← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

السابع: هل يجب أن يراق ما في الإناء؟ فقيل: يجب أن يراق الماء والطعام، وهو مبني على التعليل بالنجاسة. وقيل: لا يراقان، وهو مبني على التعبد. وقيل: يراق الماء دون الطعام؛ ليسارة أمر الماء، وحرمة الطعام وماليته. وقال عبد الملك في «ثمانية أبي زيد» (١): إن شرب من لبن، وكان بدويا، أكل، وإن كان حضريا، طُرح، بخلاف الماء، فإنه يطرحه الحضري والبدوي، قال: فإن عجن به طعام، طُرح؛ لأنه نجس. قال اللخمي: يريد عبد الملك: أنه أذن للبدوي في اتخاذه، ولم يؤذن (٢) للحضري. واستشكل بعض المتأخرين قول عبد الملك؛ إذ (٣) كان الكلب عنده نجسا، قال: فكيف يبيح للبدوي أكل لبن فيه نجاسة؟ إلا أن يكون راعى الخلاف في البدوي في الطعام؛ لماليته، والضرورة إليه.

стр. 177

وقال مطرف: البدوي والحضري سواء، إن كان الطعام كثيرا، أكل، وإن كان قليلاً، طُرح؛ إذ لا ضرورة في القليل بخلاف الكثير. والصواب: أن الطعام لا يطرحه بدوي ولا حضري، قليلاً كان أو كثيرا؛ لأن كونه طعاما مظنة الحاجة إليه، والمالية، ولا (١) ينظر إلى آحاد الصور، انتهى. الثامن: هل يغسل الإناء بالماء الذي ولغ فيه الكلب (٢)؟ قال القزويني من علمائنا: لا أعلم لأصحابنا فيه نصا. وحكى ابن بشير عن أشياخه (٣): أن في المذهب في ذلك قولين منشؤهما (٤): التعليل بالنجاسة، فلا يغسل به، أو التعبد، فيغسل به. التاسع: إذا تعدد الولوغ من كلب واحد، أو من كلاب، فهل يغسل للجميع سبعا، أو يتكرر بتكرار (٥) الولوغ؟ في المذهب قولان منشأهما: هل الألف واللام في (الكلب) (٦) جنسية، أو عهدية؛ أي: الإشارة إلى الكلب الواحد؟

стр. 178

والمشهور: الأول، ويعتضد (١) بأن الأسباب إذا اتحد موجبها تداخلت، وكانت كالسبب الواحد. العاشر: هل الأمر بالغسل على الفور، أو عند إرادة الاستعمال للإناء؟ قال الإمام أبو عبد الله المازري (٢): إنما ذلك عند إرادة الاستعمال، هذا هو مذهب الجمهور. وذهب بعض المتأخرين: إلى غسله، وإن لم يرد استعماله. قال بعض المتأخرين: وهذا القول أقرب إلى القول بأن الأمر بغسله تعبد (٣) إذا قلنا: إنه يغسله على الفور، إذا بنينا على أن صيغة الأمر المطلقة تقتضي الفور، وإن قلنا: لا تقتضيه، فينبغي أن يقول هذا القائل: يجب غسله من غير تقييد، بل متى غسله، فقد امتثل، والله أعلم. الحادي عشر: لم يثبت عند مالك ﵀ رواية زيادة التراب، فلم يقل بها، وإن كانت في رواية ابن سيرين، وقال بها الشافعي ﵀، وأصحاب الحديث (٤).

стр. 179

الثاني عشر: اختلفت الروايات (١) في غسلة التتريب. فجاء: «إحداهن» (٢)، و «أخراهن» (٣)، و «أولاهن» (٤)؛ والمقصود عند الشافعي وأصحابه: حصول التتريب في مرة من المرات، ورجح بعض متأخريهم الأولى. الثالث عشر: الرواية التي فيها: «وعفروه الثامنة» تقتضي زيادة مرة ثامنة (٥) ظاهرا، وبه قال الحسن البصري، قيل: ولم يقل به غيره. ق: ولعله يريد بذلك: من المتقدمين، والحديث قوي فيه، قال: ومن لم يقل به، احتاج إلى تأويله بوجه فيه (٦) استكراه (٧). قلت: ولم أدر الاستكراه الذي أراده، ولعله أراد: قول من نزل استعمال التراب في غسلة من الغسلات بمنزلة (٨) غسلة أخرى (٩).

стр. 180

الرابع عشر: قوله (١): «بالتراب» تقتضي تخصيصه به، وعند الشافعية خلاف هل يقوم مقامه ما (٢) في معناه من صابون وأشنان، أو الغسلة الثامنة، أو لا بد من التراب نفسه؟ ورجح بعض متأخريهم التراب ولا بد؛ لوجود النص فيه، ولأنه أحد المطهرين (٣). * * *

стр. 181

الحديث السابع ٧ - عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁: أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ ﵁ دَعَا بِوَضُوءٍ , فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إنَائِهِ , فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ , ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً , وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا , ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ , ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلاثًا , ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا , ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ , لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ (١)، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢).

