← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

كأنه ﷺ أراد التوسعةَ على أمته، وقد تقدم: أن الأفضل عندنا تأخيرُ الوتر إلى آخر الليل لمن (١) عادتُه القيامُ قبل طلوع الفجر، وهو موافق لظاهر هذا الحديث؛ أعني: قولها: فانتهى وترُه إلى السحر؛ إذ ظاهره: أنه آخرُ الأمر منه ﷺ . ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان، مع الاتفاق على جواز كل ذلك، بل الحديثُ يدل على الجواز في الأول والأوسط والآخر، نصًا، وإنما قلنا: التأخيرُ أفضل؛ لأن الصلاة آخرَ الليل أفضلُ من أوله في غير الفرائض، لكن إذا عارض ذلك احتمالُ تفويت (٢) الأصل الذي هو الوتر، قدمناه (٣) على فوات الفضيلة، وهذه قاعدة قد (٤) اختُلف فيها، ومن جملة صورها: مَنْ عَدِمَ الماءَ في سفره، وكان يرجو وجودَه في آخر الوقت، هل يقدِّمُ الصلاةَ بالتيمم إحرازًا لفضيلة أول الوقت؟ وهو المختار عند الشافعية، أو يؤخره إلى آخر الوقت إحرازًا (٥) للوضوء

стр. 1262

فيه، وهو المشهور من مذهبنا، على ما مر في التيمم، ففي مثل هذا يتردد النظر، وفي نحوه ينقدح الفكر، وباللَّه التوفيق (١). * * *

стр. 1263

الحديث الثالث ١٢٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي باللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكعَةً، يُوْتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسِ، لَا يَجْلِسُ في شَيْءٍ إِلَّا في آخِرِهَا (١).

стр. 1264

قد تقدم قريبًا: أن هذا الحديث معارض لحديث: "صلاةُ الليلِ مثنى مثنى (١) "، وهو من باب تعارضِ القول والفعل، وتقدم -أيضًا-: أن فيه متمسَّكًا للشافعي في الزيادة على ركعتين في النوافل. ق: وقد تأوله بعضُ المالكية بتأويل لا يتبادر إلى الذهن، وهو أن حمل (٢) ذلك على أن (٣) الجلوس في محل القيام لم يكن إلا في آخر ركعة؛ كأن الأربع كانت الصلاة فيها قيامًا، والأخيرة كانت جلوسًا في محل القيام، وربما دلَّ لفظه على تأويل أحاديثَ قدمها، هذا منها؛ بأن (٤) السلام وقع بين كل ركعتين، وهذا مخالفٌ للفظ؛ فإنه لا يقع السلامُ بين كلِّ ركعتين إلا بعد الجلوس، وذلك ينافيه قولُها: "لا يجلسُ في شيء إلا في آخِرِها" (٥).

стр. 1265

قلت: وأيضًا: لو كان الأمرُ على ما قال، لم يكن لتخصيص الخمس فائدةٌ، وكان وجه الكلام أن يقال: يوتر بثلاثَ عشرةَ ركعةً، لا يجلس في شيء إلا في آخرها، ومعلوم أن آخرها ركعةُ الوتر، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1266

باب الزكاة عقب الصلاة (١) الحديث الأول (٢) ١٢٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ، كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُه (٣). وَفي لَفْظٍ: مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ (٤).

стр. 1267

* الشرح: ظاهرُه: جوازُ أو استحبابُ رفع الصوت بالذِّكْر والتكبير عقبَ المكتوبة. قال الطبري: فيه الإبانةُ عن صحة فعلِ مَنْ كان يفعل ذلك من الأمراء، يُكَبِّر بعدَ صلاته (١)، ويُكَبِّر مَنْ خلفه، وممن قال باستحبابه من المتأخرين: ابنُ حزم الظاهري. ح: ونقل ابنُ بطال وآخرون: أن أصحابَ المذاهب المتبوعة (٢) وغيرَهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير. قال: وحمل (٣) الشافعي ﵀ هذا الحديث على (٤) أنه جهر وقتًا يسيرًا

стр. 1268

حتى يُعَلِّمهم صفةَ الذكر، لا أنهم جهروا دائمًا (١). قلت: ويردُّ هذا التأويلَ قولُ (٢) ابن عباس: "كانَ على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ "؛ لما تقرر من أن (كان) هذه تقتضي (٣) الدوامَ والأكثريةَ، على ما مر. وقوله -أيضًا-: "كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك"، وقوله: "ما كنا نعرفُ انقضاءَ صلاةِ رسولِ اللَّه ﷺ إلا بالتكبير"، فهذه كلُّها ظاهرة (٤) التكرار والمداومة على ذلك، وقد حمله بعض المتأخرين من أصحابنا على تكبير أيام التشريق، وفيه عندي بُعد، بل هو بعيد جدًا؛ لما تقدم. قال ابن حبيب في "الواضحة" (٥): وكانوا يستحبُّون التكبيرَ في العساكر والبُعوث (٦) إثرَ صلاة الصبح والعشاء، تكبيرًا عاليًا ثلاثَ مرات، وهو قديم (٧) من شأن (٨) الناس، وعن مالك: أنه محدث.

