← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

عباد اللَّه -تعالى- من الأنبياء، والملائكة، وجميع المؤمنين، وعندَ سلامه على النبيِّ ﷺ يكون كأنه مشاهدٌ له، حاضرٌ بين يديه ﷺ . وأما الشهادتان: فكلمتان جامعتان جعلهما اللَّه شهادةً (١) واحدةً، فقال (٢): ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، ثم كتب على جبهة العرش: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، وجعلَهما من (٣) مبتدأ اللوح، فهذه منك شهادة تواطىء مبتدأَ اللوح، وما على جبهة العرش، قاله الحكيم الترمذي رحمه اللَّه تعالى. وقوله: "فليتخَيَّرْ من المسألة ما شاء": فيه: دليلٌ على (٤) جواز الدعاء، واستحبابه بما شاء الإنسان من أمر دنياه وآخرته، فرضًا كانت الصلاة أو نَفْلًا؛ إذ التشهدُ أعمُّ من أن يكون في إحداهما (٥) وهو مذهبنا، ومذهبُ الجمهور. وذهب أبو حنيفة، وأحمدُ بنُ حنبل ﵄: إلى أنه لا يجوز الدعاءُ في الصلاة إلا بما وردَ في الكتاب والسنة؛ عملًا بقوله ﵊: "إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الآدَمِيِّينَ" (٦)،

стр. 1192

واستثنى بعضُ الشافعية بعضَ صورٍ من الدعاء تصحُّ؛ كما لو قال: اللهمَّ ارزقْني زوجةً صفتُها كذا وكذا؛ وأخذَ يعدُّد أوصافَ أعضائِها (١). وقال ابنُ شعبانَ من أصحابنا؛ ما معناه: أنه (٢) إن وَطَّأ كلامَه بِنِدَاء ليس بدعاء؛ مثل قوله: يا فلان! فعل اللَّه بك (٣) كذا، فقد أبطلَ صلاتَه قبلَ الشروع في الدعاء؛ بخلاف ما إذا ابتدأ بالدعاء، ثم أتبعه النداء. قال الشيخ أبو محمد بنُ أبي زيد: ولم أعلمْ أحدًا (٤) من أصحابنا قاله غيره (٥). ع: وقوله ﵊ للشيطان في الصلاة: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ" (٦)، وهو في الصلاة، دليلٌ على [جواز] الدعاء على غيره بصيغة (٧) المخاطبة؛ كما كانت الاستعاذة هنا بصيغة المخاطبة؛ خلافًا لما ذهب إليه ابنُ شعبانَ من إفساد الصلاة بذلك (٨).

стр. 1193

قلت: ولتعلمْ: أنه يُكره الدعاء عندنا في الصلاة في ستة مواضع: بعدَ الإحرام، وقبلَ القراءة، وفي الركوع، وفي الجلوس قبل التشهد، وفي أثناء الجلوس الأول -على المشهور-، وفي أثناء الفاتحة أو السورة. هكذا ذكرها صاحب "البيان والتقريب"، وقد تركتُ توجيهَها خشيةَ الإطالة. الرابع: ولتعلم: أنه قد اختُلف في الجلوس في التشهد الأول، وفيه نفسه. فأما الجلوس الأول، فقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد في إحدى روايتيه: إنه سنة. وقال أحمد في الرواية الأخرى: هو (١) واجب. ومن أصحاب أبي حنيفة مَنْ وافق أحمدَ على الوجوب في هذه الرواية. و (٢) أما التشهد فيه: فقال أحمد في إحدى روايتيه، وهي المشهورة: إنه واجب مع الذكر، يسقط (٣) بالسهو. والرواية الأخرى: أنه سنة، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، هكذا نقله ابن هبيرة. قال: واتفقوا؛ يعني: الأئمةَ (٤) الأربعةَ ﵃: على

стр. 1194

أنه لا يزيد في التشهد الأول على قوله: وأن محمدًا عبده (١) ورسوله، إلا الشافعيّ في الجديد من قوليه (٢)، فإنه قال: ويصلي على النبي ﷺ ، ويُسن (٣) ذلك له، قال ابن هبيرة: وهو الأولى عندي. قال: واتفقوا على أن الجلسة في آخر الصلاة فرض من فروض الصلاة، ثم اختلفوا في مقدارها، فقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد: الجلوس في مقدار التشهد فرض. والتحقيق من مذهب مالك: أن الجلوس بمقدار إيقاع السلام فيها هو الفرض عنده، وما عداه مسنون (٤)، كذا ذكره العلماءُ من أصحابه بمذهبه، عبدُ الوهاب وغيره. ثم اختلفوا في التشهد فيها، هل هو فرض، أم (٥) سنة؟ قال (٦) أبو حنيفة: الجلسة هي الركن دون التشهد، فإنه سنة. وقال الشافعي، وأحمد في المشهور عنه: التشهد فيه ركن؛ كالجلوس، وقد روي عن أحمد رواية أخرى: أن التشهد الأخير سنة، والجلسة بمقداره هي الركن وحدها، والرواية الأولى هي المشهورة؛ كمذهب الشافعي.

