← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

نحر (١) العَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ والصَّفُّ الَّذِي يَليهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. قَالَ جَابِرٌ: كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُم هَؤُلَاءِ بِأُمَرَائِهِمْ. ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بِتَمَامِه (٢). وَذَكَرَ البُخَارِيُّ طَرَفًا مِنْهُ، وأَنَّهُ صَلَّى صَلاةَ الخَوْفِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الغَزْوَةِ السَّابِعَةِ غَزْوَةِ ذاتِ الرقاعِ (٣).

стр. 1507

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: "شهدْتُ مع رسولِ اللَّه ﷺ "؛ أي: حضرتُ، واسم الفاعل منه شاهد، وقوم شُهود، أي: حُضور، وهو في الأصل مصدر، وشُهَّدٌ أيضًا؛ مثل: راكِع، ورُكَّع، وامرأة مُشْهِدٌ (١): إذا حضر زوجُها -بلا هاء-، وامرأة مُغِيْبَةٌ: غاب زوجُها، وهذا بالهاء، وأشهدني إملاكَه (٢)؛ أي: أحضرني، والمَشْهَد: محضر الناس، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدّثر: ١٣]؛ أي: حضورًا عنده، لا يتألم لمفارقتهم (٣). الثاني: العدو: ضدُّ الوَلِيِّ، وقد تقدم أنه يقع على الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، ويقال أيضًا: أعداء، وعَدُوَّة، وعِدًى وعُدًى (٤). (٥) قال الجوهري: والعِدا -بكسر العين-: الأعداء، وهو جمعٌ

стр. 1508

لا نظير له. قال ابن السِّكِّيت: ولم يأت فِعْلٌ في النعوت إلا حرف واحد، يقال (١): هؤلاء قوم عِدًى، أي: غرباء، وقومٌ عِدًى؛ أي: أعداء. قلت: بل جاء فِعَلٌ صفة في سبعة ألفاظ: مكانٌ (٢) سِوًى، وقَوْمٌ عِدًى، ومَلامةٌ ثِنًى؛ أي: وثُنِّيَتْ مرتين، ومنه قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، في قول من جعلها الفاتحةَ، لأنها تُثَنَّى في (٣) كل ركعة، وماءٌ رِوًى، وماءٌ صِرًى (٤)، ولحمٌ زِقَمٌ (٥)، ووادٍ طِوًى، فيمن كسرَ الطاءَ، وجعله صفةً، واللَّه أعلم. وقال ثعلب: يقال: قومٌ أعداء، وعِدًى -بكسر العين-، فإن أدخلتَ الهاء، قلت: عُداة -بالضم-، والعادي: العدوُّ، قالت امرأة من العرب: أشمتَ اللَّه عادِيَكَ؛ أي: عدوَّكَ (٦)، واللَّه أعلم. الثالث: هذه الكيفية إنما تُمكن إذا كان العدوُّ في جهة القبلة؛ لتأتي الحراسةُ مع كون الكل مع الإمام في الصلاة، وقد دلَّ الحديث على اختصاص الحراسة بالسجود دون الركوع (٧)،

стр. 1509

ولا أعرف (١) في مذهبنا خلافًا في ذلك. ق: وحكي وجهٌ عن بعض أصحاب الشافعي: أنه يحرس في الركوع أيضًا، والمذهبُ الأولُ؛ لأن الركوع لا يمنع من إدراك العدوِّ بالبصر، فالحراسةُ تمكنه معه؛ بخلاف السجود، والمراد بالسجود الذي سجده ﵊، وسجدَ معه الصفُّ (٢) الذي يليه: هو السجدتان (٣) جميعًا. الرابع: الحديث نصٌّ في سجود الصف الذي يلي الإمامَ معه في الركعة الأولى، وحراسةِ الصف الثاني. ق: ونصَّ الشافعيُّ على خلافه، وهو أن الصف الأول يحرس في الركعة الأولى، فقال (٤) بعضُ أصحابه (٥): لعله سها، ولم يبلغه الحديث. وجماعةٌ من العراقيين وافقوا الصحيح، ولم يذكر بعضُهم إلا ما دل عليه الحديث؛ كأبي إسحاق الشيرازي. وبعضُهم قال بذلك بناءً على المشهور [عن الشافعي]: إن الحديث إذا صح، يذهب إليه، ويترك قوله.

стр. 1510

قلت (١): وبعض الخراسانيين تبعَ نصَّ الشافعي، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 1511

كِتْابُ الْجَنَائِز

стр. 1512

كِتْابُ الجنائز الحديث الأول (١) ١٥١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁، قَالَ: نَعَى النَّبِيُّ ﷺ النَّجَاشِيَّ في الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِم إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِم، وَكبَّرَ أَرْبَعًا (٢).

