مرةً مالكٌ، ومرة لم يُجزها إِلا من قصر النفقة، على تضعيف منه فيها.
الرابع: قوله ﵊: "فإذا خرجَ الإمامُ، حضرتِ الملائكةُ يستمعونَ الذِّكْر"، وفي رواية البخاري: "طَوَوْا صُحُفَهُمْ".
ع (١): قالوا: هذا يدل على أنهم غيرُ الحفظة (٢).
وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: لا دليل فيه.
(٣) قال ابن بزيزة: وأما طيُّ الصحف، فعبارة عن أنهم لا يكتبون، فهل هو تنبيه على فضيلة البكور؛ بحيث إنه إن لم يبكر، لا يكتب له مثلُ ما يُكتب للمبكر؟ أو نفي الكَتْبِ مطلقًا في حق غير المبكر؟ وهو ظاهر اللفظ.
وفي "مسند الحارث (٤) بن أبي أسامة": "إِنَّ المَلَائِكَةَ يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ: جَاءَ فُلَانٌ مِنْ سَاعَةِ كَذَا، جَاءَ فُلَانٌ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، جَاءَ فُلَانٌ وَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ، جَاءَ فُلَان وَلَمْ يُدْرِكِ الجُمُعَةَ، إِذَا (٥) لَمْ يُدْرِكِ الخُطْبَةَ" (٦)، فهذا يدلُّ على أن كَتْبهم لا ينقطع بجلوس الإمام على المنبر.
стр. 1367
وفي بعض طرق هذا الحديث: "ثُمَّ كَمِثْلِ مَنْ يُهْدِي عُصْفُورًا" (١)، ذكره بين الدجاجة والبيضة، وهو مناسبٌ من طريق المعنى، واللَّه أعلم.
* * *
* التعريف:
سَلَمَةُ بنُ عَمْرِو بنِ الأَكوعِ، واسمُ الأكوع: سنانُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ خزيمةَ بنِ مالكٍ، الأسلميُّ.
يكنى: أبا مسلم، وقيل: أبا ياسر، وقيل: أبا عامر.
أسلم هو وأخوه عامر، وصحبا النبيَّ ﷺ ، واستوطن الرَّبذة بعدَ قتل عثمان ﵄، وكان يرتجز بين يدي النَّبي ﷺ في أسفاره، وبايعه يومَ الحديبية، وبايعه تحتَ الشجرة، وكان راميًا يصيدُ الوحشَ، وقال له رسولُ اللَّه ﷺ في مُنْصَرَفِه إلى المدينة: "خَيْرُ رِجَالَتِنَا اليَوْمَ سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ" (١)، وهو الذي استنقذ لقاحَ رسولِ اللَّه ﷺ حين أخذتها غَطفانُ وفزارةُ، فقال له النبي ﷺ : "مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ" (٢)، وكان يصفِّرُ رأسَه ولحيته (٣).
توفي سنة أربع وسبعين، وقيل: وستين، وله ثمانون سنة، وبايع
стр. 1370
النبيَّ ﷺ ثلاث مرات.
قال سلمة: كنتُ تبعًا ﷺ لطلحةَ بنِ عُبيد اللَّه أسقي فرسَه، وأَحُسُّه، وأخدمُه، وآكلُ من طعامه، وتركت أهلي ومالي مُهاجرًا إلى اللَّه ورسوله، وذكر الحديث بطوله ﵁ (١).
الشرح: الجمهورُ على أن وقتَ الجمعة وقتُ الظهر، وخالف في ذلك أحمدُ، وإسحاقُ، وكان حجتهما في ذلك: ما جاء في حديث سهل: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ (٢).
وقال الإمام المازري: ومحملُه (٣) عندنا: على أن المراد به (٤): التبكير، وأنهم كانوا يتركون ذلك اليومَ القائلةَ والغداءَ (٥)؛ لتشاغلهم بغسل الجمعة والتهجير (٦).
стр. 1371
قلت: ويؤيد هذا التأويلَ قولُه في الرواية الأخرى: كُنَّا نجمِّعُ معَ النبيَّ ﷺ إذا زالتِ الشمسُ، فهذا مفسِّرٌ لما وقع في حديث سهل، وكاشفٌ (١) لمعناه.
وأما قول سلمة: "ثم ننصرفُ وليس للحيطان ظلٌّ نستظلُّ به"، فإنه لم ينفِ مطلقَ الظلِّ، وإنما نفى ظلًا يُستظل به، مع أن جدرانهم (٢) كانت قصيرة؛ فإنهم كانوا لا يتطاولون في البنيان، فقصرُها يمنعُ من الاستظلال بها وقتَ الزوال إلى زمان (٣) طويل.
