← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

* التعريف: أبو مسعود: عُقْبَةُ بنُ عمرِو بنِ ثعلبةَ بنِ أُسَيرَة (١) بنِ عُسَيرةَ، بضم أولهما وفتح ثانيهما. يكنى: أبا مسعود، وهو مشهور بكنيته، سكن بدرًا، فنسب إليها، واختُلف في شهوده بدرًا مع النبي ﷺ ، فالجمهورُ على أنه لم يشهدْها، وذهب بعضهم إلى أنه شهدَها، وممن قال ذلك: البخاري، ومسلم، وذكره البخاري في البدريين الذين شهدوا، وشهد أبو مسعودٍ هذا العقبةَ مع (٢) السبعين، وكان أصغرَهم، وقيل: إن جابرًا كان أصغرَهم، وشهد أبو مسعود أُحدًا وما بعدَها من المشاهد. ونزل الكوفة، وابتنى بها دارًا، وتُوفي بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنة إحدى، أو اثنتين وأربعين، وقيل: في آخر خلافة معاويةَ، وقيل: في خلافة عليٍّ ﵁، وقيل، توفي بعد الستين (٣)، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، والقولان الأخيران ضعيفان. روي له عن رسول اللَّه ﷺ مئة حديث، وحديثان، له منها في

стр. 1437

"الصحيحين" (١) سبعة عشر حديثًا (٢)، اتفقا (٣) على تسعة أحاديث، وللبخاري حديثٌ واحد (٤)، ولمسلم سبعةٌ. روى عنه: عبدُ اللَّه بنُ يزيدَ الخطميُّ، وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ ابنِ الحارثِ بنِ هشام، وعَلْقَمَةُ بنُ قَيْسٍ، وغيرُهم. روى له الجماعة (٥). الشرح: (الآية): العلامة، وقد تقدم ذكرُ الخلاف في أصلها، ووزنها. والخوف: غَمٌّ على ما سيكون، والحزن: غمٌّ على ما مضى. وقوله ﵊: "فإذا (٦) رأيتم منها شيئًا": الضمير في (منها) عائد على الآيات من قوله: "من آياتِ اللَّه".

стр. 1438

ق: في الحديث ردٌّ على اعتقاد الجاهلية في (١) أن الشمس والقمر ينكسفان لموت العظماء. وفي قوله ﵊: "يخوِّفُ بهما عبادَه"، إشارة إلى أنه ينبغي (٢) الخوف عند وقوع التغيرات (٣) العُلْوية، وقد ذكر أصحابُ الحساب لكسوف الشمس والقمر أسبابًا عادية (٤)، وربما يعتقد معتقدٌ أن ذلك ينافي قولَه ﵊: "يخوِّفُ بهما عبادَه"، وهذا الاعتقاد فاسد؛ لأن للَّه -تعالى- أفعالًا على حسب الأسباب العادية (٥)، وأفعالًا خارجة عن تلك الأسباب؛ فإن قدرته تعالى حكمُه على كل سبب، فيقتطع (٦) ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها من بعض، وإذا (٧) كان ذلك كذلك، فأصحابُ المراقبة للَّه -تعالى- ولأفعاله الذين عقدوا أبصارَ قلوبهم بوحدانيته، وعمومِ قدرته على خرق العادة، واقتطاع المسببات عن أسبابها، إذا وقع شيء غريب، حدث عندهم الخوف؛ لقوة اعتقادهم في فعل اللَّه

стр. 1439

-تعالى- ما يشاء، وذلك لا يمنع (١) أن يكون ثَمَّ أسبابٌ تجري عليها العادة إلى أن يشاء (٢) اللَّه -تعالى- خَرْقَها (٣)، ولهذا كان النبي ﷺ عند اشتداد هُبوب الريح يتغير، فيدخل (٤) ويخرج؛ خشية أن يكون (٥) كريح عاد، وإن كان هبوب الريح موجودًا في العادة. والمقصود بهذا (٦) الكلام: أن يُعلم (٧) أن ما ذكره أهلُ الحساب من سبب الكسوف، لا ينافي في (٨) كون ذلك مُخَوِّفًا لعباد اللَّه، وإنما قال النبي ﷺ هذا الكلام؛ لأن الكسوف كان عند موت ابنه إبراهيم، فقيل: إنها إنما (٩) كسفت لموت إبراهيم، فردَّ النبيُّ ﷺ ذلك. وقد ذكروا (١٠): أنه إذا صُلِّيت صلاةُ الكسوف على الوجه المذكور، ولم تَنْجَلِ الشمسُ: أنها لا تُعاد على تلك الصفة (١١)، وليس

