)، وطارقُ بنُ شهاب، والنزَّالُ ابنُ سَبْرَة، وخلقٌ سواهم، ﵃ أجمعين (٤).

стр. 1184

* ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: التشهد: تَفَعُّلٌ من تشهَّدَ؛ كالتعلُّم من تعلَّم، سُمِّي تشهدًا؛ لاشتماله على الشهادتين تغليبًا له على بقية أذكاره، لكونهما أشرفَ أذكاره. الثاني: الكَفُّ: مؤنثة، وأما قولُ الأعشى: [الطويل] أرَى رَجُلًا مِنْهُمْ أَسِيفًا كَأَنَّما ... يَضُمُّ إِلَى كَشْحَيْهِ (١) كَفًّا مُخَضَّبَا (٢) فضرورةٌ، وقيل: إن مخضبًا صفةٌ لرجل، وهو بعيدٌ. الثالث: التحيات: جمعُ تحتية، وهي المُلك، وقيل: السلام، وقيل: العَظَمة، وقيل: البَقاء، فإذا حُمل على السلام، فيكون (٣) التقدير: التحياتُ، التي يعظم بها للملوك بسلامهم (٤) مستحقةٌ للَّه تعالى (٥). قال ابن قتيبة: إنما جُمعت التحيات؛ لأن كل واحد من ملوكهم

стр. 1185

كان له تحيةٌ يحيا بها، فقيل لنا: قولوا: التحياتُ للَّهِ؛ أي: الألفاظ الدالة على الملك مستحقةٌ للَّه تعالى (١). ق (٢): وسمعت شيخنا أبا إسحاق (٣) بنَ جعفرٍ الفقيهَ يقول: إنما جُمعت التحيات؛ لتجمعَ معانيَ التحية؛ من الملك، والعظمة، والبقاء، وإذا حُمل على البقاء، فلا شك في اختصاص اللَّه تعالى به، وإذا حُمل على الملك أو (٤) العظمة، فيكون معناه: الملكُ الحقيقيُّ التامُّ، والعظمةُ الكاملةُ للَّه تعالى، لأن ما سوى ملكه وعظمته تعالى فهو بالنسبة إلى ملكه وعظمته (٥) عدمٌ، أو كالعدم. وأما الصلوات: فقال ابن المنذر، وآخرون من الشافعية: هي الصلوات الخمس. ق: ويكون التقدير: أنها واجبة للَّه تعالى، لا يجوز أن يُقصد بها غيرُه، أو يكون ذلك إخبارًا عن إخلاص الصلوات له، أي: إن صلاتنا مخلَصة له، لا لغيره. وقيل: كلُّ الصلوات، وقيل: الرحمة، أي: هو المتفضلُ بها،

стр. 1186

والمعطي لها؛ لأن الرحمةَ التامةَ للَّه تعالى، لا لغيره (١). ق: وقرر بعض المتكلمين في هذا فصلًا؛ بأن قال ما معناه (٢): إن كلَّ مَنْ رحمَ أحدًا، فرحمتُه له بسبب ما حصل عليه من الرأفة، فهو برحمته دافعٌ لألم الرأفة عن نفسه؛ بخلاف رحمة اللَّه -تعالى-؛ فإنها إرادةُ إيصال النفع إلى العبد (٣). وقيل: الأدعية، وقال الأزهري: العبادات (٤). وأما الطيبات: فقال الأكثرون: معناه: الكلماتُ الطيبات، وهي ذكرُ اللَّه وما والاه، وقيل: الأعمال الصالحات، وهذَا أعمُّ من الأول؛ لاشتماله على الأقوال والأفعال والأوصاف، وطيبُ الأوصاف كونُها بصفة الكمال، وخلوصُها عن شوائب النقص. وقوله: "السلام عليك أيها النبيُّ ورحمةُ اللَّه" (٥): قيل: معناه: التعوُّذُ باسم اللَّه الذي هو السلام، كما تقول: اللَّهُ معك؛ أي: اللَّه متولِّيك، وكفيلٌ بِكَ، وقيل: معناه: السلام والنجاة لك (٦)؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١]، وقيل: الانقيادُ

стр. 1187

لك؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وليس يخلو هذا من ضَعْف؛ لأنه لا يتعدَّى السلام لبعض هذه المعاني بكلمة (على) (١). فائدة: قال العُزَيري (٢): السلام على أربعة أوجه: السلام: اللَّهُ تعالى؛ كقوله: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]. والسلام: السلامة؛ كقوله: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧]؛ أي: دار السلامة، وهي الجنة. والسلام: التسليم، يقال: سَلَّمْتُ عليك سَلامًا؛ أي: تسليمًا. والسلام: شجر عظام، واحدتها سلامة، وأنشد الأخطل: [الطويل] فَرَابِيَةُ السَّكْرَانِ قَفْرٌ فَمَا بِهَا ... يُرَى (٣) شَجَرٌ إِلَّا سَلامٌ وحَرْمَلُ (٤) وقوله: "أيها النبي": الأصل يا أيها النبيُّ، فحذف حرف النداء، وهو لا يحذف إلا في أربعة مواضع:

