← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الخطبتين، وقيل: في أثناء الخطبة الثانية، وقيل: بعد انقضاء الخطبتين؛ وكلُّ ذلك واقع في المذهب، وفي بعض الأحاديث: أنه كان يحوِّلُ رداءه إذا استقبلَ القبلةَ (١). المسألة الرابعة: قال مالك: إذا فرغ، استقبل القبلَةَ قائمًا، فحوَّلَ (٢)، وحول الناسُ، وهم جلوس، ثم ينصرف. وقال مالك -أيضًا-: إن شاء انصرفَ، وإن شاء حولَ وجهَه، فكلَّمَ الناسَ، ورغَّبَهم في الصدقة والتقرُّب (٣) إلى اللَّه . وقد روي عنه: أنه يحول قبلَ استقبال القبلة (٤). المسألة الخامسة: اختلف قولُ مالك؛ هل يجلسُ في أول الخطبة الأولى، أم لا؟ على قولين. ولم يختلفوا أنه يجلس في أثناء الخطبة، وكذلك جاء في الآثار (٥). الوجه الخامس: من الكلام على الحديث: لم يصرح في هذا الحديث بذكر الخطبة، وقد تقدم نقلُنا (٦) الإجماعَ على أن فيها خطبة.

стр. 1472

وقد اختلف الفقهاء، هل هي خطبةٌ واحدة، وهو قولُ أبي يوسفَ، ومحمدِ بنِ الحسن، وعبدِ الرحمن بن مهدي. أو خطبتان؟ وهو قول مالك، والشافعيِّ، وجماعة. وبالتخيير في ذلك قال الطبريُّ، وغيره (١). وقوله: "وفي لفظ (٢): إلى المصلَّى" دليلٌ على أن سُنَّتها المصلَّى؛ كما هو مذهب الجمهور، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1473

الحديث الثاني ١٤٧ - عَنْ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِثْنَا (١)، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا (٢) ". قَالَ أَنسٌ: فَلَا واللَّهِ! مَا نَرَى في السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ، وَما بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِه سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ، انتُشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: فَلَا وَاللَّهِ! مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا. قال: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي (٣) الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ،

стр. 1474

وَرَسُولُ اللَّه ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاستَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا (١) عَنَّا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ"، قَالَ: فَأقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي في الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي (٢).

стр. 1475

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول (١): قوله: "دار القضاء" سُميت بذلك؛ لأنها بِيعَتْ في قضاء دَيْنِ عمرَ بنِ الخطاب الذي كتبَ على نفسه لبيت مال المسلمين، أوصى أن يُباع (٢) فيها مالُه، وما عجز، استعان ببني عَدِيٍّ، ثم بقريشٍ، فباع عبدُ اللَّه بنُ عمر دارَه هذه من معاوية، وباع مالَه (٣) في الغابة، وقضى دينَه، فكان يقال لها: دار قضاءِ دَيْنِ عمر، ثم اختصروا فقالوا: دار القضاء؛ وهي دارُ مروان. وقال بعضهم: هي دار الإمارة، وغلط؛ لأنه بلغه أنها دارُ

стр. 1476

مروان، فظن أن المرادَ بالقضاء: الإمارة، والصوابُ الأولُ (١). ح (٢): وكان دَيْنُه ستةً وثمانين ألفًا، أو نحوَه، هكذا رواه البخاري في "صحيحه"، وهكذا رواه غيره من أهل الحديث والسِّير والتواريخ (٣). قلت: وقد ذكر بعضُهم أن دينه كان ثمانيةً وعشرين ألفًا، والظاهرُ الأولُ. الثاني: الأموال: جمعُ مال، وأَلِفُه منقلبةٌ عن واو؛ بدليل ظهورها في الجمع، وليس له جمعُ كثرة، وجُمع -وإن كان جنسًا-؛ لاختلاف أنواعه، وهو كلُّ ما يُتَمَلَّك، ويُنتفع به، والمراد هنا: مالٌ مخصوصٌ، وهو كل ما يتضرر بعدم المطر من حيوان، ونبات، واللَّه أعلم. وقوله: "وانقطعت السُّبل"، السُّبُل: جمعُ سَبيل، وهو هنا: الطريق، يذكَّر ويؤنث؛ فمن التذكير: قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]، ومن التأنيث (٤): قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. وانقطاعُها: إما لعدم المياه التي يعتاد المسافر ورودَها، وإما

