← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

على ذلك، ولم يقلْ لهم: أنتمُ أفضلُ منهم لصبركم (١) على فقركم، بل علَّمَهم (٢) ما يقوم مقامَ تلك الزيادة التي فَضَلَهم الأغنياءُ بها، فلما قالها الأغنياء، ساوَوْهُم فيها، وبقي معهم (٣) راجِحِيَّة القُرَب المالية، فقال ﵊: "ذلكَ فضلُ اللَّه يؤتيه مَنْ يشاء". وقد تأول الشيخ أبو طالب المكيُّ ﵀ قوله ﵊ "ذلكَ فضلُ اللَّه يؤتيهِ مَنْ يشاءُ" (٤) تأويلًا لا يتبادر إليه (٥) الذهن، ومعناه: أنكم فَضَلْتم الأغنياء، أو (٦) ساويتموهم، وإن لم تكن لكم قُرُباتُ (٧)، وذلك بفضل اللَّه تعالى. وبالجملة: فالخلافُ في هذه المشكلة شهير (٨) جدًا، والكلام عليها مبسوط في كتب التصوف بعد أن تعلم: أن الذي عليه الجمهورُ من الصوفية؛ أن الفقيرَ الصابرَ أفضلُ من الغني الشاكر.

стр. 1297

وقال الداودي من المالكية (١): إن الأفضلَ الكفافُ؛ فإن الفقر والغنى محنتان يَمتحن اللَّهُ -تعالى- بهما مَنْ يشاءُ من عبادِهِ، ولهذا قال ﵊ "اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ كَفَافًا"، أو قال: "قُوتًا" (٢)، هذا أو معناه. ووقفت طائفةٌ عن التفضيل بينهما. فهذه أقوال أربعة للعلماء -رحمهم اللَّه تعالى-. ق: والذي يقتضيه الأصل: أنهما إن تساويا، وحصل الرجحان بالعبادات المالية: أن يكون الغنيُّ أفضلَ، ولا شك في ذلك، وإنما النظرُ إذا (٣) تساويا في أداء الواجب فقط، وانفرد كلُّ واحدٍ بمصلحة ما هو فيه، فإذا كانت المصالح متقابلة، ففي ذلك نظر يرجع إلى تفسير الأفضل ما هو؟ فإن فسرناه بزيادة الثواب، فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضلُ من القاصرة، وإن كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصُل للنفس من التطهيرِ للأخلاق، والرياضةِ لسوء الطباع بسبب الفقر، أشرفُ، فيترجَّحُ الفقر، ولهذا المعنى ذهب الجمهورُ من الصوفية إلى ترجيح الفقير

стр. 1298

الصابر؛ لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها، وذلك مع الفقر أكثرُ (١) منه مع الغِنى، فكان أفضلَ بمعنى: أشرفَ (٢). الرابع: قوله ﵊: "تُدركون به مَنْ سبقكم": السبقيةُ هاهنا يحتمل أن تكون (٣) في الفضيلة على مَنْ لا يعمل هذا العمل، وهو الأظهر، واحتمل (٤) أن تكون (٥) في الزمان، وكذلك البَعْدية، واللَّه أعلم. وقوله ﵊: "ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم" يدلُّ على ترجيح هذه الأذكار على فضيلة المال، وعلى فضيلة غيرها من الأذكار، وفي تلك الرواية تعليم كيفية هذا الذكر. ع: ما معناه: أن الإفراد أولى من تأويل أبي صالح؛ يعني: أن يقول كلَّ واحدة من هذه الكلمات مستقلة ثلاثًا وثلاثين أفضلُ من جمعها؛ كما تأوله أبو صالح (٦).

стр. 1299

قلت: ولم يظهر لي وجهُ (١) الأولوية في ذلك، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1300

الحديث الرابع ١٢٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نظرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: "اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وائْتُوني بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبي جَهْمٍ؛ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي" (١).

стр. 1301

قَالَ المُصَنِّفُ: الخَمِيصَةُ: كِسَاءٌ مُرَبَعٌّ لَهُ أَعْلَامٌ، وَالأَنْبِجَانِيَّةُ: كِسَاءٌ غَلِيظٌ. * * * ع: في الأَنْبِجَانية: رويناه بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح (١) الباء وكسرها (٢) أيضًا- في غير مسلم، وبالوجهين ذكرها ثعلب، ورويناه بتشديد الياء في آخره، وتخفيفها معًا في غير مسلم، إذ هو في رواية لمسلم مشدَّد مكسور (٣) على الإضافة إلى أبي جهم، وعلى التذكير (٤)، كما قال في الرواية الأخرى. وَهُو كِساءٌ غليظٌ لا عَلَمَ له، فإذا كان للكساء علمٌ، فهو خَمِيصَةٌ،