стр. 1188

العَلَم: نحو قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. والمضاف: نحو قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ومن نحو (١) قولهم: مَنْ لا يزالُ محسنًا! أَحْسِنْ؛ أي: يا مَنْ لا يزال محسنًا. وأي؛ نحو: أيها النبيُّ، وأَيُّها الناسُ، وما أشبهَ ذلك (٢). ويقال: النبيء، والنبيّ -بالهمز وتركه-، فمن همزه، أخذه من النبأ الذي هو الخبر؛ لأن النبيَّ مخبرٌ عن اللَّه تعالى. ومن لم يهمزه (٣)، احتمل وجهين: أحدهما: أن يكون على التخفيف. والثاني: أن يكون أخذه من النَّبْوَةِ، وهي (٤) الارتفاعُ؛ لأن النبيَّ أرفعُ الخَلْقِ رتبةً عند اللَّه تعالى (٥). والبركات: جمعُ بَرَكة، وهي النَّماء والزيادةُ من الخير. وقوله: "السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين". ق: لفظ عموم، وقد دل عليه قوله ﷺ : "فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ،

стр. 1189

أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ (١) في السَّمَاءِ وَالأَرْضِ"، وقد كانوا يقولون: السلامُ (٢) على اللَّه، السلام على فلان، حتى عُلِّموا هذا اللفظ. وفي قوله ﵇: "فإنه إذا قال ذلك، أصابت كلَّ عبد للَّهِ صالح (٣) في السماء والأرض" دليلٌ على أن للعموم صيغة، وأن هذه الصيغة للعموم؛ كما هو مذهب الفقهاء؛ خلافًا لمن توقف في ذلك من الأصوليين، وهو مقطوعٌ به من لسان العرب، وتصرفاتِ ألفاظِ الكتابِ والسنَّةِ عندَنا، ومن تتبع ذلك، وجدَه، وإنما خُصَّ العبادُ الصالحون؛ لأنه كلام ثناء وتعظيم، انتهى (٤). فائدة: لجمع عبد ثمان ألفاظ: عبادٌ، وعبيدٌ، وأَعْبُدُ، وعُبْدان، وعِبْدان، ومَعْبوداء، وعَباديد، وعبدَّى (٥).

стр. 1190

[قلت: بل هي اثنا عشر؛ فمضاف إلى هذه الثمان عبدات وعبدات وأعابد ومعبدة وعِبَّدِى بمد وقصر] (١). وأما الصالحون: فقال جماعة من أهل اللغة، منهم: الزجَّاج، وصاحب "المطالع": العبدُ الصالح: هو القائم بحقوق (٢) اللَّه، وحقوقِ العباد (٣) (٤) -أعاننا اللَّه على ذلك، ولَا قَصَّر بنا عنهم-، آمين بمنِّه وكرمه. قال الإمام أبو عبد اللَّه الترمذي الحكيم: فمن أراد أن يحتظيَ من هذا السلامِ الذي يسلِّمُ الخلقُ في صلاتهم، فليكنْ عبدًا صالحًا. قلت: وينبغي للمصلي أن يستحضر عند ذكر (٥) ذلك جميعَ

стр. 1191

عباد اللَّه -تعالى- من الأنبياء، والملائكة، وجميع المؤمنين، وعندَ سلامه على النبيِّ ﷺ يكون كأنه مشاهدٌ له، حاضرٌ بين يديه ﷺ . وأما الشهادتان: فكلمتان جامعتان جعلهما اللَّه شهادةً (١) واحدةً، فقال (٢): ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، ثم كتب على جبهة العرش: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، وجعلَهما من (٣) مبتدأ اللوح، فهذه منك شهادة تواطىء مبتدأَ اللوح، وما على جبهة العرش، قاله الحكيم الترمذي رحمه اللَّه تعالى. وقوله: "فليتخَيَّرْ من المسألة ما شاء": فيه: دليلٌ على (٤) جواز الدعاء، واستحبابه بما شاء الإنسان من أمر دنياه وآخرته، فرضًا كانت الصلاة أو نَفْلًا؛ إذ التشهدُ أعمُّ من أن يكون في إحداهما (٥) وهو مذهبنا، ومذهبُ الجمهور. وذهب أبو حنيفة، وأحمدُ بنُ حنبل ﵄: إلى أنه لا يجوز الدعاءُ في الصلاة إلا بما وردَ في الكتاب والسنة؛ عملًا بقوله ﵊: "إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الآدَمِيِّينَ" (٦)،