стр. 1195

وقال مالك: التشهدان (١) الأولُ والثاني سنة. قال: واتفقوا على أن الاعتداد بكلِّ واحد من التشهد المرويِّ عن النبي ﷺ من (٢) طرق الصحابة الثلاثة: عمرَ بنِ الخطاب، وعبدِ اللَّه بن مسعود، وعبدِ اللَّه بن عباس ﵃. ثم اختلفوا في الأولى: فاختار أبو حنيفة تشهدَ ابنِ مسعود، وهو عشرُ كلمات: "التَّحِيَّاتُ للَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ لِلَّهِ (٣)، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ (٤)، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". واختار مالك تشهدَ عمرَ بنِ الخطاب، "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ (٥)، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ" (٦) (٧).

стр. 1196

قلت: وجهُ اختيار مالك لهذا التشهد: أنه الذي علَّمَهُ عمرُ ﵁ الناسَ على المنبر، وأنه الواقعُ على رؤوس الصحابة، ولم ينكره أحدٌ، فكان كالإجماع. ق: إلا أنه يترجَّح عليه تشهدُ ابنِ مسعود، وابنِ عباس، من جهة (١) أن رفعَه إلى رسول اللَّه ﷺ مصرَّح به، ورفعُ تشهدِ عمرَ ﵁ بطريقٍ استدلالي (٢). ثم قال ابن هبيرة: واختار الشافعي تشهدَ ابن عباس: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، المُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ، الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ" (٣). قلت: ورجح؛ لأن (٤) فيه زيادة: المباركات، وبأنه (٥) أقربُ إلى لفظ القرآن، قال اللَّه تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١].

стр. 1197

ثم قال ابن هبيرة: وليس في "الصحيحين" إلا ما اختاره أبو حنيفة، وأحمد (١). قلت: وهذا ترجيحٌ كما تقدم. ح: أجمع الناسُ على الإسرار بالتشهد، واللَّه أعلم (٢). الخامس: فيه: دليل على مسِّ المعلِّم بعضَ (٣) أعضاء المتعلِّم عند التعليم (٤)؛ تأنيسًا (٥)، وتنبيهًا. وفيه: دليل على (٦) عدم (٧) وجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة؛ كما هو المشهور عندنا؛ لأنه ﵊ لم يعلِّمْه ابنَ مسعود، بل علَّمه التشهدَ، وأمره (٨) عَقِبَهُ أن يتخير من المسألة ما شاء، ولم يعلِّمْه الصلاةَ، وموضعُ التعليم لا يؤخَّر فيه البيان، لا سيما الواجب، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1198

الحديث الثاني ١١٦ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي لَيْلَى، قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كمَا صلَّيْتَ عَلَى آلِ (١) إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ (٢) عَلَى آلِ (٣) إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ" (٤).

стр. 1199

* التعريف: عبدُ الرحمنِ بنُ أَبي ليلى: تابعيٌّ، واسمُ أبي ليلى: يسارٌ، ويقال (١): داودُ بنُ بلالِ بنِ أُحَيْحَةَ بنِ الجلاحِ بنِ الحرشِ (٢) بنِ جَحْجَبَا بن كلفَة بنِ الأوس. كنيته: أبو عيسى، ولد لستٍّ بَقِينَ من خلافة عمر، وقال بعضهم: لست مَضَيْنَ، ومات سنة ثلاث وثمانين، غرق في دُجَيْل (٣) معَ ابنِ الأشعث. سمع من الصحابة: صهيبًا، وكعبَ بنَ عجرة، وأُبيَّ بنَ كعب،

стр. 1200

والبراءَ بنَ عازب، وزيدَ بنِ أرقمَ، وقيسَ بنَ سعدٍ، وسهلَ بنَ حُنيفٍ، وأبا (١) أيوبَ الأنصاريَّ، وعليَّ بنَ أبي طالب، وأنسَ بنَ مالك ﵃. روى عنه: ثابتٌ البُنانيُّ، والحكمُ بنُ عُيينةَ، وهلالُ بنُ أبي حميدٍ، وعمرُو (٢) بن مرةَ، ومجاهدٌ، وأبو قِلابةَ، وعبدُ الملك بنُ عمير، ويزيدُ بنُ أبي زياد. أخرج حديثه في "الصحيحين" ﵁ (٣). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الهدية: واحدةُ الهدايا، وهي اسم، والمصدرُ إهداءٌ، يقال: أهديتُ له، وإليه، والِمْهدى -بكسر الميم- ما يُهدى (٤) فيه؛ كالطبق ونحوه، ولا يسمى الطبق مِهْدَى إلا وفيه ما يُهدى، والِمْهداء -بالمد-: الذي عادتُه الهدية (٥).

