← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ومما يدل على تفضيل يوم (١) الجمعة ما رُوي عن النبي ﷺ قال (٢): "أُتِيتُ بِمِرْآةٍ فِيهَا نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ"، وفي رواية أخرى: "فِيهَا نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَا هَذِهِ الْمِرْآةُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ يَوْمُ الجُمُعَةِ، قُلْتُ: ما هَذِهِ النُّكْتَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةُ الَّتِي في يَوْمِ الجُمُعَةِ" (٣). قالَ بعضُ العلماءِ: السرُّ في كونها سوداءَ: هو انْبِهامُها والتِباسُ عينِها (٤)، وبياضُها -على مقتضى الرواية الأخرى-: تنبيهٌ على شرفِها وخصوصيتها؛ من حيثُ إن البياض أحسنُ الألوان. تنبيه: اعلمْ: أن الزمن من حيث هو زمنٌ لا يفضلُ بعضُه بعضًا، وكذلك لا يفضُل شيء شيئًا بذاته، بل بالتفضيل، وللَّه -سبحانه- أن يفضل ما شاء، ومَنْ شاء، على ما شاء، وأن يخصَّ مَنْ شاء بما شاء، وقد نص الرسول ﵊ على تفضيل بعضِ الأزمنة، ونَبَّهَ على رُجحان العمل فيها، وكأن المقصودَ من ذلك: حَثُّ الخلق

стр. 1332

على الاجتهاد والطاعات (١) فيها، منها: يوم عرفة، ومنها: عَشْرُ ذي الحجة، ومنها: رمضان عمومًا، وليلةُ القدر منه خصوصًا، ومنها: شعبانُ عمومًا، وليلةُ نصفه خصوصًا، ومنها: يوم الجمعة عمومًا، والساعةُ التي فيه خصوصًا، ومنها: يومُ عاشوراء، ومنها: الساعات (٢) التي في الليل، وخصوصًا نصفه الأخير. وفي الخبر: أن داود ﵊ قال: إِلَهيِ (٣)! مَتَى أقومُ لِمُنَاجَاتِكَ؟ فَقَالَ (٤): يَا دَاوُدُ! إِذَا ذَهَبُ شَطْرُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ. وفي هذه الشريعة المباركة المحمدية: "يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، حَتَّى يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ"، الحديث (٥). وقيل في قول يعقوب ﵊: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]: إنه أَخَّرَ الاستغفار إلى السحر. وقيل: وعدهم أن يستغفر لهم ليلةَ الجمعة.

стр. 1333

وقيل: بل أخَّر الاستغفارَ حتى يجتمع بيوسفَ بمصرَ (١)؛ ليكون أجمعَ للدعاء، وأطيبَ للنفس، وليستوهبَ (٢) من يوسف ذنوبَ إخوته، على جميعهم أفضلُ الصلاة والسلام. وبالجملة: فتخصيصُ بعض الأزمنة، وتفضيلُ بعضها على بعض ثابتٌ في الشرع، وكلُّ ذلك لأسرار علمها ﵊، وأطلعَ اللَّهُ مَنْ شاءَ (٣) عليها، واستَأْثَرَ بما شاءَ منها، قاله (٤) ابن بزيزة، واللَّه الموفق. وليسَ في الحديثِ إلا مَا يتعلقُ بحكمِ الغُسل للجمعةِ، وظاهرُهُ: وجوبُ الغُسْلِ؛ فإنَّهُ صريحٌ في الأمر، وظاهرُ الأمرِ الوجوبُ، وقد جاءَ التصريحُ بلفظِ الوجوبِ في حديثٍ آخر، وقد اختلف العلماءُ في وجوبِهِ، وسنيتِهِ، واستحبابِهِ. ع (٥): روي عن بعضِ الصحابةِ وجوبُه. قلت: وأظنُّه أبا هريرة ﵁. وبه قال أهلُ الظاهر، وتأول ابنُ المنذر بأنه (٦) مذهبُ مالك،