стр. 182

* التعريف: عثمان بن عفان: بن أبي (١) العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يلتقي مع رسول الله ﷺ في عبد مناف، وهو الأب الخامس في نسب النبي ﷺ . كنيته: أبو عبد الله، وأبو عمرو، وقيل: أبو ليلى، والأولان (٢) أشهر. وأمه: أروى بنت (٣) كريز - بضم (٤) الكاف وكسر الراء المهملة

стр. 183

بعدها ياء باثنتين تحتها، بعدها زاي معجمة - بن (١) ربيعة، بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب. أسلم قديما، وهاجر الهجرتين، وتزوج ابنتي رسول الله ﷺ ، رقية، وأم كلثوم، واحدة بعد أخرى، ولذلك لقب بذي النورين، وقيل: لم يجمع أحد بين ابنتي نبي قبله غيره (٢) (٣)، وروي: أنه ﷺ قال له (٤): «لو أن لي ثالثة، لأنكحتك إياها» (٥). وكان مولده في السنة السادسة من عام الفيل، وولي الخلافة اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما، وُقتل في ذي الحجة (٦) لثمان عشرة ليلة خلت منه، بعد العصر، وهو صائم، سنة خمس وثلاثين، وقيل: ست، وكان سنه يوم قُتل اثنتين وثمانين سنة، وقيل: ستا وثمانين،

стр. 184

وقيل: ثمانيا وثمانين، وقيل: تسعين، ودفن ليلاً بحش كوكب، وكوكب رجل من الأنصار، والحُش: البستان، بضم الحاء وفتحها، وكان عثمان قد اشتراه، وزاده في البقيع، فكان أول من دفن فيه. وروي: أن عثمان رأى النبي ﷺ في المنام يقول: يا عثمان! أفطر الليلة عندنا، فُقتل وهو صائم، وصلى عليه حكيم بن حزام، وقيل: الْمِسْوَرُ بن مَخْرَمَةَ، وقيل: ابنه عمرو بن عثمان (١)، وقيل: كانوا خمسة أو ستة: جبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وأبو جهم بن حذيفة، وامرأتان: نائلة، وأم البنين، ولما دفنوه، غيبوا قبره. قال مالك: وكان عثمان ﵁ يمر بحش كوكب فيقول (٢): إنه سيدفن ها (٣) هنا رجل صالح (٤). روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث وستة وأربعون حديثًا، اتفقا منها على ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة. روى عنه: زيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن الزبير بن العوام، والسائب بن يزيد (٥)، ومحمود بن لبيب الأنصاري، وابنه أبان بن عثمان،

стр. 185

وعبيد الله بن عدي بن الخيار، وسعيد بن العاصي، وجماعة غيرهم. روى له الجماعة. ومناقبه أشهر من أن تشهر، ومآثره أكثر من أن تحصر. وكان جميلاً، حسن الهيئة، مليح الصورة، ليس بالقصير ولا بالطويل، حسن الوجه، رقيق البشرة، كثير اللحية، أسمر اللون، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، يصفر (١) لحيته، يشد أسنانه بالذهب، ﵁، وكان أكبر الخلفاء الأربعة سنا، وأكثرهم في الخلافة إقامة (٢). ومولاه حمران بن أبان بن خالد، من سبي عين التمر، وهو أول سبي دخل المدينة في خلافة أبي بكر ﵁، سباه خالد بن الوليد، فرآه غلاما أحمر مختونا كيسا، وكان عثمان أقطعه إياها، وأقطعه أيضا أرضا على فراسخ من الأيلة مما يلي البحر، وكان أحد العلماء

стр. 186

الأجلاء، من (١) أهل الوجاهة، والرأي والشرف بولائه ونسبه، واحتج به الجماعة ﵃ (٢). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قال جمهور أهل اللغة: الوضوء -بالفتح-: الماء، وبالضم: الفعل، الذي هو المصدر، هكذا نقله ابن الأنباري، وجماعات (٣) من أهل اللغة وغيرهم، عن أكثر أهل اللغة. وذهب الأصمعي، وأبو حاتم السجستاني، والأزهري، وجماعة: إلى أنه بالفتح فيهما. قال صاحب «المطالع»: وحكي الضم فيهما جميعا (٤) (٥). قلت: وهو شاذ، والمعروف المشهور الأول. والطهور كالوَضوء، والوُضوء في جميع ما ذُكر، وأصل الوضوء

стр. 187

من الوضاءة، وهي النظافة والحُسن، وجه وضيء: سالم مما يشينه. تنبيه: إذا (١) قلنا: الوَضوء - بالفتح - اسم للماء، فهل هو اسم للماء على الإطلاق، أو اسم للماء المعد للوضوء، أو لما استعمل في أعضاء الوضوء؟ ق: فيه نظر، ويحتاج إلى كشف، وتنبني عليه فائدة فقهية، وهو أنه في بعض الأحاديث التي استدل بها على أن الماء المستعمل طاهر قول جابر: فصب علي من وضوئه، فإنا إن جعلنا الوضوء اسما (٢) لمطلق الماء، لم يكن في قوله: (فصب علي من وضوئه) دليل على طهارة الماء المستعمل؛ لأنه يصير التقدير: فصب علي من مائه، ولا يلزم أن يكون ماؤه هو الذي استعمله في أعضائه؛ لأنا نتكلم على أن الوضوء اسم لمطلق الماء، فإذا لم يلزم ذلك، جاز أن يكون المراد بوضوئه فضلة مائه الذي توضأ (٣) ببعضه، لا ما استعمله في أعضائه، فلا دليل من جهة اللفظ على ما أراده من طهارة الماء المستعمل. وإن جعلنا الوضوء - بالفتح - مقيدا بالإضافة إلى الوضوء - بالضم -؛ أعني: استعماله في الأعضاء، أو إعداده لذلك، فهاهنا يمكن أن يقال في الدليل: إن وضوءه - بالفتح - متردد بين مائه المعد للوضوء -بالضم-، وبين مائه المستعمل في الوضوء، وحمله على