стр. 1513

الجنائز: جمع جِنَازة -بكسر الجيم، وفتحها- لغتان مشهورتان، وقيل: بالفتح: للميت، وبالكسر: للنَّعشِ وعليه الميت، وقيل: عكسُه، حكاه صاحب "مطالع الأنوار"، فإن لم يكن ميتٌ، فهو سرير، أو نعشٌ، وهي مشتقه من جَنَزَهُ؛ إذا سَتَرَهُ (١). قال الأزهري: جُنِّزَ الميتُ تَجنيزًا: إذا هُيِّىءَ أمرُه، وجُهِّزَ، وشُدَّ على السرير (٢). إذا ثبت، هذا فينبغي أن نقدم بين يدي الحديث مقدمةً تليق بكتاب الجنائز، ثم نعود إلى تتبع ألفاظ الحديث (٣) على عادتنا، وأول ذلك أن نقول: كان الأصلُ وما يقتضيه الترتيب؛ أن يكون كتابُ الجنائز مع

стр. 1514

كتاب الوصية والمواريث في آخر كتب الفروع والحديث؛ فإن حاصلها راجعٌ إلى ما يُفعل بالإنسان، أو في ماله بعد وفاته، فيُبدأ بكتاب الوصايا، ثم الجنائز، ثم المواريث. وقد أُجيب عن هذا: بأن العلماء ﵃ لما رأوا الأهمَّ من هذه الثلاثة ما يُفعل بالميت، فإنه مقدَّم على ما يُفعل في ماله، وإن أهمَّ ما يُفعل بالميت الصلاةُ عليه؛ لأن الذي يُفعل به بعد موته: غسلُه، وتكفينُه، والصلاةُ عليه، ودفنُه (١)، ولا إشكال (٢) أن أهم هذه الأمور الأربعة الصلاةُ؛ إذ فائدتها أخروية، وهي الدعاء له، والشفاعة؛ ليتخلَّصَ من عذابِ القبرِ، وعذابِ النارِ، وفي الخلاص من ذلك السعادةُ التي لا شقاءَ بعدها، وأما غسلُه وتكفينُه ودفنُه، ففوائدُ دنيويةٌ؛ إذ فائدة الغسل النظافةُ، وفائدةُ التكفين سترُه، وحفظُ الجثة، وتغطيتُها عن عيون الناس، وفائدة الدفن حفظُ الجثة عن السباع، وسترُ جيفة الآدمي ورائحتِها، جعلوا هذا الكتاب تاليًا لكتاب الصلاة، وابتداؤُوه بذكر الصلاة على الميت، ثم بذكر الغسل والتكفين والدفن. وبعدُ: فينحصر غرضُنا (٣) من هذه المقدمة في ثلاثة (٤) فصول:

стр. 1515

الفصل الأول: ما يفعله الْمُحْتَضَرُ: قال العلماء: ينبغي لكل عاقل أن يكون شديدَ الخوف من عذاب ربه، وأن يُكثر (١) ذكرَ الموت في جميع أحواله، وأن يكون أجلُه بين عينيه، فيقصر أمله، ويبادر إلى التوبة، ويتحلل من مظالم الناس خوفًا من فجأة الموت؛ فإن اللَّه -تعالى- لم يجعل للموت وقتًا معينًا، ولا علامةً معلومة، حتى يَأْمَنَ من هجومه قبلها، فكم من صحيح فَجَأَه الموت، ومريضٍ طالَ مرضُه، ثم عوفي، وأنشد في ذلك: تَزَوَّدْ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلًا فَمَا تَدْرِي ... إِذَا جَنَّ لَيْلٌ هَلْ تَعِيشُ إِلَى الْفَجْرِ فَكَمْ مِنْ صَحِيحٍ مَاتَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ... وَكَمْ مِنْ عَلِيلٍ عَاشَ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ وكيف يطمئن العاقل إلى الدنيا، ويطيل أملَه مع ما ذكرناه، وهو أمر مشاهَد لا ينكره مؤمن ولا كافر، وقد نبه اللَّه -تعالى- على ذلك بقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. وقد روى الترمذي بإسناد حسن في كتاب: الزهد، عن ابن مسعود: أن رسول اللَّه ﷺ قال لأصحابه: "اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ"،

стр. 1516

قالوا: إنا نَسْتَحيي يا نبيَّ اللَّه! والحمدُ للَّه، قال (١): "لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ، فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ المَوْتَ وَالبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ" (٢). وروينا في كتاب "السنن" لابن ماجه في كتاب: الزهد من جامعه، بإسناد حسن (٣): أن النبي ﷺ أبصرَ جماعةً يحفِرون قبرًا، فبكى حتى بَلَّ الثَّرَى بدموعه، وقال: "إِخْوَانِي! لِمِثْلِ هذَا فَأَعِدُّوا" (٤)؛ أي: تَأهَّبوا له (٥)، واتخذوا له عُدَّةً، وهي ما يُعَدُّ (٦) للحوادث. وعن أبي هريرة ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: "أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ" (٧)؛ يعني: الموتَ.