стр. 1269

وقوله: "كنت أعلم إذا انصرفوا"، لا يلزم منه أن يكون ابنُ عباس لم (١) يحضر لتلك (٢) الصلاة المنصرفَ منها؛ لجواز أن يكون متأخرًا في الصف، وذلك شأن الصبيان. ق (٣): وقد يؤخذ منه (٤): أنه لم يكن ثَمَّ مُسَمِّعٌ جهيرٌ (٥) الصوت يبلِّغُ السلامَ بجهَارة صوته (٦). قلت: ويحتمل أن لا يؤخذ ذلك منه؛ لجواز أن يكون المسمِّعُ قريبًا من الإِمام، ولا يلزم أن يكون في آخر الصفوف؛ خلاف (٧) التكبير، والحالة هذه؛ فإنه لا يختص بصفٍّ من الصفوف، فلذلك علم الانصراف بالتكبير والذكر، دونَ التسليم، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1270

الحديث الثاني ١٢٤ - عَنْ (١) وَرَّادٍ مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ (٢) بْنُ شُعْبَةَ في كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ (٣): "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِما أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ"، ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ عَلَى مُعَاوِيةَ، فَسَمِعْتُهُ يَأمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ (٤).

стр. 1271

وَفِي لَفْظٍ: كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلٍ وَقَالٍ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ، وَمَنْعٍ وهَاتِ (١). * * *

стр. 1272

* التعريف: وَرَّادٌ -بفتح الواو وتشديد الراء وبالدال المهملة- الثقفيُّ، مولى المغيرة بنِ شعبةَ وكاتِبُهُ، تابعيٌّ. يكنى: أبا الورد، حديثه (١) في الكوفيين، سمع المغيرة بن شعبة. روى عنه: ابن المسيب بن رافع، وعبدةُ بنُ أبي لُبابة، وعبدُ الملك ابن عُمير، والشعبيُّ. أخرج حديثه في "الصحيحين"، ولم يذكره المؤلف إلا في هذا الموضع (٢). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: يقال: أَمْلَى، يُمْلِي، وأَمَلَّ، يُمِلُّ (٣)، قال تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. الثاني: جاء في المغيرة: كسرُ الميم إتباعا للغين؛ كما جاء -أيضًا- ذلك (٤) في رغيف إتباعًا للغين، ومثله -أيضًا- مِنْتِن (٥) -بكسر

стр. 1273

الميم- للإتباع -أيضًا-؛ لأن مِفْعِلًا ليس من الأبنية، ولم (١) يعتد بالنون؛ لسكونها، والساكن عندهم حاجزٌ (٢) غيرُ حصين. الثالث: قوله: "دُبُرَ كلِّ صلاة" هو بضم الدال والباء، ويجوزُ التخفيف؛ كعُنُق، وعُنْق هذا هو المشهورُ في اللغة، والمعروفُ من الروايات. وأما الدَّبْر -بفتح الدال-، فقال المطرز (٣) في "يواقيته (٤) ": [دَبَرُ] كلِّ شيءٍ: آخرُ أوقاته؛ من الصلوات (٥)، وغيرها، قال: هذا هو المعروف في اللغة، وأما الجارحة، فبالضم. وقال الداودي عن ابن الأعرابي: دُبر الشيء، ودَبره -بالضم والفتح-: آخرُ (٦) أوقاته، والصحيح الضمُّ، ولم يذكر الجوهريُّ وآخرون غيرَه (٧). الرابع: ق: فيه: دليل على استحباب هذا الذكر المخصوص