стр. 188

الثاني أولى؛ لأنه الحقيقة، واستعماله بمعنى المعد مجاز، والحمل على الحقيقة أولى، انتهى (١). الثاني: قوله: «فأفرغ على يديه»: فيه استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء (٢) مطلقًا، والحديث المتقدم يعطي استحبابه عند القيام من النوم (٣)، والحكم عندنا في ذلك سواء، أعني: استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما في (٤) الإناء، كان المحدث (٥) قائما من النوم، أو لا. وقد تقدم أن الشافعية يفرقون بين الحكمين، وأن الحكم عند عدم القيام من النوم الاستحباب، وعند القيام الكراهة لإدخالهما في الإناء قبل غسلهما. الثالث: قوله: «على يديه» ظاهره: الإفراغ عليهما معا، وقد جاء في رواية أخرى: «أفرغ بيده اليمنى على اليسرى، ثم غسلهما» (٦). وقوله: «غسلهما»: قدر مشترك بين أن يكون غسلهما مجتمعتين،

стр. 189

أو مفترقتين، وقد تقدم ذكر الخلاف في أيهما أفضل. الرابع: قوله: «ثلاث مرات»: فيه بيان لما أهمل من ذكر العدد في حديث أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة المتقدم، من رواية مالك، وغيره. الخامس: قوله: «ثم تمضمض»: أصل هذه اللفظة مشعر بالتحريك، ومنه مضمض النعاس في عينيه، واستعملت هاهنا لتحريك الماء في الفم (١)، هذا موضوعها في اللغة (٢). وأما في الشرع: فقال القاضي عبد الوهاب رحمه الله تعالى: وصفتها: أن يوصل الماء إلى فيه، ثم يخضخضه، ويمجه، فأدخل المج في ذلك، فعلى هذا إذا ابتلعها، لم يكن آتيا بالسنة، ويمكن أن يكون ذكر ذلك؛ لأنها (٣) العادة والغالب، لا أنها تتوقف على المج ولا بد (٤). ح: وأما أقلها، فأن يجعل الماء في فيه، ولا تشترط إدارته، على المشهور الذي قاله الجمهور، وقال جماعة: يشترط (٥). قال ابن عطية: واختلف في المضمضة والاستنشاق، فجمهور

стр. 190

الأمة يرونهما (١) سنة، ولا يدخل هذان الباطنان عندهم في الوجه. وقال مجاهد: إن ترك الاستنشاق في الوضوء، أعاد الصلاة. وقال أحمد بن حنبل: يعيد من ترك الاستنشاق، ولا يعيد من ترك المضمضة. والناس كلهم على أن داخل العينين لا يلزم غسله، إلا ما روي عن عبد الله بن عمر: أنه كان (٢) ينضح الماء في عينيه. السادس: قوله: «ثم غسل وجهه»: قال ابن عطية: الغسل في اللغة: إيجاد الماء في المغسول مع إمرار شيء عليه؛ كاليد، أو ما قام مقامها (٣)، وهو يتفاضل بحسب الانغمار في الماء، والتقليل منه. وغسل الوجه في الوضوء (٤): هو نقل الماء إليه، وإمرار اليد عليه. والوجه: مشتق من المواجهة، فالوجه في اللغة: ما واجه الناظر، وقابله (٥). و (٦) قال القاضي عبد الوهاب ﵀: وحده: ما انحدر من منابت

стр. 191

شعر الرأس إلى آخر الذقن للأمرد، واللحية للملتحي طولاً، وما دار عليه من العِذارين عرضا، وإنما قال: وما دار عليه من العذارين عرضا؛ لاعتقاده أن غسل ما بين الصدغ والأذن (١) سنة، وكأنه شيء تفرد (٢) به، والله أعلم. قال ابن عطية: واختلف في حده عرضا، فهو في المرأة والأمرد: من الأذن إلى الأذن، وفي ذي اللحية: ثلاثة أقوال: من الشعر إلى الشعر؛ يعني: شعر العارضين. ومن الأذن إلى الأذن، ويدخل البياض الذي بين العارض (٣) والأذن في الوجه. وقيل: يغسل ذلك البياض استحبابا، وهذا قول القاضي المتقدم، والله أعلم. واختلفوا في الأذنين، فقيل: هما من الرأس، وقال الزهري (٤): من الوجه، وقيل: عضو قائم بنفسه، لا من الوجه، ولا من الرأس، وقيل: ما أقبل منهما من الوجه، وما أدبر من الرأس (٥).