стр. 1201

الثاني (١): يجوز في (إن) الكسرُ على الاستئناف، والفتحُ على البدل من (هديةً)، والرفعُ على إضمار مبتدأ تقديره: وهي أن النبي ﷺ . الثالث: قوله: "فقلنا: يا رسولَ اللَّه! ": الظاهر أنه (٢): سؤالُ بعضهم، لا كلِّهم، ففيه التعبير بالكلِّ عن البعض -كما تقدم-، وهو أحدُ أنواع المجاز، ويبعد جدًا انفرادُ كعب بن عُجرة، وأنه أتى بالنون التي للجمع تعظيمًا لنفسه، وإنْ كان عظيما، بل لا يجوز ذلك؛ لقوله ﷺ : "قولوا"، ولو كان واحدًا، لم يقل له: "قولوا"؛ إِذ ذلك لم يُعهد من كلامه ﵊ في غير السلام (٣). الرابع: فيه: الابتداء بالتعليم من غير طلب المتعلِّم لذلك، كما هو ظاهر الحديث. الخامس: قوله: "فكيف نصلي عليك": ع: حكمُ مَنْ خوطب بأمر محتملٍ لوجهين، أو مجمَل لا يُفهم مراده، أو عامٍّ يحتمل الخصوصَ: أن يسألَ ويبحثَ إذا أمكنه ذلك، واتسع له الوقتُ للسؤال؛ إذ لفظ الصلاة الواردة في القرآن بقوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] محتمل (٤) لأقسام معاني لفظ الصلاة؛ من الرحمة، والدعاء، والثناء.

стр. 1202

وقد قيل: صلاة اللَّه عليه: ثناؤه عليه (١) عندَ الملائكة، ومن الملائكة دعاء. وقيل: هي من اللَّه رحمة، ومن الملائكة رقَّةٌ، ودعاءٌ بالرحمة (٢). وقيل: هي من اللَّه لغير النبي رحمة، وللنبي تشريفٌ، وزيادةُ تكرِمة. وقيل: هي من اللَّه وملائكته تبريك، ومعنى يصلون: يُباركون. فيحتمل أن الصحابة سألوا عن المراد بالصلاة؛ لاشتراك هذه اللفظة، وإلى هذا ذهب بعضُ المشايخ في معنى سؤالهم في هذا الحديث. وقد اختلف الأصوليون في الألفاظ المشتركة إذا وردت مطلقة: فقيل: تُحمل على عموم مُقتضاها من جميع معانيها، ما لم يمنع مانع. وقيل: تُحمل على الحقيقة دون ما تُجوِّز به، وإليه نحا القاضي أبو بكر (٣). وذهب بعض المشايخ: إلى أن سؤالهم عن صفة الصلاة، لا عن جنسها؛ لأنهم لم يؤمروا بالرحمة، ولا هي لهم، وأن ظاهرَ أمرهم؛ أمرُهم بالدعاء، وإليه نحا الباجي (٤).

стр. 1203

ع: وهو أظهرُ في اللفظ، وإن كانت الصلاة -كما قدمنا- مشتركةَ اللفظ، والخلافُ (١) في معنى الصلاة من اللَّه، ومن الملائكة موجود، ويعضده السؤال فيه بكيف التي تقتضي الصفةَ، لا الجنس الذي يسأل عنه بـ (ما)، وسؤالهم هنا (٢) عن الصلاة يُحتمل أن يراد به: الصلاةُ في غير الصلاة، أو في الصلاة، وهو الأظهر؛ لقوله ﵊: "كَمَا عَلِمْتُمْ"؛ يعني: في الحديث الآخر (٣). قلت: والاحتمالُ عندي في السلام كالاحتمال في الصلاة، واللَّه أعلم. السادس: قوله ﵊: "قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على آل محمَّد": اعلم: أنه قد اختلف العلماء في (٤) الآل، من هُم؟ فقيل أَتباعُه ﵊. وقيل: أمته؛ كما قيل: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. ح: وهو أظهر، وهو (٥) اختيار الأزهري وغيرِه من المحققين:

стр. 1204

أنهم جميعُ أمته (١). وقيل: آله: بيتُهُ (٢) وذُرِّيته. وقيل: أتباعُه من رهطِه وعشيرته. وقيل: آلُ الرجل: نفسه. ع: ولهذا كان الحسن يقول: اللهم صلِّ على آل محمد، وكذلك في الحديث: "اللهمَّ صَلِّ على آلِ" (٣) إبراهيمَ"، ويروى: "على إبراهيم" (٤). السابع: اختُلف في أصل (٥) (آل) أهوَ (أهل) أم (أول)؟ والصحيحُ الأول، بدليل رجوع الهاء في تصغيره، قالوا: أُهَيْل، ثم أُبدل من الهاء همزة، ثم أُبدل من الهمزة ألف، فصار آلًا. ومن قال أصله: أَوَل، قال: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا (٦)، وقد قيل: في تصغيره أُوَيْل، فأُبدلت الألف واوًا (٧)،