стр. 1274

عقبَ الصلوات (١)، وذلك لما اشتمل (٢) عليه من معاني التوحيد، ونسبة الأفعال إلى اللَّه تعالى، والمنع والإعطاء، وتمام القدرة. والثوابُ المرتَّبُ على الأذكار يَرِد (٣) كثيرًا، مع خفة الأذكار على اللسان وقلَّتها (٤)، وإن (٥) كان ذلك باعتبار مدلولاتها؛ فإنها كلَّها راجعةٌ إلى الإيمان الذي هو أشرفُ الأشياء (٦). الخامس: انظر ما (٧) فائدةُ قولنا بعدَ ثبوت الوحدانية من صريح هذا النفي والإثبات الدالِّ على حصرها في الباري وحدَه لا شريك له، والذي يظهر فيه: أنه إنما جاء على طريق التوكيد، مع التكثير لحسنات الذاكر، واللَّه أعلم. وقوله: "لا شريك له": قال ابن العربي: إشارة إلى نفي (٨) أن يكون هو -تعالى- جعله معينًا أو ظهيرًا، لما كانت العربُ (٩) تقول:

стр. 1275

لَبَّيْكَ لا شريكَ لك، إلا شريكًا تملكُهُ وما مَلَك. السادس: قوله: "له الملك": قال أبو الحسن الأخفش: يقال (١): مَلِكٌ بَيِّنُ المُلْكِ -بضم الميم-، ومالِكٌ (٢) بيِّنُ المَلْكِ، والمِلْك -بفتح الميم وكسرها-، وزعموا أن الضمَّ لغة في هذا المعنى، روى بعضُ البغداديين: لي في هذا الوادي مِلْك، ومَلْك، ومُلْك، بمعنى واحد (٣). السابع: قوله: "وهو على شيء قدير": قيل: إن هذا العموم غير مخصوص، وهو الظاهر، وسمعت بعض شيوخنا يقول (٤): وذهب بعض الناس إلى أنه مخصوص؛ من حيث كانت القدرة لا تتعلق إلا بالممكنات دونَ المستحيلات، والتقدير: وهو على كلِّ شيءٍ ممكنٍ (٥) قديرٌ، قال الشيخ: وهذا غلط؛ لأنه قد وقع الخلافُ في الممكن (٦) المعدوم، هل يطلق عليه شيء حقيقة أم لا؟ فما ظنك بالمستحيل؟ فالمستحيلاتُ غيرُ داخلة في هذا العموم، هذا أو معناه. فائدة: قيل: إن (٧) عمومات القرآن كلَّها مخصوصة إلا أربعَ

стр. 1276

آيات: قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) [البقرة: ٢٨٤]. وقيل: إلا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] خاصة (٢). الثامن: قوله: "ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ": ح: المشهور الذي عليه الجمهور أنه بفتح الجيم (٣). ق: أي: لا ينفع ذا الحَظِّ منك (٤) حَظُّه، وإنما ينفعُه العملُ الصالح، والجدُّ هاهنا وإن كان مطلقًا، فهو محمولٌ على (٥) الدنيا، وقوله: (منك) يتعلَّق بـ (ينفع)، وينبغي أن يكون (ينفعُ) (٦) مضمَّنًا (٧) معنى: يمنعُ: أو ما (٨) يقاربه، ولا يعود (منك) على الجد، على الوجه الذي يقال فيه:

стр. 1277

حَظِّي منك كثيرٌ أو قليل، بمعنى: عنايتك بي، ورعايتك لي؛ فإن ذلك نافع (١). قلت: وهذا تنبيه حسن، فتأمله. التاسع: في أمر معاويةَ بذلك: المبادرةُ (٢) إلى امتثال السُّنَن، وإشاعتها (٣). وفيه: جوازُ العمل بالمكاتبة للأحاديث، وإجراؤها مجرى المسموع (٤)، والعمل بالخط في مثل ذلك، إذا أمن تغيره. وهو دليل لمالك ﵀ في قبولِ الشهادة على الخط، وجَعْلِ خَطِّ الشاهدِ كشخصِه. وفيه: قبولُ خبر الواحد، وهو فردٌ من أفراد لا تحصى (٥)، واللَّه أعلم. العاشر: قوله: "عن (٦) قيل وقال": قال الجوهري: هما اسمان، يقال: كثيرُ القيلِ والقالِ (٧).

стр. 1278

ق (١): والأشهر فيه: بفتح (٢) اللام، على سبيل الحكاية (٣). كأنه الأشهر من جهة الرواية, وهو الذي يقتضيه المعنى أيضًا؛ لأن القيلَ والقالَ إذا كانا اسمين بمعنى (٤) واحد؛ كالقول، لم يكن في عطف أحدِهما على الآخر فائدةٌ. قلت: فعلى (٥) هذا يكون كقولهم: ما رأيته منذ (٦) شَبَّ إلى (٧) دبَّ، وأشباه ذلك. ثم قال: هذا (٨) النهيُ لا بدَّ من تقييده (٩) بالكثرة التي لا يؤمنَ معها وقوعُ الخَطَل والخطأ، والتسبب إلى وقوع المفاسد من غير يقين، والإخبار بالأمور الباطلة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "كَفَى بِالْمْرِء إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ" (١٠)، وقال بعضُ السلف:

стр. 1279

لا يكون إمامًا من حَدَّثَ بكلِّ ما سمعَ (١) (٢). قلت: وسمعت شيخَنا أبا علي البجَّائي (٣) ﵁ يقول: قيل (٤): إنما جُعل لك لسان واحد، وأذنان (٥)؛ ليكون ما تسمع أكثرَ مما تقول. ويقال: لو كان الكلامُ من فضة (٦)، لكان السكوتُ (٧) من ذهب. وحكي عن مالك ﵁: أنه قيل له في مرضه الذي مات فيه (٨): أَوصني (٩)، فقال للسائل: إن شئتَ جمعتُ لك علمَ العلماء، وحكمَ الحكماء، وطبَّ الأطباء، في ثلاث كلمات: أما علم العلماء: فإذا سُئلتَ عما لا تعلم، فقل: لا أعلم.

стр. 1280

وأما حكم الحكماء (١): فإذا كنت جليسَ قوم، فكن أسْكَتَهم، فإن أصابوا، كنتَ من جملتهم، وإن أخطؤوا، سلمت من خطئهم. وأما طبُّ الأطباء: فإذا أكلت طعامًا، فلا تَقُمْ إلا ونفسُك تشتهيه، فإنه لا يُلِمُّ بجسدك غيرُ مرض الموت. هذا أو معناه. وقال أيضًا ﵁: من عَدَّ كلامَه من عمله (٢)، قَلَّ كلامُه. قال القاضي عبد الوهاب: وهذا فيما منه بدٌّ، فأما القراءةُ، والدعاء، والاستغفار، والكلام في العلم، والتعلُّم، ومصالح الإنسان في نفسه وغيرِه، فخارجٌ عن هذا. قلت: وهذا لا يختلف فيه، واللَّه أعلم. الحادي عشر: إضاعة المال: ما أُنفق في حرام، أو مكروه، وأما ما أُنفق في ذات اللَّه -تعالى (٣) - وإن أكثر، فليس بإضاعة، بل هو المصون المحرَزُ، وقد قيل لبعضهم: لا خيرَ في السَّرَفِ، فقال: لا سَرَفَ في الخير، وكذلك ما أنفق في مصلحة دنيوية مباحة تليقُ بحال المنفِق. وأما الإنفاقُ في غير مصلحة، فقد اتُّفِق على أنه الإضاعة له.

стр. 1281

ق: وأما إنفاقُه في ملاذِّ الدنيا، وشهوات النفس، على وجه لا يليق بحال المنفِق وقدرِ مالِه، ففي كونه إسرافًا خلاف؛ والمشهور: أنه إسراف. وقال (١) بعض الشافعية: ليس بإسراف؛ لأنه تقوم به مصالح البدن وملاذُّه. وهو غير صحيح، وظاهر القرآن يمنع ذلك (٢). قلت: كأنه يريد: قولَه تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، ويحتمل أن يريد: قولَه تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] الآية. وظاهر السنة -أيضًا- كذلك، قال ﵊ (٣) -: "حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ" الحديث (٤)، وغيره مما في معناه. ولا أعلم خلافًا بين العلماء أن التقلُّلَ (٥) من شهوات الدنيا خيرٌ

стр. 1282

من الإكثار منها، وهو حالُ الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، وتابعيهم، وقد صح عنه ﵊: أنه كان يشدُّ على بطنه الحَجَرَ من الجوع، ولم يشبعْ ﵊ من خُبز البُرِّ ثلاثًا متوالياتٍ حتى قُبِض ﷺ ، وقد أُوتي مفاتيحَ (١) كنوزِ الأرض، فحقُّ المؤمنِ المتديِّنِ أن تكون (٢) له بنبيِّه أُسوة. الثاني عشر: قوله: "وعن (٣) كثرة السؤال" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد: السؤالَ عن الأحكام التي لم تدعُ الحاجة إليها، وقد (٤) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] وقال ﵊: "أَعْظَمُ النَّاسِ جُرْمًا عِنْدَ اللَّه مَنْ سَأَلَ شَيْئًا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ" (٥). وفي حديث اللِّعان: فَكَرِهَ المَسَائِلَ وَعَابَهَا (٦).