стр. 192

ولم يذكر في الحديث تخليل اللحية، وللعلماء في وجوبه قولان، وقد روي تخليلها من حديث أنس، عن النبي ﷺ ، ذكره الطبري (١). وظاهر قوله: «ثم تمضمض» يقتضي الترتيب بين غسل الوجه والمضمضة، فيؤخذ منه الترتيب بين المسنون والمفروض (٢)،. وقد اختلف أصحابنا في الترتيب في الوضوء على ثلاثة أقوال: الوجوب، والندب، والاستحباب، والمشهور من المذهب أنه سنة. ولم يختلف قول الشافعي في وجوبه، وإن كان بين الشافعية خلاف. ق: وقد قيل في حكمة تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه المفروض: أن صفات الماء ثلاث؛ أعني: المعتبرة في التطهير: لون يدرك بالبصر، وطعم يدرك بالذوق، وريح يدرك بالشم، فقدمت هاتان السنتان؛ ليعتبر حال الماء قبل أداء الفرض به. قال: وبعض الفقهاء رأى الترتيب بين المفروضات، ولم يره بين

стр. 193

المفروض والمسنون، كما بين المفروضات (١). قلت: وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى. وقوله: «ثلاثا» يفيد استحباب هذا العدد في كل ما ذكر فيه. السابع: قوله: «ويديه إلى المرفقين»، المرفق: موصل الذراع، قاله الجوهري (٢). وقال ابن بشير من أصحابنا: تردد بعض أهل اللغة في اسم المرفق على ماذا يطلق؟ (٣) فقيل: على طرف الساعد، وقيل: على مجمع الساعد والعضد، انتهى. وفيه لغتان: فتح الميم وكسر الفاء: والعكس. وقوله: «إلى المرفقين» غير مفصح بدخول المرفقين في الغسل. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فنقل ابن هبيرة إجماع الأئمة الأربعة على وجوب غسل (٤) اليدين مع المرفقين، وإن كان لأشهب رواية عن مالك بعدم وجوب غسل المرفقين، وزيفها القاضي عبد الوهاب في شرح «الرسالة»، قال: وهذا قول الفقهاء كلهم، إلا ما يحكى عن زفر، وبعض المتأخرين.

стр. 194

قلت: ومنشأ الخلاف في ذلك: هل الحد داخل في المحدود، أم لا، أو يفرق بين كون الحد من جنس المحدود فيدخل، والعكس؟ ومّثله أبو العباس المبرد بأن تقول: اشتريت الفدان إلى حاشيته، وبأن تقول: اشتريت الفدان (١) إلى الدار، وبقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٢). وقيل: إنما دخلت المرفقان هاهنا؛ لأن (إلى) (٣) غاية للإخراج، لا للإدخال؛ فإن اسم اليد ينطلق على العضو إلى المنكب، فلما دخلت (إلى)، أخرجت عن الغسل ما زاد على المرفقين، فانتهى الإخراج إلى المرفقين، فدخلا في الغسل. ق: وقال آخرون (٤): لما تردد اللفظ في الآية بين أن تكون إلى (٥) للغاية، وبين أن تكون بمعنى (مع)، وجاء فعل الرسول ﷺ أنه أدار الماء على مرفقيه كان ذلك بيانا (٦) للمجمل، وأفعال الرسول ﷺ في بيان المجمل محمولة على الوجوب. وهذا عندنا ضعيف؛ لأن (إلى) حقيقة في انتهاء الغاية، مجاز

стр. 195

بمعنى (مع)، ولا إجمال (١) في اللفظ بعد تبيين (٢) حقيقته، ويدل على أنها حقيقة في انتهاء الغاية كثرة نصوص أهل العربية على ذلك، ومن قال: إنها بمعنى (مع)، فلم ينص على أنها حقيقة في ذلك، فيجوز أن يريد المجاز، انتهى (٣). وقال أبو البقاء العكبري ﵀ في «إعرابه»: والصحيح أنها (٤) على بابها، وأنها لانتهاء الغاية، وإنما وجب غسل المرافق بالسنة، وليس بينهما تناقض؛ لأن (إلى) تدل على انتهاء الفعل، ولا تتعرض لنفي (٥) المحدود إليه، ولا لإثباته؛ لأنك إذا قلت: سرت (٦) إلى الكوفة، فغير ممتنع أن تكون بلغت أول حدودها، ولم تدخلها، وأن تكون دخلتها، فلو قام الدليل على أنك دخلتها، لم يكن مناقضا لقولك: سرت (٧) إلى الكوفة (٨). فائدة: (إلى)، و (حتى) يكونان لانتهاء الغاية، مع كونهما

стр. 196

جارتين، ويفترقان من وجهين: أحدهما: أن ما بعد (إلى) غير داخل فيما قبلها، على الصحيح، إلا أن تقترن به قرينة دالة على دخوله، و (حتى) على العكس من ذلك. والثاني: أن (١) (إلى) تجر الظاهر والمضمر، و (حتى) لا تجر إلا (٢) الظاهر دون المضمر في الأمر العام. الثامن: قوله: «ثم مسح برأسه» ظاهره استيعاب (٣) الرأس؛ لأن اسم الرأس حقيقة في العضو كله، لكن هل الاستيعاب على سبيل الوجوب، أو بعضه على سبيل الوجوب، وبعضه على سبيل الندب؟ اختلف في ذلك، فنقل صاحب «البيان والتقريب» (٤) في المذهب أربعة أقوال: أولها وأشهرها: وجوب استيعاب جميعه، قال: وهذا (٥) الذي نص عليه مالك، وبه قال ابن القصار، وابن الجلاب، وغيرهما، فيحتاج على (٦) هذا القول إلى معرفة حده، وحده: من منقطع الوجه إلى ما تحوزه الجمجمة.