стр. 1517

قلت: "هاذِمُ" (١): -بالذال المعجمة-، ليس إلا، والهَذْم: القَطْعُ. ويتأكد استحبابُ ذكر الموت حالةَ المرض؛ لأنه إذا ذكرَ الموتَ، رقَّ قلبُه وخاف، فرجع عن المظالم والمعاصي (٢)، وأقبلَ على الطاعات، وبادرَ إلى الخيرات. قال بعض العلماء: ويُستحب الإكثارُ (٣) من ذكر حديث: "اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ". وروينا في "صحيح البخاري": عن ابن عمر ﵁، قال (٤): أخذ النبيُّ ﷺ بِمَنْكبي، فقال: "كُنْ في الدّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ" وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيتَ، فلا تنتظرِ الصباحَ، وإذا أصبحتَ، فلا تنتظرِ المساءَ، وخُذْ من صحتك لمرضِك، ومن حياتك لموتِك (٥). فإذا مرض إنسان، واشتد تألمه، فليصبرْ، ولا يُكثر الشكوى، ولا الجزعَ، ففي حسن الصبر جزيلُ الأجر، مع أن الشكوى والجزع لا يُفيدان شيئًا. وقد روي أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه!

стр. 1518

ادعُ اللَّه أن يَشفيني، فقال: "إِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّه فَشَفَاكَ، وَإِنْ شِئْتِ اصْبِرِي وَلَا حِسَابَ عَلَيْكِ"، قالت: أصبرُ، ولا حسابَ عليَّ" رواه البغوي (١)، ومسلم بهذا اللفظ، من رواية أبي هريرة (٢). ورواه البخاري، ومسلم، من رواية ابن عباس: أن امرأة سوداءَ أتت النبيَّ ﷺ ، فقالت: إني أُصرعَ، وإني أَنكشف، فادعُ اللَّه لي، فقال: "إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّه أَنْ يُعَافِيَكِ"، فقالت (٣): أصبرُ (٤). وليحذر من السخطا بقضاء اللَّه وقَدَره؛ فإنه معصية، وقد جاء: "من رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ" (٥)، لا سيما وقد قال

стр. 1519

بعضُ العلماء: يُكره له الأَنينُ؛ يعني: إذا كان قادرًا على تركِه. ويُستحبُّ عيادةُ المريض المسلم؛ لما روى البراءُ بنُ عازبٍ، قال: أمرَنا النبيُّ ﷺ بِاتِّباعِ الجنائزِ، وعيادةِ المرضى (١)، الحديث (٢). وما روى زيدُ بنُ أرقم، قال؛ عادني رسولُ اللَّه ﷺ من وجعٍ كان بعيني (٣)، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة. فإن رَجَاه، دعا له، ويُستحب أن يقول (٤): أَسال اللَّه العظيمَ ربَّ العرشِ العظيمِ أَنْ يَشْفيكَ (٥)، سبع مرات؛ لما روي: أن النبيَّ ﷺ : قال: "مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللَّه العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ (٦)، عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ" (٧). وإن رآه منزولًا به، فالمستحبُّ أن يُلَقِّنه قولَ: لا إله إلا اللَّه؛ لما

стр. 1520

روى أبو سعيد الخدري، قال: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُم: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه" (١) (٢)، وقال: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ: لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ" (٣)، وليرفقْ في ذلك، ولا يلحَّ عليهِ إلحاحًا يُضْجِرُهُ، لا سيما إن كانَ وارثَهُ، أو عدوَّه، ونحو ذلك. ويُكره للمريض أن يتمنى الموتَ؛ لما روى البخاري، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، عن أنس (٤)، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَا تَدْعُوا بِالمَوْتِ، وَلَا تَتَمَنَّوْهُ، فَمَنْ كَانَ دَاعِيًا، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِني مَا دَامَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لَي" (٥)، وغير ذلك من الأحاديث. وينبغي للمريض أن يُحسن الظنَّ بربهِ، مع خوفِهِ منه؛ لما روى

стр. 1521

الترمذي، عن أنس: أن النبيَّ ﷺ دخل على شابٍّ وهو بالموت، فقال: "كَيْفَ تَجِدُكَ؟ "، قال (١): أرجو اللَّه، يا رسول اللَّه! وأنا أخافُ من ذنوبي، قال رسول اللَّه ﷺ : "لَا يَجْتَمِعَانِ في قَلْبِ مُؤْمِنٍ في هذَا المَوْطِنِ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَأَمَّنَهُ (٢) مِمَّا يَخَافُ" (٣). ولما رواه مسلم، عن جابر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُم إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ (٤) الظَّنَّ بِاللَّهِ تَعَالَى"، قال ذلك قبل وفاته بثلاثة أيام (٥). ح: ومعنى "يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ تَعَالَى" (٦): أَنْ يظن أن اللَّه -تعالى- يرحمه، ويرجو ذلك ويتدبر الآيات والأحاديثَ الواردةَ في كرم اللَّه ، وعفوِه، ورحمتِه، وما وعدَ به أهلَ التوحيد، وما ينشرُه (٧) من الرحمة لهم يومَ القيامة؛ كما (٨) قال في الحديث الصحيح: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ

стр. 1522

عَبْدِي بِي" (١)، هذا هو الصواب في معنى الحديث، وهو الذي قاله جمهور العلماء، وشذَّ الخطابي، فذكر معه تأويلًا آخر معناه: أحسنوا أعمالَكم حتى يحسنَ ظنُّكم بربِّكم (٢)، فمن حَسُنَ عملُه، حسنَ ظنُّه بربه، ومن ساءَ عملُه، ساءَ ظنُّه (٣). قال: وهذا تأويلٌ باطل نبَّهت عليه؛ لئلا يُغتر به. قلتُ: وما علمت لبطلانه وجهًا؛ إذ يحتمل أن يكون محمولًا على غير حالة الموت، وحضورِ أسبابه، ويكون المعنى: من حسن عمله حالَ صحته، حسن ظنه بربه عند حضور أسباب موته، هذا لا يمنعه عقل، ولا يرده شرع، ويكون من وادي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إلًا وَأنتم مُّسلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، والإنسانُ ليس من مقدوره الموتُ على الإسلام، وإنما المعنى: تَعَرَّضوا لأسباب ذلك؛ باجتناب النواهي، وامتثال الأوامر، وقال ﷺ في عكسه (٤): "المَعَاصِي بَرِيدُ (٥) الكُفْرِ" (٦)؛

стр. 1523

أي: سببٌ مؤدٍّ إلى الكفر، وقال ﵊: "فَلَا يُذَادَنَّ (١) رِجَالُ عَنْ حَوْضي" (٢)، الحديث -على إحدى الروايتين-؛ أعني: إثباتَ الألف بعد اللام في (فلا) (٣)، أي: لا تتسببوا (٤) في ذَوْدِكم عن حوضي، وهذا المعنى كثير، وقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. ثم قال: واتفق أصحابنا وغيرُهم على أنه يُستحب للمريض، ومَنْ حضرته (٥) أسبابُ (٦) الموت ومقامه: أن يكون حسنَ الظنِّ باللَّه -تعالى- بالمعنى الذي ذكرناه، راجيًا رحمته. وأما في حال الصحة، ففيها وجهان لأصحابنا، حكاهما القاضي حسين، وصاحبه المتولي، وغيرهما. أحدهما (٧): أن يكون خوفُه ورجاؤه سواءً (٨). والثاني: (٩) يكون خوفُه أرجحَ.

стр. 1524

قال القاضي حسين: هذا الثاني هو الصحيحُ، هذا قول القاضي. والأظهرُ: أن (١) الأول هو الأصحُّ، ودليلهُ: ظواهر القرآن العزيز؛ فإن الغالب فيه ذكرُ الترغيب والترهيب مقرونين، كقوله -تعالى- ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩]، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥]، ونظائره مشهورة، وقال تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. قال: وقد تتبعت الأحاديثَ الصحيحةَ الواردةَ في الخوف والرجاء، وجمعتُها (٢) في كتاب "رياض الصالحين"، فوجدت أحاديثَ الرجاء أضعافَ أحاديثِ الخوف، مع ظهور الرجاء فيها، وباللَّه التوفيق، انتهى كلامه (٣). الفصل الثاني: فيما ينبغي أن يُفعل بالمحتضر: وذلك ثلاثة أشياء: أحدها: أن يُوَجَّه إلى القبلة، فيُضْجَع على جنبهِ الأيمنِ، وصدرُه إلى القبلة؛ كما يُجعل في لحده، فإن تعذر ذلك، فعلى

стр. 1525

ظهره، وأخمصاه (١) إلى القبلة. وقيل: بل الأولى الصورةُ الثانية، والقولُ في ذلك كالقول في المريض إذا عجز عن الجلوس، ومن دعته الضرورة إلى (٢) أن يصلي مضطجعًا، فهل (٣) الأولى أن يكون على جنبه الأيمن، وصدرُه إلى القبلة، أو على ظهره؟ والمقصود من ذلك: أن يُجعل على الوجه الذي هو أقربُ إلى توجهه إلى القبلة. واستحب ابن الصَّبَّاغ من الشافعية الصفةَ الأولى، واستدلَّ بقوله ﵊ "إِذَا نَامَ أَحَدُكُم، فَلْيَتَوَسَّدْ يَمِينَهُ" (٤). وفي "المجموعة"، من رواية ابن القاسم في (٥) التوجيه، قال: ما أعلمه إلا من الأمر القديم. قال ابن حبيب: ولا أحبُّ (٦) لأهل الميت (٧) توجيهه حتى يُغلب،

стр. 1526

ويُعاين، ويوقن بالموت (١)، ومن علامة ذلك: إحدادُ نظره، وإشخاصُ بصره. قال ابن حبيب: وقد سئل مالك عنه (٢)، فقال: إنما أكره أن يفعل استنانًا. الثاني: أن يُلَقَّنَ الشهادتين: لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه؛ لما روى مسلم، والنسائي، والترمذي، وأبو داود، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُم: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" (٣)، ولا ينبغي أن يلحَّ عليه بالتلقين فيُضجره؛ كما تقدم، فإذا قالها مرة، كفاه، بل إن اعتقدَها، ولم ينطق، كفاه ذلك. الثالث: قراءة: سورة (يس)، وقد اختلف في ذلك، فاستُحب، وكُره؛ خوفَ التحديد، ووجهُ الاستحباب: ما رواه أبو داود عن معقل بن يسار، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ، أَوِ المَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا"، وَقَالَ: فَاقْرَؤُوا، وَكَبِّرُوا؛ "فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلى

стр. 1527

مَا تَقُولُونَ" (١)، وقد فسرت القراءة بـ (٢) (يسَ). الفصل الثالث: فيما يفعل بالميت إذا مات قبل أن يغسل: وذلك سبعة أشياء: أحدها: تغميضه؛ لأن فتحَ عينيه يُقبح منظرَه، ولِما روى مسلم، وأبو داود، [عن أم سلمة] (٣) قالت: دخل رسولُ اللَّه ﷺ على أبي سلمة وقد شُقَّ بصرُه، فأغمضَه، وقال: "إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ (٤)، تَبِعَهُ البَصَرُ"، الحديث (٥). قال ابن حبيب: من السنة إغماضُ الميتِ حين (٦) يموت. قال ابن الصباغ: وينبغي (٧) أن يتولى الإغماضَ أرفقُ أوليائه به

стр. 1528

بأسهلِ ما يقدر عليه. الثاني: أن يشد لَحْيه (١) الأسفل بعصابة عريضة، ويربطها من فوق رأسه؛ لئلا يسترخي (٢) لَحياه، فينفتح فوه، ويدخل (٣) الهوامُّ إلى جوفه، فيقبح بذلك منظرُه (٤) أيضًا. الثالث: استحب ابن الصباغ بعدَ الإغماض (٥) وشدِّ اللَّحيين تليينَ مفاصله عقبَ موته؛ لأن (٦) ذلك أبقى للينها (٧)، فيردُّ ذراعيه إلى عضديه، ويمدُّهما، ويردُّ فخذيه إلى بطنه، ويردُّهما فيمدُّهما (٨)، ورجليه إلى فخذيه، ثم يمدُّهما؛ فإن ذلك يعين الغاسلَ على تمديده وتكفينه. الرابع: المبادرةُ إلى خلع ثيابه، لأن (٩) الثياب تحمِّي الجسم، فيسرعُ إليه التغيير (١٠) والفساد.

стр. 1529

الخامس: أن يوضَع على سرير أو لوح؛ حتى لا تصيبه نداوة الأرض، فتغيره (١)، وتُسرع (٢) إليه هوامُّ الأرض، فحفظهُ بذلك (٣) برفعه عن الأرض أولى. السادس: تثقيلُ بطنه لئلًا يعلوَ، فيُجعل عليه سيفٌ، أو حديدةٌ، فإذا (٤) لم يكن، فطين مبلول؛ لما روي: أن مولًى لأنسٍ مات، فقال أنس ﵁: ضَعُوا على بطنه حديدة (٥). السابع: تسجيتُه بثوب، فإنه أسترُ؛ لما روت عائشة ﵂: أن رسولَ اللَّه ﷺ سُجِّيَ بثوبِ حِبَرة (٦)، بإضافة الثوب إلى حبرة، والحِبرة -بكسر الحاء وفتح الموحدة-: نوع من البُرُد. قال بعض متأخري أصحابنا: ولا ينبغي أن يُعجَّل بغسله (٧) إلا بعد أن تتحقق وفاتُه، وذلك بعد أن تُرى (٨) فيه علامات؛ منها: أن

стр. 1530

تسترخي قدماه فلا تنتصبان (١)، ويميل أنفُه، وتنفرج زندا يديه. و (٢) قال الشافعي: ولا ينبغي أن يعجل بغسله؛ لأنه قد يُغْشى عليه، فيُخيل إليهم (٣) أنه قد (٤) مات، ولم يمت. قال: وإن كان مصعوقًا، أحببت أن يتأنى به، حتى يخاف تغيره، وإن بلغ يومين أو ثلاثة. قال: لأنه بلغني أن الإنسان يُصعق، فيذهب عقله، ثم يُفيق بعد يومين، وكذلك إن كان فزعًا من حرب، أو سبع، أو مترديًا من جبل، أو غريقًا، أو حريقًا (٥). قال صاحب "البيان والتقريب": إنما ينبغي تأخيرُ الميت إذا وقع الشكُّ في موته، ونادر وقوعُ الشك فيه (٦)، فإذا تحقق، فالأولى المبادرةُ بغسله وتجهيزه ودفنه. قال ابن شعبان: لا يؤخَّر غسلُ الميت بعد خروج روحه -يريد: خوفَ انفجاره، أو (٧) تغير رائحته-، ولا حجة للخصم في تأخير

стр. 1531

غسل رسولِ اللَّه ﷺ للأمن من ذلك فيه، ولأن الصحابة ﵃ إنما أخروا غسلَه؛ لاشتغالهم بما هو أهمُّ عندهم من المبادرة بتجهيزه (١)، وهو أمرُ الخلافة، والنظرُ إلى من يقوم بالشريعة وحفظها، ومصالح الخلق بعده، وخوف أن يَسْبِقَ إلى (٢) ذلك من لا يستحقه، ثم يَعْسُر خلعُه (٣). وقد روى البخاري، ومسلم، والنسائي، وأبو داود، عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً، قَرَّبْتُمُوها إِلَى الخَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ (٤) غَيْرَ ذَلِكَ، كَانَتْ (٥) شَرًّا تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكم" (٦). وروى أبو داود: أن طلحةَ بنَ البراء مرض، فأتاه رسولُ اللَّه ﷺ يعودُه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إِنِّي لأَرَى طَلْحَةَ حَدَثَ بِهِ (٧) المَوْتُ،

