← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

معنى هذا الحديث معنى الذي قبلَه، غير أنه (١) أعرقُ (٢) في الظهور في تقديم الصلاة على (٣) الخطبة، وتأخيرِ الذبح عنهما (٤)، حتى لو تمسَّكَ بظاهره متمسِّكٌ بأن مَنْ لم يصل صلاةَ العيد، لم تصح أضحيته، لم يكن بعيدًا، وإن كنتُ لا أعلمُ أحدًا قال بذلك. ولتعلمْ: أن ظاهر الحديث عدمُ اشتراط الخطبتين في الذبح، وأن المشترَطَ الصلاةُ (٥) فقط، والظاهر: أنه وجه للشافعية، أعني: أن من لم يصلِّ العيدَ، لم تصحَّ أُضحيته. وظاهره -أيضًا-: وجوبُ الأضحية، وهو مذهب أبي حنيفة، والأوزاعي، والليث، وآخرين. والمشهورُ من مذهب مالك: أنها سنة على كلِّ مَنْ قَدَرَ عليها من

стр. 1402

المسلمين، من أهل الأمصار، والقرى، والمسافرين، إلا الحاجَّ الذي (١) بمنى، فإنه لا أضحيةَ عليهم. وقال الشافعي، وأحمد: هي (٢) مستحبة، إلا أن أحمد قال: ولا يستحبُّ تركُها مع القدرة عليها (٣) (٤). ولا يبعُد (٥) أن يستدل به مَنْ يرى أنَّ الأضحية تتعين بنفس الشراء بنية الأضحية، وهو المعروف من مذهب مالك ﵀؛ كالتقليد، والإشعار في الهدي، فهي تتعين عندنا بثلاثة أمور: بالتزام اللسان، أو بنية الشراء؛ كما تقدم، وإما بالذبح (٦) (٧). وقوله ﵊: "ومَن لم يذبحْ، فليذبحْ بِاسم اللَّه": المجرورُ متعلق بمحذوفِ حالٍ من الضمير في (يذبح)؛ أي: يذبح (٨) قائلًا باسم اللَّه، أو متبركًا، أو مسميًا باسم اللَّه. وقيل: معناه: فليذبحْ للَّه.

стр. 1403

وقيل: بسنةِ اللَّه. وقيل: بتسميةِ اللَّه على ذبيحته؛ إظهارًا للإسلام. فرع: وقد اختلف العلماء في اشتراط التسمية على الذبيحة، فمذهبنا: أنها سنة، لكن من تركها عامدًا، لم تؤكل ذبيحته، وهي عند الشافعي مستحبة، لا يضر تركُها، واللَّه أعلم (١). * * *

стр. 1404

الحديث الرابع ١٤٠ - عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلالٍ, فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ, وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ, وَوَعَظَ النَّاسَ، وَذَكَّرَهُمْ, ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ (١)، وَذَكَّرَهُنَّ, وَقَالَ: "تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ حَطَبِ جَهَنَّمَ"، فَقَامَتْ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ، فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ, وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ"، قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلالٍ مِنْ أَقْرَاطِهِنَّ وَخَوَاتِيمِهِنَّ (٢).

стр. 1405

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: (شهدتُ)، معناه: حضرتُ، والمفعولُ محذوف؛ أي: شهدتُ الصلاةَ يومَ العيد، فـ (يومَ) (١): ظرفٌ، لا مفعولٌ به. الثاني: قوله: (فبدأ): هو بالهمز (٢)؛ لأنه بمعنى: ابتدأ (٣)، وأما بدا، بمعنى: ظهر، فغيرُ مهموز. الثالث: الخُطبةُ هنا: بالضم، وأما خطبت (٤) المرأة خِطْبَةً، فبالكسر. الرابع: قوله: "بلا أذان ولا إقامة": ع: (٥) لا خلاف بين فقهاء

стр. 1406

الأمصار في ذلك: أنه لا أذانَ، ولا إقامةَ للعيدين، وإنما أحدث الأذانَ معاويةُ، وقيل: زيادٌ، وفعلَه آخرَ إمارته (١) ابنُ الزبير، والناسُ على خلاف ذلك، وعملُ أهل المدينة ونقلُهم (٢) المتفقُ عليه يردُّ (٣) ما أحدث (٤). ق: وكأَن سببه (٥): تخصيصُ الفرائضِ بالأذانِ (٦)؛ تمييزًا (٧) لها بذلكَ عن النوافلِ، وإظهارًا لشرَفها (٨)، وأشار بعضُهم إلى معنى آخر، وهو: أنه لو دعا النبي ﷺ إليها (٩)، لوجبت الإجابةُ، وذلك منافٍ لعدم وجوبها، قال: وهذا حسنٌ (١٠) بالنسبة إلى مَنْ يرى أن صلاة الجماعة فرضٌ على الأعيان (١١). ح: ويُستحب أن يقال فيها: الصلاةَ جامعةً -بنصبهما-، الأولُ