стр. 1440

في قوله: "فصلُّوا وادْعوا حتى ينكشفَ ما بكم" (١)، ما يدل على خلاف هذا؛ لوجهين: أحدهما (٢): أنه أمر بمطلق الصلاة، لا بالصلاة على هذا الوجه المخصوص، ومطلقُ الصلاة سائغٌ (٣) إلى حين الانجلاء. الثاني: لو سلَّمنا أن المرادَ الصلاةُ الموصوفةُ بالوصف المذكور؛ لكان لنا أن نجعل هذه الغاية لمجموع الأمرين (٤)؛ أعني: الصلاة، والدعاء، ولا يلزم من كونها غايةً لمجموع الأمرين أن تكون غايةً لكلِّ واحدٍ منهما على انفراده، فجاز أن يكون الدعاءُ ممتدًا إلى غاية الانجلاء بعدَ الصلاة على الوجه المخصوص مرةً واحدة، ويكون (٥) غاية المجموع (٦)، انتهى (٧). قلت: وكلامه في هذا الحديث حسن جدًا ﵀، ورضي عنه. * * *

стр. 1441

الحديث الثالث ١٤٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ ركَعَ فَأَطَالَ الرّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَامَ (١)، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ في الرَّكْعَةِ الأُخْرَى (٢) مِثْلَ مَا فَعَلَ في الرَّكْعَةِ الأُولَى (٣)، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ (٤)، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا"، ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ

стр. 1442

أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ (١)، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُم قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كثِيرًا" (٢). وَفِي لَفْظٍ: فَاسْتكْمَلَ أَرْبَعَ ركَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ (٣).

стр. 1443

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: فيه: المبادرة بالصلاة عند الكسوف؛ لقولها: "فصلَّى" بالفاء التعقيبية. وفيه: التجميعُ لها؛ لقولها (١): "فصلَّى بالناس" على ما تقدم.

стр. 1444

الثاني: قولها: "فأطالَ القيام"، ولم تقدِّرْه، وقد جاء تقديرُه في حديث آخر، في الأول (١): بنحو سورة البقرة، والثاني (٢): بنحو سورة آل عمران، والثالث: بنحو سورة النساء، والرابع: بنحو سورة المائدة، وفي تقدير الثالث بالنساء نظر؛ فإن المختار كونُ القيامِ الثالثِ أقصرَ من الثاني، والنساءُ أطولُ من آل عمران، وهذا التقدير يدل على سرية القراءة في صلاة الكسوف؛ إذ لو كانت جهرية، لما احتاجت إلى تقدير، بل كان يُقال: قرأ سورة كذا، وسورة كذا (٣). وقد اختلف العلماء في ذلك، فقالت جماعة: القراءة فيها جهر،

стр. 1445

وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق. (١) قال ابن بزيزة: ورواه معن (٢)، والواقدي، عن مالك. وقال الجمهور: القراءة فيها سِرٌّ؛ وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، والليث، وأصحاب الرأي، وهو المشهور عن مالك. وقال الطبري، وغيرُه من فحول العلماء: بالتخيير في ذلك؛ جمعًا بين الأحاديث، وقد صحح أبو محمد بنُ حزم هذه الأحاديثَ المقتضيةَ للجهر؛ لأنه ﵊ جهرَ فيها بالقراءة، ذكره الترمذي، وغيره، وصحح -أيضًا- ما يدلُّ على الإسرار، وفي حديث عائشة: أن النبي ﷺ جهرَ بالقراءة في كسوف الشمس (٣). وروى الوليدُ بنُ مسلم: أنه ﵊ جهر في صلاة الكسوف -أيضًا (٤) - (٥)، وتأوله بعض العلماء على أن المراد: الكسوف القمري (٦)، وهو وإن كان محتملًا، إلا أن حديث عائشة يقضي عليه، ويُبينه، وفي بعض طرق عائشة: أن النبيَّ ﷺ جهرَ في

стр. 1446

صلاة الكسوف بقراءته، فصلَّى أربعَ ركعاتٍ في ركعتين، وأربعَ سجداتٍ (١)، وقد صحح عروةُ بنُ الزبير، والزهري، والأوزاعي، حديثَها في الجهر في هذه الصلاة. وقواه بعضُ علمائنا (٢)، فقال: صلاةٌ مأمورٌ بها تُفعل في جماعة نهارًا، فحكمُها الجهر؛ قياسًا على صلاة العيدين. وحديثُ سمرةَ بنِ جُندبٍ يقتضي الإسرارَ فيها، و (٣) رواه النسائي، وغيره. ومن أقوى الأدلة على أن حكمها الإسرارُ: ما تقدم من تقديرها بسورة البقرة، وبما بعدها من الطول، وقد قوي ذلك بقوله ﵊ (٤) -: "صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ"، والحديث لَيِّنُ الإسناد (٥). وقولها: "فأطال الركوع" غيرُ محدود (٦) -أيضًا-، وقد قال أصحابنا: يركع بطول قراءته.