стр. 1205

ولم ترد (١) إلى الأصل؛ كما لم يردوا عيدًا في التصغير إلى أصله؛ إذ قالوا (٢): عُيَيْد، ولم يقولوا: عُوَيْد، وهو (٣) من عادَ يعودُ؛ لأنه من عَوْدِ المسرات، وكذلك يقولُ (٤) من قال: أصلُه أَوْل؛ كباب. فإن قلت: ما الموجبُ لقلب الهاء همزةً عندَ من يقول: أصلُه أَهْل، وهم يفرُّون من اجتماع الهمزتين، بل من الواحدة، حتى خففوا همزة فأس، ورأس بإبدالها ألفًا، وهمزةَ أَرَاقَ (٥)، وإيَّاكَ، بإبدالها هاء (٦)، وهمزة أُقِّتَتْ بإبدالها واوًا؟ قلت: الجواب من وجهين: أحدهما: أنه لما (٧) كَثُر إبدالُ الهاء من الهمزة؛ كما تقدم، أرادوا أن يعكسوا معارضة بين الهمزة والهاء؛ كما فعلوا ذلك في الياء والواو، وبيان ذلك: أنه كثيرًا ما تُبدل الواو (٨) في (٩) نحو: سَيِّد، ومَيِّت، وطَيٍّ، وَليٍّ، وعِياد، وقِيام، وما أشبهَ ذلك، ثم إنهم قلبوا الياء واوًا في نحو:

стр. 1206

مُوسِر، ومُوقِن؛ إذ هو من اليَسار واليَقين، مع إمكان قولهم: مِيْسِر، ومِيْقِن -بكسر الميم-، وكذلك فعلوا في الطوبى، والكوسى، وهو من الكَيْس (١)، وما أَطْيَبَه، وكذلك التَّقْوَى والبَقْوَى، وهو من تقيت، وبقيت، لكنهم أرادوا المناسبة والمعارضة (٢) -كما تقدم-، وهذا بَيِّن. والثاني: أنه يحتمل أن يكون الإبدال لأجل التفرقة بين أولي الخطر والشأن وغيرهم؛ إذ كان لا يقال: آل الإسكاف، ولا آل البياع، بل إنما يستعمل في مثل هذا أَهْلٌ خاصة، فأبدلوا من الهاء همزة ليبدلوها ألفًا؛ إذ كانت لا تُبدل من الهاء قياسًا، وإن كان الزمخشري قد (٣) ذهب إليه، فجعل الألفَ مبدلةً من الهاء فقط، ولم يقل: إنها مبدلة من الهمزة المبدلة من الهاء؛ كما قاله الجمهور (٤)، وفيه نظر؛ إذ لا نظيرَ لما (٥) ذكر من إبدال الهاء ألفًا، فيتأنس به، وأما قلبُ هاء (ماء) (٦) همزة، فلأنه لما اجتمع فيه (٧) خفيفان (٨)؛ وهما الألف والهاء، أبدلوا الهاء همزة؛ لكونها قوية مجهورة.

стр. 1207

فإن قلتَ: لِم لم يفرقوا بينهما بالهمزة؛ أعني: أن يقولوا في العظيم (١) (أَأْل)، وفي الوضيع: أهل؟ قلت: لا يجوز، لاجتماع همزتين، وهو مرفوض في كلامهم، ألا تراهم أبدلوا همزة آدمَ وآخَر وأشباههما وجوبًا؟ فإن قلتَ: لم اختص (آل) بالعظيم (٢) دون (أَهْل)، وما المناسبة في ذلك؟ قلت: وجهُ الاختصاص والمناسبة: أن اللفظ قد يكون له حصة من (٣) المعنى، ولمَّا كانت الألف ممتدةً ينبسط اللسانُ بها ويرتفع، ناسبت الاستعلاءَ قَدْرًا، والارتفاعَ منزلةً، بخلاف الهاء؛ فإنها مهموسة، مستفلة (٤)، ضعيفة، فناسب (٥) الانحطاط قَدْرًا، والاستفال منزلة، فاعرفه، فقلَّما تجده. فإن قلت: فقد جاء: (آل فرعون)، وليس بعظيم، بل رذيل؟ قلت: يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أنه جاء على ما عَهِدوا (٦) من تعظيمه.

стр. 1208

والثاني: أن يكون على طريق التهكم؛ كما قال تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] , وأشباه ذلك كثيرة، واللَّه أعلم. الثامن: اختُلف في حكم الصلاة عليه ﷺ على ثلاثة مذاهب: فالجمهور (١): على وجوبها مرةً في العمر؛ كالشهادتين، واستحبابِها فيما عدا ذلك، ويتأكد الاستحبابُ في التشهد الأخير من الصلاة، وهو المشهور من مذهبنا. وذهب الشافعي: إلى وجوبها في التشهد الأخير. وظاهر (٢) كلام أحمد: كمذهب الشافعي، على ما نقله ابنُ هبيرة في إجماع الأربعة، وتابعه إسحاق، إلا أنه فرق بين تركها عمدًا، فلا تصح الصلاة، أو سهوًا، فتصح (٣). قال الخطابي: ولا أعلم للشافعي في هذا قدوة (٤). قلت: والظاهر -واللَّه أعلم (٥) - أن الشعبي تقدَّمَه بذلك، هذا قول. وقيل: تجب كلَّما ذكر ﷺ ، واختاره الطحاويُّ من الحنفية، والحليميُّ من الشافعية.