стр. 1407

على الإغراء، والثاني على الحال (١). الخامس: قوله: "متوكئًا على بلال": فيه: جوازُ اتكاء الإمام على بعض أتباعه، ولا يتعين القوسُ ولا العصا، كما قاله الفقهاء. السادس: أصلُ التقوى: وَقْوَى (٢)؛ لأنه من وَقَى يَقي، فأُبدلت الواو تاء (٣)، كما أُبدلت في تُراث، وتُخَمَة، وتُكَأَة، والأصلُ: وُراث (٤)، ووُخَمَة، ووُكَأة، فكأنَّ المتقي يجعل بينه وبين النار وقاية. قالوا: وهي عبارة عن امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات. قال الغزالي ﵀: فكأَنَّ الخَيْرَ كلَّهُ جُمع وجُعِل تحتَ هذه الخصلة التي هي التقوى، وقد قال بعضُ المريدين لشيخه: أوصني، فقال: أُوصيك بما أوصى اللَّه به الأولين والآخرين، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، وكتب على بعض القبور: ليسَ زادٌ سِوَى التُّقَى ... فَخُذِي مِنْهُ أو دَعِي ومعنى حَثَّ: حَضَّ، وحَرَّضَ.

стр. 1408

والطاعة: الانقياد للأمر (١)، وأصلُها: طَوْعَة؛ لأنها من طاع يطوع: إذا انقادَ، فقلبت الواو ألفًا؛ لتحركِها، وانفتاحِ ما قبلها، وهي اسمٌ للمصدر، والمصدرُ إطاعَةٌ (٢). والوعظ: النُّصْح، والتذكير بالعواقب، وَعَظْتُه وَعْظًا، وعِظَةً، فاتَّعَظَ؛ أي: قَبِلَ الموعِظَةَ. يقال: السعيدُ مَنْ وُعظ بغيره، والشقيُّ مَنِ اتَّعَظ (٣) به غيره (٤). فكأن قوله: وذَكَّرهم: توكيدٌ لوعظ. السابع (٥): قوله: "ثم أتى النساء، فوعظهن": ظاهره (٦): جوازُ نزول الإمام عن المنبر، وقطع خطبته لمصلحة الإسماع (٧)؛ أعني: إسماعَ مَنْ لم يسمعْ الوعظَ، وهذا كأنه مخصوص بزمانه ﵊، تأكيدًا لبيعة الإسلام، وحرصًا على تعميم الجميع بذلك؛ أعني الرجالَ والنساء، واللَّه أعلم.

стр. 1409

ع (١): وأما نزولُ النبي ﷺ في خطبته إلى النساء إذ (٢) رأى أنه لم يُسمِعْهن، فذكَّرَهن، فهذا كان أولَ الإسلام، وتأكيد لبيعة (٣) الإسلام، وفي حقه ﵊ في ابتداء (٤) التعليم، وخاصٌّ له، وليس على الأئمة فعلُه، ولا يباحُ لهم قطعُ الخطبة بنزولٍ لوعظِ النساء، ومَنْ بَعُدَ (٥) من الرجال. وقولُ عطاءٍ في "الأم": إن ذلك لَحقٌّ (٦) عليهم، ومالهم لا يفعلون (٧)، غيرُ مُوافَقٍ عليه، وقد قال ﵊: "لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ" (٨)، ولعلَّ فعلَه ﵊ كان لتأكيد البيعة، كما قال حين تلا عليهم الآية: "أنتُنَّ عَلَى ذَلِكَ؟ "، الحديث (٩).

стр. 1410

وفيه: كونُ النساء بمعزِلٍ عن الرجالِ، وبُعْدٍ (١) منهم، وغيرَ مختلطاتٍ بهم (٢). وقوله: "تصدقن؛ فإنكن أكثرُ حطب جهنم" دليلٌ على أن الصدقة سببٌ لدفع العذاب، لاسيما السرية منها (٣)، الخالصة من الشوائب المكدِّرَةِ للإخلاص فيها (٤): من حبِّ مدحٍ، وثناءٍ، وغير ذلك. وفيه: الإغلاظُ في النصح بما لعلَّه يبعث على إزالة العيب، أو الذنب اللذين يتصف بهما الإنسان. وفيه: بذلُ النصيحة لمن يحتاج إليها. الثامن (٥): قوله: "فقامت امرأةٌ من سِطَة (٦) النساء": هكذا هو (٧) سِطَةِ -بكسر السين وفتح الطاء المخففة (٨) -، وفي بعض نسخ "مسلم": واسطة، ومعناه: من خيارهن، والوسط: العدلُ والخيار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: خيارًا عُدولًا.