стр. 1477

باشتغال الناس، وشدة القحط عن الضرب في الأرض، واللَّه أعلم (١). الثالث: قوله: "فادعُ اللَّه يغيثنا"، وقوله ﷺ : "اللهمَّ أغثنا": هكذا هو في جميع نسخ مسلم، "أَغِثْنا" -بالألف-، و"يُغيثنا" (٢) -بضم الياء- من أغاث، يُغيث، رباعي، والمشهور في كتب اللغة إنما يقال في المطر: غاثَ اللَّه الناسَ والأرض، يَغيثهم -بفتح الياء-؛ أي: أنزلَ، المطر وقد تأوله ع على أن هذا المذكور في الحديث بمعنى المغوثة، وليس من طلب الغيث. قال (٣): وإنما يقال في طلب الغيث: اللهم غِثْنا، وارزقنا غَيْثًا. قال (٤): ويحتمل أن يكون من طلب الغيث؛ أي: هَبْ لنا غيثًا، وارزقنا غيثًا؛ كما يقال: سقاه اللَّه، وأسقاه؛ أي: جعل له سقيًا على لغة من فرق بينهما (٥). قلت: ويجوز في (يُغيثنا): الرفعُ والجزمُ؛ فالرفعُ على الاستئناف،

стр. 1478

والجزم جواب (١) (ادْعُ)، وهو الأصل. الرابع: قوله: "فرفع النبيُّ ﷺ يديه، وقال: اللهمَّ أغثنا": فيه: جوازُ الاستسقاء في خطبة الجمعة، والدعاءُ بذلك، وكونُ ذلك على غير سُنَّة الاستسقاء؛ إذ ليس فيه تحويلٌ عن القبلة، ولا تحويلُ رداء (٢)، والظاهر: أن هذا دعاءٌ مجردٌ بالسقي كسائر الأدعية للمسلمين في الخطبة (٣). ع: وبهذا اغتر (٤) الحنفي أنه لا صلاة للاستسقاء، وفاته معرفة تلك (٥) السنن المتقدمة. قال: وفيه جوازُ الاقتصار على الاستسقاء يومَ الجمعة بالدعاء المجرد في خطبتها، دون البروز، وهو معنى قول الشافعي، ومن أجازه بغير صلاة، وبه احتج (٦) بعض السلف: أن الخروج إليها بعدَ الزوال؛ إذ (٧) كان دعاءُ النبي ﷺ في هذه الحال (٨) يومَ الجمعة، والناس

стр. 1479

كلُّهم على خلافه؛ فإنها بكرة (١)؛ كصلاة العيدين (٢). قلت: انظر قوله: والناس كلُّهم على خلافه (٣)، وقد تقدم قريبًا نقلُ الخلاف في ذلك عن ابن شعبان، وغيره. ح: قال جماعة من أصحابنا، وغيرهم: السنَّةُ في كلِّ دعاء لرفع بلاء؛ كالقحط، ونحوه (٤): أن يرفع يديه، ويجعل أَظْهُر (٥) كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيلِه، جعل بطنَ كفِّه (٦) إلى السماء، واحتجوا بهذا الحديث؛ يعني: أن النبيَّ ﷺ استسقى، فأشار بظهرِ كَفَّيه إلى السماء (٧). وقوله ﵊: "اللهمَّ أغثنا، ثلاثًا" فيه: استحبابُ تكرارِ الدعاء ثلاثًا، وقد جاء فى بعض الأحاديث: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعَاءِ" (٨)، فعلى هذا لا ينبغي الاقتصارُ على مرة

стр. 1480

واحدة، واللَّه أعلم. الخامس: (١) "فلا واللَّهِ ما نرى في السماء من سَحاب، ولا قَزَعة": السحاب: جنسٌ (٢)، واحدهُ سحابةٌ، وهي الغَيْم، ويجمع -أيضًا- على سُحُب، وسَحَائِب. والقَزَعَة -بفتح القاف والزاي- وهي: القطعة من السحاب، وجمعُها (٣) قَزَع؛ كقصبة وقَصَب. قال أبو عبيد: وأكثرُ ما يكون ذلك في الخريف (٤). وقوله: "وما بينَنا (٥) وبينَ سَلْعٍ من بيتٍ ولا دارٍ": ع: يحتمل -واللَّه أعلم- لتحمُّلِ الناسِ على تلك الجهة؛ لشدة الجَدْب، وحُزونة الموضع، وطلبِ الكلأ والخِصْب. وسَلْع: جبلٌ مشهور بقرب المدينة -بفتح السين وسكون اللام-، قال في (٦) "البخاري": هو الجبل الذي بالسُّوق (٧).

стр. 1481

وقوله: "مثل الترس": ع: قال ثابت: لم يُرِدْ -واللَّه أعلم-: في قَدْرِه، ولكن في مرحاها واستدارتها، وهو أحمدُ السحابِ عند العرب. وقوله: "ثم أمطرت" قيل: إنَّ مَطَرَتْ -ثلاثيًا- في الرحمة (١)، وأَمْطَرَتْ -رباعيًا- في النقمة، قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢]. وقيل: هما سواء، بدليل قوله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، فمُمْطِر: اسمُ فاعل من أَمْطَر، وهم إنما زعموا مطرَ الرحمة، وهذا هو المعروفُ في كلام العرب؛ أعني: التسويةَ بينهما. السادس: "السبت": القطعةُ من الدهر. ع: قال ثابت: والناسُ يحملونه على أنه أرادَ: من سبتٍ إلى سبتٍ، وإنما هو القطعة من الزمان، يقال: سَبْتٌ من الدهر، وسَبْتَةٌ، وقد رواه الداودي: سِتًا، وفسره؛ أي: ستة أيام من الدهر؛ أي: من الجمعة إلى الجمعة، وهو تصحيف (٢) (٣). قلت: السبتُ من الألفاظ المشتركة، فالسبتُ: الدهرُ، والسبت:

стр. 1482

الراحةُ، والسبت: حلقُ الرأس، والسبت: إرسالُ الشعر عن العَقْص، والسبت: ضربٌ من سير الإبل، قال أبو عمرو (١): وهو العَنَق، وأنشد الجوهريُّ لحُمَيْد بن ثور (٢): وَمَطْوِيَّةُ الأَقْرَابِ أَمَّا نهَارُهَا ... فَسَبْتٌ وَأَمَّا لَيْلُهَا فَذَمِيلُ والسبتُ: القطعُ، وسَبَتَ عِلاوتَهُ سَبْتًا: إذا ضربَ عنقه. قيل: ومنه سمي يومُ السبت؛ لانقطاع الأيام عندَه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣]. والسبت: قيامُ اليهود بأمرِ سبتها، وقيل: لأن اللَّه أمر بني إسرائيل بقطعِ الأعمال فيه. والجمع أَسْبُتٌ، وسُبُوت (٣)، واللَّه أعلم (٤). فائدة نحوية: كلُّ ظرف وقع خبرًا عن أسماء أيام الأسبوع، فإنه يكون مرفوعًا، إلا الجمعةَ والسبتَ، تقول: الأحدُ اليومُ، والإثنان اليومُ -برفع اليومُ-، وتقول: الجمعةُ اليومَ، والسبتُ اليومَ -بالنصب فيهما-. قالوا: وعلَّة ذلك: أن الجمعةَ والسبتَ مصدران، فيهما معنى

стр. 1483

الاجتماع والقطع؛ كما يقال: الاجتماعُ اليومَ، والقطعُ اليومَ -بالنصب- لأن الثاني غيرُ الأول، فكذلك الجمعةُ والسبتُ، وليس كذلك في باقي الأيام؛ لأنها ليست بمصادر نابَتْ منابَ الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس. وقوله: "فادعُ اللَّه يُمسكها عنا": في (يُمسكها) ما في (يغيثنا) من الرفع والجزم، على ما تقدم في (يُغيثنا). السابع: قوله ﵊: "حوالينا ولا علينا" هكذا هو في النُّسَخ من هذا الكتاب، وهكذا رويناه (حَوَالينا) -بإثباتِ الألف بعد الواو-، وجاء فيه -أيضًا-: (حَوْلَنَا) -بغير ألف-، وكلاهما صحيح. فيه: جوازُ الاستِصْحاء؛ كما استُحِبَّ الاستسقاء. وفيه: معجزةٌ ظاهرة لرسول اللَّه ﷺ في إجابة دعائه في الحال، حتى خرجوا يمشون في الشمس. وفيه: حُسنُ أدبِه (١) ﷺ في الدعاء؛ إذ لم يسأل رفعَ المطر من أصله، بل سألَ رفعَ ضرره (٢)، وكشفَه عن البيوت والمرافق والطرق؛ بحيث لا يتضرر به ساكنٌ، ولا ابنُ سبيل، ويسأل (٣) بقاءه في موضع

стр. 1484

الحاجة؛ بحيث يبقى نفعُه وخصبه، وهي (١): بطون الأودية، والآكام، والظِّراب (٢). الثامن: قوله ﵊: "اللهمَّ على الآكام، والظِّراب، وبطون الأودية": أما الآكام: فيقال فيه: بالفتح والمد، وإِكام: بالكسر، ويقال أيضًا: أَكَمٌ, وأُكُمٌ -بفتحها وضمها-، والأَكَمَةُ: الموضعُ الغليظ الذي لا يبلغ أن يكون حجرًا يرتفع على ما حوله. وقال الخليل (٣): هو تلٌّ من حجر واحد. وقال الثعالبي: الأَكَمَةُ: أعلى من الرابية. والظِّراب: الروابي الصغار، واحدها: ظَرِب؛ مثل كَتِف، ومنه الحديث: "فَإِذا حوتٌ (٤) مِثْلُ الظِّرِبِ" (٥). والأودية: جمعُ واد، وليس في كلام العرب جمعُ فاعِل على أَفْعِلَة، إلا في هذه الكلمة خاصة، فهو (٦) من النوادر.

