← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ" (١)، ولو كان ثَمَّ حالةٌ تعرى عن الظلم أو التقصير، لما طابق هذا الإخبارُ الواقعَ، ولم يؤمر به، ثم إن التقصير في طلب معالي الأمور، والتوسل بطاعة اللَّه وتقواه إلى رفيع الدرجات عند اللَّه تعالى، لا يبعد أن يصدُق عليه اسمُ الظلم بالنسبة لما يقابله من المبالغة والتشمير في ذلك، وباللَّه التوفيق (٢). الثاني: النفسُ تذكر وتؤنث، قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ [الزمر: ٥٦] فهذا دليل التأنيث، وقوله (٣) تعالى بعدُ: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ [الزمر: ٥٩] دليل (٤) التذكير. والنفس: قيل: هي الروح، وهي من المسائل المشهور الخلاف الشديد فيها (٥)؛ أعني: في أن النفس هي الروح، أو (٦) لا؟ حتى سمعتُ مَنْ يقول: إن فيها للعلماء ألفَ قول، وليس المراد هنا -واللَّه أعلم- بالنفس (٧)، إلا الذاتُ، فإذا قيل (٨): ظلمتُ نفسي؛ فكأنه قال:

стр. 1227

ظلمتُ إياي؛ أي: وضعت المعاصي التي هي سبب العقوبة موضعَ الطاعات التي هي سبب النجاةِ والفوزِ بالنعيم المقيم؛ لما تقدَّم من أن الظلم: وضعُ الشيء في غير موضعه، واللَّه أعلم. الثالث: قوله: (ولا يغفر الذنوب إلا أنت): المغفرةُ، والغَفْر، والغُفران (١) معناها: السَّتْر والتغطية، غفرتُ المتاعَ: إذا جعلته في الوعاء (٢)، ومنه سمي المِغْفَرُ مِغْفَرًا؛ لتغطيتِهِ الرأسَ، وسترِه إياهُ، ويُقَالُ: اغفر ثوبَكَ، فهو أسترُ للوسخ. ونقل ابن الجوزي عن بعض أهل اللغة: أن (٣) المَغْفِرَة مأخوذة (٤) من الغفر، وهو نبتٌ تُداوى (٥) به الجراحُ، إذا ذُرَّ عليها، دملَها وأبرأها، وهو غريب. يقال: استغفرَ اللَّهَ لذنبه، ومن ذنبِه، بمعنى (٦)، فغفر له ذنبَه مغفرةً، وغَفْرًا، وغُفرانًا، واغتفر ذنبه مثلُه (٧)، فهو غَفور، والجمع غُفُر، ومنه قوله: [الرمل]

стр. 1228

غُفُرٌ ذَنْبَهُمُ غَيْرُ فُجُرْ (١) والذُّنوب: جمع ذنب، وهو (٢) الجُرْم، مثل فَلْس وفُلُوس، فهو اسم (٣)، والمصدرُ إذناب، ولا يكاد يستعمل. فقوله: "لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ" إقرارٌ بوحدانيته تعالى، واستجلابٌ لمغفرته (٤)؛ كما قال تعالى: "عَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ (٥)، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ" (٦)، وهو (٧) كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] , فأثنى على المستغفِرين من ذنوبهم، وفي ضمن ثنائه -تعالى- عليهم بالاستغفار أمرٌ به، فالأمرُ (٨) في الآية (٩) بالتلويح،

стр. 1229

وفي الحديث بالتصريح؛ لأنه قد قيل: إنَّ (١) كل شيء أثنى اللَّهُ -تعالى- على فاعله، فهو آمِرٌ به من جهة المعنى، وكل شيء ذمَّ اللَّهُ -تعالى- فاعله، فهو ناهٍ عنه من جهة المعنى، فليعلمْ ذلك. وقوله: "مغفرة من عندك"، وإن كانت المغفرةُ لا تكون إلا من عنده. قال ق: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون إشارةً إلى التوحيد المذكور؛ كأنه (٢) قال: لا يفعلُ هذا إلا أنت، فافعلْه أنت. والثاني: وهو الأحسن (٣): أن يكون إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها من عند اللَّه -تعالى-، لا يقتضيها سببٌ من (٤) العبد، وهذا تبرؤ من الأسباب، والإدلال (٥) والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوبًا عقليًا (٦). وقال ابن الجوزي: المعنى (٧): هَبْ لي المغفرةَ تفضلًا، وإن لم