стр. 1334

وحكاه الخطابي عنه، وعن الحسن. وعامة فقهاء الأمصار، وأئمة الفتوى على أنه سُنةٌ، وهو مذهبُ مالك، والمعروفُ من قوله (١)، ومعظم قول أصحابه. وجاء عنه ما دلَّ على أنه مستحب؛ وبه قالت طائفة من العلماء، وقال بعضهم: الطِّيبُ يُجزىء عنه (٢) (٣). و (٤) كذلك -أيضًا- اختلفوا في الطيب والسواك، والجمهورُ على عدمِ وجوبه. قال بعض متأخري أصحابنا: والمعوَّل في إسقاط وجوبه حديثُ عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ مع عثمانَ حين دخلَ عليه (٥). على أنهم قد اختلفوا في الداخل من هو؟ فقيل: عثمان، وقيل: غيره. وفي "صحيح البخاري": إذ جاء رجلٌ من المهاجرين الأَوَّلِينَ من أصحابِ النبيِّ ﷺ (٦).

стр. 1335

و (١) وجه الاستدلال من حديث عمر: أنه لو كان الغسل واجبًا، لما تركه عثمانُ ﵁، ولأَمَرَه عمرُ بالخروج والاغتسال (٢)، فهو إقرار منه بمحضر الصحابة، فكان كالإجماع، وهذا الذي يسميه (٣) الفقهاء: الإجماعَ السكوتيَّ، واختلفوا هل هو حجة، أم (٤) لا؟ وروى النسائي عن الحسن، عن سَمُرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ، فَالغُسْلُ أَفْضَلُ" (٥)، وهذا نصٌّ إسقاط الوجوب، وإن كان قد اختلف في تصحيح إسناد هذا الحديث؛ فضعَّفه بعضُهم، وصحَّحه بعضُهم. ق (٦): والمشهورُ أن سندَه صحيح على مذهب بعض أهل الحديث (٧). قلت: ووجهُ التضعيف اختلافُ أهلِ الحديث في سماع الحسنِ

стр. 1336

من (١) سمرةَ. وذكر أبو أحمد بن عديٍّ -أيضًا (٢) - عن أنس، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ إِلَى (٣) الجُمُعَةِ، فَلْيَغْتَسِلْ"، فلما كان الشتاءُ، قلنا: يا رسولَ اللَّهِ! أمرتَنا بالغُسل يومَ الجمعة (٤)، وقد جاء الشتاء، ونحن نجد البردَ، فقال: "مَنِ (٥) اغْتَسَلَ، فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ، فَلَا حَرَجَ" (٦). قلت: قوله ﵊: "فَبِهَا وَنِعْمَتْ"، تقديرُه: فَنِعْمَتْ فِعْلَةً فِعْلَتُه، فحذف التمييز، واسمُ الممدوح، هكذا نص عليه أهل العربية. وقوله ﵊: "لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا" (٧) يقتضي الحثَّ والاستحباب، والترغيبَ، دونَ الحَتْم والوجوب. وأما حديثُ أبي هريرة: "حَقٌّ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ في كُلِّ

стр. 1337

سَبْعَةِ أَيَّامٍ" (١)، وحديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ -أيضًا-: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ" (٢)، فمقتضاهما (٣) وجوبُ الغُسل يومَ الجمعة، وتأوله المالكيةُ على وجوب السُّنَن، وفيه عندي نظر، وفي بعض طرق الحديث: "كَغُسْلِ الجَنَابَةِ" (٤)، فقيل: حكمًا، وقيل: صفةً. قال الخطابي: ولم تختلف الأمة أن صلاةَ مَنْ لم يغتسل للجمعة جائزةٌ (٥). ومما استدل به الجمهور -أيضًا-: حديثُ عائشة ﵂، قالت: كان الناس ينتابون (٦) الجمعةَ من منازلهم، فيأتون في

стр. 1338

العَباء، ويُصيبهم الغُبار، فيخرج منهم الريحُ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا" رواه البخاري، ومسلم (١). وعن ابن عباس، قال: غُسل الجمعة ليس بواجب، ولكنه أطهرُ وخيرٌ لمن اغتسل (٢)، وسأخبركم كيف كان (٣) بدءُ الغسل، فذكرَ نحوَ حديث عائشة، رواه أبو داود بإسناد حسن (٤). وبالجملة: فالأحاديثُ التي ظاهرُها الوجوب إذا حُملت على الندب، كان ذلك (٥) جمعًا بينها وبين ما يقتضي من الأحاديث عدمَ الوجوب، واللَّه أعلم. قال العلماء: ويُستحب أن يتنظف بالاستياك، وقصِّ الأظفار، وأخذِ الشعر، وقطع الأرائح، وأن يتطيَّبَ، ويلبسَ أحسنَ ثيابه؛ لما روى أبو سعيد، وأبو هريرة ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَاسْتَنَّ، ومَسَّ مِنْ طِيبٍ (٦) إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى يأْتيَ المَسْجِدَ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ، ثُمَّ رَكَعَ