стр. 1302

وإن لم يكنْ (١)، فهو إنْبِجانية، وقيل: هو كساءٌ سداهُ قطنٌ أو كتان، ولُحْمَتُه صوفٌ. وقال ابن قتيبة: إنما هو مَنْبِجانيّ، ولا يقال له: إنبجاني، منسوبٌ إلى مَنْبج، وفتحت الباء في النسب؛ لأنه خرج مخرج مخبراني (٢)، وهو قول الأصمعي. قال الباجي: ما قاله ثعلبٌ أظهرُ (٣). ق: فيه (٤): دليل على جواز لباس الثوب ذي العَلَم، ودليل على أن اشتغال الفكر يسيرًا غيرُ قادح في الصلاةِ والإقبالِ عليها، ونفي ما يقتضي شغل الخاطر بغيرها. وفيه: دليل على مبادرة الرسول ﵊ إلى مصالح الصلاة، ونفي ما يخدش (٥) فيها؛ حيث أخرج الخميصةَ، واستبدلَ بها غيرَها بما لا يشغل، وهذا مأخوذ من قوله: "فَنَظَرَ إِلَيْها نَظْرَةً"، وبعثُه إلى أبي جهم بالخميصة لا يلزم منه أن يستعملها في الصلاة؛ كما جاء في حلة عطارد، وقوله ﵊

стр. 1303

لعمر: "إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا" (١). وقد استنبط الفقهاء من هذا كراهة كلِّ ما يشغل عن الصلاة من الأصباغ والنقوش والصنائع المستظرفة؛ فإن الحكم يعمُّ بعموم علَّته، والعلَّةُ: الاشتغالُ عن الصلاة، وزاد بعض المالكية في هذا (٢): غرسَ الأشجار في المساجد، واللَّه أعلم. قلت: وكذلك (٣) -أيضًا (٤) - كره أصحابُنا التزاويقَ والكَتْبَ في القبلة، وكرهوا دخول الصبي الذي لا يعقلُ الصلاةَ المسجدَ. قال: وفيه: دليل على قبول الهدية من الأصحاب، والإرسال إليه، والطلب لها ممن يظن به السرور بذلك والمسامحة (٥). * * *

стр. 1304

باب الجمع بين الصلاتين في السفر ١٢٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ في السَّفَرِ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، ويَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءَ (١).

стр. 1305

الحديث دليل على جواز الجمع بين الصلاتين (١) المشتركتي الوقت في السفر عند السير من حيث الجملة، وللفقهاء في ذلك تفاصيلُ مذكورة في كتب الفقه لا نطوِّل بذكرها. * * *

стр. 1306

باب قصر الصلاة في السفر ١٢٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَحِبْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ (١)، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَذَلِكِ (٢).

стр. 1307

هذا هو لفظ البخاري في الحديث، ولفظ رواية مسلم أكثرُ وأزيدُ، فلتعلمْ ذلك. الحديثُ دليلٌ على مشروعية القصر، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١] الآية، وإن كان قد اختلف الناس في القصر المذكور في هذه الآية، هل هو قصر العدد، أو قصر الصفة؛ أي: عند اشتداد الخوف؟ والصحيح: الأول، ولا خلاف في جواز القصر من حيث الجملةُ عند وجود شرطه. وأما حكمه: ففي المذهب ثلاثة أقوال: قال (١) الباجي: وقد اختلف (٢) قولُ مالك فيه: فروى أشهب عنه: أنه فرض، وبه قال أبو حنيفة. وروى أبو مصعب عن مالك: أنه سنة، وروي نحوه عن الشافعي. والبغداديون من أصحابنا يقولون: إنه على التخيير (٣).

стр. 1308

وقال القاضي عبد الوهاب: ذهب أكثر أصحابنا إلى أن فرض المسافر التخيير، إلا أن القصر أفضل، وهو سنة، وقاله ابن وهب عن مالك. قلت: وهذا هو المعروف من المذهب. وقال ابن القصار: قال الأبهري وغيره: هو مُخير، والقصرُ أفضل، وحكى أبو جعفر الأبهري: أن أبا بكر الأبهري يقول: هو مخير بين القصر والإتمام، وكذلك قال الشافعي، واختلف قولُه أيهما أفضل؟ وأما محله: فالصلوات الرباعية المؤدَّاة في السفر، أو المقضيةُ لفواتها فيه، لا غيرُ؛ لأن المغرب لا تتنصَّف؛ إذ ليس في الشريعة نصفُ ركعة. فإن قلت: إذا تعذر التنصيفُ، فلتكنْ ركعتين؛ كما أن من طلَّق طلقةً ونصفَ طلقة، لزمه طلقتان، وكما قلتم في طلاق العبد، وحَيْض الأَمَةِ. قلت: قيل: لو فعلَ ذلك، لذهب مقصودُ الشرع من كون عدد ركعات الفرض في اليوم والليلة وترًا، وللشرع قصدٌ في الوتر، ولذلك (١) شرع ركعة الوتر في نافلة قيام (٢) الليل لما قال ﵊: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ، صَلَّى وَاحِدَةً فَأَوْتَرَتْ لَهُ