стр. 1230

أكنْ أهلًا لها بعملي (١). وهو قريب مما قبله، أو هو هو. وقوله: "فارحمني" (٢): قيل: الرحمةُ من اللَّه -تعالى- عند المنزِّهين من الأصوليين عن التشبيه: إما نفسُ الأفعال يوصلُها اللَّه -تعالى- من الإنعام والإفضال إلى العبد. وإما إرادة (٣) إيصال تلك الأفعال إلى العبد. فعلى الأول: هي من صفات الفعل. وعلى الثاني: هي من صفات الذات (٤). فائدة: أخذ من قوله -تعالى-: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الآية: أن اللَّه -تعالى- أرحمُ بالعبد من أمه وأبيه، وبيانه: أن

стр. 1231

العادة: أن الإنسان يوصي على ولده غيرَه، واللَّه تعالى قد أوصى آباءنا علينا. وأما أخذ ذلك من (١) قوله -تعالى-: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] , فظاهر، فإن الوالدين من الراحمين (٢)، وقد قال: إنه أرحم الراحمين، وباللَّه التوفيق. الرابع: قوله: "إنك أنت الغفور الرحيم" (إن) هنا للتعليل، و (أنت) يجوز أن يكون (٣) توكيدًا للكاف، ويجوز أن يكون (٤) فصلًا، والصفتان للمبالغة، وقعتا ختمًا للباب على جهة المقابلة لما قبلهما (٥)، فالغفورُ (٦) مقابلٌ لقوله: "اغفرْ لي"، والرحيم مقابلٌ لقوله: "ارحَمْني"، وقد وقعت المقابلة هنا للأول بالأول، والثاني بالثاني، وقد تقع على خلاف ذلك مراعاة للقرب، فيجعل (٧) الأول للأخير، وذلك على حسب المقاصد، وطلب التفنُّن في الكلام، وهو أن يذكر شيئًا، ثم يقصد (٨)

стр. 1232

تخصيصه لبعيده (١) مع ذلك المخصص (٢)؛ نحو قوله (٣) تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] ثم قال (٤): ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ [هود: ١٠٦]، فبدأ بالأول لتصدُّره، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الآية، فبدأ بالثاني قبلَ حكم الأول، ووجهُه أنه لو بُدىء (٥) بحكم الأول، لزم منه أن ينفصل الحكمُ عن كل واحد منهما. ق: ومما يُحتاج إليه في علم التفسير معرفةُ مناسبة مقاطع الآي لما قبلَها (٦). وهو كما قال رحمه اللَّه تعالى (٧). الخامس: ق: هذا الحديث يقتضي الأمرَ بهذا الدعاء في الصلاة من غير تعيين لمحلِّه، ولو فعل فيها حيث لا يُكره الدعاء في الأماكن، لجازَ، ولعل الأَوْلى أن يكون في أحد موطِنَين: إما السجود، وإما بعدَ التشهد؛ فإنهما الموضعان اللذان أُمر فيهما بالدعاء، قال -عليه الصلاة

стр. 1233

والسلام -: "وَأَمَّا (١) السُّجُودُ، فَاجْتَهِدُوا فِيهِ بِالدُّعَاءِ" (٢)، وقال في التشهد: "وَلْيتَخَيَّرْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ المَسْأَلَةِ مَا شَاءَ" (٣)، ولعله يترجَّح كونُه فيما بعدَ التشهد؛ لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل (٤). قلت: وفي هذا الترجيح نظر، والأَوْلى الجمعُ بينهما في المحلين المذكورين، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1234

الحديث الخامس ١١٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةً (١) بَعْدَ أَنْ أنزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إِلَّا يَقُولُ فِيهَا: "سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" (٢). وَفي لَفْظٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" (٣).

стр. 1235

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: (إذا) منصوب بـ (سَبِّح) وهو لما يُستقبل، فالإعلامُ بذلك قبلَ كونه من أعلام النبوة، رُوي أنها نزلت في أيام التشريق في حجة الوداع. والفرقُ بين النَّصْر والفَتْح: هو أن النصر: الإعانةُ والإظهار على العدو، ومنه نصرَ اللَّهُ الأرضَ: غاثَها (١)، والفتحُ: فتحُ البلاد، والمعنى: نصرُ رسولِ اللَّه ﷺ على العرب، أو (٢) قريشٍ، وفتحُ مكة (٣). الثاني: قد تقدم الكلام على لفظ (سبحان)، وأنه من المصادر اللازمة للنصب، وأنه منصوب بإضمار فعل لا يظهر؛ كما تقدم.