стр. 1339

مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْكَعَ، وَأَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ؛ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا" (١). وأفضلُ الثياب البَياضُ؛ لما روى سَمُرَةُ بنُ جندبٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الْبَسُوا بَيَاضَ الثِّيَابِ؛ فَإِنَّهَا أَطْهَرُ، وَأَطْيَبُ" (٢). وَيُسْتَحَبُّ للإمامِ من الزينةِ أكثرُ مما يُسْتَحَبُّ لغيرهِ؛ لأنه مقتدًى به، والأفضل أن يعتمَّ ويرتدي؛ اقتداءً به ﷺ (٣). * * *

стр. 1340

الحديث الثالث ١٣١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ (١).

стр. 1341

الجمهورُ على وجوب الخطبتين. واختلف أصحابنا في شرطيتهما (١) في إقامة الجمعة على قولين: أشهرهما: أنهما (٢) فرض، وشرط. و (٣) القول الثاني: أنهما (٤) سنة، قاله ابن الماجشون من أصحابنا.

стр. 1342

قال: ومن صلَّى بغير خطبة، لم يُعدْ، وروى في "الثمانية" (١): أن الجمعة تجزئه، وهو مذهب الحسن البصري، وداود. ووجه القول باشتراطهما (٢): ما قدمناه من أنها عبادة افتتحت (٣) على وجوه، فالأصلُ اعتبارُ جميع الوجوه التي وقعت عليها، فلا تجزىء إِلَّا كذلك، إِلَّا ما دلَّ الدليل على أنه طَرْدٌ، ولم يدلَّ دليلٌ على أنهما (٤) طرد، بل لا خلاف أنها مقصودة مطلوبة. وأيضًا: فإن وجوب الجمعة وقع مجملًا في القرآن (٥)، فبينه الرسول ﵊ بفعله، وإذا كان الفعل بيانًا لمجمَل القرآن، كان على الوجوب، ولم ينقل أنه (٦) ﷺ صلاها قَطُّ إِلَّا بخطبة. قال الإمام المازري: وأيضًا: فقد قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، وأولُ الذِّكْر في الجمعة الخطبةُ، فيُحمل الظاهرُ عليه. قلت: ومما يدلُّ على أن المرادَ بالذكرِ الخطبة: قوله ﵊: "فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ، طُوِيَتِ الصُّحُفُ، وَجَلَسَتِ

стр. 1343

المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ" (١)، ولا أعلم في ذلك خلافًا بين العلماء. (٢) قال الإمام المازري: وأيضًا: فإن اللَّه -تعالى- حرم البيعَ حينَ النداء، فلولا وجوبُ الخطبة، لم يحرم البيعُ إِلَّا عند الشروع في الصلاة. وأيضًا: فإن الخطبة قامت مقام الركعتين، ألَّا ترى قولَ عمرَ ﵁: قصرت الصلاةُ لأجل الخطبة، والركعتان الساقطتان كانتا فرضًا، فكذلك ما أُقيم مقامَهما، وكذلك قال أصحابنا في الإمام يخطب قبلَ الزَّوال: إنه (٣) يعيد الصلاة والخطبة؛ لأنها عندهم (٤) مقام ركعتين، فيراعى الوقت فيها؛ كما يراعى في الركعتين. وأما شبهة من قال: إنها غير واجبة، فالقياسُ على غيرها من الأذكار والخطب، والفرق عندنا: أن هذه قد غير (٥) بسببها الفرض؛ بخلاف غيرها. وفي الحديث: دليل على الجلوس بين الخطبتين، وقد تقدَّم

стр. 1344

ذكرُ الخلاف في وجوبه بين العلماء، وأن (١) منقولَ مذهبِ الشافعي وجوبُه، بل قد نُقلت عنه رُكْنِيَّتُه، وأن مذهب مالك عدمُ الوجوب، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1345

الحديث الرابع ١٣٢ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَقَالَ: "صَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ "، قَالَ (١): لَا، قَالَ: "قُمْ فَارْكَعْ رَكعَتَيْنِ" (٢). وفي رِوَايَةٍ: "فَصَلِّ رَكعَتَيْنِ" (٣).