стр. 1485

التاسع: قوله (١): "فأقلعَتْ": هكذا هو في أكثر نسخ مسلم، وفي بعض النسخ المعتمدة: "فانقطعت" (٢)، وهما بمعنى واحد (٣). العاشر: قوله: "فسألتُ أنسَ بنَ مالكٍ: أهو الرجلُ الأولُ؟ قال: لا أدري": قد جاء في رواية البخاري، وغيره: أنه الأول (٤)، واللَّه أعلم. وقوله: (لا أدري)، قد يقال: لا أَدْرِ (٥)، بحذف الياء تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال؛ كما قالوا: لم يَكُ؛ فحذفوا النونَ أيضًا؛ لكثرة الاستعمال، على ما هو مقرر في كتب العربية، واللَّه سبحانه أعلم. * * *

стр. 1486

باب صلاة الخوف الحديث الأول ١٤٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵄، قَالَ: صَلَّى (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الخَوْفِ (٢) فِي بَعْض أَيَّامِهِ، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بالَّذِينَ مَعَهَ رَكْعَةً، ثُمَّ ذَهَبُوا، وَجَاءَ الآخَرُونَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، وَقَضَتِ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً ركْعَةً (٣).

стр. 1487

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قد تقدم أن الخوف: غَمٌّ لما يُستقبل، والحزن: غَمٌّ لما مضى. الثاني: الأصلُ في صلاة الخوف: الكتابُ، والسنَّةُ، والإجماع. أما الكتاب: فقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية. قال ابنُ بزيزةَ: واتفق أهلُ العلم بالآثار على أن رسولَ اللَّه ﷺ لم يكن يصلِّي هذه الصلاةَ على هذه الهيئة قبلَ نزول هذه الآية، فلما نزلَتْ صلَّاها. واختلفوا متى نزلت؟ فقيل: نزلت (١) بعسفان؛ حين هَمَّ المشركون

стр. 1488

أن يَثِبوا على النبيِّ ﷺ وأصحابِه في صلاة العصر، فنزل جبريلُ بهذه الآية على النبيِّ ﷺ بينَ الظهر والعصر، وكان أمرُه على ذلك في حال (١) الخوف إلى أن تُوفي ﷺ . وفي حديث ابن أبي حثمة (٢)، وأبي هريرة، وجابر: أنه ﵊ صلَّاها في غزوة ذاتِ الرقاعِ سنةَ خمسٍ من الهجرة. وفي حديث جابر -أيضًا (٣) -: أنه صلاها في غزوة جُهَينة. وقيل: في غزوة (٤) بني مُحارب ببطن نَخْل على قرب المدينة. وقيل: صلاها في غزوة نَجْد، وغَطَفان، قاله غيرُ واحد من الرواة. وأما السُّنَّةُ: فقد تواتر أن رسولَ اللَّه ﷺ صلاها على هيئات مختلفة، صحح المحدِّثون منها سبعَ هيئات؛ لشهرتها وثبوتها، وصحح ابنُ حزم في صفتها عن النبي ﷺ أربعةَ عشرَ وجهًا (٥) (٦). وذكر ابن القصار: أنه ﵊ صلاها في عشرة مواطن، وذكر غيرُه: أنه صلاها أكثرَ من هذا العدد، وصحَّحها بعضُهم في ثلاثة مواطنَ فقط.

стр. 1489

وانعقد إجماعُ الأمة على أنها كانت مشروعةً للنبي ﷺ ، وإنما اختلفوا هل هي مشروعةٌ بعده، أم لا؟ والجمهور: على أنها مشروعة بعده. وقال مكحول، وأبو يوسف، والحسن اللؤلئيُّ (١)، ومحمدُ ابنُ الحسن (٢)، وبعض علماء الشاميين: إن صلاة الخوف مخصوصةٌ بالنبي ﷺ ؛ اعتمادًا منهم على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآيةَ. وعندنا: أنه خطابُ مواجهة (٣)؛ لأنه المبلِّغُ عن اللَّه -تعالى- الخطابَ، لا خطابُ تخصيص بالحكم؛ لما صحَّ أن الصحابة صلَّوها بعد موته ﵊، وممن صلاها (٤) بعد موته: عليُّ بنُ أبي طالب، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وغيرُهم. قال الإمام المازري: وقد قال ﷺ : "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُوني أُصَلِّي" (٥)، وعمومُ هذا الخبر يردُّ على أبي يوسف (٦). ومن العلماء مَنْ رأى أن الصلاة تؤخَّرُ إلى وقت الأمن، ولا تُصلَّى

стр. 1490

في حال الخوف؛ كما فعل ﵊ يومَ الخندق، وأجمعَ (١) أهلُ الآثار على أن فعلَه ﵊ يومَ الخندق كان قبلَ نزول صلاة الخوف. وإذا ثبت أنها مشروعة، فقد اختلف فقهاء الأمصار في المختار من الهيئات المختلفة باختلاف الأحاديث الواردة في ذلك. فذكر ابن عمر ﵄ هذه الهيئةَ المذكورة هنا، وبها أخذ الشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأشهبُ. وروى صالح بنُ خَوَّاتٍ غيرَها على ما سيأتي. وبها أخذ مالك ﵁ (٢). وروى جابر هيئةً أُخرى (٣) غيرَها، وبها أخذ أبو حنيفة (٤). وقد ذكر المصنف هذه الأحاديث الثلاثة. قال الإمام أبو عبد اللَّه المازري: وأحسنُ ما بنيت (٥) عليه هذه الأحاديث المختلفة أن يحمل (٦) على اختلاف أحوال أَدَّى (٧) الاجتهادُ