стр. 1209

ودليل الجمهور: الأحاديثُ الصحيحة المتفق على صحتها؛ كحديث ابن مسعود المتقدم في التشهد (١)، وأنه لم يعلمه فيه الصلاةَ عليه ﷺ على ما تقرر-، وحديثِ المسيء صلاتَه -أيضًا- كذلك. ق: وليس في هذا الحديث تنصيص على أن هذا الأمر مخصوص بالصلاة، يعني قوله: "اللهمَّ صَلِّ على محمدٍ، وعلى آلِ محمَّدٍ". قال (٢): وقد أكثر الاستدلال على وجوبه في الصلاة من المتفقهة بأن الصلاة عليه ﷺ واجبة بالإجماع، ولا تجب في غير الصلاة بالإجماع، فتعين أن تجب في الصلاة. وهو ضعيف جدًا؛ لأن قوله: لا تجب في غير (٣) الصلاة، إن أراد به: لا تجب في غير الصلاة عينًا، فهو صحيح، لكنه لا يلزم منه أن تجب في الصلاة عينا (٤)، لجواز أن يكون الواجب مطلقَ الصلاة، فلا يجب واحدٌ من المعنيين -أعني: خارجَ الصلاة، وداخل الصلاة-، وإن أراد (٥) أعم من ذلك، وهو الوجوب المطلق (٦)، فممنوع، انتهى (٧).

стр. 1210

قال ابن عطية رحمه اللَّه تعالى: والصلاة على النبي ﷺ في كل حال من الواجبات؛ وجوبَ السنن المؤكَّدة التي لا يسع تركُها, ولا يغفلها إلا من لا خيرَ فيه، وقال ﵊: "أَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ" (١). قلت: وقد جاء في بعض الأحاديث: أن من جملة الملائكة التي (٢) على العبد، مَلَكَيْن (٣) لا يكتبان إلا الصلاةَ على النبيِّ ﷺ ، ولو لم يكن في ذلك إلا ما جاء في "الصحيح": "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً (٤)، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا" (٥)، لكانَ كافيًا في ذلك، فكيف ولا يكاد أحدٌ يحصرُ ما جاء في فضل الصلاة عليه ﷺ ، وشَرَّف، وكَرَّم (٦)؟! التاسع: اختلف الشافعية في الصلاة على الآل على (٧) وجهين:

стр. 1211

أصحُّهما: عدمُ الوجوب، واللَّه أعلم (١). العاشر: في إبراهيم خمس لغات: إبراهيم، وإبراهام، وإبراهُم -بضم الهاء وفتحها وكسرها من غير ياء-، وجمعه: بَراهِمُ، وأَبارِهُ (٢)، ويجوز فيه الواو والنون لاجتماع الشروط فيه. قالوا: ومعناه أبٌ رحيمٌ (٣) (٤). الحادي عشر: قوله: "حميد مجيد": قال أهل اللغة والمعاني، والمفسرون: الحميد: بمعنى المحمود، وهو الذي تُحمد أفعالُه. والمجيد (٥): الماجد (٦)، وهو من كَمُل في الشرف، والكرمِ، والصفاتِ المحمودة (٧). الثاني عشر: معنى البركة هنا: الزيادة من الخير والكرامة، والتكثير منها، وتكون بمعنى: الثبات على ذلك، من قولهم: بَرَكَت الإبلُ، وتكون البركة هنا بمعنى: التطهير والتزكية عن المعايب، وكما قال

стр. 1212

تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] , وهو أحد التأويلات في قولهم: تبارك اللَّه، قاله "ع" (١). (٢) ثم اختلف أرباب المعاني في فائدة قوله: "كما صلَّيتَ على إبراهيم، وآلِ (٣) إبراهيم" على تأويلات كثيرة، أظهرها: أن نبينا ﵊ سأل ذلك لنفسه وأهلِ بيته؛ لتتم (٤) النعمةُ عليهم والبركة؛ كما أتمها على إبراهيم وآله. وقيل: بل سأل ذلك لأمته؛ ليثابوا على ذلك. وقيل: بل ليبقى له ذلك إلى يوم الدين، ويجعل لديه لسان صدق في الآخِرين؛ كما جعله (٥) لإبراهيم. وقيل: بل سأل ذلك له ولأمته. وقيل: كان ذلك قبل أن يُعَرَّف ﵊ بأنه (٦) أفضلُ ولد آدم، ويطلع (٧) على علوِّ منزلته.

стр. 1213

وقيل: بل سأل أن يصلِّيَ عليه صلاة يتخذه بها خليلًا؛ كما اتخذ إبراهيمَ لخيلًا، وقد قال ﵊ في "الصحيح" (١) آخر أمره: "لَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلَيِلُ الرَّحْمَنِ" (٢)، وقد جاء أنه حَبِيبُ الرَّحْمَنِ، وقال -أيضًا-: "أَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ" ذكره الترمذي (٣)، فهو الخليل، والحبيب (٤). وقد اختلف العلماء: أيُّهما أشرفُ، أو هما سواء، أو بمعنى: وفضل أكثرهم رتبة المحبة، وقد بسطنا الكلامَ على (٥) هذا الفصل في كتاب (٦) "الشفا" بحول اللَّه تعالى (٧). قلت: وقد اختلفوا: هل يجوز الدعاءُ للنبي ﷺ بالرحمة، أم لا؟ وكأن الأكثرين (٨) على المنع، وفيه نظر؛ لأنه قد ورد في بعض الأحاديث: "وَارْحَمْ مُحَمَّدًا" (٩).