стр. 1346

الكنايةُ عن اسم الرجل، وهو سُلَيْكٌ الغَطَفانِيُّ بـ: "يا فلان! " يحتمل أن يكون من قوله ﵊، ويحتمل أن يكون من قول جابر، وأيًا ما كان، فيُسأل عن وجه العدول عن التصريح (١) باسمه إلى الكناية، وما حكمة ذلك؟ إذ لا يعدل عن الأصل إِلَّا لمعنى مناسب. ولتعلم: أن فلانًا وفلانةَ من الأسماء التي لا تُثنى، ولا تُجمع؛ لأنها لم تستعمل نكرة، إذ هي كناية عن (٢) الأعلام، والاسمُ لا يُثنى

стр. 1347

ولا يُجمع حتى ينكَّر، فاعرفْه. وقوله ﵊: "صليت؟ " أي: تحيةَ المسجد؛ إذ الجمعة لا يقيمُها غيرُه ﵊ والحالة هذه. وفيه: جوازُ إسقاط همزة الاستفهام من الفعل المستفْهَم عنه؛ إذ الأصل: أصليت؟ ومنه قول الشاعر: [الطَّويل] بِسَبعٍ رَمَيْنَ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ (١) والتقديرُ: أبسبعٍ رمينَ الجمر؟ وقد حُمل عليه قوله -تعالى-: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، قال بعضهم (٢)، التقدير: أفمن نفسك؟ وهو كثير. وسرُّه كثرةُ الاستعمال، حتى قيل: إن الاستفهام أكثرُ من الخبر، وقالوا: إن الاستفهام دهليزُ العلم، واللَّه أعلم. وقوله ﵊: "قمْ فاركعْ" ظاهرُ في جواز (٣) تحية المسجد حالَ خطبة الإمام، وإلى ذلك (٤) ذهب أكثرُ أصحاب الحديث، والشافعيُّ، وأحمدُ؛ أخذًا بظاهره، وغيره مما هو أصرحُ منه، وهو قوله ﷺ : "إذا جاء أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَة وَالإِمَامُ يَخْطُبُ،

стр. 1348

فَلْيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا" (١)، وهذا عمومٌ صريح. وذهب مالكٌ، وأبو حنيفة: إلى أنه لا يركعُهما؛ لوجوب الاشتغال بالاستماع، واستدلَّا على ذلك بقوله ﷺ : "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ: أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَوْتَ" (٢)، وإذا منع من هذه الكلمة، مع كونها أمرًا بمعروف، ونهيًا عن منكر في زمن يسير، فلأن تُمنع (٣) الركعتان مع كونهما مسنونتين في زمن طويل من باب أولى (٤). قلت: ولعلَّ المخالف يقول: لعل هذه الكلمةَ الواحدة تؤدِّي إلى التشاجر والخصام، ورفعِ الصوت حالَ (٥) الخطبة؛ فإن الغالب من حال مَنْ ينكر عليه عدمُ القبول، لا سيما في زماننا هذا، فتكون مفسدتها أشدَّ من مفسدة الاشتغال بالركعتين، مع كون الصلاةِ عبادةً مندوبة، والخصامُ حرام. وقد اعتذر أصحابنا عن حديث سُليك: أنه مخصوصٌ به، وإنما خُصَّ بذلِكَ (٦)؛ لأنه كان فقيرًا، فأُريد قيامُه ليستشرفَه الحاضرون، فيُتَصَدَّقَ عليه.