стр. 1411

ع: وزعم حُذَّاقُ شيوخنا: أن هذا الحرف مغير في كتاب "مسلم"، وأن صوابه: (من سفلة النساء)، وكذا رواه ابن أبي شيبة في "مسنده"، والنسائي في "سننه" (١)، وفي رواية لابن أبي شيبة: "امرأةٌ ليستْ من عِلْيَة النساء" (٢)، وهذا ضد التفسير (٣) الأول، ويعضده قولُه بعده: "سَفْعاء الخَدَّين"، وهو شحوبٌ وسوادٌ في الوجه (٤). قال الإمام (٥) المازري: قال الهروي في تفسير قوله في الآخر: "أَنَا وَسَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٦): أرادَ بذلك (٧): أنها بذلت تناصف (٨) وجهها؛ أي محاسنَه: حتى اسودَّتْ، إقامةً على ولدها بعد وفاة زوجها، لئلَّا تضيعهم. والأسفعُ: الثور الوحشيُّ الذي في خدِّه سوادٌ، وفي حديث النخعي: لقيتُ غلامًا أسفعَ أَحْوى (٩).

стр. 1412

قال القُتَبي: الأسفعُ: الذي (١) أصاب خده (٢) لونٌ يخالف سائرَ لونه من سواد (٣). ح: وهذا الذي ادَّعَوْه من تغيير الكلمة غيرُ مقبول، بل هي صحيحة، وليس المرادُ بها: من خيار النساء، كما فسره هو -يعني: ع-، بل المراد: امرأةٌ وسطَ النساء، (٤) جالسة في وسطهن (٥). قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: يقال: وَسَطْتُ القومَ، أَسِطُهم، وَسْطًا، وسِطَةً، أي: تَوَسَّطْتُهم (٦). قلت: فالحاصل من تفسير هذه اللفظة ثلاثةُ أشياء: خيار النساء، وسِفْلَة النساء، وجالسة في وسطهن، والأظهرُ عندي ما قاله ع، واللَّه أعلم. التاسع (٧): قوله ﵊: "تُكثرْنَ الشَّكاةَ" هو

стр. 1413

بفتح الشين، وهي (١): الشكوى، وألفُها منقلبة عن واو؛ كالصلاة، والزكاة. ق: وتعليلُه ﵊ بالشَّكاة، وكُفران العشير دليلٌ على تحريم كُفران النعمة؛ لأنه جُعل سببًا لدخول النار، وهذا السبب في الشكاية (٢) يجوز أن يكون راجعًا إلى ما يتعلق بالزوج، وجَحْدِ حقه، ويجوز أن يكون راجعًا إلى ما يتعلق باللَّه تعالى، وعدمِ شكرِه، والشكايةِ لقضائه (٣). قلت: والأولُ أظهر؛ لأن الشكاية لقضاء اللَّه -تعالى- غيرُ مختصَّة (٤) بالنساء، واللَّه أعلم. وإذا كان النبي ﷺ قد (٥) ذكر ذلك في حق مَنْ هذا ذنبُه، فكيف بمن له ذنوبٌ أكثرُ من ذلك؛ كترك الصلاة، والقذف؟! وأخذ الصوفيةُ من هذا الحديث الطلبَ للفقراء عند الحاجة من الأغنياء، وهذا حسن بهذا الشرط الذي ذكرناه. وفي مبادرة النساء لذلك، والبذلِ لِما (٦) لعلهنّ يحتجْنَ إليه مع

стр. 1414

ضيق الحال في ذلك الزمان، ما يدل (١) على رفيع مقامهن في الدين، وامتثالِ أمرِ الرسول ﷺ (٢). العاشر: المراد (بالعشير) هنا: المعاشرة والمخالطة عندَ أهل اللغة، وحمله الأكثرون هنا (٣) على الزوج، وقال آخرون: هو كل مُخالِط. وقد أحسن الحريري ﵀ حيث قال: وَأَفِي (٤) لِلْعَشيرِ، وَإِنْ لمْ يُكَافِىءْ بِالعَشِيرِ (٥). أراد بالأول: المعاشر، وبالثاني: العُشْر؛ فإنه يقال: عُشْر، وعَشير، ومِعْشار (٦)، بمعنى. قال الخليل رحمه اللَّه تعالى العَشير والشَّعير على القلب. ومعنى الحديث: أنهن يجحدن الإحسانَ؛ لضعفِ عقولهنَّ، وقلَّةِ معرفتهنَّ، فيُستدل به على ذم مَنْ يجحد إحسانَ ذي (٧) الإحسان (٨). الحادي عشر: (الأقرطة): جمع قُرْط.