стр. 197

وقال ابن شعبان: بل إلى آخر منبت الشعر من القفا. قال اللخمي: وليس يحسن؛ لأن ذلك من العنق، وليس من الرأس. وقال محمد بن مسلمة: يجزئ مسح الثلثين. وقال القاضي أبو الفرج عمرو بن محمد الليثي: يجزئ مسح الثلث. وعن أشهب روايتان: إحداهما: إجزاء الناصية. والثانية: مطلقة، فإن لم يعم رأسه، أجزأه، ولم يقدر ما لا يضره تركه. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: وهذه الأقاويل مذاهب لأصحابه، لا أنها تخريج على مذهبه، وأما مذهبه: فالإيعاب، هذا ما ذكره القاضي. وقال اللخمي: قال مالك في «العتبية»: إن مسح المقدم، أجزأه، قيل له: فإن مسح بعض رأسه، ولم يعم (١)، يعيده؟ قال: أرأيت إن (٢) غسل بعض وجهه، أو بعض ذراعيه؟ وذهب إلى التفرقة بين المقدم والمؤخر. وأما الأقوال الخارجة عن المذهب: فقال الشافعي: يجزئه أقل ما ينطلق عليه الاسم.

стр. 198

وحكي عن بعض أصحابه: أنه قدر ذلك بثلاث شعرات، قال: وبأقل ما ينطلق عليه الاسم. قال النواوي (١): وحكي عنه: أنه قال: لو مسح شعرة واحدة، أجزأه؛ وهو مذهب عبد الله بن عمر، وبه قال داود (٢). قال صاحب «عيون المجالس» من أصحابنا: سواء مسح بيده، أو بخشبة، أو وقف تحت ميزاب حتى قطر على رأسه (٣)، يحكي مذهب الشافعي، قال: وبه قال الأوزاعي، والنخعي، وسفيان الثوري. وعن أحمد روايتان: إحداهما: يجب مسح جميعه. والثانية: يجب مسح أكثره، فإن ترك الثلث فما دون (٤)، أجزأه. وحكي عن المزني: يجب مسح جميعه. وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: إحداها (٥): الربع.

стр. 199

والثانية: قدر الناصية. والثالثة: قدر ثلاث (١) أصابع بثلاث أصابع. ومنهم من قال: كل ذلك يجب إلى (٢) الربع، وعليه يعولون. وقال أبو يوسف: لا بد من مسح ربع الرأس بثلاث أصابع، فإن مسح بثلاث (٣) أصابع دون ربع الرأس، لم يجزئه (٤)، وإن مسح بأصبعين ربع الرأس، لم يجزئه (٥)، فحد الممسوح به، والممسوح. وقال زفر: الفرض منه ربع الرأس، سواء مسحه بثلاث (٦) أصابع، أو دونها، فحد الممسوح دون ما يمسح به، وهذا يرجع (٧) إلى أحد أقوال أبي حنيفة المتقدمة، والله أعلم. والصحيح من هذه الأقوال كلها (٨): ما ذهب إليه مالك ﵀، ومن تابعه؛ من وجوب التعميم، ووجهه التمسك بظاهر القرآن،

стр. 200

والأخبار الصحيحة (١). أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وهو كقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُهَكُمْ﴾ (٢) [المائدة: ٦]، وكقوله تعالى في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. و (الباء) إما للإلصاق، أو للاستعانة، على معنى أن الأصل: وامسحوا رؤوسكم بالماء، فحذف الماء الذي هو الآلة؛ للعلم به، فدخلت الباء، التي هي في الأصل داخلة على الماء للاستعانة، على المفعول به. فإن قلت: من معاني (الباء) التبعيض؟ قلت: هذا لا يصححه أهل اللغة، وقد قال ابن جني في «سر الصناعة» هذا لا يعرفه أصحابنا، يعني: البصريين (٣)، ولو كانت (٤) للتبعيض، لم يصح أن يقال: امسح برأسك كله، ولا أن يقال: امسح ببعض رأسك. فإن قلت: يصح أن يقال: مسح رأس (٥) اليتيم، أو قَبَّلَ رأسه أو

стр. 201

ضرب رأسه، وإن فعل ذلك ببعضه. قلت: هذا مجاز؛ لكونه أطلق الرأس على بعضه، والذي سهله أمن اللبس، وفهم المعنى، والأصل الحقيقة. ولتعلم أن القائلين بالتبعيض اشترطوا أن تكون مع فعل يتعدى بنفسه، حتى لا تكون للتعدية، وزعموا أن من ذلك قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، قالوا: فإن العرب (١) تقول: مسحت رأسي، ومسحت برأسي، فلم يبق فرق إلا التبعيض، وليس كذلك، بل نقول: (مسح) له مفعولان، يتعدى لأحدهما بنفسه، وللآخر بالباء، ولم تخير العرب بين المفعولين في هذه الباء، بل عينتها لما هو آلة المسح. فإذا قلت: مسحت يدي بالحائط، فالرطوبة الممسوحة عن (٢) يدك، والحائط هو الآلة التي أزلت بها (٣) عن يدك. وإذا قلت: مسحت الحائط بيدي، فالشيء المزال هو على الحائط، ويدك هي الآلة المزيلة، وكذلك مسحت يدي بالمنديل، المنديل الآلة، والمنديل بيدي، التنشف (٤) إنما وقع في المنديل، لا في يدك؛ هذه قاعدة عربية، و (٥) لم