стр. 1349

ق (١): وربما يتأيد هذا بأنه ﷺ أمره بالقيام للركعتين بعدَ جلوسه، وقد قالوا: إن ركعتي (٢) التحية تفوتُ (٣) بالجلوس، وقد عُرف أن التخصيص على خلاف الأصل، ثم يبعد الحملُ عليه مع صيغة العموم، وهو قوله ﵊: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ" الحديث، فهذا تعميمٌ يُزيل توهُّمَ التخصيص بهذا الرجل. وقد تأولوا هذا العمومَ -أيضًا (٤) - بتأويل مستكْرَه وأقوى من هذا للعذر (٥): ما ورد أن النبيَّ ﷺ سكتَ حتى فرغ من (٦) الركعتين، فحينئذ يكون المانعُ من عدم الركوع منتفيًا، فيثبت الركوعُ، وعلى هذا أيضًا تردُ الصيغة التي فيها العموم (٧)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام تأليف الإمام تاج الدين الفاكهاني أبي حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري المالكي المولود بالإسكندرية سنة ٦٥٤ هـ المتوفى بها سنة ٧٣١ هـ - رحمه الله تعالى - يطبع لأول مرة كاملا محققا على ثلاث نسخ خطية [المجلد الثالث] تحقيق ودراسة نور الدين طالب بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين

стр. 1351

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1352

رِيَاضُ الأَفْهَامِ فِي شَرح عُمْدَةِ الأَحْكَامِ

стр. 1353

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٧ - ١٣ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها الْعَام نور الدّين طَالِب سوريا - دمِشق ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بِيروت ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ (٠٠٩٦٣١١) فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) www.daralnawader.com

стр. 1354

الحديث الخامس ١٣٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ" (١).

стр. 1355

الحديث يدلُّ لمالكٍ (١) رحمه اللَّه تعالى على وجوب الإنصاتِ؛ لتعليقه ﵊ بكونِ الإمامِ يخطبُ، وهذا عام بالنسبة إلى سماع المصلِّي وعدمِه. وقال الحسن البصري: لا بأس أن يسلِّمَ، ويردَّ السلامَ. وقال الشعبي (٢)، وسالم: ردُّ السلامِ في حال الخطبة واسعٌ. وقال القاسمُ بنُ محمد: (٣) يردُّ في نفسه. وفرق عطاءٌ بين أن يسمعَ الخطبة، فيردَّ في نفسه، أو لا يسمعَ، فيردَّ جهرًا (٤) (٥). وقد تقدم استدلالُ مالك، وأبي حنيفة بهذا الحديث على عدم تحيةِ المسجدِ حالَ خطبة الإمامِ. ويجوز في مضارع لغا الواو والياء (٦)، فيقال: يَلْغو ويَلْغَى (٧)،

стр. 1356

واللَّغْوُ واللَّغا: رديءُ الكلامِ مما (١) قَبُحَ ولا خيرَ فيه، وقد يطلق على الخَيْبَة (٢) (٣)، وقد قالوا (٤): لغا الرجل يلغو: إذا تكلم بلُغَته، فلا يكون من هذا الباب، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1357

الحديث السادس ١٣٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ في السَّاعَةِ الأُولَى، فَكَأَنَّما قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّما قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّما قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّما قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ، حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ" (١).

стр. 1358

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: ظاهرُ هذا الحديث أن التبكير للجمعة أفضلُ من التَّهْجير، وهو اختيار الشافعي؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث (١). والذي اختاره مالكٌ: التهجير دونَ التبكير، وحملَ الحديثَ على أن المراد به: بعدَ الزوال؛ تعلقًا بأن الرواح لا يكون في أول النهار، وإنما يكون بعد الزوال. قال الإمام المازري: وخالفه بعضُ الأصحاب (٢)، ورأى أن المراد (٣): أولُ النهار، تعلقًا بذكر الساعات الأولى والثانية إلى ما ذكر، وذلك لا يكون إِلا من أولِ النهار، فتمسك مالكٌ ﵀ بحقيقة الرواح،

стр. 1359

وتَجَوَّزَ في تسمية الساعة، ويؤكده عنده (١) -أيضًا-: قوله ﵊ في بعض طرق الحديث: "مَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً" (٢)، والتهجيرُ لا يكون أولَ النهار، وتمسَّك بعضُ أصحابه بحقيقة لفظ الساعة، وتجوَّزَ بلفظ الرواح (٣). قلت: أما الرواح، فاختلف فيه اللغويون، فظاهرُ كلام الجوهري، أو نصُّ كلامه: أنه لا يكون إِلَّا بعدَ الزَّوال (٤)؛ كما قاله مالك ﵀، وغيره. وأما الأزهري، فأنكر ذلك، وغلَّطَ قائلَه، فقال في "شرح ألفاظ المختصر": معنى راح: مضى إلى المسجد، ويتوهم كثيرٌ من النَّاس أن الرواحَ لا يكون إِلَّا في آخر النهار، وليس ذلك بشيء؛ لأن الرواحَ والغُدُوَّ عند العرب مستعملان في السير أيَّ وقتٍ كانَ من ليلٍ أو نهار، يقال: راح في أولِ النهار وآخرِه، يروح، وغدا بمعناه (٥). هذا لفظ الأزهري. وذكر غيرُه نحوَه (٦) أيضًا.