стр. 1415

قال ابن دريد: كلُّ ما عُلِّق في شَحْمَة الأذن فهو قُرط، سواء كان من ذَهَب، أو خَرَز. وأما الخُرْص، فهو الحلقةُ الصغيرة من الحلي. ع (١): قيل: الصواب: قِرَطَتِهن -بحذف الألف-، وهو المعروف في جمع قُرْط؛ كخُرْج، وخِرَجَة، ويقال في جمعه: قِراط؛ كرُمْح ورِماح. (٢) ولا يبعد صحةُ أَقْراط، ويكون جمعَ جمعٍ؛ أي: جمع قِراط، لاسيما وقد صح في الحديث (٣). وأما الخواتيم، فجمع خاتِمَ -بكسر التاء وفتحها- وخَيْتام، وخاتام، أربعُ لغات معروفة (٤). الثاني عشر: قال الإمام (٥) المازري: تعلق بعضُ الناس بهذا الحديث في إجازة هبة المرأة مالَها من غير إذن الزوج؛ لأن النبي ﷺ

стр. 1416

لم يسألْ هل لهنَّ أزواج، أم لا؟ (١) ع (٢): (٣) قد يقال: إنه لا حجة في هذا (٤)؛ لأن الغالب من ذوات الأزواج حضورُ أزواجهن في ذلك المشهد، وتركُهم الإنكارَ لفعلهن (٥) إذنٌ لهن، وتسويغٌ لفعلهن. قلت: وفي هذا الجواب عندي (٦) نظر، بل ضَعْف، فتأمله. وقيل: فيه: وجوبُ الصدقة في الحلي، وجوازُ تقديم الزكاة؛ إذ لم يسألهن عن حلولها، وهذا لا حجة فيه، والظاهر أنها صدقةُ تطوع، ولذلك قال بعضهم: فيه حجة ألّا زكاةَ فيه؛ لقوله (٧): "وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ" ولا يقال هذا في الواجب. وقيل: فيه: حجةُ من يرى جوازَ فعلِ البِكْر، ولا حجة فيه -أيضًا-، إذ لم يات فيه عن بكر أنها تصدقت معهنَّ، ولا حضرت ذلك المشهدَ. وفيه: أن المعاطاةَ في العقود تقوم مقامَ القول الصريح؛ لأن النساء أَلقينَ ما أَلقينَ إذ طلب منهن الصدقة، فكانت صدقةً، وإن لم

стр. 1417

يُسمِّينَها صدقةً (١). الثالث عشر: هذه المقاصدُ التي ذكرها الراوي، من الأمر بتقوى اللَّه تعالى، والحث على طاعته، والموعظة والتذكير، هي مقاصد الخطبة، وقد عدَّ بعضُ الفقهاء (٢) من أركان الخطبة الواجبة: الأمر بتقوى اللَّه -تعالى-، وبعضهم جعل الواجب ما يسمَّى خطبةً عند العرب. وقد تقدم استيعابُ ذلك في باب الجمعة بما يغني عن الإعادة، واللَّه الموفق، لا رب سواه. * * *

стр. 1418

الحديث الخامس (١) ١٤١ - عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا -تَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ, وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ (٢). وَفِي لَفْظٍ: كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ, حَتَّى نُخْرِجَ (٣) الْبِكْرَ

стр. 1419

مِنْ خِدْرِهَا, حَتَّى (١) تَخْرُجَ الحُيَّضُ, فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ, يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ (٢).

стр. 1420

* التعريف: أُمُّ عطية: اسمُها نُسَيْبة -بضم النون وفتح السين المهملة- الأنصاريةُ. روي لها عن رسول اللَّه ﷺ أربعون حديثًا، اتفقا على ستة، وللبخاري حديث واحد، ولمسلم آخر. روى عنها: محمدُ بنُ سيرين، وأختُه حفصة. روى لها الجماعة (١). قال أهل اللغة: العواتق: جمع عاتق، وهي الجارية البالغة، وعَتَقَتْ، أي: بَلَغَتْ. وقال ابن دريد: التي قاربَت البلوغ.

стр. 1421

قال ابنُ السِّكِّيت: هي ما بينَ أن تبلُغُ إلى أن تَعْنُسَ ما لم تتزوَّجْ، والتعنيسُ: طولُ المقام في بيت أبويها بلا زوج، حتى تطعن في السن. قالوا: سميت عاتقًا؛ لأنها تعتق (١) من امتهانها في الخدمة، والخروج في الحوائج. وقيل: قاربت أن تتزوج فتعتق من قهر أبويها، وتستقل في بيت زوجها (٢). والخدور: البيوت، وقيل: الخِدْر: السرير الذي عليه قُبة. وقيل: ستر يكون في ناحية البيت (٣). وهذا عندي هو الأليقُ بهذا الحديث وما في معناه من ذِكْر الخِدْر، فإنا لو فسرناه هنا بالبيت، لم يكن فيه اختصاصٌ أصلًا؛ إذ البيت يجمع البكرَ وغيرها، ولا يعنون (٤) بذوات الخدور إلا الأبكار، واللَّه أعلم. ع: وقد اختلف السلف في خروج النساء للعيدين، فرأى ذلك جماعة حقًا عليهن، منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر، وغيرهم ﵃. ومنهم من منع ذلك جملةٌ، منهم: عروة، والقاسم، [ومنع ذلك بعضهم في الشابة دون غيرها، وأجازه في المتجالة منهم: عروة،