стр. 1283

وفي حديث معاوية: (١) نَهى عن الأُغْلوطاتِ، وهي شِدادُ (٢) المسائِلِ وصِعابُها (٣). ق: وإنما كره ذلك، لما يتضمن كثيرٌ منه من التكلُّف في الدين، والتنطُّع، والرَّجْم بالظَّنِّ من غير ضرورة تدعو إليه، مع عدم الأمن من العِثار وخطأ الظَّنِّ، والأصلُ: المنعُ من الحكم بالظنِّ إلا حيثُ تدعو الضرورةُ إليه (٤) (٥). والوجه الثاني: أن يكون المرادُ: سؤالَ الناس ما في أيديهم، وقد مدحَ اللَّه تعالى تاركي السؤالِ الكثيرِ بقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]؛ أي: إلحاحًا (٦)، فمفهومه ذم (٧) السائلين إلحافًا،

стр. 1284

وجاء في الحديث الآخر: "لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ" (١)، لا سيما مَنْ سأل من غير ضرورة تدعوه إلى السؤال، وقد رُوي: أنه مات رجلٌ من أهل الصُّفَّة، وتركَ دينارين، فقال النبيُّ ﷺ : ""كَيَّتَانِ" (٢) " (٣)، وما سبب ذلك -واللَّه أعلم- إلا أنه كان ظاهره الفقر، وكان يُتصدق عليه؛ لظهور فقره واحتياجه، فلما ظهر له الديناران، كان ذلك خلافَ ظاهرِ حاله. ق: والمنقول عن (٤) مذهب الشافعي ﵀ جوازُ السؤال، فإذا قيل بذلك (٥)، فيبقى النظرُ (٦) في تخصيص المنع بالكثرة، فإنه إن كانت الصورة تقتضي المنعَ، فالسؤال ممنوعٌ كثيرُه وقليلُه، وإن لم تقتضِ (٧) المنعَ، فينبغي حملُ هذا النهي على الكراهة للكثير من السؤال، مع أنه

стр. 1285

لا يخلو السؤال من غير حاجة عن (١) الكراهة، فتكون الكراهة في الكثير أشدَّ، وتكون (٢) هي المخصوصةَ بالنهي، ويتبين من هذا: أن مَنْ يكره السؤالَ مطلقًا حيث لا يحرُم، ينبغي أن يحملَ قولَه على كثرة السؤال على الوجه الأول المتعلقِ بالمسائل الدينية، أو يجعلَ النهي دالًا على المرتبة الأشدية من الكراهة (٣). قلت: والعجبُ من هذا القائل بكراهة السؤال مطلقًا، حيث لا يحرُم، مع كون السؤال كان (٤) في زمن رسول اللَّه- ﷺ ، وفي زمن الصحابة، والتابعين إلى هَلُمَّ جَرًّا، وقد علمت ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]، وقال تعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٥) [المعارج: ٢٤، ٢٥] وجاء في الحديث: "رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ" (٦)، والنبيُّ ﷺ لا يقرُّ

стр. 1286

على مكروه، بل لا (١) يبعُد عندي أن يجب السؤالُ في وقت الضرورة، ولا أظن أحدًا ينازع في ذلك، واللَّه أعلم. الثالث عشر: قوله: "وكان ينهى عن عقوق الأمهات"، يقال: عَقَّ والدَه، يَعُقُّ، عُقُوقًا ومَعَقَّةً، فهو عاقٌّ، وعُقَق؛ مثل عامر وعُمر، والجمعُ عَقَقَة؛ مثل كَفَرَة، وفي الحديث: "ذُقْ (٢) عُقَقُ" (٣)؛ أي: ذْق جزاءَ فِعلك يا عاقُّ، قاله (٤) بعضُهم لحمزةَ ﵁ وهو مقتولٌ، تقول منه: أَعَقَّ فلانًا: إذا جاء بالعُقوق، وأَعَقَّتِ الفرسُ: إذا حملت، فهي عَقوق، ولا يقال: مُعِقٌّ إلا في لغة رديئة، وهو (٥) من النوادر، والجمع عُقُق, مثل: رسول ورُسُل، قاله الجوهري (٦). والعُقوق: عبارةٌ عن عدم البِر والإحسان للوالدين، وقد صنف العلماء في بر الوالدين؛ كالطرطوشيِّ وغيرِه ما يتعين من ذلك، وما يُندب، وأخصرُ ما رأيتُ في ذلك وأجمعُه ما قاله ابن عطية ﵀ في "تفسيره"، قال -بعدَ كلام في هذا المعنى-: وجملةُ هذا الباب: أن