стр. 1447

وقدَّره أصحابُ الشافعي بنحو مئة آية، واختار بعضُهم عدمَ التحديد إلا بما لا يضرُّ بمن خلفَه (١) (٢). وقولها: "ثم قام فأطال القيام وهو دونَ القيام الأول": هذا كما تقدم من تقديره بنحو آل عمران، وهي دون البقرة، فهو على الأصل. قيل (٣): إن السبب في تقصير القيام الثاني في الكسوف وسائر الصلوات: أن النشاط يكون في الركعة الأولى أكثرَ، فيناسبُ التخفيف في الثانية خشيةَ الملال. قلت: وشبيهٌ بهذا التعليل التعليلُ عندَ النُّحاة لاختصاص الفاعل بالرفع، والمفعول بالنصب، قالوا: لأن اللسان يتناول الفاعلَ أولًا بقوة، وجمامٍ (٤)، ثم يتناول المفعولَ بعدُ بضعف (٥) وكَلال، فأُعطي في الأول الأثقلُ، وهو الرفعُ، وأُعطي في الثاني الأخفُّ، وهو النصب وقد تقدم الخلاف في الحديث الذي قبل هذا، هل تُقرأ الفاتحةُ في القيام الثاني، أو لا، وأن المشهورَ قراءتها، ووجهُه (٦): أنها قراءة

стр. 1448

يتعقبها ركوعٌ، فيقرأ بأم القرآن كسائر الصلوات، ولأنه قيام بعد ركوع، فأشبهَ القيامَ للثانية، ولأنها قراءةٌ لركعة، فتبدأ بالفاتحة كالأولى، ولأن الركوع قد حال بين القراءتين، فاقتضى الافتتاح بالفاتحة؛ كما لو حال بينهما ركوع وسجود، ولأنه في كل ركوع يستأنف القراءة. ووجهُ الشاذِّ: أنه رآها ركعةً واحدة زِيدَ فيها ركوعٌ، والركعةُ الواحدة لا تثنَّى فيها الفاتحة (١). الثالث: قولها: "فأطالَ السجُوْدَ": ظاهرُه: تطويلُ السجود؛ كالركوع، وهو قولُ ابنِ القاسم عندَنا. وقال غيره: لا يُطيل، وهو قول الشافعي، ولبعض أصحابه (٢) في ذلك خلافٌ ضعيف (٣). وظاهرُ هذا الحديث دليلٌ لابن القاسم ومَنْ وافقه. وفي حديثٍ آخرَ عن عائشة ﵂: أنها قالت: ما سجدْتُ سجودًا أطولَ منه (٤) (٥).

стр. 1449

وكذلك نُقل حَدُّ تطويله في حديث أبي موسى، وجابرِ بنِ عبد اللَّه. وفي أبي داود: أنه ﷺ سجَد، فلم يكدْ يرفعُ (١) (٢). وقياسًا على الركوع، لأنها أركان. ووجهُ القول بعدم التطويل، وأظنه لمالك -واللَّه أعلم-: أن ابن عباس، وعائشة ﵄ وصفا طولَ الركوع والقيام (٣) دونَ السجود، ولأن الركوع والقراءة كُرِّرا، فطُوِّلا؛ لأنهما غُيِّرا، والسجودُ لم يتغير، فلا يطول، كالجلوس والتشهد، ولأن الفصل بينهما لم يطول إجماعًا، فلو طول السجود، لطول الفصل كالركوع. الرابع: قولها: "ثم فعل في الركعة الثانية مثلَ ما فعلَ في الأولى": لا إشكال في القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى، ولا خلاف فيهما بين العلماء: أنهما أقصرُ مما قبلهما، وكذلك القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الثانية (٤): أنهما (٥) أقصر مما (٦) قبلهما (٧).

стр. 1450

واختلف العلماء في القيام الأول، والركوع الأول من الركعة الثانية، هل هو أقصر من القيام الثاني والركوع الثاني من الأولى، فإنه بمعنى قوله: "دون القيام الأول"، أو مساوٍ لذلك، وأقصر من أولِ قيام، وأولِ ركوع، وإن هذا معنى قوله (١): القيام الأول والركوع الأول من الركعة الثانية، هل هما أقصر من القيام الثاني والركوع (٢)؟ والوجهُ الأولُ أظهرُ، وهو قول مالك: إن كل ركعة دون (٣) التي قبلها، وهو مقتضى الحديث؛ لأنه كذلك قال في كل قيام وركعة: إنه (٤) دون الأول، فدل أنه يريد الذي قبلَه، ويعضدُه قولُه في الحديث الآخر، عن جابر: ليسَ منها (٥) ركعةٌ إلَّا التي قبلَها أطولُ مِنَ التي بعدَها (٦). الخامس: قولها: "فخطبَ الناسَ، فحَمِدَ اللَّه، وأثنى عليه" ظاهره: أن لصلاةِ كسوفِ الشمس خطبةً (٧)، ولم ير ذلك مالكٌ، وأبو