стр. 1360

وقال الخطابي في شرح هذا الحديث: معنى راح: قصدَ الجمعةَ، وتوجَّه إليها مبكِّرًا قبلَ الزوال. قال: وإنما تأولناه هكذا؛ لأنه لا يبقى بعدَ الزوال خمس ساعات في وقت الجمعة، وهذا سائغ (١) في الكلام، تقول راح فلان: بمعنى: قصد، وإن كان حقيقة الرواح بمعنى الزوال (٢). قلت: قولُه (٣): لا يبقى (٤) خمسُ ساعات بعد الزوال، إنما يثبت هذا الإشكال إذا حملنا الساعات على الأجزاء الزمانية التي يقسم النهار فيها إلى اثني عشر جزءًا، وأما إذا حملناها على ما تأوله مالك ﵀؛ من تقسيم الساعة السادسة إلى ستة أجزاء على ما سيأتي، فلا يثبت إشكالًا، مع أنه قد سلم أن حقيقة الرواح بمعنى الزوال (٥) في (٦) قوله: ﵊: "مَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً"، والتهجيرُ عند الأكثرين: السيرُ وقتَ الهاجرة. وما أبعدَ تأويلَ من تأوله من الشافعية بأن معناه: هجرَ منزله وتركه!

стр. 1361

ع: وأقوى معتمد مذهب (١) مالك في (٢) المسألة، وكراهة البكور فيها (٣) -خلاف ما قاله الشافعي، وأكثر العلماء، وابن حبيب من أصحابنا: عملُ أهل المدينة المتصلُ بتركِ ذلك، وسعيُهم إليها قربَ صلاتها، وهو نقلٌ معلومٌ غيرُ منكَرٍ عندهم، ولا معمولٍ بغيره، وما كان أهل عصر النبي ﷺ ومَنْ بعدهم ممن يترك الأفضلَ إلى غيره، ويتمالؤون على العمل بأقل الدرجات. ومما يؤيد تأويلَه -أيضًا-: أنه لو كان كما تأوله غيرُه في سائر ساعات النهار، كان حكمُ الساعات كلِّها في الفضل واحدًا. قلت: يريد: كأنه (٤) يلزمُ منه أن يكون كلُّ مَنْ جاء في الساعة الأولى -مثلًا- في الفضل واحدًا. وكذلك الثانية، إلى آخر الساعات، ومعلومٌ أن السابق له فضلٌ على اللاحق، فلا تتساوى مراتبُ النَّاس في كل ساعة، وقد جاء في (٥) الحديث: "ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ"، وجاء في الحديث أيضًا: "يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ"، وهو بمعنى (٦) الذي قبله.

стр. 1362

ثم قال: و (١) أيضًا: فإن الزوال إنما هو في آخر الساعة السادسة (٢)، وقد: انقضت -على قولهم- الفضائلُ في الخامسة، وإنما انقطعت في الحديث بخروج (٣) الإمام، فلم يبق على قولهم للسادسة إلى خروج الإمام فضلٌ، وهو (٤) خلاف الحديث (٥). ق: وهذا الإشكال إنما ينشأ إذا جعلنا الساعةَ هي الزمانيةَ، أما إذا جعلنا ذلك عبارةً عن ترتيب منازل السابقين، فلا يلزم (٦) هذا الإشكال، واللَّه أعلم (٧). ثم قال ع: ومعنى الساعة الأولى والثانية والثالثة على هذا: وقتُ رواحِه على طريق التقريب؛ كما يقال: اقعد بنا ساعةً، ولم يرد ساعة الزمان المعهودة (٨). قلت: وممن اختار ما ذهب إليه مالك ﵁ في هذا التأويل من الشافعية؛ إمامُ الحرمين، والقاضي حسين، وغيرُهما (٩) من الخراسانيين