ق (٤): (٥) أهلُ الحساب يقولون: إنَّ عرضَ المدينة خمسٌ وعشرون درجةً، فإذًا غايةُ الارتفاع يكون تسعًا وثمانين، فلا تُسامِتُ الشمسُ الرؤوس، وإذا لم تسامتِ الرؤوسَ (٦)، لم يكن ظل القائم تحته حقيقة، بل لابدَّ له من ظل، فامتنع أن يكون المرادُ: نفيَ أصل الظل، فالمراد: ظلٌّ يكفي أبدانَهم للاستظلال، ولا يلزم من ذلك وقوعُ الصلاة ولا شيءٌ (٧) من خطبتها قبلَ الزوال.
стр. 1372
وقوله: كنا نُجَمِّع: هو بضم النون وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة؛ أي: نُقيم الجمعةَ مع رسول اللَّه ﷺ (١).
والفيء: ما بعدَ الزوال من الظل، أنشد الجوهري:
فَلَا الظِّلَّ مِنْ بَرْدِ (٢) الضُّحَى نَسْتَطِيعُهُ ... وَلَا الفَيْءَ مِنْ بَرْدِ (٣) العَشِيِّ نَذُوقُ
قال (٤): وإنما سُمي الظل فَيْئًا؛ لرجوعه من جانب إلى جانب.
قال ابن السِّكِّيت: الظلُّ: ما نسخته الشمسُ، والفيءُ: ما نسخَ الشمسَ.
وحكى أبو عُبيد (٥) عن رؤبة: كلُّ ما كانت عليه الشمسُ، فزالت عنه، فهو فيءٌ، وظِلٌّ، وما لم تكن عليه الشمسُ، فهو ظِلٌّ، والجمعُ: أَفياء، وفُيوء، وقد فَيَّأَتِ الشجرةُ تَفْيِئَةً، وتَفَيَّأْتُ أَنَا في فَيْئهَا (٦)، وتَفَيَّأَتِ الظِّلالُ: تَقَلَّبَتْ، واللَّه أعلم (٧).
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله (١): "صلاة الفجر"، يعني: صلاة الصبح.
الثاني: قوله: "الم" السجدة: اعلمْ: أنه قد اختُلف في الحروف المتقطعة (٢) في أوائل السور على قولين:
قال الشعبيُّ عامرُ بنُ شراحيل (٣)، وسُفيانُ الثوريُّ، وجماعةٌ من المحدِّثين: هي سرُّ اللَّه في القرآن، وهي من المتشابِه الذي انفردَ اللَّه تعالى بعلمِه، ولا يجبُ أن يتكلم فيها، ولكن نؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءت.
وقال الجمهور من العلماء: بل (٤) يجب أن نتكلم (٥) فيها، ونلتمس (٦) الفوائدَ التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها.
واختلفوا في ذلك على اثني عشر قولًا (٧):
فقال علي بنُ أبي طالب، وابنُ عباسٍ ﵄: الحروفُ المقطَّعة في القرآن (٨) اسمُ اللَّه الأعظمُ، إِلا أنا لا نعرفُ تأليفَه منها.
стр. 1375
وقال ابن عباس -أيضًا-: هي أسماءٌ أقسمَ اللَّه -تعالى- بها.
وقال زيدُ بنُ أسلمَ: هي أسماءٌ للسُّوَر (١).
وقال قَتادة: هي أسماءٌ للقرآن؛ كالفرقان، والذِّكْر.
وقال مجاهدٌ: هي فواتِحُ السُّوَر (٢).
قال ابنُ عطية: كما يقولون في أوائل الإنشاد لشهير القصائد: بل، ولا بل، نحا هذا النحوَ أبو عبيدةَ، والأخفشُ.
وقال قومٌ: هي حسابُ أبي جاد؛ لتدلَّ على مدة ملَّةِ محمدٍ ﷺ ؛ كما ورد في حديث حُيَيَّ بنِ أَخْطَبَ، وهو قولُ أبي العالية رفيعٍ، وغيرِه.
وقال قُطْرُبٌ وغيرُه: هي إشارة إلى حروف المعجم؛ كأنه يقول للعرب: إنما تَحَدَّيتكم (٣) بنظمٍ من هذه الحروفِ التي (٤) عرفتم، فقوله تعالى: ﴿الم﴾ بمنزلة قولك (٥): اب ت ث؛ ليدل بها على التسعةِ (٦) والعشرين (٧) حرفًا.
وقال قوم: هي أَمارةٌ قد كان اللَّه -تعالى- جعلها لأهل الكتاب،
стр. 1376
أنه (١) سَيُنَزِّلُ على محمد ﷺ كتابًا في أولِ سُوَرٍ (٢) منه حروفٌ مقطعة.