стр. 1214

الثالث عشر: لم يزل الناس (١) يوردون في هذا الحديث السؤالَ المشهور، وهو أن المشبَّه به أعلى (٢) من المشبَّه، ونبينا ﵊ أفضلُ الأنبياء والمرسلين إجماعًا، فكيف تكون الصلاةُ عليه مشبَّهَةَ بالصلاة على إبراهيم ﵇؟ وقد اختلفت الأجوبةُ في ذلك، فقيل: إنما وقع الشبه لأصل (٣) الصلاة بأصل الصلاة، لا القَدْرِ بالقدر؛ كما كان ذلك في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] وأن المراد: أصلُ الصيام (٤)، لا عينهُ ووقتهُ، واستضعفَ هذا بعضُ المعاصرين. وقيل: التشبيه وقع في الصلاة على الآل، لا على النبي ﷺ ، فكأَن قولَنا: "اللهم صلِّ على محمدٍ" مقطوعٌ من التشبيه (٥)، وقوله: "وعلى آل محمدٍ" متصلٌ بقوله: "كما صلَّيت على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم"، وفي هذا من السؤال أن غير الأنبياء لا يمكن أن نساويهم، فكيف نطلبُ وقوعَ ما لا يمكن وقوعه؟

стр. 1215

وقيل: إن المشبَّه (١) الصلاةُ على النبي ﷺ وآله (٢)، بالصلاة على إبراهيم ﵇ وآله-؛ أي: المجموع بالمجموع (٣)، ومعظمُ الأنبياء ﵈ هم آلُ إبراهيم، فإذا تقابلت الجملة بالجملة، وتعذَّرَ أن يكون لآل النَّبي ﵊ مثلُ ما لآل إبراهيم الذين هم الأنبياء، كان ما توفر من ذلك حاصلًا للرسول ﷺ ، فيكون زائدًا على الحاصل لإبراهيم، والذي يحصل من هذا (٤) هو آثار الرحمة والرضوان (٥)، فمن كانت في حقه أكثر، كان أفضل. وقيل: لا يلزم من مجرد السؤال الصلاةَ مساويةً لإبراهيم ﵇ المساواةُ، أو عدم الرجحان (٦) عند السؤال، وإنما يلزم ذلك لو لم يكن الثابتُ للرسول ﷺ (٧) صلاة مساوية لصلاة إبراهيم ﵇، أو زائدة عليها، أما إذا كان كذلك، فالمسؤول من الصلاة إذن يُضَمُّ (٨) إلى الثابتِ المتقررِ للرسول ﷺ ، كان المجموع زائدًا في المقدار على

стр. 1216

القدر (١) المسؤول، وصار هذا في المثال؛ كما إذا ملك إنسان (٢) أربعةَ آلاف درهم -مثلًا (٣) -، وملك آخرُ ألفين، فسألنا أن نعطي لصاحب أربعة الآلاف مثلَ ما لذلك الآخر، وهو ألفان، فإذا حصل ذلك، انضمت الألفان إلى أربعة (٤) الآلاف، فالمجموع ستة آلاف، وهي زائدة على المسؤول الذي هو ألفان (٥). وقد قيل (٦) غيرُ ذلك، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1217

الحديث الثالث ١١٧ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو في صلاته (١) يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيح الدَّجَّالِ" (٢). وفي لَفْظٍ لمسلم (٣): "إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدَكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبعٍ: يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ"، ثمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ (٤).

стр. 1218

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قد تكرر أن (١) (كان) هذه تدل على المداومة، والتكرار، وظاهرُ هذه الرواية الأولى: عمومُ الدعاء بذلك؛ أعني: في الصلاة وغيرها، بخلاف رواية مسلم الثانية.

стр. 1219

الثاني: القَبْر: واحدُ القبور، والمقبَرة والمقبُرة (١) -بفتح الباء وضمها-: واحدةُ المقابر، وقد جاء في الشعر: المَقْبَر (٢)، قال: لِكُلِّ أُنَاسٍ (٣) مَقْبَرٌ بِفِنَائِهِمْ ... فَهُمْ يَنْقُصُونَ وَالْقُبُورُ تَزِيدُ وقَبَرْتُ الميتَ، أَقْبُرُهُ وأَقْبِرُهُ -بضم الباء وكسرها- قَبْرًا؛ أي: دفنتُه، وأَقْبرتُه: أمرتُ (٤) بأن يُقبر. وقال ابن السِّكِّيت: أقبرته (٥): صَيَّرت له قبرًا يُدفن فيه، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]؛ أي: جعله ممن (٦) يُقبر، ولم يجعله ممن يُلقى للكلاب، وكأنَّ القبرَ مما أُكْرِم به بنو آدم (٧). الثالث: الحديث مصرِّح بثبوت عذاب القبر؛ كما هو مذهب أهل السنة والحق، والإيمانُ به واجب، وقد أشبعنا (٨) القولَ في ذلك في "شرح (٩) رسالة ابن أبي زيد"، أعان اللَّه على إكماله.