стр. 1532

فَآذِنُوني بِهِ، وَعَجِّلُوا؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تَجْلِسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ" (١). وقد انتهى ما أردناه (٢) من تأسيس هذه المقدمة، والحمد للَّه. * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: النعي: خبرُ الموت، يقال: نَعاه يَنْعاه، نَغيًا ونُعْيًا -بالفتح، والضم-، وكذلك النَّعِيُّ على فَعِيلٍ (٣)، يقال: جاء نعيُ فلان، والنعي -أيضًا-: الناعي، وهو الذي يأتي بخبر الموت؛ قاله الجوهري. وقال (٤) الهروي (٥): النَّعْيُ -بسكون العين-: الفعل، والنَّعِيُّ -يريد: بالكسر-: الميت، ويجوز أن يُجمع على نعايا (٦)، مثل صَفِيٍّ وَصَفَايا، وبَرِيٍّ وبَرَايا (٧). قال الجوهري: قال الأصمعي: كانت العرب إذا مات منها ميت له قدرٌ، ركبَ راكبٌ فرسًا، وجعل يسير في الناس [ويقول]: نَعاءِ فلانًا؛

стр. 1533

أي: انْعَه وأظهرْ خبرَ وفاته، ونَعاءِ: مبنيةٌ على الكسر، مثل دَرَاكِ، وفي الحديث: "يا نَعَاءِ العَرَبَ" (١)؛ أي: انْعَهُم (٢). قال الإمام المازري: والنجاشي: ملك الحبشة، واسمه أَصْحَمة، تفسيره بالعربية: عَطِيَّة قاله ابن قتيبة، وغيرُه. وقال المطرز (٣)، وابنُ خالويه، وغيرهما: النَّجاشي: اسمٌ لكل ملكٍ ملكَ الحبشة، وكسرى اسمٌ لملكِ الفرسِ، وهِرَقْلُ: اسمٌ لملكِ الرُّوْمِ، وقَيْصَرُ كذلك، وخاقانُ: اسمٌ لملكِ (٤) الترك، وتُبَّعٌ: اسم لملك (٥) اليمن، والقَيْل: اسمُ (٦) ملكِ حِمْيَر، وجمعُه أَقْيال، وقيل: بل القَيْلُ أقلُّ درجةَ من المَلِك (٧).

стр. 1534

ع: و (١) ذكر مسلم اسمَ النجاشي أصحمةَ في الحديث، وهو المعروف -بهمزة أوله، ثم صاد مهملة ساكنة، بعدها حاء مفتوحة-، يعني: مهملة. قال: وكذا ذكره البخاري، وقاله ابن إسحاق، وفي "مسند ابن أبي شيبة" في هذا الحديث (٢): تسميته صَحْمَة على وزن رَكْوَة -بغير همز، وفتح الصاد، وسكون الحاء-، وقال: هكذا قال لنا يزيد، وإنما هو صَمحَة (٣)، كذا ذكره بتقديم الميم بغير همز (٤). الثاني: قال أصحابنا: إنما نعاه النبي ﷺ ، وصلَّى عليه وهو غائبٌ؛ لأنه ماتَ بأرضٍ لم تُقف فيها عليه (٥) فريضةُ الصلاةِ، فتعينَ الإعلامُ بموته؛ ليقام فرضُ الصلاة عليه، وإن كان معه مَنْ تابعه (٦) على الإسلام، إلا أنه لا يقدر على إظهاره؛ لأنهم لم يظهروا إيمانهم، أو أنهم يجهلون حكمَ هذه الصلاة، ولأن هذا خصوصٌ النجاشي؛ إذ لم يصلِّ على سائر مَنْ ماتَ غائبًا عنه من أصحابه ﵊، فليس فيه دليل للخصم في الصلاة على الغائب، مع ما قيل: إنه رُفع

стр. 1535

إلى النبي ﷺ فرآه، كما رُفع له بيتُ المقدس، فوصَفَه لمن سأل (١) عنه (٢). ع: احتج بذلك أئمتُنا في جواز الإعلام بموت الميت، وأن هذا ليس من النعي الذي نُهي عنه، خلف ما رُوي عن حذيفة: أن لا يؤذن به أحدٌ، وقال: أخافُ أن يكون نعيًا، ونحوه عن ابن المسيب، وقال [به] بعضُ سلف الكوفيين من أصحاب ابن مسعود، وحمل الأول (٣) النهي عن النعي على عادة الجاهلية. وذكرَ نحوَ ما ذكره الأصمعي، وزاد: ويكون (٤) مع النعي ضجيج وبكاء، وكره مالك الإنذارَ بذلك على أبواب المساجد، والأسواق، ورآهُ من النَّعْي (٥). الثالث: قوله: "وخرج بهم إلى المصلَّى": يحتج به، وبفعلِ النبي ﷺ ، في غير جنازة: على (٦) أن سُنَّتها (٧) الصلاةُ عليها في البقيع، وأن (٨) لصلاة الجنازة موضعًا مخصوصًا (٩).