وقال ابن عباس -أيضًا-: هي حروف تدلُّ على: أنا اللَّه أعلم، أنا اللَّه أرى، أنا اللَّه أفصل.
وقال ابنُ جبير، عن ابن عباس: هي حروفٌ كلُّ واحد منها؛ إما أن يكونَ من اسم (٣) من أسماء اللَّه -تعالى-، وإما من نعمةٍ من نعمه (٤)، وإما من اسم مَلَكٍ من ملائكته، أو نبيٍّ من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام.
وقال قوم: هي تنبيه؛ كـ: (يا) (٥) في النداء.
وقال قوم: رُوي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكةَ، نزلت؛ ليستغربوها، فيفتحوا لها أسماعهم، فيستمعون (٦) القرآن بعدها.
قال ابن عطية: والصوابُ ما قاله الجمهور: أن تفسَّر (٧) هذه الحروف، ويُلتمس لها التّأويل؛ لأنا نجد العربَ قد تكلمت بالحروف المقطعة نَظْمًا لها، ووضعًا بدلَ الكلماتِ التي الحروفُ منها؛ كقول الشاعر:
стр. 1377
قُلْتُ لَهَا قَفِي ... قَالَتْ (١) قَافْ
أراد: وقفتُ.
وكقول الآخر:
بِالخَيْرِ خَيْراتٍ وَإِنْ شَرًّا فَا ... وَلَا أُرِيدُ الشَّرَّ إِلَّا أَنْ تَا
أراد: وإن شَرًّا، فَشَرًّا (٢)، وأراد: إلا أن تشاء (٣).
والشواهد في هذا كثيرة، فليس كونها (٤) في القرآن مما تُنكره العرب في لغتها (٥)، فينبغي إذا كان من معهود كلام العرب، أن يُطلب تأويله، ويُلتمس وجهه.
والوقفُ على هذه الحروف بالسكون، لنقصانها، إِلَّا إذا أخبرتَ عنها، أو عطفتَها، فإنك تُعْرِبها؛ لأنها حينئذ أسماءٌ لا حروف، وموضع ﴿الم﴾ من الإعراب رفعٌ، على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أو على أنه ابتداء، أو نصبٌ بإضمار فعل، أو خفضٌ بالقسم، وهذا (٦) الإعراب يتجه الرفع فيه في بعض الأقوال المتقدمة، والنصبُ في بعض، والخفضُ
стр. 1378
في قول ابن عباس: إنها أسماء اللَّه -تعالى- أقسَم بها (١).
فائدة: قال ابنُ خطيب زملكا (٢) في "برهانه": وسأوضح لكَ ذلك بشيء (٣) من دقيق المسالك، يُشير إلى إعجاز القرآن، منه فواتحُ السُّور التي هي حروف هجاء، فإذا (٤) نظرتها ببادي الرأي، وجدتَها مما يكاد يمجُّه السمعُ، ويقلُّ به النفعُ، مع أنها من (٥) الحُسْنِ ترفُل في الحِبَر، ويقصرُ عنها دقيقُ النظر، وذلك من وجوه:
الأول: أنها كالمهيِّجَةِ لمن سمعَها من الفُصَحاء، والموقظة للهمم الراقدة من البُلَغاء، لطلب التساجل، والأخذ في التفاضل، ألا تراها بمنزلة زَمْجَرَةِ (٦) الراعد قبلَ الماطِر في الإعلام؛ لتعيَ (٧) الأرضُ فضلَ الغَمام، وتحفظ (٨) ما أُفيض عليها من الإنعام، وتخاف مواقعَ الانتقام، مما فيه من العُجْمة التي لا تُؤْلَف (٩) في الكلام، وما هذا شأنُه خليقٌ
стр. 1379
بالنظرِ فيه، والوقوفِ على معانيهِ، بعدَ حفظ معانيه (١)، بل حكم الدواعي الجبلِّية أن تبعث (٢) على ذلك اضطرارًا لا اختيارًا، لاسيما وهي صادرة (٣) عن رجل عليه مَهَابةٌ وجلالة، قد قام مقامَ أُولي الرسالة، وكشفَ ما هم عليه من الجهالة والضلالة، وتوعَّدَهم بأن (٤) المهلكات نازلة بهم لا محالة.
الثاني: التنبيهُ (٥) على أن تعداد هذه الحروف، ممن لم يمارس الخَطَّ، ولم (٦) يعانِ النظرَ فيه على ما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] مُتَنَزِّلٌ (٧) منزلةَ الأقاصيص عن الأمم السالفة، ممن ليس له اطلاعٌ على ذلك.