стр. 1491

في كل حالة إلى أنَّ (١) إيقاعَ الصلاة على تلك الهيئة أحصَنُ (٢)، وأكثرُ تحرزًا وأَمْنًا من العدو، ولو وقعتْ على هيئة أخرى، لكان فيها تفريطٌ (٣)، وإضاعةٌ للحزم (٤). قلت: ثم اختلف الفقهاء في ترجيح بعضِها على بعض؛ فمنهم من رجَّح بعض الهيئات على غيرها (٥)، ومنهم من خَيَّرَ (٦) في العمل بما شاء منها؛ لأنها كلَّها قد عُمل بها، على أن أحاديث صلاة الخوف كلَّها ثابتة (٧)، وسببُ الترجيح عند من يقول به: أنها (٨) تارة تكون لموافقة ظاهر القرآن، وتارةً بكثرة الرواة، وتارةً يكون بعضُها موصولًا، وبعضُها موقوفًا، وتارة لموافقة الأصول في غير هذه الصلاة، وتارةً بالمعاني. ق (٩): وهذه الرواية التي اختارها أبو حنيفة توافق (١٠) الأصول في أن قضاء الطائفتين بعدَ سلامِ الإمام.

стр. 1492

وأما ما اختاره الشافعي: ففيه قضاءُ الطائفتين قبلَ سلام الإمام. وأما ما اختاره مالك: ففيه قضاءُ إحدى الطائفتين قبلَ سلام الإمام (١) (٢). قلت: وبالجملة: فهذه (٣) الصفاتُ الواردة في صلاة الخوف خارجةٌ عن الأصل (٤) من كونِ العملِ في بعضِها، و (٥) المشي والانصراف، وذلك غيرُ المعهودِ المألوف، وفي بعضِها القضاءُ، وهم في حكم الإمام، وذلك غيرُ معهود أصلًا، وقد تقدم سببُ اختلاف المختارين المرجِّحين بعض (٦) الهيئات على بعض، وإذا بنينا على ما ذهب إليه الجمهور من المالكية؛ من (٧) أنهم يُكملون لأنفسهم، فلا بد من التنبيه على مسائلَ وقع الاختلافُ فيها بين العلماء، رحمهم اللَّه تعالى. المسألة الأولى: هل ينتظر الإمامُ الطائفةَ الثانية قائمًا، أو جالسًا إن كان موضعَ جلوس له؟ قولان في المذهب بناءً على اختلاف الأحاديث.

стр. 1493

وإن لم يكن موضعَ جلوس له، انتظرهم قائمًا؛ اتفاقًا، وإن كان قد حكى فيه بعضُ المتأخرين خلافًا مطلقًا. وإذا قلنا: إنه يقوم، فهل يقرأ، أو يسبح، أو يسكت؟ ثلاثة أقوال، وزاد بعضهم رابعًا: التخيير. وقال بعض المتأخرين (١): إن كانت القراءة بفاتحة الكتاب خاصةً، سَبَّحَ، ولم يقرأ؛ لأنه لو قرأ، لم تدرك الطائفةُ الأخرى قراءته، كان كانت بأم القرآن وسورة، قرأ؛ لإدراكهم بعضَ القراءة (٢). المسألة الثانية: إذا تمت صلاةُ الإمام، هل يسلِّم، أو ينتظر فراغهم؟ في المذهب قولان منشؤهما اختلافُ الأحاديث، أما وجهُ الانتظار، فليحصُل (٣) لهم من فَضْل السلامٍ ما حَصَل للأولين من فَضْل الإحرام، ومن لم يره، فلأنه (٤) زيادةٌ مستغنًى عنها. المسألة الثالثة: اختلف العلماء إذا وقع الخوف في صلاة المغرب. فقال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وجماعة العلماء: يصلِّي الإمامُ بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة. وقال الحسن: يصلِّي بكل طائفة ثلاثَ ركعات، فيصير للإمام

стр. 1494

ستُّ ركعات، وللطائفتين ثلاثٌ، ثلاثٌ (١). وذكر الدارقطني عن النبي ﷺ : أنه فعلَ ذلك؛ كما قاله الحسن. (٢) قال ابن بزيزة: وعليه عُوِّلَ. وقال أبو حنيفة بمثل قولِ مالكٍ، والشافعيِّ، إلا أنه خالف في صفة القضاء، فزعم أن الإمام إذا سلم بالطائفة الآخرة، نهضت من غير سلام ولا قضاءٍ إلى موضع أصحابها، وجاءت الطائفة الأولى، فقامت مقامَ أصحابها، وقضت ما بقي عليها (٣)، ثم سلَّمَتْ، ورجعت إلى مَصافِّها، وتنصرف الأخرى، فتقضي ما سبقَها به الإمام (٤). المسألة الرابعة: لو جهل الإمام، فصلى في الثلاثية أو الرباعية بكل طائفة ركعة، فصلاة الطائفة الأولى باطلة؛ لمخالفتهم سنةَ الصلاة. وفي صلاة الطائفة الثانية خلاف، والصحيحُ صحتُها. وجه الصحة: الشبه بالمسبوقين. ووجه البطلان: خروجهم عن الهيئة المشروعة. وأما الطائفة الثالثة، فالصحيح -أيضًا- صحتُها؛ لوقوعها على هيئتها.