стр. 1422

والقاسم] (١)، ويحيى بن سعيد، وهو مذهب مالك، وأبي يوسف (٢)، واختلف قولُ أبي حنيفة (٣) في ذلك، فأجازه مرةً في العيدين، ومنعه أخرى. قال الطحاوي: وكان الأمر بخروجهن أولَ الإسلام لتكثير المسلمين في أعين (٤) العدوِّ. و (٥) قال غيره: هذا يحتاج إلى تاريخ -أيضًا (٦) -، فليس النساء (٧) مما يرهب بهن العدوُّ (٨)، واللَّه أعلم. (٩) فيه: أن الشأن في صلاة العيد (١٠): أن يكون (١١) في المصلَّى دون المسجد، وهو السنَّةُ المعمولُ بها، إلا في المسجد الحرام، أو مَنْ لا مصلَّى لهم، فيصلُّون في المسجد، وكذلك إن منعَ من الخروج إلى

стр. 1423

المصلى مانعٌ؛ كشدة مطر، ونحو ذلك. وقولها: "وأَمَر الحيَّضَ": هو بفتح الهمزة والميم، من أمر، وإنما مُنع الحيَّضُ من المصلَّى لأحد أمرين: إما لعدمِ اختلاطِ مَنْ يصلي بمن لا يصلِّي، أو الاحترازِ من مقاربة النساءِ الرجالَ من غير علَّة ولا حاجة. وقيل: لأن المصلَّى أشبه بالمسجد، فلا تجلس فيه الحائض؛ كما لا تجلس في المسجد، قاله بعضُ الشافعية، والجمهور: على أن هذا المنع من المصلَّى على الكراهة، دون التحريم؛ لأن المصلى ليس بمسجد. وقولها: "يُكَبِّرْنَ مع الناس": فيه: جوازُ ذكر اللَّه -تعالى- للحائض، يحتمل أنه في وقت خروجهن، وعند تكبير الإمام في خطبته وصلاته (١). وفي قراءة القرآن عندنا قولان. وفيه: دليل على استحباب التكبير للعيدين (٢) لكلِّ أحد. ح: وهو مجمَعٌ (٣) عليه (٤). ع: وللتكبير في العيدين (٥) أربعةُ مواطن: في السعي إلى (٦)

стр. 1424

المصلَّى (١) إلى حينِ يخرجُ الإمام. قلت: لم يُعين (٢) وقتُ الابتداء بالتكبير، أما إذا سعى بعد طلوع الشمس، وهو المشروع في ذلك في حق مَنْ يمكنه إدراكُ الصلاة، كَبَّرَ؛ بلا خلاف، وإن كان سعيُه قبل طلوع الشمس، فقد اختلف المذهب عندنا في التكبير وعدمِه على ثلاثة أقوال: ثالثها: يكبر (٣) إن أسفر، وإلا فلا (٤)، واللَّه أعلم. قال: وإذا كبر الإمامُ في خطبته، والتكبيرُ المشروع في صلاة العيد (٥)، والتكبيرُ بعدَ الصلاة. فأما الوجه الأول، فاختلف العلماء فيه: فرأى جماعة من الصحابة والسلف أنهم كانوا يكبرون إذا خرجوا حتى يبلغوا المصلى، يرفعون أصواتهم بذلك، وقاله (٦) مالك، والأوزاعي. قال مالك: ويكبر إلى أن يخرج الإمام، وقال ذلك الشافعي، وزاد

стр. 1425

استحبابه ليلةَ الفطرِ، وليلةَ النحرِ. وروي عن ابن عباس إنكارُ التكبير في الطريق. وفرق أبو حنيفة بين العيدين، فقال: يكبر في الخروج يوم الأضحى، ولا يفعله في الفطر، وخالفه أصحابه، فقالوا بقول الجماعة (١). وأما تكبيرهم بتكبير الإمام في خطبته، فمالكٌ يرى ذلك، والمغيرةُ يأباه. وأما التكبيرُ المشروعُ في صلاة العيدين، فاختلف العلماء وأئمة الأمصار في ذلك. فذهب مالك، وأحمد، وأبو ثور، في (٢) آخرين: إلى أنه سبغٌ في الأولى بتكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمسٌ (٣) غير تكبيرة القيام. وقال الشافعي: سبعٌ، غير تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمسٌ بتكبيرة (٤) القيام. وقال أبو حنيفة، والثوري: خمس في الأولى، وأربع في الثانية، بتكبيرة الافتتاح والقيام، لكنه تُقَدَّم (٥) عندهم القراءةُ على التكبيرات الثلاث في الثانية.