الثالث: انحصارُها في نصفِ حروفِ المعجمِ؛ لأنها أربعةَ عشرَ حرفًا، وهي الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون، وهذا واضح على من عدَّ حروفَ المعجم ثمانيةً وعشرين (٨) حرفًا،
стр. 1380
وقال (١): (لا) مركبة من اللام والألف، وإن كان بعيدًا من الصواب، مع أنه هو المشهور في التهجِّي، والصحيح: أنها تسعةٌ وعشرون، والنطق بلا في التهجِّي كالنطق بلا في: لا رجلَ في الدَّار، وذلك أن الواضع جعلَ كلَّ حرف من حروف التهجي صدر اسمه، إِلا الألف، فإنَّه لمَّا لم يمكن أن يُبتدأ به؛ لكونه مطبوعًا (٢) على السكون، ولا يقبل (٣) الحركةَ أصلًا، تُوُصِّلَ إليه باللام؛ لأنه يناسبُه في الامتداد والانتصاب، ولذلك يُكتب (٤) على صورة الألف.
قلت: قوله: إن منشأ الخلاف راجعٌ إلى كلمة (لا) هل هي حرف، أو حرفان؟ خلاف ما قاله أهل العربية، فإن منشأ الخلاف عندهم في عدد حروف المعجم، هل الهمزةُ من قَبيل الحروف، فتُعَدُّ، أو من قَبيل الضبط، فلا (٥) تُعَدُّ؟
وقد جُمعت هذه الحروفُ الأربعةَ عشرَ التي ذكرها في قولك: نص حكيم قاطع له سر.
ثم قال:
стр. 1381
الرابع: مجيئها في تسعٍ وعشرين سورةً (١) بعدد الحروف.
الخامس: كما رُوعي تنصيفُها باعتبار هجائها، روعي تنصيفُها باعتبار أجناسها (٢).
قلت: يريد: أن كل جنس من أجناس الحروف؛ كالمجهورة، والمهموسة، والرخوة، والشديدة، وغير ذلك من أجناسها، قد نُصفت (٣)، فاستُعمل (٤) نصفُها في القرآن، وأُهمِلَ النِّصْفُ الآخر، وإذا تأملتَ ذلك، وجدته، ثم إن النصف المستعملَ في القرآن، هو الأخفُّ، والأكثرُ (٥) استعمالًا من النصف الآخر (٦) المهمَل.
ومن وقف على ذلك، علم أن هذا القرآن ليس من كلام البشر، وجزم بأنه كلام (٧) خالقِ القُوى والقَدَر، فإن المتبحِّرَ في معرفة الحروف، وتصرُّفِ مخارجها الخفيف والثقيل، وغير ذلك من أجناسها، لا يهتدي إلى هذا النظر الدقيق، ومما يشد من عضد (٨) ما ذكرناه: أن الألف واللام
стр. 1382
والميم، يكثرْنَ (١) في الفواتح ما لم يكثر غيرُها من الحروف؛ لكثرتها في الكلام، ولأن الهمزة من الرئة، فهي (٢) أعمق الحروف، واللام مخرجها من طرف اللسان ملصقة بصدر الغار الأعلى من الفم، فصوتها يملأ ما وراءها من هواء الفم، والميم مطبقة؛ لأن مخرجها من الشفتين إذا أطبقتا (٣)، فرمز بهنَّ (٤) إلى باقي الحروف؛ كما رمز ﷺ بقوله: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" إلى الإتيان بالشهادتين، وغيرِهما مما هو من لوازمهما (٥).
وكذلك لسائر الحروف الفواتح (٦) شأنٌ ليس لغيرها، و (٧) وراء ذلك من الأسرار الإلهية ما لا تستقلُّ بفهمه البشرية (٨)، ولقد استخرج بعضُ أئمة المغرب (٩) من قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ١ - ٣]، فتوحَ بيتِ المقدس، واستنقاذَه من يد (١٠) العدوِّ
стр. 1383
في سنةٍ معينة، وكان (١) كما قال، واللَّه تعالى أعلم.
الثالث من الكلام على الحديث: ﴿تَنْزِيِلُ﴾ بضم اللام على الحكاية؛ كما تقدم تقريره في حديث عائشة: كانَ يفتتحُ الصلاةَ بالتكبير، والقراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
وفيه: دليل على أنه يجوز أن تقول: قرأت الفاتحة، وقرأت البقرة، من غير ذكر سورة؛ إذ لم يقل: كان يقرأ سورة ﴿الم﴾ [البقرة: ١]، ولا سورة ﴿هَل أَتَىْ﴾ [الإنسان: ١].
وفيه أيضًا: دليل على إبطال قول من قال: لا يقالُ: سورة كذا، وإنما يقال: السورة التي يُذكر فيها كذا.