стр. 1495

المسألة الخامسة: اختُلف في المسبوق في صلاة الخوف، هل يبدأ بالبناء؟ وهو قول ابن القاسم، أو بالقضاء؟ وهو قول: سحنون، واللَّه أعلم. المسألة السادسة: الصحيحُ: أن حكم السهو في صلاة الخوف كحكم (١) غيرها، وقد قيل غيرُ ذلك، ورُوي فيه حديث لا تقوم به حجة؛ لضعف سنده، وإذا بنينا على الصحيح، فهاهنا تفصيل (٢): إن كان سجود الإمام قبليًا، تابعتْه (٣) الطائفة الثانية فيه بلا خلاف. ويجري الخلاف في الطائفة الأولى، على ما تقدم؛ من تكميلهم لأنفسهم، وعدم تكميلهم، فإن قلنا: بالتكميل، سجدوا إذا كملوا، وإلا سجدوا، مع الإمام عند سجوده. وإن كان السجود بعديًا، فالطائفة الثانية تتابعه (٤) فيه أيضًا، وأما الأولى، فيجري الخلاف فيها، على ما تقدم، فعلى التكميل: يسجدون إذا سلَّموا، وعلى عدم التكميل: يسجد الجميع مع إمامهم بعد السلام، واللَّه أعلم. المسألة السابعة: إذا صلى ركعةً من صلاة الخوف في السفر، ثم أحدث قبل قيامه إلى الثانية، قَدَّمَ مَنْ يقوم بهم (٥)، ثم يثبت المستخلف،

стр. 1496

ويتم مَنْ خلفه، ثم تأتي الطائفة الأخرى (١)، فيصلي بهم ركعة، ويسلم. ولو أحدث بعدَ قيامه إلى الثانية، لم يستخلفْ؛ لأن مَنْ معه قد خرج عن إمامته، حتى لو تعمَّدَ حينئذ الحدثَ، أو الكلامَ، لم تفسد عليهم صلاتُهم، فإذا أتم هؤلاء، أتت الطائفة الأخرى، فصلَّوا بإمام يقدِّمونه. ولو أحدث بعدَ ركعةٍ من المغرب (٢)، استخلف. قال في "المجموعة": يقدم رجلًا، فيصلي بهم الركعة الثانية، ثم يثبت قائمًا، ويقضون، ثم تأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم الركعة الثانية (٣)، هذا هو المنصوص في المذهب. وقال بعض متأخري أصحابنا: ومقتضى النظر عندنا: أنه يَستخلف؛ فإن حكم الطائفتين واحد من حيث إنها صلاة واحدة، فالإمامةُ (٤) ثابتة له (٥) على الطائفتين حكمًا. قلت: ولا أستبعدُ ما قال، واللَّه أعلم بالصواب. المسألة الثامنة: إذا طرأ الأمنُ: فأما بعد كمالها، فلا خلاف في

стр. 1497

المذهب في عدم الإعادة، وإن طرأ في أثنائها مطلقًا تيقنًا، وجب (١) التكميلُ على حكم الأمن؛ كالمريض يصلي جالسًا، ثم يصحُّ في أثناء صلاته، فيجب عليه القيام. واختلفوا (٢) إذا انهزم العدو والحالةُ هذه، فهل يكمِلون على الهيئة الأصلية، أو الخوفية؟ قولان، والتحقيق: أنه إن تحقق عدمُ عودِهم، كَمَّلوا على حكم الأمن، وإلا، فعلى الهيئة الخوفية، على هذا خرج القولين بعضُ المتأخرين، وهو التحقيق، واللَّه أعلم. المسألة التاسعة: إذا قلنا: إن الخوف مبيحٌ لتغيير هيئة (٣) الصلاة، فهل هو خوفُ المطلوب من العدو، أو خوف المطلوب والطالب؟ أما المطلوبُ من قبل العدو، فلا خلاف أنه يصلي هذه الصلاة. وأما الطالب، فهل هو كالمطلوب، أم (٤) لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فسوَّى مالكٌ وجماعةُ أصحابِه بينهما. وقالَ الشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وجماعة من (٥) العلماء: لا يصلي الطالبُ هذه الصلاة، ولا يصلّي إلا بالأرض، وهو قول ابنِ عبدِ الحكم من أصحابنا.