стр. 1363

على ما نقله ح (١) في "شرح المهذب" (٢). الثاني: قوله-﵊: "فكأنما قَرَّبَ بدنةً": اختُلف في البدنة هل تختص بالإبل، أو تقع -أيضًا- على البقر، والغنم؟ بعد الاتفاق على أنها تقع على الذكر والأنثى من الإبل. قالوا: وسميت بدنة؛ لأنها تُبَدَّنُ، والبدانة السِّمَنُ، وفيه عندي نظر، فإن (٣) السِّمَن غيرُ مختص بالإبل، والفيلُ أعظمُ منها بَدانة وسِمَنًا، ولا يسمَّى بدنة، وأما الجزور، فلا تكون إِلَّا من الإبل. ع (٤): وقد يحتج: بهذا الشافعي، وأبو حنيفة، في تفضيل البُدْن في الضحايا على الغنم، وأنها أفضل، ثم البقر، ثم الغنم، وسَوَّوا بين الهدايا والضحايا (٥) وسائر النسك. ومالك وأصحابُه يقولون: أما في الضَّحايا، فالضأن أفضلُ من المعز، ثم البقر، ثم الإبل، ومن أصحابنا من قدَّمَ الإبلَ على البقر، ووافقوا في الهدايا، وحجتُهم: قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، وأن النبي ﷺ ضحَّى بالضأن، وما كان ليتركَ الأفضلَ، كما لم يتركه في الهدايا، ولأن الغرض في الضحايا استطابةُ

стр. 1364

اللحم، وفي الهدايا كثرتُه، وقوله ﵊: "بَدَنَة، ثم بَقَرَة" يحتج به (١) عطاءٌ في أن البُدْنَ لا تكون إِلَّا من الإبل وحدَها، ومالكٌ يرى البقرَ من البُدْن. وفائدة هذا فيمن نذرَ بدنة، ويكون ببلد لا يوجد فيه (٢) إِلَّا البقر (٣)، وذلك عند عدم الإبل، أو قصر النفقة (٤). تنبيه: ظاهرُ هذا الحديث أو نصُّه، يقتضي أن هذا التقريب المذكور لا يحصل إِلا لمن اغتسل، ثم راح؛ لتصديره ﵊ الشرطَ به، وهو كلمة (مَنْ)، وعطف الرواح عليه، بثُمَّ المرتِّبَة، نعم، من راح في الساعة الأولى -مثلًا- من غير اغتسال، كان له فضلٌ على من (٥) راحَ بعدَه، ولكن لا يحصل له أجرُ التقريبِ المذكورِ المشروطِ بالاغتسال، فمن ادَّعى عدمَ اعتباره، فعليه الدليل. الثالث: قوله ﵊: "كأنما قَرَّبَ دجاجة" و"كأنما قرب بيضةً"، وفي الرواية الأخرى في كتاب "مسلم": "أَهْدَى دَجَاجَةً (٦)، وَأَهْدَى بَيْضَةً"، وليس هذان مما يطلق عليهما اسمُ هَدْي،

стр. 1365

واعتذر عن رواية "أهدى": بأنه لما عطفه على ما قبلَه من الهدايا، وجاء به بعده، لزمه حكمُه في اللفظ، وحُمل عليه؛ كقوله: مُتَقَلّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا أي: وحاملًا رمحًا، وكذلك هنا؛ كأَنه (١) كالمتقرب بالصدقة بدجاجة، أو بيضة، وأطلق على ذلك اسم الهدي؛ لتقدمه، وتحسين الكلام به. وأما (٢) رواية: "فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَذَا"، فاعتذر عنه -أيضًا (٣) - بأنه ضربٌ من التمثيل للأجور ومقاديرها، لا على تمثيل الأجور وتشبيهها، حتى يكونَ أجرُها كأجر هذا، وتكون الدجاجة في التمثيل والتدريج، والبيضة بقدر أجرهما (٤) من أجر البدنة، لو كان هذا مما يُهدى. ع (٥): واختُلف في الغنم، هل هي من الهدي، أم لا؟ وفائدةُ الخلاف فيمن قال: عليَّ هديٌ (٦)، هل تجزئه (٧) شاةٌ أم لا؟ وأجاز ذلك