الرابع: ظاهرُ الحديثِ: استحبابُ قراءة هاتين السورتين يومَ الجمعة في صلاة الصبح، وبه أخذ الشافعي رحمه اللَّه تعالى.
وكره مالكٌ للإمام قراءةَ السجدةِ في صلاة الفرض (٢) مطلقًا؛ خشيةَ التخليط على مَنْ وراءه، وخصَّ بعضُ أصحابه (٣) الكراهةَ بالسرِّيَّة، فعلى هذا لا يكون مخالفًا لمقتضى (٤) هذا الحديث، وفي المواظبة على ذلك دائمًا (٥) أمرٌ آخَرُ، وهو أنه ربما أَدَّى
стр. 1384
الجهالَ (١) إلى اعتقادِ أن ذلك فرضٌ في هذه الصلاة.
ومن مذهب مالك ﵀ حمايةُ هذه الذريعة، فالذي ينبغي أن يقال: أما القول بالكراهة مطلقًا، فيأباه الحديث، وإذا انتهى الحال إلى أن تقع هذه المفسدة، فينبغي أن تُترك في بعض الأوقات؛ دفعًا لهذه المفسدة، وليس في (٢) الحديث ما يقتضي فعلَ ذلك حينئذ اقتضاءً قويًا، لاسيما إذا كان بحضرة الجهال، ومن يُخاف منه وقوعُ هذا الاعتقاد الفاسد (٣)(٤).
وقد (٥) بلغني: أن ذلك وقع، وأن بعض العلماء صلَّى الصبحَ يومَ الجمعة إمامًا، فلم يقرأ فيها السجدة، فأنكر عليه العوامُّ إنكارًا شديدًا، وأظنُّ أن ذلك كان بالقاهرة، وأن الإمام التارك للسجدة كان قاضيَ قضاةِ الشافعية حينئذ، فرحم اللَّه مالكًا، ما كان أشدَّ تيقُّظَهُ لمثل هذا!
وهذا كما كره صومَ ستةِ الأيام من شوال؛ خوفَ اعتقاد الجهال فرضيتَها (٦)، وقد بلغني أن بعض بلاد العجم يتسحرون لها كما يتسحرون (٧)
стр. 1385
لرمضان، والفوانيسُ على حالها كما هي في رمضان، وأنهم يعملون في اليوم السابع عيدًا، ويسمونه: عيدَ الستة (١).
ومثله -أيضًا- كراهةُ البسملة في الفاتحة، خوفَ اعتقادِ كونها من الفاتحة، وباللَّه التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إِلا باللَّه العليِّ العظيم.
* * *
стр. 1386
باب العيدين
الحديث الأول
١٣٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَبَو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، يُصَلُّونَ العِيْدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ (١).
стр. 1387
العيد: مشتقٌّ من العَوْد، وهو الرجوعُ والمعاودة؛ لأنه يتكرر لأوقاته.
وقيل: بل (١) لعَوْدِه بالفرح والسرور على الناس.
وقيل: تفاؤلًا لأن يعود على مَنْ أدركه؛ كما سميت القافلةُ في ابتداء خروجها؛ تفاؤلًا بُقفولها سالمةً، ورجوعِها.
وهو من ذوات الواو، وكان أصله: عِوْد -بكسر العين-، فقلبت الواو ياء؛ كالميقات، والميزان، وهما من الوَقْت والوَزْن، وجمعه: أَعْياد، قالوا: وإنما جُمع بالياء، صمان كان أصلُه الواو، للزومها في الواحد.
قال الجوهري: وقيل: للفرق بينه وبين أعوادِ الخشب.
والعيد -أيضًا-: ما عاد من همٍّ أو غيرِه، قال الشاعر:
فَالْقَلْبُ يَعْتَادُهُ مِنْ حُبِّها عِيدُ
وقال آخر:
أَمْسَى بِأَسْماءَ هَذَا الْقَلْبُ مَعْمُوْدَا ... إِذَا أَقُولُ صَحَا يَعْتَادُهُ عِيدَا (٢)
стр. 1388
ويروى: أن أول عيد صلَّى فيه رسولُ اللَّه ﷺ عيدَ الفطر في السنة الثانية من الهجرة، ثم لم يزل ﷺ يواظب على صلاة العيدين (١) حتى فارق الدنيا.
وقيل: إنه كان للجاهلية (٢) يومان مُعَدَّان للَّعِب، فأبدلَ اللَّه تعالى المسلمين بهما هذين اليومين اللذين يظهر فيهما تحميدُ اللَّه تعالى وتمجيدُه، وتوحيدُه، وتكبيره، ظهورًا شائعًا، يَغيظ المشركين.