стр. 1220

الرابع (١): الفتنة: قال أهل اللغة: هي الامتحان والاختبار. ع: لكن عرفها في اختبار كشف عما يكره، يقال (٢): فَتَنْتُ الذهبَ: إذا أدخلتَهُ النارَ لتختبرَه، وتنظرَ ما جودته، ودينارٌ مفتون، قال اللَّه -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠]، (٣) ويسمى الصائغ: الفتان، وكذلك الشيطان. وقال الخليل (٤): الفَتْن: الإحراق، قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]. قلت: وكلاهما متقارب، أو متساوٍ، ويقال: افْتُتِنَ (٥) الرجلُ، وفُتِن، فهو مَفْتون: إذا أصابته فتنةٌ، فذهب (٦) مالُه، أو عقلُه. وكذلك إذا اختبر، قال اللَّه تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]. والفُتون أيضا: الافتتان، فيتعدَّى (٧)، ولا يتعدَّى، وأنكر الأصمعي أَفْتَنَتْ، بالألف. وقال الفراء: أهل الحجاز يقولون: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ,

стр. 1221

وأهل نجد يقولون: (بِمُفْتِنين) من أَفْتَنْتُ، واللَّه أعلم (١). الخامس (٢): ق (٣): وفتنةُ المحيا: ما يتعرض له الإنسان مدةَ حياته من الافتتان بالدنيا، والشهوات، والجهالات، وأشدُّها وأعظمُها (٤) -والعياذ بالله تعالى- أمرُ الخاتمة عندَ الموت. وفتنة الممات؛ يجوز أن يراد بها: الفتنة عند الموت، أضيفت إلى الموت؛ لقربها منه، وتكون فتنة المحيا على هذا ما يقع قبل ذلك في مدة حياة الإنسان، وتصرفه في الدنيا (٥)، فإنَّ ما قارب الشيء يُعطى حكمَه، فحالةُ الموت تشبَّه بالموت (٦)، ولا تُعَدُّ من الدنيا. ويجوز أن يراد بفتنة الممات: فتنة القبر؛ كما صح عن النبي ﷺ في فتنة القبر؛ كمثل، أو أعظم من فتنة الدجال، ولا يكون على (٧) هذا الوجه (٨) متكررًا مع قوله: "مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ"؛ لأن العذابَ مرتَّبٌ على الفتنة، والسببُ غيرُ المسبَّب، ولا يقال: إن المقصود زوالُ عذاب القبر؛

стр. 1222

لأن الفتنة نفسَها أمر عظيم، وهو شديدٌ يُستعاذ باللَّه من شره. قال (١): وقد (٢) ظهرت العناية بالدعاء بهذه الأمور؛ حيث أمرنا بها في كل صلاة، وهي حقيقة بذلك؛ لِعِظَمِ الأمر فيها، وشدة البلاء في وقوعها؛ ولأن أكثرها أو كلَّها أمورٌ إيمانية غيبية، فتكرُّرُها على الأنفس يجعلها مَلَكَة لها (٣). السادس (٤): هذا الدعاء مستحب عند جمهور العلماء، غيرُ واجب. وذهب طاوسٌ وأهلُ الظاهر إلى وجوبه. وقع في "مسلم": أن طاوسًا أمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يدعُ بهذا الدعاء فيها، و (٥) كأنه حمل الأمرَ بذلك على الوجوب. ح: ولعل طاوسًا أراد تأديبَ ابنه، وتأكيدَ هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبَه، واللَّه أعلم (٦). السابع (٧): في حديثِ مسلم (٨): "إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ (٩) "،

стр. 1223

وهو أعمُّ من أن يكون في التشهد الأول أو الآخر، لكن يفسره الحديث الآخر في مسلم أيضًا: "إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، فَلْيتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ" (١)، ففيه التصريحُ باستحبابه في التشهد الأخير، والإشارةُ إلى أنه لا يستحب في الأول، وهذا الحكم؛ لأن الأولَ قُصد فيه التخفيف، وقد تقدم أنه من المواضع الستة التي يُكره فيها الدعاءُ عندنا. الثامن (٢): ع: ودعاء النبي ﷺ واستعاذتُه من هذه الأمور التي عوفي منها وعُصم؛ إنما فعله ليلتزم خوف اللَّه -تعالى- وإعظامه، ولإظهاره السنة ﷺ (٣). * * *

стр. 1224

الحديث الرابع ١١٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، عنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ في صَلَاتِي، قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ" (١).

стр. 1225

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الظلم في اللغة: وضعُ الشيء في غير موضعه (١)، ومنه قولهم: مَنْ أَشْبَهَ أَباه، فَما ظَلَمَ؛ أي: لم يضعِ الشبهَ في غير موضعِه (٢)، ومنه قولهم (٣): المظلومَةُ الجَلَدُ: وهي الأرضُ التي لم يأتها المطر في وقته (٤). والظُّلم في أحكام الشرع على مراتب، أعلاها: الشرك، ثم ظلم المعاصي، وهي على مراتب (٥). ففي الحديث: دليل على أن الإنسان لا يَعْرى من ذنب وتقصير؛ كما قال ﵊ (٦) -، "وَلَنْ (٧) تُحْصُوا" (٨)، "كُلُّ ابْنِ آدَمَ