стр. 1309

مَا صَلَّى" (١)، ولذلك منعْنا أن تُعاد المغربُ في جماعة (٢) إذا كان العبدُ قد صلاها وحدَه، بخلاف غيرِها من الصلوات؛ لما يلزم في إعادتها من ذهاب معنى الوتر. وأما الصبح: فلم (٣) يثبت في الشرع فيها قصرٌ، وإن كان ممكنًا (٤)؛ بأن تكون ركعة؛ كما قال (٥) بعض العلماء: إن صلاة الخوف ركعة، ويغني عن إطالة القول فيها وفي المغرب: أن الإجماع على أنهما لا تُقصران (٦)، ولا تأثير للسفر فيهما. وأما سببه: فالشروعُ (٧) في السفر الطويل المشروع، فقولنا: الشروعُ في السفر احترازٌ مما (٨) إذا عزم، ولم يضربْ في الأرض، ولم يخرجْ من (٩) منزله، فإنه لا يقصر حتى يخرجَ من مدينته، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق.

стр. 1310

وقد قال بعض العلماء: إنه يقصر، وروي ذلك عن الحارث بن أبي ربيعة: أَنَّه أرادَ بهم (١) سفرًا، فَصَلَّى بهم (٢) رَكْعتين في منزله، وفيهم الأسودُ بنُ يزيدَ، وغيرُ واحد من أصحاب عبد اللَّه. هكذا ذكره صاحب "البيان والتقريب" (٣). قال: وحكي عن عطاء: أنه قال: إذا خرج الرجلُ حاجًا، فلم يخرج من بيوت القرية حتى حضرت الصلاة، فإن شاء قصر، وإن شاء أوفى (٤). وقد احتج بعضُهم لهذا المذهب: بأن المسافر لو نوى الإقامة، وجبَ عليه الإتمامُ بالنية، فكذلك المقيمُ إذا نوى السفر صير (٥) مسافرًا بنيته، وهو ضعيف من وجهين: أحدهما: أن نقول: لا يكون مقيمًا بمجرد النية، ولكنه إذا نوى الإقامة، فمعناها أنه لا يسافر، فقد حصل فعلٌ مع نية، فاعتبر، وإذا نوى السفر قبل أن يخرج، لم يحصل في السفر، إلا نيةٌ بلا فعل؛ لأن معنى السفر: الضربُ في الأرضِ، ولم يحصل بعدُ.

стр. 1311

والثاني: أن الأصل الإقامة، وإنما الأسفارُ طارئة على الأصل، فيصحُّ أن يرجع إلى الأصل بالنية، ولا يلزم عليه أن يخرج عن الأصل بالنية، وهذا شبيهٌ بعرض التجارة، يرجع (١) بالنية (٢) إلى القُنية؛ لأنها الأصل، ولا يرجع عرضُ القُنية بالنية للتجارة (٣). والصواب: أنه لا قصرَ إلا في سفر، ولا سفرَ إلا بعد الخروج من القرية، وأن مجرد النية من غير أن يقترن بها أمر زائد لا اعتبار به في الأحكام المتعلقة بالجوارح؛ كالطلاق، والعتق، والنكاح، والبيع، فلا يكون الإنسان مطلِّقًا بنيته على القول المعروف من مذهبنا، ولا بائعًا، ولا ناكحًا، بخلاف الأحكام المترتبة على أعمال القلوب؛ كالإيمان، والكفر، والحسد، والعُجْب، والرياء، وغيره. والقصر، والإتمامُ من أفعال الجوارح، ويدلُّ عليه من السنة: أن الرسول ﵊ صلَّى الظهرَ بالمدينة أربعًا، والعصرَ بذي الحُلَيْفَة ركعتين (٤)، فلم يقصر بمجرد النية، حتى برزَ (٥)، وكذلك

стр. 1312

فَعَلَ عمرُ، كان إذا خرج حاجًا أو معتمرًا، قصرَ بذي الحليفة، ويدل عليه -أيضًا-: أن بنيان القرية في حق الداخل من السفر يقطع حكَم (١) السفر؛ بلا خلاف؛ إذ لا خلاف (٢) أنه إذا دخل بيوتَ القرية، يُتِمُّ (٣)، فلذلك تمنعُ (٤) ابتداءَ السفر، واللَّه أعلم. هذه مقدمة، وفي البابِ فروعٌ كثيرةٌ موضِعُها كلتب الفقه، وليس في لفظ (٥) الحديث ما يحتاج إلى تفسير. وأما ذكرُه لأبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ ﵃، وإن كان الدليلُ قائمًا بمجرد فعلِ الرسولِ ﵊، فللإشعار بدوامِ العملِ بذلك، وأنه لم يتطرق إليه نسخ (٦)، ولا معارِضٌ راجحٌ، وهذه طريقة مالك ﵀ في "موطئه"، يبدأ بالحديث أولًا، ثم يذكر عملَ الصحابة وأهلِ المدينة ﵃، وهو مِنْوالٌ لم ينسج على مثاله (٧) إلا مَنْ صحبه التوفيق، وهُدي في تأليفه إلى أَقْوَمِ طريق، واللَّه الموفق. * * *