стр. 202

تخير العرب في ذلك، وحيث قالت العرب: مسحت رأسي، فالشيء المزال إنما هو عن (١) الرأس، وحيث قالت: برأسي، فالشيء المزال عن غيره، وقد أزيل بها (٢). ولنا قاعدة أخرى إجماعية: وهي أن الأمة أجمعت أن الله تعالى لم يوجب علينا إزالة شيء عن رؤوسنا، ولا عن جميع أعضائنا، بل أوجب علينا أن ننقل رطوبة أيدينا إلى رؤوسنا، وجميع أعضاء الوضوء. وعلى هذا يتعين أن يكون الرأس آلة مزيلة عن غيرها، لا أنها مزال عنها، فيتعين أن تكون (الباء) في هذه للتعدية؛ لأن العرب لا تعدي مسح الآلة بنفسه، بل بالباء، فالباء ليست للتبعيض إلا حيث يتعدى الفعل. وأما ما نقل من قول بعض (٣) الفقهاء الشافعية -وأظنه الإمام ﵀: من أنه ينزل الوصف الحكمي، وهو الحدث، منزلة الحسي قائما بالأعضاء حكما، فهو مطالب (٤) بدليل شرعي يدل على إثبات هذا المعنى الذي ادعاه؛ فإنه منفي بالحقيقة، والأصل موافقة الشرع لها على ما تقدم في حديث: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ».

стр. 203

وأيضا: فإنا نقول: قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لفظ يصح معه الاستثناء، فيقال (١): امسح برأسك إلا بعضه، والاستثناء عبارة عن ما لولاه، لوجب اندراج المستثنى تحت الحكم، وكل بعض يصح استثناؤه، ولم يستثن، فيندرج، فيجب الجمع، وهو المطلوب. وفي «الموطأ»، و «البخاري»، و «مسلم»: أن رسول الله ﷺ مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بيديه من مقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع (٢) إلى المكان الذي بدأ منه (٣)، وهذا صريح في أنه مسح جميع رأسه. وفي «مسلم»: عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ غسل ذراعيه، ومسح ناصيته، وعلى (٤) العمامة، وعلى خفيه (٥). وفي «مسلم» - أيضا -: ومسح على مقدم رأسه، وعلى العمامة (٦)، وأصحاب الشافعي يستدلون بهذا الحديث على أنه لا يجب الاستيعاب؛

стр. 204

لأنهم يعتقدون، أو بعضهم: أن ذلك في وضوءين، على ما نقله بعض أصحابنا عنهم؛ تارة مسح بناصيته (١)، وتارة مسح على العمامة. ونحن نقول: هو حجة على من لم يوجب الاستيعاب؛ لأن الظاهر: أنه فعل ذلك في وضوء واحد؛ مسح بناصيته (٢)؛ لكونه لم يضره كشفها، ثم مسح على العمامة لعذر منع من (٣) كشف بقية رأسه ﷺ ، فلو كان يجزئ مسح البعض البعض، لم يتكلف المسح على العمامة نيابة عن بقية رأسه، وكل من وصف وضوء النبي ﷺ عندما علمهم الوضوء، لم يقل فيه: إنه مسح بعض رأسه. ولو تنزلنا على أن (الباء) للتبعيض، فلا خلاف أنها تكون أيضا زائدة، وغير ذلك على ما (٤) هو مبين في كتب النحو، فتبقى الآية مجملة، فينزل فعل الرسول ﵊ على البيان. فإن قالوا: قد (٥) ثبت أنه ﷺ مسح على مقدم رأسه، وعلى العمامة، فينزل فعله على البيان (٦) لمجمل الآية، كما ادعيتم سواء، ويكون الفرض بعض الرأس، لا كله.

стр. 205

قلنا: قد تقدم أن الظاهر أنه فعل ذلك في وضوء واحد، الدليل المتقدم إلى آخره. قال القاضي عبد الوهاب ﵀: ومن جهة النظر؛ فلأن المسح أحد نوعي طهارة الوضوء، فوجب أَلَّا يتعلق فرضه بالربع، أو بأقل ما يقع عليه الاسم أصله الغسل؛ ولأنه عضو من أعضاء الوضوء، فوجب أن لا يتقدر تطهيره بالربع، وَأَلَّا يكون الواجب منه (١) أقل ما يقع عليه الاسم؛ اعتبارا بسائر الأعضاء، ولأنه عضو من أعضاء الوضوء غير منصوص على حده، فوجب استيعاب جميعه؛ أصله الوجه، ولأنه عضو ورد النص بإيجابه مطلقًا من غير تحديد، فوجب إيعابه، أصله الوجه، عكسه اليدان والرجلان، ولأن الإيعاب أحد نوعي فرض الوضوء، فوجب أن يكون في شطر الأعضاء أصله التبعيض المحدود، ولأنها طهارة من حدث، فوجب أن لا يتقدر فرض عضو منها بأقل ما يقع عليه الاسم؛ كالتيمم؛ ولأن (٢) كل بعض من عضو كان محلاً لأداء الفرض به (٣)، كان تطهيره واجبا، أصله سائر الأبعاض، ولا يلزم عليه (٤) الخف؛ لأنه ليس بعضه. فإن قالوا: قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أعم