стр. 1236

وفيه: مبادرةُ الرسول ﵊ إلى امتثال ما أمره اللَّه به، وملازمته لذلك (١). الثالث: (الباء) في (٢) (بحمدك) تتعلق (٣) بمحذوف؛ أي: وبحمدِكَ سَبَّحْتُ، وهذا يحتمل -أيضًا- أن يكون فيه حذف؛ أي: وبسببِ حمدِ اللَّه سَبَّحْتُ (٤)، ويكون المرادُ بالسبب هنا: التوفيقَ، والإعانةَ على التسبيح، واعتقاد معناه، وهذا كما رُوي عن عائشة ﵂ في "الصحيح": بحمدِ اللَّه لا بحمدِكَ (٥)؛ أي: وقع هذا بسبب حمدِ اللَّه؛ أي: بفضله، وإحسانه، وعطائه، فإن الفضل والإحسان سببُ الحمد، فعبر عنهما بالجملة. وقوله: "اللهم اغفر لي": امتثالٌ لقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ بعد امتثال قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣]، قاله ق. الرابع: ظاهر اللفظ الآخر: عدمُ كراهة الدعاء في الركوع؛ لقوله ﵊ فيه (٦): "اللهمَّ اغفرْ لي"، وهو معارض (٧) بقوله (٨)

стр. 1237

-﵊: "أَمَّا (١) الرُّكُوعُ، فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ، فَاجْتَهِدُوا فِيهِ بِالدُّعَاءِ (٢) " (٣). وقد تعسَّفَ ق في الجمع بين الحديثين، فقال: يؤخذ من هذا الحديث -يعني: حديث عائشة- الجوازُ، ومن ذلك: الأولويةُ بتخصيص الركوع بالتعظيم. وهذا عندي كلام مَنْ لم (٤) يعتدَّ بقول الفقهاء بالكراهة في ذلك، حيث اعتقد جوازَه من هذا الحديث من غير كراهة؛ إذ لا يجوز أن يريد: الجوازَ مع الكراهة؛ لكونه ﵊ بريئًا (٥) من فعلِ المكرور، فهذا ليس بجيد إلا عند من لا يكره الدعاءَ في الركوع، إن كان قد قيل بذلك. ثم قال: ويحتمل أن يكون السجود قد أمر فيه بتكثير الدعاءِ، لإشارة قوله: "فَاجْتَهِدُوا"، واحتمالها للكثرة، والذي وقع في الركوع من قوله: "اغفرْ لي" ليسَ بكثير، فليس في معارضة ما أمر به في السجود (٦).

стр. 1238

قلت: لا نسلِّمُ كونَه ليس بكثير، مع التعبير عنه بـ (كان) التي تدلُّ على (١) المداومة والتكرار، بل قد صرحت (٢) عائشة ﵂ (٣) - بالتكثير بقولها: "كانَ يُكْثِرُ أَنْ يقولَ في ركوعِهِ وسجودِهِ"، الحديث (٤)، فليتأمل الجمعُ بين الحديثين (٥)، فإنه لم يتيسرْ لي الآن، واللَّه الموفق للصواب (٦). * * *

стр. 1239

باب الوتر الحديث الأول ١٢٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ (١): مَا تَرَى في صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ "فقَالَ" (٢): "مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ، صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صلَّى"، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا" (٣).

стр. 1240

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: المنبر: -بكسر الميم وفتح الباء-، وهو مِفْعَلٌ من النَّبْرِ، وهو الارتفاعُ، يقال: نَبَرْتُ الشيءَ، أَنْبِرُه، نَبْرًا: إذا رفعته، ونَبْرَةُ المغنِّي: رفعُ صوتِه عن خَفْض (١). وكان سبب عمل المنبر لرسول اللَّه ﷺ : أن امرأة من الأنصار قالت

стр. 1241

لرسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه (١)! ألا أجعلُ (٢) لك شيئًا تقعد عليه، فإن لي غلامًا نجارًا؟ قال: "إِنْ شِئْتِ"، (٣) فعملَتْ له المنبرَ، فلما كان يوم الجمعة، قعد النبيُّ ﷺ على المنبر الذي صُنع، فصاحتِ النخلةُ التي كان يخطُبُ عندها حتى كادت أن تنشقَّ، فنزل النبيُّ ﷺ حتى أخذها، فضمَّها إليه، فجعلت تَئِنُّ أنينَ الصبيِّ (٤) الذي يُسَكَّتُ (٥) حتى استقرَّت، قال: "بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ"، ذكره البخاري في "صحيحه" (٦). وقد قيل: إن الذي صنع المنبر غلامٌ للعباس عمِّ النبي ﷺ ، هكذا نقله ابنُ بزيزة في "شرح الأحكام" لعبدِ الحق، وسيأتي الكلامُ على اختلافهم من أي شيء كان المنبر؟ الثاني: قوله ﵊: "مثنى مثنى": كان ينقدح في نفسي سؤال نَحْوِيٌّ، وهو أن القاعدة فيما عدل عن أسماء الأعداد: أنه لا يكرر (٧)؛ أعني: أنك تقول: جاءني القوم مثنى، ليس إلا، من غير