стр. 1313

باب الجمعة الحديث الأول ١٢٩ - عَنْ سَهْل بْنِ سَعْد السَّاعِدِيِّ: أَنَّ نَفَرًا تَمَارَوْا في المِنْبَرِ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ فَقَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ، وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَنَزَلَ القَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ في أَصْل (١) المِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي" (٢). وَفي لَفْظٍ: صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ كَبَّرَ عَلَيْها، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ

стр. 1314

نزَلَ القَهْقَرَى (١). * * * * التعريف: سَهْلُ بْنُ سَعْدِ بنِ مالكِ بنِ خالدِ بنِ ثعلبةَ بنِ حارثة (٢) بنِ عمرَ (٣)

стр. 1315

ابنِ الخزرجِ بنِ ساعدةَ (١) بنِ كعبِ بنِ الخزرجِ، الساعديُّ، الأنصاريُّ، المزنيُّ. يكنى: أبا العباس، وقيل: أبو يحيى، كان سنُّه يومَ مات النبي ﷺ خمسَ عشرةَ سنة، وتوفي سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين، بالمدينة، وهو آخرُ مَنْ ماتَ من الصحابةِ بالمدينةِ (٢)، ومات وله مئةُ سنة (٣)، وأَحْصَنَ سبعين امرأةً، و (٤) شهدَ قضاءَ النبي ﷺ في المتلاعِنَيْنِ، وأنه فرق بينهما، كان اسمُه حَزْنًا، فغيَّر النبيُّ ﷺ اسمه، فسمَّاه سَهْلًا. روي له عن رسول اللَّه ﷺ مئة حديث، وثمانية وثمانون حديثًا، اتفقا منها على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه: الزهريُّ، وأبو حازم (٥) سلمةُ بنُ دينار، وسعيدُ بن المسيب، وأبو زُرعةَ عَمْرُو (٦) بنُ جابر الحضرميُّ، وبكر بن سوادة، وغيرهم (٧).

стр. 1316

* ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: النَّفَر -بفتح النون والفاء-: عِدَّةُ رجال من ثلاثة إلى عشرة، وكذلك النَّفِير (١)، وكذلك النَّفْر (٢)، والنَّفْرَة (٣)، بإسكان الفاء. قال الفراء: نَفْرَةُ الرجلِ، ونَفَرُه: رَهْطُه (٤)، واللَّه أعلم. وقوله: "تَمارَوْا": مأخوذ من المماراة؛ وهي في اللغة: الاستخراج، مأخوذ من مَرَيْتُ (٥) الناقةَ: إذا مسحتُ ضَرْعَها لتدرَّ، ومَرَيْتُ الفَرَسَ: (٦) استخرجتُ ما عندها من الجَرْي بضرب (٧) أو غيرِه (٨) (٩).

стр. 1317

وقال ابنُ الأنباري: يقال: أَمْرَى فلان فلانًا، إذا استخرجَ ما عنده من الكلام (١). قلت: فكأن (٢) كلَّ واحد من المتمارِيَيْنِ -وهما المتجادِلان- يَمْري ما عند صاحبه؛ أي: يستخرجه. ويقال: مَرَيْتُه حَقَّه: إذا جَحَدْته، ويقال: المِراء: جُحودُ الحقِّ بعد ظهوره، واللَّه أعلم. الثاني: قد تقدَّم ذكرُ الخلاف فيمن عَمِلَ المنبرَ، هل عمله غلامُ المرأة الأنصارية؛ كما ذكره البخاري، أو غلامُ العباسِ عمِّ النبي ﷺ ؟ وتقدم أيضًا: أصلُ اشتقاقه، وأنه من النَّبْر، وهو الارتفاع، بما يُغني عن الإعادة. وقد أجمعت العلماء على استحباب اتخاذ (٣) المنبر للخطيب إذا كان هو الخليفة، وأما غيره من الخطباء، فهو بالخيار، إن شاء خطب على المنبر، وإن شاء خطب على الأرض. قال ابن بزيزة: واختلفوا إذا خطب على الأرض أين يقف؟ فمنهم من استحب أن (٤) يقف عن يسار المنبر، واستحبَّ بعضُهم أن يقف عن