стр. 1287

طاعة الوالدين (١) لا تُراعى في ركوب كبيرة، ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتُهما في المباحات، وتُستحسن في ترك الطاعات البدنية، ومنه: أمرُ جهاد الكفاية، والإجابةُ للأمِّ في الصلاة، مع إمكان الإعادة، على أن هذا أقوى من الندب، لكن يعلل بخوف هلاكها عليه، ونحوه مما يحيى قطعَ الصلاة، فلا يكون أقوى من الندب، وخالف الحسنُ في هذا الفصل، فقال: إن منعته أمه من شهود العشاء الآخرة شفقةً عليه، فلا يُطعها (٢). وإنما خص الأمهاتِ دون الآباء، وإن كان العقوق محرمًا في حق الجميع؛ للتنبيه على عظم (٣) حقِّ الأم، وزيادةِ مقداره على حق الأب، ويشهد له قوله ﵊ لما قال له الرجل (٤): من أَبَرُّ؟ قال: "أُمَّكَ"، ثم قال: مَنْ (٥)؟ قال: "أُمَّكَ"، ثم قال: مَنْ؟ قال: "أُمَّكَ"، ثم قال: مَنْ؟ قال: "أَبَاكَ" (٦) (٧)، فجعل له (٨) الرُّبعَ من المبرَّةِ، وهذا الحديث يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ

стр. 1288

وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، شرك اللَّه -تعالى- الأمَّ والولد (١) منها في رتبة الوصية بهما، ثم خصص الأم بذكر درجة الحمل، وبدرجة ذكر الرَّضاع، فتحصل (٢) للأم ثلاثُ مراتب، وللأبِ واحدة، فكان (٣) الحديث كالآية، فاعرفه. فائدة: أمهاتُ: جمعُ أُمَّهَة، قال الشاعر: [الرجز] أُمَّهَتي خِنْدِفُ وَاليَأسُ أَبِي أي: أُمِّي (٤)، إلا أن الفرق بين أمهة وأمّ: أن أمهة إنما تقع غالبًا على مَنْ يعقل، وقد تستعمل في غير العاقل، وذلك قليل جدًا، وأُمٌّ تقع على مَنْ يعقل، وعلى ما لا (٥) يعقل (٦). الرابع عشر: قوله: "ووأد البنات"، الوأدُ: عبارةٌ عن دفن الحيِّ، يقال: وَأَدَ بِنْتَهُ (٧) يَئِدُهَا وَأْدًا، فهي موءودة، وكانت كِنْدَةُ تَئِدُ البنات (٨)،

стр. 1289

وكان صَعْصَعَةُ بنُ ناجيةَ ممن منعَ الوأد، وبه افتخر الفرزدق في قوله: [المتقارب] وَمِنَّا الَّذيِ مَنَعَ الْوَائِدَاتِ ... وأَحْيَا الْوَئيدَ (١) فَلَمْ يُوأَدِ (٢) وكان صفةُ وَأْدِهم: أن الرجل إذا وُلِدَتْ لَهُ بنتٌ، فأراد أن يَستحييها، ألبسَها جبةَ صوف، أو شعرٍ، ترعى له الإبل، والغنم في البادية، وإن أرادَ قتلَها، تركها، حتى إذا كانت سداسية، فيقول لأمها: طَيِّبيها وزَيِّنيها حتى أذهبَ بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء، فيبلغ بها البئرَ، فيقول لها: انظُري فيها، فيدفعها من خلفها، ويُهيل عليها الترابَ حتى يستوي (٣) البئرُ بالأرض. وقيل: كانت الحامل إذا أقربَتْ (٤)، حفرت حفرةً، فتمخَّضَتْ (٥) على رأسِ الحفرة، فإذا وَلَدَتْ بنتا، رمتْ بها في الحفرة، وإن ولدت ابنًا (٦)، حَبَسَتْه، وكانَ الحاملُ لهم على ذلك الخوفَ من لحوق العار بهم من أجلهنَّ، أو الخوفَ من الإملاق؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، وكانوا يقولون: الملائكةُ بناتُ اللَّه،

стр. 1290

فألحِقُوا البناتِ به، فهو أحقُّ بهنَّ، تعالى اللَّهُ عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنما خُصِّص هذا بالذِّكْر؛ لأنه كان هو الواقع، فتوجَّه إليه النهي (١)، لا لأن الحكم مخصوصٌ، واللَّه أعلم (٢). الخامس عشر: قوله (٣) "ومنعٍ وهاتِ"، و (٤) الكلام فيه في موضعين: أحدهما: من حيث اللفظ. والآخر: من حيث المعنى. أما اللفظ: فـ (مَنع) مصدرُ منعَ (٥)، وأما (هاتِ)، ففعلُ أمرٍ من يُهاتي؛ مثل: يرامي، يقال (٦): هاتِ يا رجل -بكسر التاء-؛ أي: أعطني، وللاثنين: هاتِيا؛ مثل رامِيا، والجمع هاتُوا, وللمرأة هاتي -بإثبات الياء-، مثل: عاطي، وللمرأتين هاتِيا، كالمذكَّرين (٧)؛ وللنساء: هاتِينَ؛ مثل: عاطِينَ، وتقول: هاتِ لا هاتَيْتَ، وهاتِ إن (٨) كانتْ بكَ مهاتاةٌ، وما (٩) أُهاتيك؛ مثل: ما أعاطيك، ولا يقال منه: هاتَيْتُ،