стр. 1242

تكرير، تريد: اثنين اثنين (١)، وكذلك ثلاث ورباع، ونحوها، قال تعالي: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]؛ أي: اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، فكيف جاء قوله ﵊ بالتكرير؟ وما الحكمة في ذلك؟ وكذلك قول الشاعر: هَنِيًّا لأِهْلِ الْبُيُوتِ بُيُوتُهُمْ ... وَلِلآكلِينَ التَّمْرَ مَخْمَسَ مَخْمَسَا فذكر مخمسا، وهو معدول عن خَمْسَ خَمْسَ، وتكرر بحثي في ذلك، وسؤالي عنه، فلم أجد مَنْ أتى فيه بمقنع، حتى رأيت الشيخَ جمالَ الدين بنَ عمرون رحمه اللَّه تعالى (٢) فيما شرح من "المفصّل" (٣) للزمخشري أورد السؤال بعينه، وأجاب عنه بأن قال: تكريرُ مثنى في الخبر للمبالغة في التوكيد، وكأنه قال (٤): صلاةُ الليل اثنتان اثنتان (٥)، فكرر أربع مرات؛ لأن مثنى بمنزلة اثنين اثنين مرتين (٦)، فهذا التكرار (٧) بمنزلة (٨) ضربت زيدًا زبدًا، فإذا كررت اثنين اثنين، فالتكرار (٩) معنوي لقصدك

стр. 1243

اثنين بعد اثنين، ولو كان لفظيًا، لكان سقوطُه وثبوته واحدًا، ولا شبهة في أن المعنى متفاوت (١) بخلاف مثنى الثاني في الخبر، وجاز تكرير مثنى، وإن قبح تكرير اثنين أربعَ مرات؛ لأن مثنى أخصرُ؛ لأنه مفرد، وإن كان للمبالغة، فلا ينفي (٢) ما ذكرنا من (٣) أنه معدول عن المكرر، وأظن ما قاله ﵀ أنهى ما ينبغي أن يقال فيه (٤)، فخذها فائدة هنيئة لم تحصل إلا بعد شِقِّ نفس الفَهْم، وإيضاء غَلَس (٥) الوَهْم. الثالث: يقال: وَتْر ووِتْر -بفتح الواو وكسرها-، لغتان مشهورتان. الرابع (٦) الوتر عندَنا وعندَ الجمهور من السنن المؤكدة، غيرُ فرض، ولا واجب، هذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة (٧) والتابعين فَمَنْ بعدَهم. قال القاضي أبو الطيب من الشافعية: هو قول العلماء كافة، حتى أبي يوسفَ، ومحمد (٨).

стр. 1244

وقال أبو حنيفة وحدَه: هو واجبٌ، وليس بفرض، فإن تركه حتى طلعَ الفجرُ، أثم, ولزمه القضاء، وعنه رواية: بأنه (١) فرض على تفصيله بين الفرض والواجب (٢)، فالواجب عنده دونَ الفرض، وفوقَ السنن, ومزيته على السنن: أنه يجوز تركُ السنن, ولا يجوز تركُ الواجب، ونقصُه عن الفرض: أنه يكفر جاحدُ الفرض، ولا يكفر جاحدُ الواجب. قال سَنَدٌ من أصحابنا: لعمري! لا فرق في مذهب أبي حنيفة بين الفرض والواجب في المعنى، وإنما يفترقان من وجهين: أحدهما: أن الفرض يكفرُ جاحدُه، بخلاف الواجب. الثاني (٣): أن الفرض ما ثبت بقطعي، بخلاف الواجب. قال صاحب "البيان والتقريب": كيف يقول سند: لا فرق بينهما في المعنى؟! وقد قال: إن تارك (٤) أحدِهما يكفر، ومعناه: أنه يجري على تارك الفرض أحكامُ الكفار، حتى (٥) إذا كان قد (٦) سبق منه الإِسلام، كان مرتدًا (٧)؛ فتَبِينُ منه زوجتُه، ويُحال بينه وبين ماله، وإن

стр. 1245

لم يرجع إلى الإِسلام، قُتل كفرًا (١)، ولا يرثه (٢) وَرَثَتُه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، وتاركُ الواجب لا يجري عليه من هذه الأحكام شيء، فأيُّ افتراقٍ أشد من هذا؟! ثم (٣) قال: ثم (٤) إنه ذكر وجهين في الافتراق، ثم ذكر (٥) شيئين أحدُهما ثمرةُ الآخر، وحاصلُهما شيء واحد، فإنه إنما كفَّر [جاحد الفرض؛ لأنه جحد أمرًا قطعيًا؛ بخلاف الآخر، ثم نقول لأبي حنيفة: إنما كفر (٦) جاحد] (٧) القطعي إذا كان القطع به ضروريًا في الشرع، فيكون الجاحد له مكذبًا للرسول ﵊؛ لأنا نعلم أنه يعلم (٨) أن الرسول ﵊ قد أخبرنا بفرضيته، فإنكارُه لذلك تكذيبٌ للرسول ﵊، ولا خلاف أن مكذِّبَ الرسولِ كافر، وأما إن كان المقطوعُ به نظريًا، فلا يلزم كفرُ جاحِده؛ إذ لا يلزم من جحده تكذيبُ الرسول ﵊.