стр. 1451

حنيفة، وأحمدُ -في المشهور عنهم (١) -، بل قالوا: يستقبل الناس، ويذكِّرُهم. وقال الشافعي: يخطب لها خُطبتين بعد فعلِها، سواءٌ كان كسوفًا، أو خسوفًا. ولأحمد نحوه، هكذا نقله عنه ابن هبيرة (٢). وبقول الشافعي قالُ إسحاق، والطبري، وفقهاءُ أصحاب الحديث. حجةُ القائلين بعدم الخطبة (٣): أن خطبة النبي ﷺ إنما كانت لإعلام الناس أن الكسوف (٤) آيةٌ، وليس على ما قالوه (٥) من كسوفها لموتِ إبراهيم، أو لموتِ عظيم، على ما كانت تقولُه الجاهلية فيهما، وما يقوله أهلُ الحساب والنجوم من دليلهما على ما يحدث في العالم. وقد تقدم كلامُ ق (٦) على ما قاله أهلُ الحساب لصلاة الكسوف، وأيضًا: فلمَّا كان كثيرٌ من الكَفَرة يعتقد فيهما من (٧) التعظيم؛ لأنهما

стр. 1452

أعظمُ الأنوار الظاهرة، حتى ارتقى الحال ببعضهم إلى عبادتهما (١). وقال جماعةٌ من الضُّلَّال بتأثيرهما في العالم، فأعلَمَ النبيُّ ﷺ أنهما آيتان على حدوثهما، ونقصِهما عن هذه المرتبة؛ لطروء التغيير (٢) والنقصِ عليهما، وإزالةِ نورهما الذي به (٣) عظم في النفوس عنهما، فلما (٤) جاء: أن القيامة تقوم وهما مكسوفان، ولهذا -واللَّه أعلم- جاء في الحديث الآخر: فقامَ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تكونَ الساعَةُ (٥)، هذا معنى (٦) كلام ع، وأكثر لفظه (٧). ق: وهذا خلافُ الظاهر من الحديث، لاسيما بعدما ثبتَ أنه ابتدَأَ بما تُبتدأ به الخطبةُ من حمدِ اللَّه، والثناءِ عليه. واستضعف الشيخُ (٨) ما قاله ع بأن الخطبة لا تنحصر مقاصدُها في شيء معين بعدَ الإتيان بما هو المطلوبُ منهما؛ من الحمدِ والثناءِ والوعِظ، وقد يكون بعضُ هذه الأمور داخلًا في مقاصدِها؛ مثل: ذكر

стр. 1453

الجنة والنار، وكونهما من آيات اللَّه، قال: بل هو كذلك جزمًا (١). قال ابن بزيزة: إنما خطب؛ لأن الخطبة من سنة هذه الصلاة. السادس: قوله ﷺ : "فإذا رأيتم ذلك، فادعوا اللَّه، وكَبِّروا، وصَلُّوا، وتصدَّقوا" ظاهره: عدمُ تقييدِ الصلاةِ بوقتٍ من النهار، وقد تقدم ذكرُ الاختلاف في وقت صلاة الكسوف. و (٢) في الحديث: دلالة على استدفاع البلايا والمحن بالدعاء، وما ذُكر معه، وقد أمر اللَّه -تعالى- بالدعاء في كتابه في غير ما موضع، كما أمر بالصلاة وغيرها من العبادات، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] الآيةَ، وقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وغير ذلك من الآي، وقال ربُّنا: "هَلْ مِنْ داعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ " (٣)، ولأن الباري -تعالى- يحبُّ السؤال، ويعطي عليه جزيلَ الثواب، وفي الحديث: "الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ" (٤)،

стр. 1454

وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ السُّؤَالُ مِنَ اللَّهِ، وهذا يردُّ قولَ (١) مَنْ قال من الصوفية بعدم الدعاء، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه المأثورُ عنه ﷺ ، لكان (٢) كافيًا في فضيلة الدعاء، فكيف وقد أمر اللَّه به، وحض عليه؟! وقولُهم (٣): إن في الدعاء تحكُّمًا، فإنما يكون كذلك (٤) لو كان أَمْرًا، وإنما هو سؤالٌ وتضرُّعٌ، وإظهارٌ لذلِّ العبودية، وعزِّ الربوبية. وأما حديث: "مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي"، الحديث (٥)، فقال القاضي (٦) أبو بكر بنُ العربي: معناه: أن العبدَ ليس في كل حال يدعو، بل تارة يدعو، وتارة يذكر، وإذا (٧) دعاه، استجاب له، وإذا ذكره، أعطاه أفضلَ ما سأله، فهو الكريمُ في الحالين. وما أحسنَ قولَ الشاعر:

стр. 1455

اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ (١) ... وَبُنيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ السابع: قوله: " [ما] من أحدٍ أغيرُ من اللَّه"، الغيرة: مشتقةٌ من تَغَيُّرِ حالِ الغَيْران؛ لما رآه من قبيح فعلِ مَنْ غارَ عليه، وهيجانِ غضبِه بسبب هَتْكِ مَنْ يَذُبُّ عنه، واللَّهُ -تعالى- المقدَّسُ المنزه (٢) عن تغير الذاتِ والصفات، فمعناه: ما من أحدٍ أمنعُ للفواحشِ من اللَّه، والغيورُ يمنعُ حريمَهُ، وكلَّما زادتْ غيرته، زاد منعهُ (٣)، فاستعير لمنع الباري -تعالى- عن معاصيه اسمُ الغيرة مجازًا، و (٤) اتساعًا، وخاطبهم النبي ﷺ على ما (٥) يفهمونه، ونعني بالمنع: التحريم، لا عدمَ التمكين؛ فإن ذلك يُحيل المعنى المذكور (٦).

стр. 1456

الثامن: قوله: "لو تعلمون مما أعلمُ" إلى آخره، معناه: لو تعلمون من عِظَمِ انتقام اللَّه -تعالى- من أهلِ الجرائم، وشدةِ عقابه، وأهوالِ يوم القيامة، وما بعدَها؛ كما علمتُ، وترون النارَ؛ كما رأيتُ في مقامي هذا، وفي غيرِه، لبكيتم كثيرًا، ولقلَّ ضحككُم، لفكْرِكم فيما علمتموه، وكلُّ ذلك مما نشأ (١) عن مطالعة جلالِ اللَّه (٢)، وعظمته، وقهره، وسرعة بطشه، والمقصودُ (٣) منه: التخويفُ لأمته ﷺ (٤). قال ابن بزيزة: ويحتمل أن يكون المعنى: إنكم لو علمتم من رحمة اللَّه -سبحانه-، وحلمِه، وعفوِه عن ذنوب خلقه، ومعاني كرمِه ما أعلمُ، لبكيتم كثيراَ، ولضحكتم قليلًا، فبكاؤكم إذ لم تفهموا من ذلك ما فهمتُ، ولم تعلموا منه (٥) ما علمتُ، ونشأ هذا عن مطالعة

стр. 1457

جمالِ (١) اللَّه -تعالى- ونعوتِ أفضاله، ومشاهدةِ الرحمة الواسعة (٢) التي لا تقصر عن شيء. فيه: دليلٌ على غلبة الخوف، وشديد الموعظة، وترجيحِ ذلك على إشاعة الرُّخَص؛ لما يؤدّي ذلك من التسبُّب (٣) إلى تسامح النفوس؛ لما جُبلت عليه من الإخلاد إلى الشهوات، والميلِ إلى اللذات، وذلك من (٤) مرضها الخطر، والطبيبُ الحاذقُ يقابل العلَّة بضدِّها، لا بما يزيدُها (٥). التاسع: قوله (٦): و (٧) في لفظ: "فاستكملَ (٨) أربعَ ركعاتٍ، وأربعَ سَجَداتٍ": المرادُ بالركعات هنا: عددُ الركوع، لا الركعاتُ المعهودة (٩)، وجاء في موضع آخر: في ركعتين، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1458

الحديث الرابع (١) ١٤٥ - عَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، حَتَّى أَتَى المَسْجدَ، فَقَامَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ مَا (٢) رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهَ في صَلَاةٍ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللَّهُ -تعالى- لا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِه (٣) وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ" (٤).

стр. 1459

استعمالُ أبي موسى الخسوفَ في الشمس يقوِّي ما تقدَّمَ من قولِ الجمهور؛ خلافًا لمن خصَّ الشمس بالكسوف. فيه: دليلٌ على المحافظة على طهارة الوضوء (١). و"فزعًا" (٢) من أبنية المبالغة، كحَذِر. وقوله: "يخشى أن تكون الساعة"، روايتنا فيه بضم التاء من (الساعةُ) على تمامِ كانَ؛ أي: يخشى أن تحضر الساعةُ الآنَ، ونحو ذلك. ويجوز أن تكون (كانَ) ناقصةً، و (الساعةُ) اسمها، والخبر محذوف؛ أي: أن تكون الساعةُ قد حضرتْ، ونحو ذلك، ويجوز فتحُها على أن تكون (كان) ناقصةً، ويكون اسمُها مضمَرًا فيها، و (الساعةَ) خبرها، والتقدير: أن تكون هذه الآيةُ (٣) الساعةَ؛ أي: علامةَ الساعة، وحضورها، واللَّه أعلم. وفيه: إشارة إلى ما تقدَّمَ من دوام المراقبة لفعلِ اللَّه تعالى،