стр. 1426

وكلهم يرى صلةَ التكبير وتواليه. وقال أحمد، والشافعي، وعطاء: يكون بين كل تكبيرتين ثناءٌ على اللَّه -تعالى-، وصلاةٌ على النبي ﷺ ، ودعاءٌ، وروي عن ابن مسعود. واختلف عن الصحابة والسلف في تكبير العيد اختلافًا كثيرًا، نحو اثني عشر مذهبًا. وأما الوجه الرابع: وهو التكبيرُ بعدَ الصلاة في عيد النحر، فاختلف السلف والعلماء فيه -أيضًا- على نحو عشر مقالات: ابتداؤه: من صبح يوم عرفة، أو (١) ظهرها، أو من صبح يوم النحر، أو ظهره، وانتهاؤه: في ظهر يوم النحر، أو في أول يوم من أيام النفر، أو في صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، أو في صلاة الظهر، أو في صلاة العصر منه. واختيار (٢) مالك، والشافعي، وجماعة من أهل العلم: ابتداؤه صلاة الظهر يوم النحر، وانتهاؤه صلاة الصبح من آخر أيام التشريق. واختيار (٣) بعضِ أصحابه: قطعه بعد صلاة الظهر ذلك اليوم، وبعضُهم بعدَ العصر. ومذهبنا، ومذهب الشافعي، وجماعة من أهل العلم: أنه للمنفرد،

стр. 1427

والجماعة، والرجال والنساء، والمقيم، والمسافر. وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن حنبل: إنما يلزم جماعات الرجال. وكذلك اختلفوا في التكبير دُبر النوافل: فلم ير ذلك مالك في المشهور عنه، والثوري، وأحمد، وإسحاق. وقال الشافعي: يكبر، وروي عن مالك. واختلفوا في صفة التكبير هل هو ثلاث؟ وهو مشهور قول مالك، أو لا حدَّ فيه؟ وهو الذي حكاه ابن شعبان في "مختصره"، إن شاء ثلاثًا، أو أربعًا، أو خمسًا، ليس فيه شيء موصوف، أو فيه حمد وتهليل. فيقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، اللَّه أكبر (١)، وللَّه الحمد، وهو قول مالك الآخر، والكوفيين، وفقهاء الحديث. واختار بعضهم غيرَ هذا من زيادة ثناء وحمد، مع التكبير والتهليل. وكذلك اختلفوا هل يكبرون تلك الأيام في غير أدبار الصلوات (٢) وهو المروي عن جماعة السلف، أم يختص (٣) أدبار الصلوات فقط؟ وقد ذكر مالك أنه أدركَ الناسَ يفعلون الوجهين، وأجاز كلًّا لمن فعله، لكن الذي فعله مَنْ يُقتدى به، واختار هو التكبير دُبُرَ الصلواتِ

стр. 1428

فقط، واختار بعضُ شيوخنا الوجه (١) الأول؛ للتشبيه بأهل منى، انتهى (٢). وقولها: "يرجون بركةَ ذلك اليوم وطهرتَه": فيه: تعظيمُ هذا اليوم، والترغيبُ في العمل الصالح فيه، وحضورُ مظانِّ إجابة الدعاء، والاجتماعُ على الدعاء، والتأمينُ، واللَّه سبحانه الموفق بفضله ورحمته (٣). * * *

стр. 1429

باب صلاة الكسوف الحديث الأول ١٤٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ, فَكَبَّرَ (١) (٢)، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ (٣).

стр. 1430

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: يقال: كَسَفَتِ الشمسُ والقمرُ -بفتح الكاف-، وكُسِفا -بضمها-، وانْكَسَفا، وخَسَفا (١)، وخُسِفا، وانْخَسَفا، بمعنى. وقيل: كسفتِ الشمسُ -بالكاف-، وخسف القمر -بالخاء-. وحكى ع عكسَه عن بعض أهل اللغة المتقدمين (٢). ح: وهو باطلٌ مردود؛ لقول اللَّه سبحانه: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ [القيامة: ٨]، ثم (٣) جمهورُ أهل اللغة وغيرهم على أن الخسوف والكسوف (٤) يكون لذهاب ضوئهما (٥) كلِّه، ويكون لذهاب بعضِه. وقال جماعة، منهم الإمام الليثُ بن سعد: الخسوفُ في الجميع، والكسوفُ في البعض.