стр. 206

من أن يراد (١) به مسح الكل، أو مسح البعض؟ قلنا: لا نسلم؛ لأن إطلاق المسح بالرأس لا يفهم منه إلا المسح لجميعه، دون الاقتصار على بعضه، هذا هو الحقيقة، واستعمال الكل في البعض مجاز، والأصل عدم المجاز. ولو جئنا نتتبع (٢) الأدلة على ذلك، لخرجنا عن مقصود الكتاب. وقد (٣) أفردت لهذه المسألة جزءًا مفردا لا يكاد يبقي في النفس منها شيئًا، وبالله التوفيق. ق: وليس في الحديث (٤) هذا ما يدل على الوجوب؛ لأنه في آخره إنما ذكر ترتب ثواب مخصوص على هذه الأفعال، وليس يلزم من ذلك عدم الصحة عند عدم كل جزء من تلك الأفعال، فجاز (٥) أن يكون ذلك الثواب مرتبا على كمال مسح الرأس، وإن لم يكن واجبا - أعني: إكماله- كما يترتب على المضمضة والاستنشاق، وإن لم يكونا واجبين (٦) عند كثير من الفقهاء، أو الأكثرين منهم، فإن سلك سالك ما قدمناه في المرفقين من ادعاء الإجمال في الآية، وأن الفعل

стр. 207

بيان، فليس بصحيح؛ لأن الظاهر من الآية متبين؛ إما على (١) أن يكون المراد: مطلق المسح على ما يراه الشافعي، بناءً على أن مقتضى الباء في الآية التبعيض (٢)، أو على أن المراد: الكل على ما قاله مالك ﵀ بناء على أن اسم الرأس حقيقة في الجملة، وأن الباء لا تعارض ذلك، وكيف ما كان، فلا إجمال (٣). قلت: وهذا صحيح، لكنه يؤخذ وجوب الاستيعاب مما تقدم من الأدلة (٤) على ذلك. التاسع: قوله: «ثم غسل كلتا رجليه»: اعلم أن (كلا) و (كلتا) إذا أضيفا إلى مضمر، أعربا إعراب التثنية؛ بالألف رفعا، وبالياء جرا، ونصبا، وإذا أضيفا إلى ظاهر؛ كما هو (٥) هاهنا، أعربا إعراب المقصور، نحو عصا، ورحى (٦). وهذا الحديث صريح في وجوب غسل الرجلين، وقد تقدم في حديث: «ويل للأعقاب من النار» (٧) الرد الواضح على القائلين بالمسح،

стр. 208

بما (١) يغني عن الإعادة. العاشر: قوله: «ثلاثا ثلاثا»: فيه مسائل: الأولى: أن الأعداد (٢) في الوضوء غير واجبة، وأن الواجب الإسباغ، أسبغ بمرة، أو مرات. الثانية: أن تكرار الغسل ثلاثًا مستحب فيه، إن أسبغ بها، أو بما دونها. الثالثة: أن ما فوق الثالثة مكروه، إن أسبغ بها، أو بما دونها. الرابعة: أن الثلاثة أفضل من الاثنتين، وأنه مخير بين الثلاث والاثنتين. الخامسة: أن الاقتصار على الواحدة مكروه، واختلف في وجه الكراهة لذلك، فقيل: إنما (٣) كُره لتركه الفضيلة جملة، وقيل: إنما كُره ذلك، مخافة ألا يعم فيها، وهو دليل ما روي عن مالك أنه قال: لا أحب الواحدة إلا من العالم بالوضوء (٤). السادسة (٥): أن استحباب التكرار مقصور على المغسول دون

стр. 209

الممسوح، كما هو ظاهر الحديث، ألا ترى أنه ذكر (١) الأعداد في الأعضاء الثلاثة دون الرأس؟ وهذا مذهب مالك، والمشهور عن أبي حنيفة، وأحمد. وقال الشافعي: يستحب تكرار الممسوح ثلاثًا كالمغسولظ (٢) (٣). السابعة: أن التكرار إنما يكون بماء جديد، ولذلك لا يقال في رد اليدين في مسح الرأس: إنه تكرار. الثامنة: اختلفت الآثار في أعداد الوضوء، فروي أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة (٤)، ومرتين مرتين (٥)، وثلاثا ثلاثا (٦)، في بعض الأعضاء، ومرتين (٧) في بعضها. قال القاضي أبو الوليد بن رشد ﵀: وليس الاختلاف في هذا

стр. 210

اختلاف تعارض، وإنما هو اختلاف تخيير، وإعلام بالتوسعة. الحادي عشر: قوله: «نحو وضوئي هذا»: ينبغي أن يشاهد الفرق بين لفظة (نحو)، ولفظة (مثل)؛ فإنه لا مطابقة بينهما، إذ كانت لفظة (مثل) تقتضي بظاهرها المساواة من كل الوجوه، إلا من الوجه الذي به يقع الامتياز بين الحقيقتين بحيث يخرجهما عن الوحدة (١)، ولفظة (نحو) تقتضي المقاربة دون المماثلة من كل وجه، وإنما قال ﷺ : «نحو وضوئي»، ولم يقل: مثل وضوئي؛ لأن مثل وضوئه لا يأتي به غيره، فالثواب يترتب في ذلك على المقاربة، لا على المماثلة، ولا بد لما ذكرناه من تعذر الإتيان بمثل وضوء النبي (٢) ﷺ ، وذلك مما تقتضيه الشريعة السمحة (٣) من التوسعة، وعدم التضييق على المكّلف، والله أعلم (٤). الثاني عشر: قوله: «ثم صلى ركعتين»: فيه استحباب صلاة ركعتين فأكثر عقب كل وضوء، وذلك عند الشافعية من السنن المؤكدة، حتى تفعل عندهم في أوقات النهي؛ لأن لها سببا، واستدلوا على ذلك (٥)