стр. 1192

واستثنى بعضُ الشافعية بعضَ صورٍ من الدعاء تصحُّ؛ كما لو قال: اللهمَّ ارزقْني زوجةً صفتُها كذا وكذا؛ وأخذَ يعدُّد أوصافَ أعضائِها (١). وقال ابنُ شعبانَ من أصحابنا؛ ما معناه: أنه (٢) إن وَطَّأ كلامَه بِنِدَاء ليس بدعاء؛ مثل قوله: يا فلان! فعل اللَّه بك (٣) كذا، فقد أبطلَ صلاتَه قبلَ الشروع في الدعاء؛ بخلاف ما إذا ابتدأ بالدعاء، ثم أتبعه النداء. قال الشيخ أبو محمد بنُ أبي زيد: ولم أعلمْ أحدًا (٤) من أصحابنا قاله غيره (٥). ع: وقوله ﵊ للشيطان في الصلاة: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ" (٦)، وهو في الصلاة، دليلٌ على [جواز] الدعاء على غيره بصيغة (٧) المخاطبة؛ كما كانت الاستعاذة هنا بصيغة المخاطبة؛ خلافًا لما ذهب إليه ابنُ شعبانَ من إفساد الصلاة بذلك (٨).

стр. 1193

قلت: ولتعلمْ: أنه يُكره الدعاء عندنا في الصلاة في ستة مواضع: بعدَ الإحرام، وقبلَ القراءة، وفي الركوع، وفي الجلوس قبل التشهد، وفي أثناء الجلوس الأول -على المشهور-، وفي أثناء الفاتحة أو السورة. هكذا ذكرها صاحب "البيان والتقريب"، وقد تركتُ توجيهَها خشيةَ الإطالة. الرابع: ولتعلم: أنه قد اختُلف في الجلوس في التشهد الأول، وفيه نفسه. فأما الجلوس الأول، فقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد في إحدى روايتيه: إنه سنة. وقال أحمد في الرواية الأخرى: هو (١) واجب. ومن أصحاب أبي حنيفة مَنْ وافق أحمدَ على الوجوب في هذه الرواية. و (٢) أما التشهد فيه: فقال أحمد في إحدى روايتيه، وهي المشهورة: إنه واجب مع الذكر، يسقط (٣) بالسهو. والرواية الأخرى: أنه سنة، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، هكذا نقله ابن هبيرة. قال: واتفقوا؛ يعني: الأئمةَ (٤) الأربعةَ ﵃: على

стр. 1194

أنه لا يزيد في التشهد الأول على قوله: وأن محمدًا عبده (١) ورسوله، إلا الشافعيّ في الجديد من قوليه (٢)، فإنه قال: ويصلي على النبي ﷺ ، ويُسن (٣) ذلك له، قال ابن هبيرة: وهو الأولى عندي. قال: واتفقوا على أن الجلسة في آخر الصلاة فرض من فروض الصلاة، ثم اختلفوا في مقدارها، فقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد: الجلوس في مقدار التشهد فرض. والتحقيق من مذهب مالك: أن الجلوس بمقدار إيقاع السلام فيها هو الفرض عنده، وما عداه مسنون (٤)، كذا ذكره العلماءُ من أصحابه بمذهبه، عبدُ الوهاب وغيره. ثم اختلفوا في التشهد فيها، هل هو فرض، أم (٥) سنة؟ قال (٦) أبو حنيفة: الجلسة هي الركن دون التشهد، فإنه سنة. وقال الشافعي، وأحمد في المشهور عنه: التشهد فيه ركن؛ كالجلوس، وقد روي عن أحمد رواية أخرى: أن التشهد الأخير سنة، والجلسة بمقداره هي الركن وحدها، والرواية الأولى هي المشهورة؛ كمذهب الشافعي.

стр. 1195

وقال مالك: التشهدان (١) الأولُ والثاني سنة. قال: واتفقوا على أن الاعتداد بكلِّ واحد من التشهد المرويِّ عن النبي ﷺ من (٢) طرق الصحابة الثلاثة: عمرَ بنِ الخطاب، وعبدِ اللَّه بن مسعود، وعبدِ اللَّه بن عباس ﵃. ثم اختلفوا في الأولى: فاختار أبو حنيفة تشهدَ ابنِ مسعود، وهو عشرُ كلمات: "التَّحِيَّاتُ للَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ لِلَّهِ (٣)، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ (٤)، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". واختار مالك تشهدَ عمرَ بنِ الخطاب، "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ (٥)، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ" (٦) (٧).
следующие страницы →