стр. 1536

وأما ما نُقل من صلاته ﵊ على سَهْيلِ بنِ بيضاء (١) في المسجد (٢)، فيجوز أن يكون بيانًا للجواز، وأنه ليس بحرام، ويؤيد هذا الاحتمال: أن العمل على خلافه؛ بدليل قول عائشة ﵂: ما أسرعَ ما نَسِيَ الناسُ! فهذا صريح (٣) في أن الناس كانوا لا يصلون على ميت في المسجد؛ إذ لو كان ذلك، لما (٤) حسن قولها: ما أسرع ما نسي الناس! ويكون ذلك جمعًا بين الحديثين، واللَّه أعلم. الرابع: قوله: "فصفَّ" (٥) دليلٌ على أن صلاة الجنازة يلزم فيها من إقامة الصفوف، وتقديم ما يلزم في سائر الصلوات (٦). الخامس: قوله: "وكبر أربعًا" نصّ صريح، ودليلٌ ظاهر للجمهور، على أن تكبير صلاة الجنازة أربعُ تكبيرات، وقد اختلف الناسُ في ذلك على ستة أقوال، لا أعلم لها سابعًا: الأول: وهو أصحُّها وأشهرها: أن التكبير أربع، وبه قال مالك،

стр. 1537

والثوري، والأوزاعي والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وداود، وأبو ثور، وجماعة من الصحابة والتابعين. القول الثاني: أنه ثلاثُ تكبيرات، وبه قال ابن سيرين، وأبو الشعثاء جابرُ بنُ زيد (١)، وروي عن ابن عباس. القول الثالث: أنه خمس تكبيرات، وبذلك قال زيدُ بنُ أرقم، وحُذيفة بن اليمان، وذهب إليه الفقهاء السبعة (٢). القول الرابع: ما حُكي عن ابن مسعود: أنه قال: كَبَّرَ رسولُ اللَّه ﷺ تسعًا، وسبعًا، وخمسًا، وأربعًا، فكبروا ما كبر الإمام، فأشار إلى أن ذلك كلَّه جائز، وأن المصلِّي مخيرٌ في ذلك. القول الخامس: يكبر ما كبر الإمام، ولا يزيد (٣) على سبع، قاله إسحاق. القول السادس: ما روي عن علي بن أبي طالب (٤): أنه كان يكبر على أهل بدر ستًا، وعلى سائر الصحابة خمسًا، وعلى غيرهم أربعًا. قال أبو عمر بنُ عبد البر: وانعقد الإجماع بعدُ على أربع، لا يُزاد

стр. 1538

عليها على ما جاء في الأحاديث الصحاح، وما سوى ذلك عندهم شذوذٌ لا يُلتفت إليه اليوم (١). ولا نعلم أحدًا قال من (٢) فقهاء الأمصار بخمس إلا ابن أبي ليلى. قلت: ولم يذكر في الحديث السلامُ منها، وقد ذكره الدارقطني في "سننه"، وابن حبيب من أصحابنا (٣). واختلف العلماء فيه في مواضع: الأول: حكمُه: والجمهورُ على أنه فرضٌ؛ كالسلام من الصلاة، ووقع في "العتبية": أنه مستحب، وقال به محمد بن أبي صفرة. الثاني: عدده: والجمهورُ على أنه تسليمة واحدة، وهو قول مالك، والشافعي. وذهب أبو حنيفة، والثوري (٤)، وجماعة من السلف: إلى أنه تسليمتان، واختاره المزني، وهو أحد قولي الشافعي أيضًا. الثالث: صفته: فقيل: إنه جهرٌ كسائر الصلوات، وهو قولُ أبي حنيفة، والمشهور من قول مالك. وقيل: إنه سرٌّ، وهو قولُ الشافعي، والشاذُّ من قول مالك. ويُعلم

стр. 1539

كمالُ الصلاة عند هؤلاء بالانصراف. واختلف قولُ مالك في المأمومين، هل يردُّون على الإمام تسليمة أخرى، أم لا؟ وظاهر الأحاديث: أنه تسليمة واحدة. وتحصيل المسألة: أن المصلِّين ثلاثة: إمام، ومأموم، ومنفرد. فسلام الإمام من هذه الصلاة كسلامه من المكتوبة، يسلم واحدة قبالة وجهه يتيامن بها قليلًا، هذا هو المشهور. وقال أشهب في "مدونته": يسلم تسليمتين، ولا يسلم مَنْ معه حتى يفرغَ منهما. وأما المأموم، ففيه ثلاثة أقوال: أشهرها: أنه يسلم واحدة، ولا يرد على إمامه، ولا غيره. والثاني: أنه يسلم ثانية يردُّ بها على إمامه، قاله في "العتبية"، وقاله (١) أشهب. قال اللخمي: وهو أحسنُ؛ قياسًا على المكتوبة، فيرد المأمومُ على إمامه، وعلى مَنْ على يساره، بعد التسليمة التي يخرج (٢) بها من الصلاة. قال (٣): لأن رد التحية فرض، (٤) فالإمامُ قد سلَّم على مَنْ خلفه،