وقيل: إنهما يقعان شكرًا على ما أنعم اللَّه به من أداء العبادات التي في وقتهما، فعيد الفطر شكرٌ للَّه (٣) -تعالى- على إتمام صوم رمضان، وعيدُ الأضحى شكرٌ على العبادات الواقعة في العشر، وأعظمُها إقامةُ وظيفة الحج (٤).
وصلاةُ العيدين عندنا، وعند الجمهور من السنن.
وذُكر عن أبي حنيفة وجوبُها على الأعيان؛ كالجمعة، وقد رُوي عنه: أنها سنة، وقال بعض أصحابه: إنها فرض كفاية.
وعن أحمد روايتان: إحداهما: أنها فرض كفاية، والأخرى: أنها سنة.
стр. 1389
ودليل الجمهور: حديثُ "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ"، الحديث (١)، و (٢) لأنها صلاة مؤقتة، لا تُشرع (٣) لها الإقامةُ، فلم تجب بالشرع؛ كصلاة الضحى.
وأما كونُ الصلاة قبلَ الخطبة، فقال ع: هذا هو المتفق عليه من مذاهب علماء الأمصار، وفقهاء الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعلُ النبي ﷺ في الآثار الصحيحة، والخلفاء الراشدين بعدَه، إِلا ما رُوي: أن عثمانَ شطرَ خلافته قَدَّمها، إذ رأى من الناس مَنْ تفوتهم الصلاة، فقال: لو قدمنا الخطبةَ ليدركوا الصلاة.
وقد رُوي مثلُ هذا عن عمر، وأنه أول من قدَّمها لهذه العلَّة، ولا يصحُّ عنه.
وقيل: أولُ مَنْ فعل ذلك معاويةُ.
وقال ابن سيرين: إن زيادًا أولُ من فعله -يعني: بالبصرة-، وذلك كلُّه أيامَ معاوية؛ لأنها من أعماله، وفعلَه ابنُ الزُّبير آخرَ أيامه (٤).
وقد قال أصحابنا: إنه إن (٥) بدأ بها، أعادَها (٦) بعدَ الصلاة، وقد
стр. 1390
علل بعضُهم فعلَ بني أمية وإطباقَهم على ذلك؛ أنهم كانوا قد أحدثوا في الخطبتين مِنْ لعنِ مَنْ لا يجوز لعنُه ما أحدثوه، فكان الناسُ إذا كملت صلاتُهم، نفروا، وتركوهم، فقدموا الخطبةَ لهذا.
ق: وقد فُرِّقَ بين صلاة العيد والجمعة بوجهين:
أحدهما: أن صلاة الجمعة فرضُ عينٍ ينتابه الناسُ من خارج المصر (١)، ويدخل وقتُها بعد انتشارهم في أشغالهم وتصرفاتهم في (٢) أمور الدنيا، فقُدمت الخطبة عليها حتى يتلاحقَ (٣) النَّاس، ولا يفوتهم الفرض، لاسيما فرض لا يُقضى على وجهه، وهذا معدومٌ في صلاة العيد.
الثاني: أن صلاة الجمعة هي صلاة الظهر حقيقة، وإنما قصرت بشرائط (٤)، منها الخطبتان، والشرطُ لا يتأخر، ويتعذر مقارنةُ هذا الشرط للمشروط الذي هو الصلاة، فلزم تقديمه، وليس هذا المعنى في صلاة العيد؛ إذ ليست مقصودة في شيء آخر لشرط (٥)، حتى يلزم تقديمُ ذلك الشرط (٦).
قلت: والأولُ أظهر، واللَّه أعلم.
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: الحديثُ نصٌّ في وقوع الخطبة بعد صلاة الأضحى.
والأضحى: يذكَّر ويؤنث، فمن ذَكَّر (١)، ذهب إلى اليوم، قاله الجوهري (٢).
الثاني: المرادُ بالنُّسُك ها هنا: الذبيحة، وهو -بضم النون والسين، وإسكان السين-: العبادة، والناسك: العابِد، يقال: نَسَكَ وتَنَسَّكَ: إذا تَعَبَّد، ونَسُك -بضم السين- نساكة (٣)، أي: صار ناسكًا، والنَّسيكة: الذبيحة، والجمعُ: نُسُك، ونسَائك، تقول (٤) منه: نَسَكَ للَّه يَنْسُكُ، والمَنْسَك (٥)، والمَنْسِك: الموضعُ الذي تُذبح فيه النسائك، وقرىء (٦)
стр. 1394
بهما قولُه تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧] (١).
وقوله ﷺ : "من صلَّى صلاتنا، ونسكَ نسكَنا"، أي: مثلَ صلاتنا، ومثلَ نُسكنا.
ومعنى "أصابَ النُّسك" أي: مشروعيةَ النسك، أو صحةَ (٢) النسك، أو ما قاربَ ذلك.