стр. 1246

ثم نقول له: قولُك (١): الوترُ ليس بفرض، صحيحٌ؛ لأنه غيرُ مقطوع به، وقولُك: إنه واجبٌ، ممنوع، فإن قال: قد دلت أحاديثُ (٢) ظنيةٌ على وجوبه، وهو الذي نعني: أنه (٣) واجب، منها: ما رواه أبو داودَ عن عبدِ اللَّه بنِ بُرَيْدَة (٤)، عن أبيه، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "الوتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوْتِرْ، فَلَيْسَ مِنَّا" (٥). وما رواه البخاري، ومسلم عن ابنِ عمرَ: أن النبي ﷺ قال: "وَاجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِكَ وِتْرًا" (٦). وما رواه أبو داود، والترمذي، عن أبي الوليد العدوي، قال: خرج علينا رسولُ اللَّه ﷺ وقال: "إِنَّ اللَّه -تَعَالَى- قَدْ أَمَرَكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وَهِيَ الْوِتْرُ، فَجَعَلَهَا لَكُمْ بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَطُلُوع (٧) الْفَجْرِ" (٨).

стр. 1247

وما رُوي: أن النبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ اللَّه زَادكُمْ صَلَاةً إِلَى صَلَاتِكُمْ، أَلَا وَهِيَ الْوِتْرُ، فَحَافِظُوا عَلَيْهَا" (١). قال: والزيادةُ على الشيء إنما تكون (٢) من جنسه، وربما رُوي فيه: "إِلَى صَلَاتِكُمُ الْخَمْسِ". وقوله: "أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ، فَلَيْسَ مِنَّا" (٣). وحكى (٤) الطحاوي فيه إجماعَ السلف، ولأنه مؤقت، لا على وجه التَّبَعِ، وذلك من أمارات الوجوب، فتكون صلواتُ الليل ثلاثًا كصلواتِ النهار (٥)، فكما (٦) أن صلوات (٧) النهار صلاةٌ في أوله، وصلاةٌ في

стр. 1248

آخره، فكذلك صلاةُ (١) الليل، (٢) وأيضًا: فلو (٣) كان غيرَ واجب، لكان أصلًا للتنفل بثلاث، ولم يكره أن يتنفل بمثله، ويعضد ذلك الأمرُ بقضائه، وهو ما رواه الترمذي، وأبو داود، عن (٤) أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرهِ أَوْ نسَيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ" (٥). قلنا (٦): ليس فيما ذكره شيءٌ يقتضي الوجوب. أما قوله ﵊: "الوترُ حَقٌّ"، فلا يلزم منه الوجوبُ، فإن الحقَّ خلافُ الباطل، والسنَّةُ حقٌّ. وقوله: "فليسَ مِنَّا" مبالغة في تأكيده؛ كما جرى مثل هذا اللفظ في أشياء ليست بواجبة باتفاق. وقوله: "اجعلْ آخرَ صلاِتك وترًا" فصيغةُ الأمر لا يلزم منها الوجوب، ولو سلَّمنا أنه ظاهرها (٧)، فعندنا ما يمنع من هذا الظاهر؛ كما سنذكره

стр. 1249

بعد هذا فيما إذا أخذنا في عدم الوجوب. وقوله: "إنَّ اللَّه أمركُمْ بصلاةٍ" لا دلالَة فيه؛ فإن الأمر يكون (١) على وجه السنَّة، كما يكون (٢) على وجه الوجوب. وقوله: "زادكُمْ صلاةً إلى صلاتِكم" لا دلالةَ فيه؛ لأنها زيادةٌ لا شك فيه (٣)، وصلاتنا فيها الواجب وغيره (٤). وقوله: "أَوْتِروا يا أهلَ القرآن"، صيغةُ أمر أيضًا. قلت: قال ابن العربي: إنه لم يصح من جهة السند، ولا قوي من جهة المعنى (٥)؛ فإنه إنما أراد بأهل القرآن: الذين يقومون به ليلًا، وقيامُ الليل ليس بفرض في أصله، فكيف يكون فرضًا في وصفه، وقد ناقضوا فقالوا: إن الوتر يُفعل على الراحلة مع الأمنِ والقدرة، فلا يكون واجبًا كركعتي الفجر، عكسُه الصبح، انتهى (٦). وقول (٧) الطحاوي: إنه (٨) إجماع السلف، غيرُ صحيح؛ فإن عُبادة