стр. 1498

وقال الأوزاعي: إن كان الطالب قربَ المطلوب، صلَّى إيماءً، وإلا، لم يجز له الإيماءُ. وقال الشافعي -أيضًا-: إن خاف الطالبُ انقطاعَه عن أصحابه، وكثرةَ المطلوبين، واجتماعَهم عليه، صلى إيماء، وإلا فلا، هكذا نقله ابن بزيزة في "شرح الأحكام" لعبد الحق. المسألة العاشرة: الجمهورُ على جواز عمل كلِّ ما يُحتاج إليه في صلاة الخوف؛ من قول، أو فعلٍ من أمر القتال؛ قلَّ أو كثرَ. وقال الشافعي، ومحمد بن الحسن: إنما يُباح له من ذلك الشيءُ (١) اليسير، والطعنةُ، والضربةُ (٢)، فأما (٣) العمل الكثير يفعله في صلاته، فلا تجزئه الصلاةُ معه، وهذه تسمى: صلاةَ المسايفة (٤). المسألة الحادية عشرة: قال مالك: يصلي المسايفُ (٥) مستقبلَ القبلة، وغيرَ مستقبلها، وبه قال الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأهلُ الظاهر، وعامةُ العلماء. وقال أبو حنيفة، وابن أبي ليلى: لا يصلي الخائف إلا إلى القبلة.

стр. 1499

المسألة الثانية عشرة: إذا صلوا صلاة الخوف ظانين الخوفَ، ثم كشف الغيب الأمنَ، فالمنصوصُ في المذهب: صحةُ الصلاة، وسقوطُ الإعادة (١)، واستحب ابن المواز الإعادةَ في الوقت، ولم يقل أحد من أصحابنا بالإعادة بعدَ الوقت، وخرَّجه بعض المتاخرين على القول: بأن (٢) الاجتهاد لا يرفع الخطأ، وفيه عندي نظر؛ إذ لو كان كذلك، لوجبت الإعادةُ بعد الوقت على القول: بأن المصيب واحد، واللَّه أعلم. المسألة الثالثة عشرة: إذا صلَّوا صلاةَ الأمن، فحدث الخوفُ الشديد في أثناء الصلاة، قطعوا، وعادوا إلى صلاة الخوف، وسواء كان ذلك قبلَ عقد ركعة من الصلاة (٣)، أو بعدَ عقدها، واللَّه أعلم (٤). الثالث: الطائفة من الشيء: القطعةُ منه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، قال ابن عباس: الواحدُ فما فوقَه (٥).

стр. 1500

قلت: وقوعُها على الواحد غيرُ المتبادر إلى الذهن (١)، وأرجحُ من هذا قولُ من قال: إنها تقع (٢) على أربعة، وقيل: على (٣) أربعين. وقوله: "بإزاء العدو"؛ أي: قبالته، والعدوُّ يقع على الواحد، والاثنين، والجماعة، والمؤنث، والمذكر، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، ومثله: ضَيْف، وصَديق، واللَّه أعلم (٤). * * *

стр. 1501

الحديث الثاني ١٤٩ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ صَالح بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاة ذاتِ الرِّقَاع (١) صلاةِ الخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بالَّذِينَ مَعَهُ رَكعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ (٢) قَائِمًا، وَأتَمُّوا (٣) لأَنفسِهِم، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصَفُّوا (٤) وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأتَمُّوا لأَنْفُسِهم، ثُمَّ سَلمَ بِهِمْ (٥).

стр. 1502

الَّذِي صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ سَهْلُ بنُ أبي (١) حَثْمَةَ (٢). * * *

стр. 1503

* التعريف: يزيدُ بنُ رومان: كنيتُه أبو رَوْح، وهو مولى الزبير بن العَوَّام، قرشيٌّ، أسديٌّ، سمع عروةَ بنَ الزبير، وصالحَ بنَ خَوَّاتٍ، بالخاء المعجمة وتشديد الواو آخره تاء باثنتين (١) فوق. روى عنه: جريرُ بنُ حازم، وأبو حازم، ومعاويةُ، ومالكُ بنُ أنس، في: الحج، والأدب -يعني: عند البخاري-. قال عمرو (٢) بنُ علي: مات سنة ثلاثين ومئة (٣)، وقال أبو عيسى مثله، وقال الواقدي مثله، وقال ابن نمير مثله. أخرج حديثه في "الصحيحين" (٤). (٥) الكلام على هذا الحديث كالكلام على الحديث (٦) الذي قبله. وقد روي عن الشافعي، وأحمد، وأبي (٧) ثور، وغيرهم، موافقتُهم

стр. 1504

لمالك في ذلك؛ أخذًا (١) بهذا الحديث. وقوله: "وُجَاهَ العدوِّ" هو بكسر الواو وضمها (٢)؛ بمعنى (٣): مقابلة العدو، ولو أُبدلت الواو فيه همزة، لم يبعد؛ كما في وِشاح، ووِسادة، وغيرِ ذلك؛ حيث (٤) قالوا: إِشاح، وإِسادة؛ استثقالًا للكسرة تحت الواو، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1505