стр. 1226

خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ" (١)، ولو كان ثَمَّ حالةٌ تعرى عن الظلم أو التقصير، لما طابق هذا الإخبارُ الواقعَ، ولم يؤمر به، ثم إن التقصير في طلب معالي الأمور، والتوسل بطاعة اللَّه وتقواه إلى رفيع الدرجات عند اللَّه تعالى، لا يبعد أن يصدُق عليه اسمُ الظلم بالنسبة لما يقابله من المبالغة والتشمير في ذلك، وباللَّه التوفيق (٢). الثاني: النفسُ تذكر وتؤنث، قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ [الزمر: ٥٦] فهذا دليل التأنيث، وقوله (٣) تعالى بعدُ: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ [الزمر: ٥٩] دليل (٤) التذكير. والنفس: قيل: هي الروح، وهي من المسائل المشهور الخلاف الشديد فيها (٥)؛ أعني: في أن النفس هي الروح، أو (٦) لا؟ حتى سمعتُ مَنْ يقول: إن فيها للعلماء ألفَ قول، وليس المراد هنا -واللَّه أعلم- بالنفس (٧)، إلا الذاتُ، فإذا قيل (٨): ظلمتُ نفسي؛ فكأنه قال:

стр. 1227

ظلمتُ إياي؛ أي: وضعت المعاصي التي هي سبب العقوبة موضعَ الطاعات التي هي سبب النجاةِ والفوزِ بالنعيم المقيم؛ لما تقدَّم من أن الظلم: وضعُ الشيء في غير موضعه، واللَّه أعلم. الثالث: قوله: (ولا يغفر الذنوب إلا أنت): المغفرةُ، والغَفْر، والغُفران (١) معناها: السَّتْر والتغطية، غفرتُ المتاعَ: إذا جعلته في الوعاء (٢)، ومنه سمي المِغْفَرُ مِغْفَرًا؛ لتغطيتِهِ الرأسَ، وسترِه إياهُ، ويُقَالُ: اغفر ثوبَكَ، فهو أسترُ للوسخ. ونقل ابن الجوزي عن بعض أهل اللغة: أن (٣) المَغْفِرَة مأخوذة (٤) من الغفر، وهو نبتٌ تُداوى (٥) به الجراحُ، إذا ذُرَّ عليها، دملَها وأبرأها، وهو غريب. يقال: استغفرَ اللَّهَ لذنبه، ومن ذنبِه، بمعنى (٦)، فغفر له ذنبَه مغفرةً، وغَفْرًا، وغُفرانًا، واغتفر ذنبه مثلُه (٧)، فهو غَفور، والجمع غُفُر، ومنه قوله: [الرمل]

стр. 1228

غُفُرٌ ذَنْبَهُمُ غَيْرُ فُجُرْ (١) والذُّنوب: جمع ذنب، وهو (٢) الجُرْم، مثل فَلْس وفُلُوس، فهو اسم (٣)، والمصدرُ إذناب، ولا يكاد يستعمل. فقوله: "لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ" إقرارٌ بوحدانيته تعالى، واستجلابٌ لمغفرته (٤)؛ كما قال تعالى: "عَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ (٥)، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ" (٦)، وهو (٧) كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] , فأثنى على المستغفِرين من ذنوبهم، وفي ضمن ثنائه -تعالى- عليهم بالاستغفار أمرٌ به، فالأمرُ (٨) في الآية (٩) بالتلويح،

стр. 1229

وفي الحديث بالتصريح؛ لأنه قد قيل: إنَّ (١) كل شيء أثنى اللَّهُ -تعالى- على فاعله، فهو آمِرٌ به من جهة المعنى، وكل شيء ذمَّ اللَّهُ -تعالى- فاعله، فهو ناهٍ عنه من جهة المعنى، فليعلمْ ذلك. وقوله: "مغفرة من عندك"، وإن كانت المغفرةُ لا تكون إلا من عنده. قال ق: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون إشارةً إلى التوحيد المذكور؛ كأنه (٢) قال: لا يفعلُ هذا إلا أنت، فافعلْه أنت. والثاني: وهو الأحسن (٣): أن يكون إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها من عند اللَّه -تعالى-، لا يقتضيها سببٌ من (٤) العبد، وهذا تبرؤ من الأسباب، والإدلال (٥) والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوبًا عقليًا (٦). وقال ابن الجوزي: المعنى (٧): هَبْ لي المغفرةَ تفضلًا، وإن لم

стр. 1230

أكنْ أهلًا لها بعملي (١). وهو قريب مما قبله، أو هو هو. وقوله: "فارحمني" (٢): قيل: الرحمةُ من اللَّه -تعالى- عند المنزِّهين من الأصوليين عن التشبيه: إما نفسُ الأفعال يوصلُها اللَّه -تعالى- من الإنعام والإفضال إلى العبد. وإما إرادة (٣) إيصال تلك الأفعال إلى العبد. فعلى الأول: هي من صفات الفعل. وعلى الثاني: هي من صفات الذات (٤). فائدة: أخذ من قوله -تعالى-: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الآية: أن اللَّه -تعالى- أرحمُ بالعبد من أمه وأبيه، وبيانه: أن
следующие страницы →