стр. 1250

ابنَ الصامت ﵁ لما قيل له: إن رجلًا بالشام يقال له: أبو محمد يزعم أن الوتر واجب، قال: كذب أبو محمد، وهذا الإطلاق بالتكذيب يقتضي أن الأمر أشهرُ من أن يَخفى في عدم الوجوب، فكيف يدَّعى في (١) ذلك إجماعٌ على وجوبه، والأظهر أن الأمر يقتضي ذلك. والاستدلالُ بالنافلة، وبالموازنة بين صلاة الليل وصلاة النهار ليس بشيء، وكذلك الاستدلال بأنه يُقضى. وأما دليلنا في عدم وجوبه، فأمران: نقليٌّ، وفقهي. فأما النقلي: فثلاثة أخبار متفق على صحتها (٢): الأول: ما رواه البخاري، ومسلم، ومالك في "الموطأ" (٣)، وأبو داود، عن طلحة بن عبيد اللَّه (٤): أنه ﵊ قال للسائل عن الإِسلام: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ في الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ"، فقال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ"؛ فقد نفى وجوبَ غيرِ الخمس من الصلاة، وحكمَ بأَن ما زاد على الخمس تطوع (٥)، فقال (٦) السائل: لا أزيدُ عليهنَّ، ولا أَنقص منهنَّ، فقال ﵊: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" (٧).

стр. 1251

قلت: ولأبي حنيفة أن يقول: لعلَّ ذلك كان قبل أن وَجَبَ الوترُ (١)، ويكون ذلك جمعًا بين الأحاديث، وإلا، احتيجَ إلى إثبات ذلك بعدَ (٢) مشروعية الوتر. ثم قال: والثاني: ما رواه مالك في "الموطأ": أن عبادة بن الصامت قيل له: إن رجلًا بالشام يكنى أبا محمد يزعم أن الوتر واجب، فقال عبادة: كذب أبو محمد، سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ (٣) "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ (٤) "، الحديث (٥). قلت: ولأبي حنيفة أيضًا (٦) أن يقول فيه كالذي قبله. ثم قال: والثالث: ما رواه مالك عن أبي بكر بن عمرو (٧)، عن سعيد بن يسار، قال: كنت أسير مع عبد اللَّه بن عمر بطريق مكة، فلما خشيتُ الصبحَ، نزلْتُ، فأوترتُ، فقال عبد اللَّه: أليس لك في رسول اللَّه أسوةٌ حسنة؟ فقلت: بلى واللَّه! قال: فإن (٨) رسول اللَّه ﷺ

стр. 1252

كان (١) يوتر على البعير (٢). قلت: وهذا (٣) من أمَارات التنفُّل؛ إذ الواجبُ غير الوتر لا يصلَّى على البعير. قال (٤): وأما الاستدلال الفقهي، فهو أنه شرع الوتر في وقت العشاء حتى لا يفعل دونها، ويدل عليه: أنه لا أذانَ له ولا إقامةَ إجماعًا، ولا جماعة الصلوات الواجبات، وأيضًا: فقد جعله الشرع من جنس نافلة الليل، نسبه إليها، وعلَّقه بها، فقال ﵊: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً تُوترُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى" رواه مالك، والبخاري، ومسلم (٥)، انتهى. ع: ولأن كل صلاة لم تكن فرضًا، لم تكن واجبةً بأصل الشرع؛ كركعتي الفجر.

стр. 1253

قلت: وإذا (١) ثبت أنه غيرُ واجب، فصفتُه عندنا أنه ركعة واحدة، إلا أنه يكره أن يقتصر عليها دون شفعٍ قبلَها في حق المقيم الذي لا عذرَ له، بلا خلاف في المذهب، على ما (٢) قاله المازري. قال: وإنما اختلف المذهب في المسافر، ففي "المدونة": لا يوتر بواحدة، ولمالك في (٣) "كتاب ابن سحنون" إجازةُ وتره بواحدة، وأوتر سحنونُ في مرضه بواحدة، ورآه عذرًا (٤) كالسفر. فإن أوتر مَنْ لا عذرَ له بواحدة، قال (٥) سحنون: إن كان بحضرة ذلك، شفعها بركعة، ثم أوتر، وإن تباعد، أجزأه. واختُلف هل (٦) من حكم الوتر أن يوصل بشَفْعه في المجلس أو لا؟ فروى ابن القاسم عن مالك (٧) في "المجموعة" فيمن تنفَّلَ في المسجد بعد العشاء، ثم أراد أن يوتر في بيته، قال (٨): لا ينبغي أن يوتر بركعة ليس قبلَها شفعٌ، وروى عنه ابن نافع: أنه لا بأس أن يوتر