стр. 1291

ولا يُنهى (١) بها؛ أي: لا يقال: لا تُهاتِ، وهذا راجع إلى السماع. قال الخليل: هات، من أاتى (٢) يُؤْتي، فقلبت الألف هاءً (٣). فهات على هذا في الحديث على الحكاية؛ كما تقدم في (قيل) فيمن فتح اللام. وأما المعنى: فقيل: يحتمل وجهين: أحدهما: النهيُ عن المنع حيث يؤمَرُ بالإعطاء، وعن السؤال حيث يُمنع منه، فيكون كل واحد مخصوصًا بصورةٍ غيرِ (٤) صورة الآخر. والثاني: أن يجتمعا في صورة واحدة، ولا تَعَارُضَ بينهما، فتكون وظيفةُ الطالب أن لا يسأل، و (٥) وظيفةُ المعطي أن لا يمنع إن وقع السؤال، وهذا لا بدَّ أن يُستثنى منه ما إذا كان المطلوبُ محرَّمًا على الطالب؛ فإنه يمتنع على المعطي إعطاؤه؛ لكونه (٦) يكون مُعِينًا على الإثم. ويحتمل أن يكون الحديث محمولًا على الكثرة من السؤال، واللَّه أعلم (٧).

стр. 1292

الحديث الثالث ١٢٥ - عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ ابْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالوا (١): (٢) ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ (٣) بِالدَّرَجَاتِ العُلَا والنَّعِيمِ المُقِيِم، فَقَاَل: "وَمَا ذَاكَ؟ "، قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، ويَتصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُوْنَ ولَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ (٤) شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ (٥) مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَاصَنَعْتُمْ؟ "، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "تُسَبِّحُونَ وتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُوِنَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً". قَالَ أبو

стр. 1293

صَالح: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشَاءُ". قَالَ سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ (١) بَعْضَ أَهْلِي هَذَا الحَدِيثِ (٢)، فَقَالَوا (٣): وَهِمْتَ، إِنَّمَا قَالَ لَكَ: "تُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ، وَتَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ"، فَرَجَعْتُ إِلَى أَبي صَاِلحٍ، فَقُلْتُ لَهُ ذِلَكَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، والحَمْدُ للَّهِ (٤)، حَتَى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلاثًا وَثَلَاثِينَ (٥) (٦).

стр. 1294

* التعريف: سُمَيٌّ: مولى أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام، القرشيُّ، المخزوميُّ، المدنيُّ، تابعيٌّ، روى عن أبي صالح ذكوانَ. روى عنه: مالكُ بنُ أنس، وعُمارة بن غزيةَ، وعُبيد اللَّه بنُ عمرَ، ومحمدُ (١) بنُ عجلانَ، وسُفيان (٢) بنُ عُيينةَ، وسُفيان الثوريُّ، وسَهْلُ ابنُ أبي صالح، وعمرُ بنُ محمدِ بنِ المنكدرِ. وكان سُمَيٌّ جميلًا، قتل سنة ثلاث ومئة، قتله الحرورية يوم قُدَيد (٣). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: "فقراءَ المهاجرين": هو من باب: مسجدِ الجامع، وصلاةِ الأولى؛ مما أضيف فيه الموصوفُ إلى صفته، وكان الأصل:

стр. 1295

الفقراء المهاجرون (١)؛ كما أن الأصل: المسجد الجامع، والصلاة الأولى. الثاني: "الدثور": الأموالُ الكثيرة، الواحد دَثْر؛ مثل: فَلْس وفُلُوس (٢). و"الدرجات": يجوز أن تكون هنا حِسِّيَّةً على ظاهرها؛ من دَرَجِ الجِنان، ويجوز أن تكون معنوية، أي: علا قدرُهم عند اللَّه تعالى، وارتفعت درجاتهم عنده (٣)؛ من قولهم: ارتفعتْ درجةُ فلانٍ عند الملك، ونحو ذلك. والنعيم: ما يُتَنَعَّمُ به من مطعَم أو ملبَس أو منكَح أو منظَر، أو علوم ومعارف، أو غير ذلك. والمقيم: الدائم الذي لا ينقطع أبدًا، جعلنا اللَّه من أهله، آمين بمنِّه وكرمه (٤). الثالث: ظاهرُ هذا الحديث يُشعر بتفضيل الغنيِّ الشاكِرِ على الفقير الصابِر؛ لأن الفقراء ذَكَروا له ﵊ ما يقتضي تفضيلَ الأغنياء بالتصدُّق والإعتاق اللذين مصدرُهُمَا المالُ، فأقرَّهم

стр. 1296

على ذلك، ولم يقلْ لهم: أنتمُ أفضلُ منهم لصبركم (١) على فقركم، بل علَّمَهم (٢) ما يقوم مقامَ تلك الزيادة التي فَضَلَهم الأغنياءُ بها، فلما قالها الأغنياء، ساوَوْهُم فيها، وبقي معهم (٣) راجِحِيَّة القُرَب المالية، فقال ﵊: "ذلكَ فضلُ اللَّه يؤتيه مَنْ يشاء". وقد تأول الشيخ أبو طالب المكيُّ ﵀ قوله ﵊ "ذلكَ فضلُ اللَّه يؤتيهِ مَنْ يشاءُ" (٤) تأويلًا لا يتبادر إليه (٥) الذهن، ومعناه: أنكم فَضَلْتم الأغنياء، أو (٦) ساويتموهم، وإن لم تكن لكم قُرُباتُ (٧)، وذلك بفضل اللَّه تعالى. وبالجملة: فالخلافُ في هذه المشكلة شهير (٨) جدًا، والكلام عليها مبسوط في كتب التصوف بعد أن تعلم: أن الذي عليه الجمهورُ من الصوفية؛ أن الفقيرَ الصابرَ أفضلُ من الغني الشاكر.

стр. 1297

وقال الداودي من المالكية (١): إن الأفضلَ الكفافُ؛ فإن الفقر والغنى محنتان يَمتحن اللَّهُ -تعالى- بهما مَنْ يشاءُ من عبادِهِ، ولهذا قال ﵊ "اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ كَفَافًا"، أو قال: "قُوتًا" (٢)، هذا أو معناه. ووقفت طائفةٌ عن التفضيل بينهما. فهذه أقوال أربعة للعلماء -رحمهم اللَّه تعالى-. ق: والذي يقتضيه الأصل: أنهما إن تساويا، وحصل الرجحان بالعبادات المالية: أن يكون الغنيُّ أفضلَ، ولا شك في ذلك، وإنما النظرُ إذا (٣) تساويا في أداء الواجب فقط، وانفرد كلُّ واحدٍ بمصلحة ما هو فيه، فإذا كانت المصالح متقابلة، ففي ذلك نظر يرجع إلى تفسير الأفضل ما هو؟ فإن فسرناه بزيادة الثواب، فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضلُ من القاصرة، وإن كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصُل للنفس من التطهيرِ للأخلاق، والرياضةِ لسوء الطباع بسبب الفقر، أشرفُ، فيترجَّحُ الفقر، ولهذا المعنى ذهب الجمهورُ من الصوفية إلى ترجيح الفقير

стр. 1298

الصابر؛ لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها، وذلك مع الفقر أكثرُ (١) منه مع الغِنى، فكان أفضلَ بمعنى: أشرفَ (٢). الرابع: قوله ﵊: "تُدركون به مَنْ سبقكم": السبقيةُ هاهنا يحتمل أن تكون (٣) في الفضيلة على مَنْ لا يعمل هذا العمل، وهو الأظهر، واحتمل (٤) أن تكون (٥) في الزمان، وكذلك البَعْدية، واللَّه أعلم. وقوله ﵊: "ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم" يدلُّ على ترجيح هذه الأذكار على فضيلة المال، وعلى فضيلة غيرها من الأذكار، وفي تلك الرواية تعليم كيفية هذا الذكر. ع: ما معناه: أن الإفراد أولى من تأويل أبي صالح؛ يعني: أن يقول كلَّ واحدة من هذه الكلمات مستقلة ثلاثًا وثلاثين أفضلُ من جمعها؛ كما تأوله أبو صالح (٦).

стр. 1299

قلت: ولم يظهر لي وجهُ (١) الأولوية في ذلك، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1300

الحديث الرابع ١٢٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نظرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: "اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وائْتُوني بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبي جَهْمٍ؛ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي" (١).
следующие страницы →