стр. 1318

يمينه، قال مالك: وكل ذلك واسع. مسألة: اختلف العلماء في الخطبة يوم الجمعة في أربعة مواضع: الأول: هل هي فرض، أم لا؟ وفي المذهب في ذلك قولان، والمشهور: الفرضيةُ. وروى ابن الماجشون عن مالك (١): أنه (٢) تجزىء (٣) الجمعةُ دونَ خطبة، وهو قولُ الحسنِ، وأهلِ الظاهر. وقد روي عن مالك: أن الخطبة فيها سنة. الثاني (٤): هل القيام فيها مشروع، أم لا؟ والجمهور على مشروعيته، والقائلون بأنه مشروع اختلفوا -أيضًا-، هل هو من شروط صحة الخطبة، أم لا؟ فمنهم من قال: هو من شروط صحتها، إلا أن يكون ثمَّ عذرٌ؛ وهو قولُ مالكٍ، والشافعى. وأجاز أبو حنيفة الخطبةَ جالسًا. وأصلُ مذهب الشافعي: أن القيامَ والجلسةَ فرضٌ، فمن لم يفعل ذلك، فخطبتُه باطلة.

стр. 1319

وأصلُ مذهب مالك: أن القيام سنة، فمن لم يقم في خطبته، أساء، والخطبةُ مجزئةٌ. الثالث: هل تشترط فيها الطهارة الصغرى، أم لا؟ والمشهورُ: أنه إن خطب على غير وضوء، فقد أساء، وخطبتُه صحيحة. وكذلك اختلفوا أيضًا: هل تُشترط فيها الطهارة الكبرى، أم لا؟ وإنما يتصور ذلك إذا كانت في غير الجامع عندَ من لا يشترط الجامعَ في الجمعة؛ وهو مذهب الشافعي، وآخرين. ويلزم على قول من يقول: إن الخطبة بدلٌ من الركعتين، اشتراطُ الطهارتين جميعًا. الرابع: هل يجزىء فيها أَيْسَرُ ذِكْرٍ، أو لابدَّ مما يقع عليه اسمُ خطبةٍ (١) عند العرب؟ فقال أبو حنيفة، وحكاه ابنُ عبد الحكم عن مالك: يجزىء من (٢) ذلك التكبيرةُ الواحدة، أو التحميدةُ، أو التهليلةُ. وفي "مسلم" وغيرِه، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: كانت خطبةُ النبيِّ ﷺ يوم الجمعة: يَحْمَدُ اللَّه، ويُثْنِي عليه (٣). وقال ابن القاسم: لا يجزىء إلا ما ينطلق عليه اسمُ خطبة في كلام

стр. 1320

العرب؛ من الكلام المشتمل على حمد اللَّه، والثناء عليه. قال بعض متأخري أصحابنا: ويردُّ على أبي حنيفة ما خَرَّجه البزارُ عن أبي بردة (١)، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا شَهَادَةٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ" (٢). قلت: ويرد عليه، أيضًا (٣): ما روي عن أم هشام بنتِ حارثة: أنها قالت: ما أخذتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] إلا من لسان رسول اللَّه ﷺ ، يقرؤها كلَّ يوم جمعة (٤) على المنبر إذا خطبَ الناسَ (٥). فقراءته ﷺ أثناء (٦) الخطبة، ومواعظهُ، ودوامُه على ذلك يقضي (٧) ببطلان ما قاله أبو حنيفة وغيرُه في ظاهر الحال؛ إذ النبيُّ ﷺ إنما بعثَ مُبَيِّنًا للأحكامِ، ولو كانت التكبيرةُ الواحدة، أو التحميدةُ

стр. 1321

تُجزِىءُ من ذلك (١)، لَبينَهُ ﷺ ؛ إِمَّا بالقولِ، أو بالفعلِ، ولو مرةً واحدة، ولم ينقل ذلك عنه ﷺ (٢)، فبطل ما قال، واللَّه الموفق (٣). الثالث: (القهقرى): أصلُها أن تكونَ مصدرَ قَهْقَرَ: إذا رجعَ إلى ورائه، وهي من المصادر الملاقية للفعل في المعنى دون الاشتقاق، فإنهم قالوا: رجعَ القهقرى، وفي هذا الحديث: نزلَ القهقرى؛ كما قالوا: قتلتهُ صَبْرًا، وحَبَسْتُه مَنْعًا (٤). واختلف النحاة في نصبها على ثلاثة مذاهب: فقيل: إنها منصوبة بفعل مقدر من لفظها، والتقدير: رجع فقهقر (٥) القهقرى. وقيل: إنها صفةٌ لموصوف محذوف؛ أي: رجعَ الرجعةَ القهقرى. والثالث: ما تقدم من أنها من المصادر الملاقية في المعنى دون الاشتقاق؛ ومثله: قعدَ القُرْفُصاءَ، واشتملَ الصمَّاءَ، الخلافُ (٦) في الكلِّ واحدٌ.