стр. 1540

فيردُّون عليه، وكلُّ واحد من المأمومين قد سلَّم على صاحبه بالتي خرج بها من الصلاة. القول الثالث: قاله مالك في "الواضحة": لا يرد على الإمام إلا مَنْ سمعه (١)، وكذلك عنه في "العتبية"، وقد فَرَّقَ بينَ المكتوبة وهذه الصلاة -على القول المشهور فيها بالنسبة إلى المأموم، وأنه لا يسلم إلا واحدة-، بأن الغالب أن الإمام في هذه الصلاة ينصرف، ولا يثبت لرد المأموم عليه بعدَ انصرافه، فهو كمن سلم عليه رجل (٢)، ثم ولَّى عنه، وتباعد، فلا معنى للردِّ عليه وهو لا يسمع (٣)، إذ الأصلُ أن السلامَ وردَّه تأمين، فإذا بَعُد بحيث لا يسمع، ذهب معنى التأمين. قال بعض المتأخرين: معنى (٤) قولِ اللخمي: أن ردَّ (٥) السلام فرض إن قيل به، فذلك (٦) إنما هو في سلامٍ ليس المقصودُ منه إلا التحيةَ على الغير، وتأمينَه، وأما تسليمةُ (٧) الإمام، والتسليمُ الأول من المأمومين، فإنما شُرعت (٨) تحليلًا من الصلاة، وليس المهمُّ فيها التسليمَ على

стр. 1541

الناس، ألا ترى أن كلَّ مصلٍّ يأتي بها، وإن لم يكن ثَمَّ أحدٌ يسلِّم عليه؟ ويشهد لذلك من المذهب: أن مَنْ حلف أن لا يكلم زيدًا، لم يحنث بهذه التسليمة، والذي يؤكد ذلك -أيضًا-: أن هذه التسليمة لو كان المقصود بها السلامَ على الناس، لاكتفى بردِّ واحدٍ من الجماعة على الإمام، وأيضًا: فإن التسليمة الثانية غيرُ واجبة عندنا، وعند الشافعي، ولو كانت لقصد (١) الرد، لكان (٢) على ما يقول فرضًا. وأما الفَذُّ، فيسلِّم تسليمةً واحدة؛ كما في "المكتوبة" على المشهور (٣)؛ إذ ليس معه مَنْ يردُّ عليه. وأطلق أصحابُ الشافعي القولَ: بأن المصلي على الجنازة يسلِّم تسليمتين: عن يمينه، وعن (٤) شماله، ولم يفرقوا بين فَذٍّ وغيرِه، وجعلوها كالمكتوبة. وهل يجهر بالتسليم، أو لا؟ روايتان عن مالك: وجهُ الجهر: أنها صلاةُ فرض في جماعة، فيُسن فيها للإمام الإعلانُ بالسلام كالمكتوبة، وليعلَمَ المأمومون بفراغ الإمام، فيسلمون. ووجه الإسرار: أنها ذكرٌ منفرد عن الصلاة، فلا إعلانَ فيها؛ كسجود السهو بعد السلام، ولأن المأمومين يعلمون بفراغ الإمام بعد

стр. 1542

انصرافه، وقد جاء أن الصحابة كانوا يسلمون تسليمًا خفيفًا، ذكره ابن وهب في "المدونة"، والسنة أن يفعل من وراءَهُ مثله، واللَّه أعلم. ولم يذكر -أيضًا- في الحديث رفعَ الأيدي مع التكبير، وقد اختلف فيه قولُ مالك على ثلاثة أقوال: الرفع في الأولى فقط، وهو المشهور، وفي الجميع، ولا يرفع (١) جملة، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 1543

الحديث الثاني ١٥٢ - عَنْ جَابِرٍ (١): أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى النَجَاشِيِّ، فَكُنْتُ (٢) فِي الصَّفِّ الثَّانِي، أَوِ (٣) الثَّالِثِ (٤).

стр. 1544

هذا الحديث بعضُ ما قبلَه، إلا قولَه: فكنت في الصف الثاني، أو الثالث، والظاهر أن الشك من جابر، لا من الراوي عنه. فيه (١): جعل (٢) الناس صفوفًا في صلاة الجنازة؛ كالمكتوبة (٣)، مع إمكان أن يكونوا صفًا واحدًا؛ لأن الصحراء لا تضيق بالصف الواحد. ق (٤): وقد حكي عن بعض المتقدمين: أنه كان إذا حضر الناس الصلاة، صفهم صفوفًا؛ طلبًا لقبول الشفاعة؛ للحديث المرويِّ فيمن صلَّى عليه ثلاثةُ صفوف (٥). قلت: وفي هذا عندي نظر؛ لأن المراد من قوله ﵊ "ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ" (٦): الكثرةُ، لا مجرد الصفوف، حتى لو اجتمع في صف واحد مئةُ نفس -مثلًا-، وكان في ثلاثة صفوف ثلاثون (٧)، لكان ما يتحصَّلُ من بركة أهل الصفِّ الواحد وشفاعتِهم

стр. 1545

للميت أكثرَ ممَّا يتحصل (١) من الصفوف الثلاثة؛ لقلة عددهم بالنسبة إلى الصف الواحد المشتملِ على مئة نفس، هذا مما لا ينازع فيه إن شاء اللَّه تعالى، وليس المقصود منه (٢) مجردَ الصفوف (٣)، واللَّه أعلم. * * *
следующие страницы →