стр. 1431

وقيل: الخسوفُ: ذهابُ لونهما (١)، والكسوفُ: تَغَيُّرُه (٢). ع: وقد جاء في الأحاديث الصحاح في "مسلم" وغيره: "كَسَفَتِ الشَّمْسُ"، "وَلَا يَكْسِفَانِ"، و"لَا يَنْكَسِفَانِ"، "فَإِذَا خَسَفَا"، و"فَإِذَا (٣) كَسَفَا" (٤). الثاني: قد تقدم قريبًا: أن "الصلاةَ جامعةً" -بالنصب فيهما-، وأن الأولَ على الإغراء، والثاني على الحال. الثالث: صلاةُ الكسوف سنَّةٌ عند جميع الفقهاء، وكذلك التجميعُ لها، وحكى الخطابي عن العراقيين: أنه لا يُجَمَّع لها (٥) (٦). واختلفوا -أيضًا- في التجميع لصلاة خسوف القمر، بعد اختلافهم في (٧) أنها سنة، أو فضيلة، فقال جماعة من الصحابة والتابعين، وفقهاء الحديث: بالتجميع لها، منهم: عثمانُ بنُ عفانَ، وابنُ عباس، وعمرُ بنُ عبد العزيز، والشافعيُّ، والليثُ، وأحمدُ، وداودُ.

стр. 1432

وقال مالك، وأبو حنيفة: لا تجميع (١) لها. وقال أشهب بالتجميع لها. وكرهه بعضهم؛ إذ لم يستمر العمل عليه، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة، وغيره: يصلي على هيئة كسوف الشمس وقد اختلف (٢) في أقوال عبد العزيز، هل تضاف إلى المذهب، أم (٣) لا؟ وقاعدة مالك (٤): أنها تُصلَّى ركعتين؛ كسائر النوافل، لا يُجتمع (٥) لها، وقد روي عن مالك: أنه يخرج لصلاتها إلى الجامع، والمعروف: سقوطُ ذلك؛ للمشقة. وكذلك اختلف السلف في الصلاة للزلازل، فقال به ابن عباس، وابن مسعود، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم. وكذلك الصلاة عند الصواعق، والرياح الشديدة، والظلمة المنتشرة في الأفق نهارًا، ولم ير الصلاةَ لذلك، ولا التجميعَ لها: مالكٌ، والشافعي، وأتباعهما. قال بعض متأخري أصحابنا: والظاهرُ اعتبارُه؛ للتنصيص على المناط، وهو قويٌّ عند أهل القياس، ويعضِدُه ما رواه أبو داود،

стр. 1433

عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمْ آيَةً، فَاسْجُدُوا" (١). قلت: وهو الذي يقوى في نفسي، ولا تأتي الصلاة إلا بخير، واللَّه أعلم. واختلفوا في صفة صلاة الكسوف (٢): فالجمهور: على أنها ركعتان، في كلِّ ركعةٍ ركعتان وسجدتان؛ وهذا قولُ مالك، والشافعي، والليث، وأحمد، وأبي ثور، وجمهور علماء الحجاز. وقال الكوفيون: هما ركعتان كسائر النوافل، تعلقًا بحديث: أَنَّهُ صَلَّاهَا رَكْعتين. وقال أصحابنا: إن الأحاديث الأُخر تفسِّره بأنها ركعتان، في كل ركعة ركعتان (٣). وذكر مسلم في رواية عن عائشة، وعن (٤) ابن عباس، وجابر (٥) ركعتين، في كل ركعة ثلاث ركعات.

стр. 1434

ومن رواية ابن عباس، وعلي ﵄: ركعتين، في كل ركعة (١) أربع ركعات. وذكر أبو داود من حديث أبي بن كعب: ركعتان (٢)، في كل ركعة خمس ركعات. ع (٣): وقد قال بكل مذهب منها بعضُ الصحابة (٤). واختلف المذهب عندنا: هل يقرأ في كل ركعة من الأربع بأم القرآن، وهو المنصوص عن مالك، أم (٥) لا يقرؤها إلا في الأولى من كل ركعة؟ وهو قول محمدِ بنِ مَسْلَمة، واللَّه أعلم. [واختلفوا في وقتها عندنا على ثلاثة أقوال: قبل الزوال؛ كالعيدين والاستسقاء -على المشهور فيه-. والثاني: أنه تصلى للغروب؛ كالجنازة. والثالث: إلى صلاة العصر؛ كالنافلة، وكلها روايات عن مالك رحمه اللَّه تعالى، واللَّه أعلم] (٦). * * *

стр. 1435

الحديث الثاني ١٤٣ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ, وَإِنَّهُمَا لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ" (١).

стр. 1436

* التعريف: أبو مسعود: عُقْبَةُ بنُ عمرِو بنِ ثعلبةَ بنِ أُسَيرَة (١) بنِ عُسَيرةَ، بضم أولهما وفتح ثانيهما. يكنى: أبا مسعود، وهو مشهور بكنيته، سكن بدرًا، فنسب إليها، واختُلف في شهوده بدرًا مع النبي ﷺ ، فالجمهورُ على أنه لم يشهدْها، وذهب بعضهم إلى أنه شهدَها، وممن قال ذلك: البخاري، ومسلم، وذكره البخاري في البدريين الذين شهدوا، وشهد أبو مسعودٍ هذا العقبةَ مع (٢) السبعين، وكان أصغرَهم، وقيل: إن جابرًا كان أصغرَهم، وشهد أبو مسعود أُحدًا وما بعدَها من المشاهد. ونزل الكوفة، وابتنى بها دارًا، وتُوفي بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنة إحدى، أو اثنتين وأربعين، وقيل: في آخر خلافة معاويةَ، وقيل: في خلافة عليٍّ ﵁، وقيل، توفي بعد الستين (٣)، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، والقولان الأخيران ضعيفان. روي له عن رسول اللَّه ﷺ مئة حديث، وحديثان، له منها في