وقوله ﷺ : "ومن نسك قبلَ الصلاة، فلا نسكَ له" يقتضي أن ما ذُبح قبل الصلاة لا يقع مجزئًا عن الأضحية، ولا شكَّ أن الظاهرَ من اللفظ: أن المراد: قبلَ فعلِ الصلاة، فإن إطلاق لفظ الصلاة، وإرادةَ (٣) وقتها خلافُ الظاهر (٤).
وقد اختلف في ذلك.
قال ابن هبيرة: واختلفوا في أول (٥) وقت الأضحية:
فقال أبو حنيفة: لا يجوز لأهل الأمصار الذبحُ (٦) حتى يصلِّيَ الإمامُ العيدَ، فأما أهلُ القرى، فيجوز لهم بعدَ طلوع الفجر.
وقال مالك: وقتُها بعد الصلاةِ، والخطبةِ، وذبحِ الإمام.
стр. 1395
وقال الشافعي: وقتُ الذبح: إذا مضى من الوقت مقدارُ ما يصلِّي فيه ركعتين، وخطبتين بعدها.
وقال أحمد: يجوز ذلك بعدَ صلاة الإمام، وإن لم يكن الإمامُ ذبحَ بعدُ، ولم يفرق بين أهل القرى والأمصار، بل قال: إن أهل القرى (١) يتوخى أهلُها (٢) مقدارَ وقت صلاة الإمام وخطبته، إن لم تُصَلَّ عندهم صلاةُ العيد، صمان كانت تُصَلَّى، فبعدَها.
قال: واتفقوا -يعني: الأئمة الأربعة- على أنه يجوز ذبحُ الأضحية ليلًا في (٣) وقتها المشروع لها، كما يجوز في نهاره، إلا مالكًا، فإنه قال: لا يجوز ذبحُها ليلًا، وعن أحمد روايةٌ مثلُها (٤)، وأبو حنيفة يكرهُه مع جوازه (٥).
والحديثُ نصٌّ في اعتبار الصلاة، ولم يتعرض لاعتبار الخطبتين، لكنه لما كانت الخطبتان مقصودتين في هذه العبادة (٦)، اعتبرهما (٧) الشافعي (٨).
стр. 1396
تنبيه: و (١) انظر هذه الإضافة في قوله ﵊: "شاتُك شاةُ لحم" من أي أقسام الإضافة هي؟ فإن الإضافة على قسمين: لفظية، ومعنوية:
والمعنوية (٢) على ثلاثة أقسام: مقدرة بـ (من)، كخاتم حديد، وبابِ ساجٍ، أو بـ (اللام)؛ كغلامِ زيدٍ، أو بـ (في)، كضربِ اليومِ، أي: ضربٍ في اليوم، ولا يصحُّ شيء من ذلك في قولنا: شاةُ لحمٍ.
وأما اللفظية: فحقيقتُها أن تكون صفةً مضافة إلى معمولها؛ كضاربِ زيدٍ، وحسنِ الوجهِ (٣)، وشاةُ لحم ليست كذلك أيضًا (٤).
والذي يظهر لي في ذلك: أنه لما اعتقد أبو بردةَ أن شاته شاة (٥) نُسُكٌ، أوقع ﵊ قولَه: "شاةُ لحم" موقعَ قوله: شاة غير نسك، أو شاة غير أضحية، أي: إنما هي لحم غير متقرَّبٍ به، أو لا قربةَ فيه، لتقدُّمها على وقت التقرُّب (٦)، فهو كلامٌ محمول على المعنى، واللَّه أعلم.
стр. 1397
ولعل الجوابَ غيرُ ذلك، فمن وجدَه فليضفْه إلى السؤال، راجيًا ثوابَ اللَّه الجزيلَ.
ق: فيه: دليل على أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر، لم يُعذر فيها بالجهل، وقد فرقوا في ذلك بين المأمورات والمنهيات، فعذروا في المنهيات بالنسيان، والجهل، كما جاء في حديث معاويةَ بنِ الحكمِ حين تكلَّم في الصلاة.
وفرق بينهما: بأن المقصود (١) من المأمورات: إقامةُ مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها. والمنهياتُ مزجورٌ عنها بسبب مفاسدها امتحانًا للمكلف، بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمُّد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلفُ ارتكابَ المنهيِّ عنه، فعُذِرَ بالجهل فيه (٢).
الثالث: قوله ﵊: "ولن تَجْزِيَ عن أحدِ بعدَك": هو -بفتح التاء- من (تَجْزي)، وفي ظني أن المحدِّثين لا يعرفون غيره، وقد قال الجوهري: إن فيه لغة أخرى، من أَجْزَأَتْ (٣) عنك شاةٌ (٤). وعلى هذا يجوز الضمُّ، والمعروفُ الفتحُ -كما تقدم-، ومعنى
стр. 1398
تجزي هنا: تَقْضي، ويقال: أجزأني الشيءُ، أي (١): كفاني.