стр. 1460

وتجريد الأسباب العادية عن تأثيرها في مسبباتها. ق (١): وفيه: دليل على جواز الإخبار بما يوجبه الظنُّ من شاهد الحال؛ حيث قال: "فَزِعًا يخشى أن تكونَ الساعةُ"، مع أن الفزع يحتمل أن يكون لذلك، ويحتمل أن يكون لغيره؛ كما خشي ﷺ من الريح أن يكون كريح قوم (٢) عاد، ولم يخبر عن النبي ﷺ بأنه كان سبب خوفه، فالظاهر أنه بنى على شاهد الحال (٣)، أو قرينةٍ دلَّتْ عليه (٤). قلت: وهذا تنبيه حسن، واللَّه أعلم. وقوله: "بأطول (٥) قيام، وركوع، وسجود": يقوي القولَ المشهورَ عندنا؛ بإطالة السجود. وفيه: دليل على القول المشهور -أيضًا- من أن (٦) سنتها المسجد دون المصلَّى، وهو المشهور عند العلماء أيضًا، وسره (٧) -واللَّه أعلم-:

стр. 1461

أن هذه الصلاة تنتهي بالانجلاء، وذلك يقتضي المبادرةَ بها قبلَه، لئلا يفوتَ القيامُ بها، وهذا هو الفرق بينها، وبين صلاة العيد، والاستسقاء؛ فإن وقتهما مُتَّسِع؛ بخلاف الكسوف، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1462

باب صلاة (١) الاستسقاء الحديث الأول (٢) ١٤٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ المازنِيِّ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ (٣).

стр. 1463

وَفي لَفْظٍ: إلَى المُصَلَّى (١).

стр. 1464

* التعريف: عبدُ اللَّهُ بنُ زيدِ بنِ عاصمِ بنِ كعبِ بنِ عمرَ بنِ عوفٍ، الأنصاريُّ، مَدَنِيٌّ (١) من بني غنمِ بنِ مازنِ بنِ النجار، وهو راوي حديث وضوء النبي ﷺ ، وحديث: "شُكي للنبيِّ (٢) الرجلُ يُخَيَّلُ إليه أنه يجدُ الشيءَ"، الحديث (٣)، وهو راوي حديث الاستسقاء -أيضًا-، وليس هو الذي رأى الأذانَ في المنام؛ فإن الذي رأى الأذانَ هو عبدُ اللَّه بنُ زيدِ ابنِ عبدِ ربِّه الأنصاريُّ، وهو -أيضًا- مدنيٌّ، وهو من بني الحارث (٤) ابنِ الخزرج، يكنى: أبا محمد. توفي سنة ثنتين وثلاثين، وشهد بدرًا، والعقبةَ مع النبي ﷺ ، وهو معروف بصاحب الأذان. مات وله أربع وستون سنة، وصلى عليه عثمانُ بنُ عفانَ. قال البخاري: لا يُعرف لعبد اللَّه بن زيد (٥) بنِ عبدِ ربِّه غيرُ حديث الأذان. قال الحافظ أبو الحسن عليُّ بنُ الفضل (٦) المقدسي: ولم يُخرج

стр. 1465

له البخاري، ولا مسلم شيئًا، واللَّه أعلم (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الاستسقاءُ: طلبُ السُّقْيا، وهو استِفْعال من سَقَيْتُ، ويقال: سَقَى، وأَسْقَى، لغتان، وقيل: سَقاه: ناولَه ليشرب، وأَسْقاه: جعلَ له شربًا (٢). الثاني: صلاةُ الاستسقاء سُنَّةٌ عند الجمهور، وبذلك قال مالك، والشافعي، وأحمدُ، وصاحبا (٣) أبي حنيفة: أبو يوسفَ، ومحمدٌ (٤). وقال أبو حنيفةَ، والنخعيُّ: لا تُسَنُّ لها الصلاةُ، بل يخرج الإمامُ، ويدعو، فإن صلَّى الناسُ (٥) وحدانًا، جاز. ومنشأ الخلاف في ذلك: أنه قد صحَّ: أن رسول اللَّه ﷺ استسقى، وصلَّى، وفي بعض الآثار: أنه دعا، ولم يذكر الصلاة، فهذا منشأ الخلاف. والقائلون (٦) بأن من سنَّة الاستسقاء الصلاةَ أجمعوا على أن