стр. 1322

الرابع: في هذا الحديث: جوازُ صلاة الإمام على أرفعَ (١) مما عليه المأمومُ لقصدِ التعليم؛ كما هو مصرَّح به في لفظ الحديث، وأما إن عَرِيَ من قصدٍ صحيح، وقصد التكبر على مأموميه، فقال أصحابنا: تبطل صلاتهُ، وأجازوا الارتفاعَ اليسير؛ كعظمِ الذراعِ ونحوه. وفيه أيضًا: دليلُ جواز العمل اليسير في الصلاة. ق: لكنْ فيه إشكالٌ على من حَدَّدَ الكثيرَ من العمل بثلاث خطوات؛ فإن منبرَ رسول اللَّه ﷺ ثلاثُ درجات، والصلاة كانت على العليا، ومن ضرورة ذلك أن يقع ما أوقعه من الفعل على الأرض بعدَ ثلاث خطوات فأكثرَ، وأقلُّه ثلاث، والذي يعتذر به عن هذا؛ أن يدَّعي عدمَ التوالي بين الخطوات؛ فإن التواليَ شرطٌ في الإبطال، أو ينازع (٢) في كون قيام هذه الصلاة فوق الدرجة العليا. قلت: وعندي في هذا الاعتذار نظر. وفيه: دليل على جوازِ إقامةِ الصَّلاةِ أو (٣) الجماعة؛ لأجل التعليم؛ كما هو مصرَّح به في الحديث. وأما قولُه في اللفظ الآخر (٤): "ثم ركعَ وهو عليها، فنزلَ القهقرى":

стр. 1323

ظاهرُه: أنه نزل في الركوع؛ لما تقتضيه الفاءُ من التعقيبِ ظاهرًا، ولكنَّ الروايةَ الأولى نصٌّ في أن النزول كان بعد القيام من الركوعِ، والرجوعُ إلى النَّصِّ أولى مِنَ الرُّجوعِ إلى الظَّاهِرِ، وباللَّه التوفيق (١). * * *

стр. 1324

الحديث الثاني ١٣٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ" (١).

стр. 1325

* الشرح: (١) الجمعة: -بضم الميم وإسكانها وفتحها-، حكاهن (٢) الواحدي عن الفراء، والمشهورُ الضَّمُّ، وبها قُرىء في السبع، والإسكانُ تخفيفٌ منه، ووجَّهوا الفتحَ (٣): بأن الجمعة تجمع الناس؛ كما يقال؛ هُمَزَة، وضُحَكَة للمكثر (٤) من ذلك، والفتحُ لغةُ بني عقيل. قال الزمخشري: قرىء في الشواذ باللغات (٥) الثلاث. وكان يومُ الجمعة يسمى في الجاهلية: عَروبةَ، والعَروبة، ولهذا قال الشافعي ﵀: يومُ الجمعة هو اليوم الذي بين الخميس والسبت، فأرادَ إيضاحه (٦). فائدة: كانت العرب تسمِّي أيام الأسبوع: أَوَّل: يعني: الأحد، أهون، جُبار، دُبار، مُؤنس، عَروبة، شِيار. ولبعض شعراء الجاهلية: [الوافر]

стр. 1326

أُؤُمِّلُ أَنْ أَعِيَش وَإِنَّ يَوْمِي (١) ... بِأوَّلَ أَوْ بأهْوَن أَوْ جُبَارِ أَوْ التَّالِي دُبَارَ فَإِنْ أَفُتْهُ (٢) ... فَمُؤْنِسَ أَوْ عَرُوبَةَ أَوْ شِيَارِ (٣) قال السهيلي: أول من سمى العَروبةَ الجمعةَ كعبُ بنُ لؤي، فكانت (٤) قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطُبُهم، ويذكِّرهم بمبعَثِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ويعلمهم أنه من ولده، ويأمرهم باتباعه، والإيمان به، وينشد في هذا أبياتًا منها: يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ فحواء (٥) دَعْوتِهُ ... إِذَا قُرَيْشٌ تُبَغِّي الحَقَّ خِذْلَانَا (٦) وثبت في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ (٧) الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ" (٨).

стр. 1327

وزاد مالك في "الموطأ"، وأبو داود، وغيرُهما بأسانيد على شرط البخاري، ومسلم: "وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، مِنْ حِينِ يُصْبحُ (١) حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلَّا الجِنَّ وَالإِنْسَ" (٢). ع (٣): الظاهر: أن هذه القضايا المعدودة فيه ليست لذكر فضيلتها؛ لأن ما وقع فيه (٤) من إخراج آدمَ من الجنة، وقيام الساعة، لا يُعد في الفضائل (٥). وإنما هو على تعداد القضايا، وتعظيمِ ما وقع فيه وحدثَ فيه من الأمور العظام، فيجب على ذلك أن (٦) يكون العبدُ مستعدًا متحررًا بعمل (٧)، صالحٍ لرحمةٍ من (٨) اللَّه -تعالى- تناله، أو بطشة تُدفع عنه.