стр. 1254

في بيته بواحدة، قال: وكذلك من ركع، ثم جلس، ثم بدا له أن يوتر بواحدة. واختلف هل من (١) حكم الشفع والوتر أن يكون بنية مختصة، أو لا؟ فقال مالك في "كتاب (٢) محمد" فيمن أحرمَ لشفع (٣)، ثم بدا له أن يجعله وترًا، أو العكس (٤): ليس ذلك له (٥) في الأمرين جميعًا. وقال أصبغ: إن فعل، أجزأَه. وقال محمد: لا يجزئه، إن أحرم بشفع (٦)، ثم جعله وترًا، ولعله يجزئه إذا أحرم بوتر فشفعه. وذكر الداودي عن أصحابه: أنه لا يجوز له أن يوتر بركعة تُفتتح (٧) بغير نية. واختلف هل تتعين للشفع قراءة مخصوصة، أو (٨) لا؟ على ثلاثة أقوال:

стр. 1255

أحدهما: أنه يقرأ في الشفع بـ ﴿سَبِّحِ﴾ [الأعلى: ١] و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]. والثاني: لا تتعين. والثالث: واختاره الباجي (١): أنه (٢) إن أوتر عقبَ صلاته (٣) بالليل، فلا تعيين (٤)، ومن لم ير الوتر إلا عقبَ شفع الوتر (٥)، استحب التعيين المذكور، وأما الوتر، فالمختار أن يقرأ فيه بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] والمعوذتين، والقراءةُ في الشفع والوتر جهرًا؛ لأن ذلك من صلاة الليل المختصة به (٦)، وهو ظاهر حديث عائشة؛ فإنه ﵊ لو لم يجهر، لم تسمعْ ما يقرأ (٧) به فيه (٨)، إلا أنه إذا كان في المسجد معه (٩) غيرُه، فلا يرفع صوتَه؛ لئلا يشوش بعضُهم على بعض.

стр. 1256

وقد روى البياضي (١) [كما] في "الموطأ": أنه ﵊ خرج على الناس وهم يصلون، وقد عَلَتْ أصواتُهم بالقراءة، فقال: "إِنَّ المُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يُنَاجِيهِ، وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ" (٢). قال عبد الحق (٣): قال أبو العباس الإِبياني (٤): يجهر بالقراءة في ركعة الوتر، فأما الركعتان اللتان قبل الوتر (٥)، فإن شاء، جهرَ فيهما، وإن شاء، أَسَرَّ، قال: فإن أسرَّ في الوتر ناسيًا، سجدَ قبلَ السلام، وإن جهل، أو تعمَّد، فعليه الإعادةُ في ليلته، وبلغني ذلك عن يحيى بن عمر، قال عبدُ الحق: قوله: يعيد، استحسانٌ (٦). وقد اختُلف فيمن أسرَّ فيما يُجهر فيه عامدًا أو جاهلًا في

стр. 1257

الفرض، فكيف في الوتر. وفي السهو في الشفع، والوتر (١)، فروعٌ تركتُها خشيةَ الإطالة، مع ذكرها في كتب الفقه. الخامس: قوله ﵊: "صلاةُ الليل مثنى مثنى": أخذ به مالك رحمه اللَّه تعالى، فلا يتنفل عنده بأكثر من ركعتين بسلامٍ واحد، ولا بركعةٍ واحدة، ووجهُه: ما يُفهم من هذا الحديث من (٢) الحصر الابتدائي، وجاء في حديث آخرَ: "صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى" (٣)، وكما اقتضى ظاهره (٤) عدمَ الزيادة على ركعتين، فكذلك يقتضي (٥) عدمَ النقصان منهما، إلا أنه قد تعارض (٦) بحديث عائشةَ الآتي،

стр. 1258

وبه أخذ الشافعي، فأجاز الزيادةَ على ركعتين (١)، من غير حصر في العدد، إلا أنه يقتضي أن لا (٢) يتنفل بركعة واحدة؛ لمداومته ﵊ على غير ذلك، وقد أجاز التنفل بركعة واحدة، ووافقَنا أبو حنيفة في منع التنفُّل بركعة واحدة. السادس: قوله ﵊: "اجعلوا آخرَ صلاتكم بالليل وترًا" يقتضي أن يكون الوتر آخرَ صلاة الليل، لكن بشرط أن يعلم من عادته أنه يقوم قبلَ الفجر، وإلا، استحب له (٣) صلاته (٤) قبلَ نومه، فإن أوتر، ثم تنفَّل، جاز، ولم يُعده على المشهور. السابع: قوله: "وهو على المنبر" يقتضي جواز كلام الإِمام وهو على المنبر، شَرَعَ في الخطبة، أو لم يَشْرَع، هذا ظاهره (٥)؛ سواء (٦) كان ذلك باستدعاء (٧) الإِمام، أو لا، فهو في هذا الحديث ابتداءٌ من السائل، وفي حديث سُلَيْكٍ الغَطَفانِيِّ (٨): كان ابتداؤه من الإِمام، وبعدَ