стр. 1466

المستحبَّ البروزُ إلى المصلَّى، وقد استسقى ﵊ في المسجد، وهو على المنبر يومَ جمعة. وأجمعوا -أيضًا- على أن فيها خطبة. واختلفوا هل هي قبلَ الصلاة، أو بعدها؟ وأكثرُ الآثار على أنها بعدَ الصلاة. وفي بعضها: أن الخطبةَ قبلَ الصلاة، قاله الليثُ بنُ سعد، وغيرُه، وبالأول قال مالك، والشافعي. على أن في مذهب مالك في ذلك اختلافًا مشهورًا؛ فمن قاس هذه الصلاة على الجمعة، قَدَّمَ الخطبةَ، ومن قاسها على العيد، أَخَّرَ الخطبة. واختلف العلماء هل تجوز صلاة الاستسقاء بعد الزوال، أم لا؟ فقيل: لا تجوز بعدَ الزوال قياسًا على العيدين. وقيل: تجوز في كل وقت تجوز فيه النافلةُ (١)، وفي "كتاب (٢) ابن شعبان": لا بأس أن (٣) يستسقي بعدَ الصبح، ويعدَ العصر والمغرب. وينبغي للإمام حثُّ الناس على التوبة، والاستغفار، والخروجِ من المظالم، وأن يأمرهم بالصدقة.

стр. 1467

واختلف المذهب في أمره إياهم قبلَ الاستسقاء بصوم ثلاثةِ أيام على قولين: الإباحة، والكراهة. ووجهُ الكراهة: خوفُ التحديد. ويُستسقى في العام الواحد مرارًا إذا احتيجَ إلى ذلك. وقد قال (١) أصبغ: استُسقي للنيل بمصر (٢) خمسةً وعشرين يومًا متوالية، وحضره ابنُ القاسم، وابنُ وهب، وغيرُهما. واختلف المذهب هل يكبر الإمامُ والناسُ، إذا خرجوا إلى المصلى (٣)؛ قياسًا على العيدين، أم لا يُكَبِّرون؛ لأن التكبير لم يردْ إلا في العيدين، وهو المشهور؟ وبالتكبير؛ قال ابنُ المسيب، وعمرُ بنُ عبد العزيز، ومكحولٌ، والشافعيُّ، والطبريُّ، وغيرُهم. وكذلك اختلفوا في التكبير -أيضًا- في هذه الصلاة؛ فقال بالتكبير فيها جماعةٌ من العلماء، تمسكًا بما ورد في بعض الأحاديث الثابتة: أنه صلَّى فيها ركعتين، كما تصلَّى (٤) في العيد.

стр. 1468

وهل هو تشبه (١) في العدد، أو في العدد والجهر والتكبير؟ فيه احتمال. وقالت جماعة بالتخيير بين التكبير وتركِه، وهو قول داود. وخَرَّجَ الدارقطني: أن النبيَّ ﷺ صلَّى في الاستسقاء ركعتين؛ كَبَّرَ في الأولى سبعَ تكبيرات، وقرأ: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقرأ في الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، وكبر خمسَ تكبيرات (٢)، يرويه محمدُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ عمرَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوف (٣). وذكر أبو محمد بنُ أبي حاتم (٤): أنه ضعيف الحديث. ولا أعلم عندنا خلافًا في أن صفتها ركعتان؛ كسائر النوافل، والتكبير المعهود، والجهر بالقراءة (٥). الثالث: قوله: "فتوجه إلى القبلة يدعو": ظاهره: تقديمُ الدعاء على الصلاة.

стр. 1469

الرابع: قوله: "وحوَّل رداءه": الجمهورُ على تحويل الرداء في الاستسقاء؛ لثبوته بالسنَّة المنقولة عن النبي ﷺ ، وأصلُه التفاؤلُ بالانتقال من حالِ البؤس إلى حال الرخاء، ومن حال الضيق إلى حال السَّعَة. قال ابن بزيزة؛ وقد أنكر التحويلَ أبو حنيفةَ، وضعَّفه ابنُ سلام من قدماء علماء الأندلس على مذهب الشاميين، ولعله لم يبلغهما، والسنةُ حجةٌ على جميع الخلق، ومَنْ عَلِمَ حُجَّةٌ على مَنْ لم يعلم. وهاهنا مسائل: الأولى: الجمهورُ على تحويل الناس أرديَتهم عندَ تحويل الإمام (١). وقال الليثُ بنُ سعد، ومحمدُ بنُ يوسف، وابنُ عبدِ الحكم، وابنُ وَهْبٍ من أصحابنا: لا تحوَّلُ أرديتُهم (٢). وأَجمعوا على أن المرأة لا تحوِّلُ؛ لما في ذلك من تعريضها للانكشاف، ولم يُذْكَر في كثير من الأحاديث أن الصحابة حولوا أرديتَهم لمَّا حوَّلَ رسولُ اللَّه ﷺ رداءه. المسألة الثانية: اختلف العلماء في كيفية التحويل، فعامَّتُهم أنه يردُّ ما على اليمين على الشمال، وقيل: يقلب أعلاه أسفلَه، وأن يجعل ما يلي الأرضَ على رأسه، وما على رأسه يلي الأرضَ، وهو