стр. 1328

وقوله: "مُصِيخَة" -بالخاء المعجمة-، وفي رواية أبي داود: "مُسِيخَة" -بالسين (١) -؛ أي: مصغية مستمعة (٢). وعنه قال رسولُ اللَّه ﷺ : "نَحْنُ السَّابِقُونَ الآخِرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتينَا مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَاناَ اللَّهُ لَهُ، (٣) فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، فَاليَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ"، رواه البخاري، ومسلم (٤). ومعنى (بَيْدَ): غير، وقيل: مَعَ، وقيل: على، وفيها لغة بالميم (مَيْدَ)، وقد تكون بمعنى: من أجل. أنشد أبو عبيد (٥): عَمْدًا فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي ... أَخَافُ إِنْ هَلَكْتُ لم (٦) تُرِنِّي (٧) من الرَّنين.

стр. 1329

وعظَّمت اليهودُ يومَ السبت لما كان تمامُ الخلق فيه (١)، فظنت أن ذلك يوجب له فضيلةً، وعظَّمت النصارى يومَ الأحد لما كان ابتداءُ الخلق فيه، وكلُّ ذلك تحكُّمٌ بعقولهم، وهدى اللَّه هذه (٢) الأمةَ المحمديةَ بسنن (٣) الاتباع، فعظَّمَتْ ما عظَّمَ اللَّهُ. وقد قيل: إن موسى ﵊ أمرَهم بالجمعة وفضلِها، فناظروه في ذلك، وخالفوه، واعتقدوا أن السبت أفضلُ، فأوحى اللَّه -سبحانه- إليه: أنْ (٤) دَعْهُم وما اختاروا. وقد قيل: إن اللَّه فرض عليهم يومًا في الجمعة، فاختاروا يومَ السبت، وكأن اللَّه سبحانه وكَّلَ تعيينَ اليوم إلى اختيارهم (٥)، فاختلف (٦) اجتهادُهم في تعيينه، فحرمهم اللَّه -تعالى- بركةَ يوم الجمعة، وجعلَه لمحمدٍ ﵊ وأُمته (٧)، فكانت (٨) هذه الأمة المحمدية

стр. 1330

أسعدَ الأمم بالهداية من حيث كان يومهم هو عروس أيام (١) الأسبوع (٢)؛ كما كان البيت الحرام (٣) الذي يحجون إليه عروسَ الفلك الأرضي في الأمكنة، المقابل للبيت المعمور. وكان يوم الجمعة من الأيام المعظَّمة في الجاهلية والإسلام. قيل: ولم يختلف العلماء أن يوم عرفةَ أفضلُ منه، ولذلك (٤) عَظُمَ فضلُه إذا وافق يومُ عرفة يومَ جمعة؛ لاجتماع أسباب الفضل فيه. ولم تزل الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يخبرون أن اللَّه تعالى عظَّمه من حيث إن فيه تمام الخلق، وكمال الدائرة، فهو أحد الأسباب التي اختص بها واقتضت تشريفه. قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]، قال (٥): أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، فلما اجتمع خلقُها يومَ الجمعة، جعلَه اللَّه تعالى عيدًا للمسلمين، قال ﷺ : "الجُمُعَةُ حَجُّ الفُقَرَاءِ"، و"عِيدُ المَسَاكِينِ (٦) " (٧).

стр. 1331

ومما يدل على تفضيل يوم (١) الجمعة ما رُوي عن النبي ﷺ قال (٢): "أُتِيتُ بِمِرْآةٍ فِيهَا نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ"، وفي رواية أخرى: "فِيهَا نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَا هَذِهِ الْمِرْآةُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ يَوْمُ الجُمُعَةِ، قُلْتُ: ما هَذِهِ النُّكْتَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةُ الَّتِي في يَوْمِ الجُمُعَةِ" (٣). قالَ بعضُ العلماءِ: السرُّ في كونها سوداءَ: هو انْبِهامُها والتِباسُ عينِها (٤)، وبياضُها -على مقتضى الرواية الأخرى-: تنبيهٌ على شرفِها وخصوصيتها؛ من حيثُ إن البياض أحسنُ الألوان. تنبيه: اعلمْ: أن الزمن من حيث هو زمنٌ لا يفضلُ بعضُه بعضًا، وكذلك لا يفضُل شيء شيئًا بذاته، بل بالتفضيل، وللَّه -سبحانه- أن يفضل ما شاء، ومَنْ شاء، على ما شاء، وأن يخصَّ مَنْ شاء بما شاء، وقد نص الرسول ﵊ على تفضيل بعضِ الأزمنة، ونَبَّهَ على رُجحان العمل فيها، وكأن المقصودَ من ذلك: حَثُّ الخلق