стр. 1437

"الصحيحين" (١) سبعة عشر حديثًا (٢)، اتفقا (٣) على تسعة أحاديث، وللبخاري حديثٌ واحد (٤)، ولمسلم سبعةٌ. روى عنه: عبدُ اللَّه بنُ يزيدَ الخطميُّ، وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ ابنِ الحارثِ بنِ هشام، وعَلْقَمَةُ بنُ قَيْسٍ، وغيرُهم. روى له الجماعة (٥). الشرح: (الآية): العلامة، وقد تقدم ذكرُ الخلاف في أصلها، ووزنها. والخوف: غَمٌّ على ما سيكون، والحزن: غمٌّ على ما مضى. وقوله ﵊: "فإذا (٦) رأيتم منها شيئًا": الضمير في (منها) عائد على الآيات من قوله: "من آياتِ اللَّه".

стр. 1438

ق: في الحديث ردٌّ على اعتقاد الجاهلية في (١) أن الشمس والقمر ينكسفان لموت العظماء. وفي قوله ﵊: "يخوِّفُ بهما عبادَه"، إشارة إلى أنه ينبغي (٢) الخوف عند وقوع التغيرات (٣) العُلْوية، وقد ذكر أصحابُ الحساب لكسوف الشمس والقمر أسبابًا عادية (٤)، وربما يعتقد معتقدٌ أن ذلك ينافي قولَه ﵊: "يخوِّفُ بهما عبادَه"، وهذا الاعتقاد فاسد؛ لأن للَّه -تعالى- أفعالًا على حسب الأسباب العادية (٥)، وأفعالًا خارجة عن تلك الأسباب؛ فإن قدرته تعالى حكمُه على كل سبب، فيقتطع (٦) ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها من بعض، وإذا (٧) كان ذلك كذلك، فأصحابُ المراقبة للَّه -تعالى- ولأفعاله الذين عقدوا أبصارَ قلوبهم بوحدانيته، وعمومِ قدرته على خرق العادة، واقتطاع المسببات عن أسبابها، إذا وقع شيء غريب، حدث عندهم الخوف؛ لقوة اعتقادهم في فعل اللَّه

стр. 1439

-تعالى- ما يشاء، وذلك لا يمنع (١) أن يكون ثَمَّ أسبابٌ تجري عليها العادة إلى أن يشاء (٢) اللَّه -تعالى- خَرْقَها (٣)، ولهذا كان النبي ﷺ عند اشتداد هُبوب الريح يتغير، فيدخل (٤) ويخرج؛ خشية أن يكون (٥) كريح عاد، وإن كان هبوب الريح موجودًا في العادة. والمقصود بهذا (٦) الكلام: أن يُعلم (٧) أن ما ذكره أهلُ الحساب من سبب الكسوف، لا ينافي في (٨) كون ذلك مُخَوِّفًا لعباد اللَّه، وإنما قال النبي ﷺ هذا الكلام؛ لأن الكسوف كان عند موت ابنه إبراهيم، فقيل: إنها إنما (٩) كسفت لموت إبراهيم، فردَّ النبيُّ ﷺ ذلك. وقد ذكروا (١٠): أنه إذا صُلِّيت صلاةُ الكسوف على الوجه المذكور، ولم تَنْجَلِ الشمسُ: أنها لا تُعاد على تلك الصفة (١١)، وليس

стр. 1440

في قوله: "فصلُّوا وادْعوا حتى ينكشفَ ما بكم" (١)، ما يدل على خلاف هذا؛ لوجهين: أحدهما (٢): أنه أمر بمطلق الصلاة، لا بالصلاة على هذا الوجه المخصوص، ومطلقُ الصلاة سائغٌ (٣) إلى حين الانجلاء. الثاني: لو سلَّمنا أن المرادَ الصلاةُ الموصوفةُ بالوصف المذكور؛ لكان لنا أن نجعل هذه الغاية لمجموع الأمرين (٤)؛ أعني: الصلاة، والدعاء، ولا يلزم من كونها غايةً لمجموع الأمرين أن تكون غايةً لكلِّ واحدٍ منهما على انفراده، فجاز أن يكون الدعاءُ ممتدًا إلى غاية الانجلاء بعدَ الصلاة على الوجه المخصوص مرةً واحدة، ويكون (٥) غاية المجموع (٦)، انتهى (٧). قلت: وكلامه في هذا الحديث حسن جدًا ﵀، ورضي عنه. * * *
следующие страницы →