стр. 211

بحديث بلال ﵁ المخرج في «البخاري» (١): أنه كان متى توضأ، صلى، وقال: إنه أرجى عمل له (٢)، (٣). وأما مذهبنا: فلا يتنفل في أوقات النهي مطلقًا، وليست هاتان الركعتان بعد الوضوء عندنا (٤) معدودة في جملة السنن، وإنما يستحب ذلك في غير أوقات النهي، وأما حديث بلال ﵁، فيجوز أن يكون ذلك مخصوصا بغير أوقات النهي، كما نقوله، وليس ذلك بأول عام خص بدليل، ويكون ذلك جمعا (٥) بين حديثه، وحديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي؛ إذ ذاك أولى من إلغاء أحد الحديثين، والله أعلم. الثالث عشر: قوله: «لا يحدث فيهما نفسه»: فيه (٦) إثبات حديث النفس، وهو مذهب أهل الحق، والمراد بحديث النفس هنا:

стр. 212

ما يكون من كسب العبد، واجتلابه له، يشهد لذلك إسناد الفعل إليه (١) في قوله: «يحدث فيهما نفسه»؛ فإنه يقتضي تكسبا منه. وأما الخواطر التي ليست من جنس مقدور العبد، فليست داخلة في هذا الحديث، والله أعلم. وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر، حتى لو كان كفرا - والعياذ بالله-، وهذا كله فيما كان من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة؛ إذ لا بد من حديث النفس فيما يتعلق بالآخرة من معاني المتلو، والدعوات، والأذكار، وغير ذلك. ق: ولا يريد بما (٢) يتعلق بأمر الآخرة كل أمر محمود أو مندوب إليه؛ فإن كثيرا من ذلك لا يتعلق بأمر الصلاة، وإدخاله (٣) فيها أجنبي عنها، وقد ورد عن عمر ﵁: أنه قال: إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة (٤)، أو كما قال، وهذه قربة، إلا أنها أجنبية عن مقصود الصلاة، انتهى (٥).

стр. 213

ونقل ع (١) عن بعضهم: أن هذا الذي يكون من غير قصد يرجى أن تقبل معه الصلاة، ويكون دون صلاة من لم (٢) يحدث نفسه بشيء؛ لأن النبي ﷺ إنما ضمن الغفران لمراعي ذلك؛ لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس، وإنما حصلت له هذه المرتبة؛ بمجاهدة نفسه من خطرات الشيطان، ونفيها عنه، ومحافظته عليها، حتى لم يشتغل عنها طرفة عين، وسلم من الشيطان باجتهاده، وتفريغه قلبه (٣). ولم يرتض هذا. ح: وأشار إلى معنى (٤) ما قدمته، وأن هذه الفضيلة تحصل مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرة (٥)، حتى قال: وهو الصواب (٦). قلت: وانظر إذا تعمد حديث النفس، وتشاغل بذلك جدا (٧) والحالة هذه، وقلنا: لا يحصل له (٨) الغفران، هل تكون صلاته مع ذلك صحيحة، أو يكون ذلك مبطلاً لها، فرضا كانت أو نفلاً، أو

стр. 214

يفرق في ذلك (١) بين القليل والكثير؟ فإني لم أقف على نص صريح في ذلك لأصحابنا. لكن ذكر القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ في مسألة النية ما ظاهره البطلان، ولفظه: إن عزبت بأمر خطر في الصلاة، أو سبب عارض، لم يضر، وإن كانت بأسباب متقدمة قد لزمت العبد؛ من الانهماك في الدنيا، والتعلق بعلائقها الزائدة، والتشبث بفضولها، فيقوى ترك الإعداد (٢) بالصلاة؛ لأن ذلك واقع باختياره (٣). الرابع عشر: هل يدخل في هذا الغفران الكبائر، أو ذلك مختص بالصغائر؟ ق: ظاهره العموم في جميع الذنوب، وقد خصوا مثله بالصغائر، وقالوا: إن الكبائر إنما تكفر بالتوبة، وكان المستند في ذلك: أنه ورد مقيدا في مواضع؛ كقوله ﷺ : «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن (٤) ما اجتنبت الكبائر» (٥)،

стр. 215

فجعلوا (١) هذا القيد في هذه الأمور مقيدا للمطلق في غيرها (٢). ح: ومعنى ذلك: أن الذنوب كلها تغفر، إلا الكبائر، فأنها لا تغفر، وليس المراد: أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة، فإن كانت (٣)، لا يغفر شيء من الصغائر؛ فإن (٤) هذا، وإن كان محتملاً، فسياق الأحاديث يأباه (٥). ع: هذا المذكور في الحديث (٦)؛ من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وهو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما (٧) تكفّر بالتوبة، ورحمة الله تعالى، والله أعلم (٨). وقد يقال: إذا كفَّر الوضوء، فماذا تكفّر الصلاة؟ وإذا كفّرت الصلاة فماذا تكفّر الجمعات ورمضان؟ وكذلك صوم يوم عرفة كفارة سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق (٩) تأمينه تأمين الملائكة
следующие страницы →