стр. 1332

على الاجتهاد والطاعات (١) فيها، منها: يوم عرفة، ومنها: عَشْرُ ذي الحجة، ومنها: رمضان عمومًا، وليلةُ القدر منه خصوصًا، ومنها: شعبانُ عمومًا، وليلةُ نصفه خصوصًا، ومنها: يوم الجمعة عمومًا، والساعةُ التي فيه خصوصًا، ومنها: يومُ عاشوراء، ومنها: الساعات (٢) التي في الليل، وخصوصًا نصفه الأخير. وفي الخبر: أن داود ﵊ قال: إِلَهيِ (٣)! مَتَى أقومُ لِمُنَاجَاتِكَ؟ فَقَالَ (٤): يَا دَاوُدُ! إِذَا ذَهَبُ شَطْرُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ. وفي هذه الشريعة المباركة المحمدية: "يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، حَتَّى يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ"، الحديث (٥). وقيل في قول يعقوب ﵊: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]: إنه أَخَّرَ الاستغفار إلى السحر. وقيل: وعدهم أن يستغفر لهم ليلةَ الجمعة.

стр. 1333

وقيل: بل أخَّر الاستغفارَ حتى يجتمع بيوسفَ بمصرَ (١)؛ ليكون أجمعَ للدعاء، وأطيبَ للنفس، وليستوهبَ (٢) من يوسف ذنوبَ إخوته، على جميعهم أفضلُ الصلاة والسلام. وبالجملة: فتخصيصُ بعض الأزمنة، وتفضيلُ بعضها على بعض ثابتٌ في الشرع، وكلُّ ذلك لأسرار علمها ﵊، وأطلعَ اللَّهُ مَنْ شاءَ (٣) عليها، واستَأْثَرَ بما شاءَ منها، قاله (٤) ابن بزيزة، واللَّه الموفق. وليسَ في الحديثِ إلا مَا يتعلقُ بحكمِ الغُسل للجمعةِ، وظاهرُهُ: وجوبُ الغُسْلِ؛ فإنَّهُ صريحٌ في الأمر، وظاهرُ الأمرِ الوجوبُ، وقد جاءَ التصريحُ بلفظِ الوجوبِ في حديثٍ آخر، وقد اختلف العلماءُ في وجوبِهِ، وسنيتِهِ، واستحبابِهِ. ع (٥): روي عن بعضِ الصحابةِ وجوبُه. قلت: وأظنُّه أبا هريرة ﵁. وبه قال أهلُ الظاهر، وتأول ابنُ المنذر بأنه (٦) مذهبُ مالك،

стр. 1334

وحكاه الخطابي عنه، وعن الحسن. وعامة فقهاء الأمصار، وأئمة الفتوى على أنه سُنةٌ، وهو مذهبُ مالك، والمعروفُ من قوله (١)، ومعظم قول أصحابه. وجاء عنه ما دلَّ على أنه مستحب؛ وبه قالت طائفة من العلماء، وقال بعضهم: الطِّيبُ يُجزىء عنه (٢) (٣). و (٤) كذلك -أيضًا- اختلفوا في الطيب والسواك، والجمهورُ على عدمِ وجوبه. قال بعض متأخري أصحابنا: والمعوَّل في إسقاط وجوبه حديثُ عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ مع عثمانَ حين دخلَ عليه (٥). على أنهم قد اختلفوا في الداخل من هو؟ فقيل: عثمان، وقيل: غيره. وفي "صحيح البخاري": إذ جاء رجلٌ من المهاجرين الأَوَّلِينَ من أصحابِ النبيِّ ﷺ (٦).

стр. 1335

و (١) وجه الاستدلال من حديث عمر: أنه لو كان الغسل واجبًا، لما تركه عثمانُ ﵁، ولأَمَرَه عمرُ بالخروج والاغتسال (٢)، فهو إقرار منه بمحضر الصحابة، فكان كالإجماع، وهذا الذي يسميه (٣) الفقهاء: الإجماعَ السكوتيَّ، واختلفوا هل هو حجة، أم (٤) لا؟ وروى النسائي عن الحسن، عن سَمُرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ، فَالغُسْلُ أَفْضَلُ" (٥)، وهذا نصٌّ إسقاط الوجوب، وإن كان قد اختلف في تصحيح إسناد هذا الحديث؛ فضعَّفه بعضُهم، وصحَّحه بعضُهم. ق (٦): والمشهورُ أن سندَه صحيح على مذهب بعض أهل الحديث (٧). قلت: ووجهُ التضعيف اختلافُ أهلِ الحديث في سماع الحسنِ
следующие страницы →