الحديث الثالث ١٥٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: شَهِدتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الخَوْفِ، فصففا (١) صَفَّيْنِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَكبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ، وَرَكَعْنَا جَمِيعًا (٢)، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بالسُّجُودِ والصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ في نَحْرِ العَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بالسُّجُودِ، وَقَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ فَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بالسُّجُودِ والصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا في الرَّكْعَةِ الأولى (٣)، وَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ في

стр. 1506

نحر (١) العَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ والصَّفُّ الَّذِي يَليهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. قَالَ جَابِرٌ: كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُم هَؤُلَاءِ بِأُمَرَائِهِمْ. ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بِتَمَامِه (٢). وَذَكَرَ البُخَارِيُّ طَرَفًا مِنْهُ، وأَنَّهُ صَلَّى صَلاةَ الخَوْفِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الغَزْوَةِ السَّابِعَةِ غَزْوَةِ ذاتِ الرقاعِ (٣).

стр. 1507

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: "شهدْتُ مع رسولِ اللَّه ﷺ "؛ أي: حضرتُ، واسم الفاعل منه شاهد، وقوم شُهود، أي: حُضور، وهو في الأصل مصدر، وشُهَّدٌ أيضًا؛ مثل: راكِع، ورُكَّع، وامرأة مُشْهِدٌ (١): إذا حضر زوجُها -بلا هاء-، وامرأة مُغِيْبَةٌ: غاب زوجُها، وهذا بالهاء، وأشهدني إملاكَه (٢)؛ أي: أحضرني، والمَشْهَد: محضر الناس، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدّثر: ١٣]؛ أي: حضورًا عنده، لا يتألم لمفارقتهم (٣). الثاني: العدو: ضدُّ الوَلِيِّ، وقد تقدم أنه يقع على الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، ويقال أيضًا: أعداء، وعَدُوَّة، وعِدًى وعُدًى (٤). (٥) قال الجوهري: والعِدا -بكسر العين-: الأعداء، وهو جمعٌ

стр. 1508

لا نظير له. قال ابن السِّكِّيت: ولم يأت فِعْلٌ في النعوت إلا حرف واحد، يقال (١): هؤلاء قوم عِدًى، أي: غرباء، وقومٌ عِدًى؛ أي: أعداء. قلت: بل جاء فِعَلٌ صفة في سبعة ألفاظ: مكانٌ (٢) سِوًى، وقَوْمٌ عِدًى، ومَلامةٌ ثِنًى؛ أي: وثُنِّيَتْ مرتين، ومنه قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، في قول من جعلها الفاتحةَ، لأنها تُثَنَّى في (٣) كل ركعة، وماءٌ رِوًى، وماءٌ صِرًى (٤)، ولحمٌ زِقَمٌ (٥)، ووادٍ طِوًى، فيمن كسرَ الطاءَ، وجعله صفةً، واللَّه أعلم. وقال ثعلب: يقال: قومٌ أعداء، وعِدًى -بكسر العين-، فإن أدخلتَ الهاء، قلت: عُداة -بالضم-، والعادي: العدوُّ، قالت امرأة من العرب: أشمتَ اللَّه عادِيَكَ؛ أي: عدوَّكَ (٦)، واللَّه أعلم. الثالث: هذه الكيفية إنما تُمكن إذا كان العدوُّ في جهة القبلة؛ لتأتي الحراسةُ مع كون الكل مع الإمام في الصلاة، وقد دلَّ الحديث على اختصاص الحراسة بالسجود دون الركوع (٧)،

стр. 1509

ولا أعرف (١) في مذهبنا خلافًا في ذلك. ق: وحكي وجهٌ عن بعض أصحاب الشافعي: أنه يحرس في الركوع أيضًا، والمذهبُ الأولُ؛ لأن الركوع لا يمنع من إدراك العدوِّ بالبصر، فالحراسةُ تمكنه معه؛ بخلاف السجود، والمراد بالسجود الذي سجده ﵊، وسجدَ معه الصفُّ (٢) الذي يليه: هو السجدتان (٣) جميعًا. الرابع: الحديث نصٌّ في سجود الصف الذي يلي الإمامَ معه في الركعة الأولى، وحراسةِ الصف الثاني. ق: ونصَّ الشافعيُّ على خلافه، وهو أن الصف الأول يحرس في الركعة الأولى، فقال (٤) بعضُ أصحابه (٥): لعله سها، ولم يبلغه الحديث. وجماعةٌ من العراقيين وافقوا الصحيح، ولم يذكر بعضُهم إلا ما دل عليه الحديث؛ كأبي إسحاق الشيرازي. وبعضُهم قال بذلك بناءً على المشهور [عن الشافعي]: إن الحديث إذا صح، يذهب إليه، ويترك قوله.

стр. 1510

قلت (١): وبعض الخراسانيين تبعَ نصَّ الشافعي، واللَّه أعلم (٢). * * *
следующие страницы →