وانظر ما هي الحكمةُ في اختصاص أبي بردةَ ﵁ بهذا الحكم، واطلب السرَّ في ذلك (٢)، واللَّه الموفق.
* * *
* التعريف:
جندُبُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ سفيانَ، البَجَلِيُّ -بفتح الباء والجيم- العَلَقِيُّ -بفتح العين واللام، وبِالقاف (١) -، والعَلَقُ: بطنٌ من بَجيلة، وهو علقةُ ابنُ عبقرِ (٢) بنِ أنمارِ إراشٍ، بكسر الهمزة وبالشين المعجمة.
قال ابن عبد البر: صحبتُه ليست بالقديمة، يكنى: أبا عبد اللَّه، كان بالكوفة، ثم صار إلى البصرة.
روي له عن رسول اللَّه ﷺ أربعون حديثًا، اتفقا منها على سبعة، وانفرد مسلم بخمسة.
روى عنه: محمدٌ وأنسٌ ابنا سيرين، والحسنُ بنُ أبي الحسن البصري، وغيرهم.
توفي سنة أربع وستين.
وروى له -أيضًا-: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه ﵁ (٣).
стр. 1401
معنى هذا الحديث معنى الذي قبلَه، غير أنه (١) أعرقُ (٢) في الظهور في تقديم الصلاة على (٣) الخطبة، وتأخيرِ الذبح عنهما (٤)، حتى لو تمسَّكَ بظاهره متمسِّكٌ بأن مَنْ لم يصل صلاةَ العيد، لم تصح أضحيته، لم يكن بعيدًا، وإن كنتُ لا أعلمُ أحدًا قال بذلك. ولتعلمْ: أن ظاهر الحديث عدمُ اشتراط الخطبتين في الذبح، وأن المشترَطَ الصلاةُ (٥) فقط، والظاهر: أنه وجه للشافعية، أعني: أن من لم يصلِّ العيدَ، لم تصحَّ أُضحيته.
وظاهره -أيضًا-: وجوبُ الأضحية، وهو مذهب أبي حنيفة، والأوزاعي، والليث، وآخرين.
والمشهورُ من مذهب مالك: أنها سنة على كلِّ مَنْ قَدَرَ عليها من
стр. 1402
المسلمين، من أهل الأمصار، والقرى، والمسافرين، إلا الحاجَّ الذي (١) بمنى، فإنه لا أضحيةَ عليهم.
وقال الشافعي، وأحمد: هي (٢) مستحبة، إلا أن أحمد قال: ولا يستحبُّ تركُها مع القدرة عليها (٣)(٤).
ولا يبعُد (٥) أن يستدل به مَنْ يرى أنَّ الأضحية تتعين بنفس الشراء بنية الأضحية، وهو المعروف من مذهب مالك ﵀؛ كالتقليد، والإشعار في الهدي، فهي تتعين عندنا بثلاثة أمور: بالتزام اللسان، أو بنية الشراء؛ كما تقدم، وإما بالذبح (٦)(٧).
وقوله ﵊: "ومَن لم يذبحْ، فليذبحْ بِاسم اللَّه": المجرورُ متعلق بمحذوفِ حالٍ من الضمير في (يذبح)؛ أي: يذبح (٨) قائلًا باسم اللَّه، أو متبركًا، أو مسميًا باسم اللَّه.
وقيل: معناه: فليذبحْ للَّه.
стр. 1403
وقيل: بسنةِ اللَّه.
وقيل: بتسميةِ اللَّه على ذبيحته؛ إظهارًا للإسلام.
فرع: وقد اختلف العلماء في اشتراط التسمية على الذبيحة، فمذهبنا: أنها سنة، لكن من تركها عامدًا، لم تؤكل ذبيحته، وهي عند الشافعي مستحبة، لا يضر تركُها، واللَّه أعلم (١).
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله: (شهدتُ)، معناه: حضرتُ، والمفعولُ محذوف؛ أي: شهدتُ الصلاةَ يومَ العيد، فـ (يومَ) (١): ظرفٌ، لا مفعولٌ به.
الثاني: قوله: (فبدأ): هو بالهمز (٢)؛ لأنه بمعنى: ابتدأ (٣)، وأما بدا، بمعنى: ظهر، فغيرُ مهموز.
الثالث: الخُطبةُ هنا: بالضم، وأما خطبت (٤) المرأة خِطْبَةً، فبالكسر.
الرابع: قوله: "بلا أذان ولا إقامة": ع: (٥) لا خلاف بين فقهاء