стр. 1366

مرةً مالكٌ، ومرة لم يُجزها إِلا من قصر النفقة، على تضعيف منه فيها. الرابع: قوله ﵊: "فإذا خرجَ الإمامُ، حضرتِ الملائكةُ يستمعونَ الذِّكْر"، وفي رواية البخاري: "طَوَوْا صُحُفَهُمْ". ع (١): قالوا: هذا يدل على أنهم غيرُ الحفظة (٢). وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: لا دليل فيه. (٣) قال ابن بزيزة: وأما طيُّ الصحف، فعبارة عن أنهم لا يكتبون، فهل هو تنبيه على فضيلة البكور؛ بحيث إنه إن لم يبكر، لا يكتب له مثلُ ما يُكتب للمبكر؟ أو نفي الكَتْبِ مطلقًا في حق غير المبكر؟ وهو ظاهر اللفظ. وفي "مسند الحارث (٤) بن أبي أسامة": "إِنَّ المَلَائِكَةَ يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ: جَاءَ فُلَانٌ مِنْ سَاعَةِ كَذَا، جَاءَ فُلَانٌ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، جَاءَ فُلَانٌ وَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ، جَاءَ فُلَان وَلَمْ يُدْرِكِ الجُمُعَةَ، إِذَا (٥) لَمْ يُدْرِكِ الخُطْبَةَ" (٦)، فهذا يدلُّ على أن كَتْبهم لا ينقطع بجلوس الإمام على المنبر.

стр. 1367

وفي بعض طرق هذا الحديث: "ثُمَّ كَمِثْلِ مَنْ يُهْدِي عُصْفُورًا" (١)، ذكره بين الدجاجة والبيضة، وهو مناسبٌ من طريق المعنى، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1368

الحديث السابع ١٣٥ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ-، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ (١) الجُمُعَةِ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ، وَلَيْسَ لِلْحِيْطَانِ ظِلٌ نستَظِلُّ بِهِ (٢). وَفِي لَفْظٍ: كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنتَتَبَّعُ الفَيْءَ (٣).

стр. 1369

* التعريف: سَلَمَةُ بنُ عَمْرِو بنِ الأَكوعِ، واسمُ الأكوع: سنانُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ خزيمةَ بنِ مالكٍ، الأسلميُّ. يكنى: أبا مسلم، وقيل: أبا ياسر، وقيل: أبا عامر. أسلم هو وأخوه عامر، وصحبا النبيَّ ﷺ ، واستوطن الرَّبذة بعدَ قتل عثمان ﵄، وكان يرتجز بين يدي النَّبي ﷺ في أسفاره، وبايعه يومَ الحديبية، وبايعه تحتَ الشجرة، وكان راميًا يصيدُ الوحشَ، وقال له رسولُ اللَّه ﷺ في مُنْصَرَفِه إلى المدينة: "خَيْرُ رِجَالَتِنَا اليَوْمَ سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ" (١)، وهو الذي استنقذ لقاحَ رسولِ اللَّه ﷺ حين أخذتها غَطفانُ وفزارةُ، فقال له النبي ﷺ : "مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ" (٢)، وكان يصفِّرُ رأسَه ولحيته (٣). توفي سنة أربع وسبعين، وقيل: وستين، وله ثمانون سنة، وبايع

стр. 1370

النبيَّ ﷺ ثلاث مرات. قال سلمة: كنتُ تبعًا ﷺ لطلحةَ بنِ عُبيد اللَّه أسقي فرسَه، وأَحُسُّه، وأخدمُه، وآكلُ من طعامه، وتركت أهلي ومالي مُهاجرًا إلى اللَّه ورسوله، وذكر الحديث بطوله ﵁ (١). الشرح: الجمهورُ على أن وقتَ الجمعة وقتُ الظهر، وخالف في ذلك أحمدُ، وإسحاقُ، وكان حجتهما في ذلك: ما جاء في حديث سهل: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ (٢). وقال الإمام المازري: ومحملُه (٣) عندنا: على أن المراد به (٤): التبكير، وأنهم كانوا يتركون ذلك اليومَ القائلةَ والغداءَ (٥)؛ لتشاغلهم بغسل الجمعة والتهجير (٦).
следующие страницы →