стр. 1470

قول الشافعي بمصر، وكان بالعراق يقول كقول (١) الجماعة (٢). ومن العلماء من جَوَّزَ كلا الأمرين، وفي بعض طرق الحديث (٣): "وقلبَ رداءَه" (٤). و (٥) قال علماؤنا: وإن كان طَيْلَسانًا مُدَوَّرًا، قلَبه، ولم ينكِّسْه إلا بعد القلب؛ إذ لا يتأتَّى غيرُ ذلك. فائدة: ذكر أهلُ الآثار: أن رداءه ﵊ كان طولُه أربعَ أَذْرُعٍ وشِبْر، في عرض ذراعين وشبر، كان يلبسه يومَ الجمعة والعيد. قال الواقدي: كان بُرْدُه طولَ (٦) ستة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزارُه من نسجِ عُمان، طولُه أربعُ أذرع وشبر، في عرض ذراعين وشبر، كان يلبسهما يومَ الجمعة والعيد، ثم يُطْوَيان (٧). المسألة الثالثة: اختلف العلماء في وقت التحويل، فقيل: بين

стр. 1471

الخطبتين، وقيل: في أثناء الخطبة الثانية، وقيل: بعد انقضاء الخطبتين؛ وكلُّ ذلك واقع في المذهب، وفي بعض الأحاديث: أنه كان يحوِّلُ رداءه إذا استقبلَ القبلةَ (١). المسألة الرابعة: قال مالك: إذا فرغ، استقبل القبلَةَ قائمًا، فحوَّلَ (٢)، وحول الناسُ، وهم جلوس، ثم ينصرف. وقال مالك -أيضًا-: إن شاء انصرفَ، وإن شاء حولَ وجهَه، فكلَّمَ الناسَ، ورغَّبَهم في الصدقة والتقرُّب (٣) إلى اللَّه . وقد روي عنه: أنه يحول قبلَ استقبال القبلة (٤). المسألة الخامسة: اختلف قولُ مالك؛ هل يجلسُ في أول الخطبة الأولى، أم لا؟ على قولين. ولم يختلفوا أنه يجلس في أثناء الخطبة، وكذلك جاء في الآثار (٥). الوجه الخامس: من الكلام على الحديث: لم يصرح في هذا الحديث بذكر الخطبة، وقد تقدم نقلُنا (٦) الإجماعَ على أن فيها خطبة.

стр. 1472

وقد اختلف الفقهاء، هل هي خطبةٌ واحدة، وهو قولُ أبي يوسفَ، ومحمدِ بنِ الحسن، وعبدِ الرحمن بن مهدي. أو خطبتان؟ وهو قول مالك، والشافعيِّ، وجماعة. وبالتخيير في ذلك قال الطبريُّ، وغيره (١). وقوله: "وفي لفظ (٢): إلى المصلَّى" دليلٌ على أن سُنَّتها المصلَّى؛ كما هو مذهب الجمهور، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1473

الحديث الثاني ١٤٧ - عَنْ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِثْنَا (١)، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا (٢) ". قَالَ أَنسٌ: فَلَا واللَّهِ! مَا نَرَى في السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ، وَما بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِه سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ، انتُشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: فَلَا وَاللَّهِ! مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا. قال: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي (٣) الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ،

стр. 1474

وَرَسُولُ اللَّه ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاستَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا (١) عَنَّا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ"، قَالَ: فَأقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي في الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي (٢).

стр. 1475

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول (١): قوله: "دار القضاء" سُميت بذلك؛ لأنها بِيعَتْ في قضاء دَيْنِ عمرَ بنِ الخطاب الذي كتبَ على نفسه لبيت مال المسلمين، أوصى أن يُباع (٢) فيها مالُه، وما عجز، استعان ببني عَدِيٍّ، ثم بقريشٍ، فباع عبدُ اللَّه بنُ عمر دارَه هذه من معاوية، وباع مالَه (٣) في الغابة، وقضى دينَه، فكان يقال لها: دار قضاءِ دَيْنِ عمر، ثم اختصروا فقالوا: دار القضاء؛ وهي دارُ مروان. وقال بعضهم: هي دار الإمارة، وغلط؛ لأنه بلغه أنها دارُ
следующие страницы →