стр. 1259

الشروع في الخطبة؛ لأن الراوي كان هناك والإمام يخطب، فكلَّمَه، وأجابَه بعد الشروع، فدلَّ على جواز الكلام منهما في الخطبة؛ إذ لم ينكر النبيُّ ﷺ على هذا السائل سؤالَه في هذه الحالة. ويدل -أيضًا- على أن الخطبة لا تنقطع بوقوع الكلام فيها، أما من هذا الحديث، فلإطلاقه، وأما من حديث سليك، فإنه قال فيه: والنبيُّ ﷺ يخطب، ولم ينقل أن النبيَّ (١) ﵊ (٢) - استأنفَ الخطبةَ بعدَ وقوع الكلام فيها، وكذا ما جرى لعمر ﵁ من الكلام مع عثمان وغيره. وفيه: الاعتناءُ بقيام الليل، والمحافظة عليه، وعِظَم ثوابه، وقد جاء في فضله أحاديثُ صحيحة تدل على ذلك، وباللَّه التوفيق. أقول: وكان حقُّ هذا الوجه السابع أن يكون ثانيًا، على ما جرت به عادتنا في هذا الكتاب من تتبع ألفاظ الحديث على الترتيب، ولكنه تأخَّر على طريق السهو، فسبحان من لا يسهو، ولا يغفل، جَلَّت قدرتُه، وعَظُمَ سلطانه، وحسبُنا اللَّه ونعمَ الوكيل. * * *

стр. 1260

الحديث الثاني ١٢١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ (١).

стр. 1261

كأنه ﷺ أراد التوسعةَ على أمته، وقد تقدم: أن الأفضل عندنا تأخيرُ الوتر إلى آخر الليل لمن (١) عادتُه القيامُ قبل طلوع الفجر، وهو موافق لظاهر هذا الحديث؛ أعني: قولها: فانتهى وترُه إلى السحر؛ إذ ظاهره: أنه آخرُ الأمر منه ﷺ . ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان، مع الاتفاق على جواز كل ذلك، بل الحديثُ يدل على الجواز في الأول والأوسط والآخر، نصًا، وإنما قلنا: التأخيرُ أفضل؛ لأن الصلاة آخرَ الليل أفضلُ من أوله في غير الفرائض، لكن إذا عارض ذلك احتمالُ تفويت (٢) الأصل الذي هو الوتر، قدمناه (٣) على فوات الفضيلة، وهذه قاعدة قد (٤) اختُلف فيها، ومن جملة صورها: مَنْ عَدِمَ الماءَ في سفره، وكان يرجو وجودَه في آخر الوقت، هل يقدِّمُ الصلاةَ بالتيمم إحرازًا لفضيلة أول الوقت؟ وهو المختار عند الشافعية، أو يؤخره إلى آخر الوقت إحرازًا (٥) للوضوء

стр. 1262

فيه، وهو المشهور من مذهبنا، على ما مر في التيمم، ففي مثل هذا يتردد النظر، وفي نحوه ينقدح الفكر، وباللَّه التوفيق (١). * * *

стр. 1263

الحديث الثالث ١٢٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي باللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكعَةً، يُوْتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسِ، لَا يَجْلِسُ في شَيْءٍ إِلَّا في آخِرِهَا (١).

стр. 1264

قد تقدم قريبًا: أن هذا الحديث معارض لحديث: "صلاةُ الليلِ مثنى مثنى (١) "، وهو من باب تعارضِ القول والفعل، وتقدم -أيضًا-: أن فيه متمسَّكًا للشافعي في الزيادة على ركعتين في النوافل. ق: وقد تأوله بعضُ المالكية بتأويل لا يتبادر إلى الذهن، وهو أن حمل (٢) ذلك على أن (٣) الجلوس في محل القيام لم يكن إلا في آخر ركعة؛ كأن الأربع كانت الصلاة فيها قيامًا، والأخيرة كانت جلوسًا في محل القيام، وربما دلَّ لفظه على تأويل أحاديثَ قدمها، هذا منها؛ بأن (٤) السلام وقع بين كل ركعتين، وهذا مخالفٌ للفظ؛ فإنه لا يقع السلامُ بين كلِّ ركعتين إلا بعد الجلوس، وذلك ينافيه قولُها: "لا يجلسُ في شيء إلا في آخِرِها" (٥).

стр. 1265

قلت: وأيضًا: لو كان الأمرُ على ما قال، لم يكن لتخصيص الخمس فائدةٌ، وكان وجه الكلام أن يقال: يوتر بثلاثَ عشرةَ ركعةً، لا يجلس في شيء إلا في آخرها، ومعلوم أن آخرها ركعةُ الوتر، واللَّه أعلم. * * *
следующие страницы →