← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

الناس، ألا ترى أن كلَّ مصلٍّ يأتي بها، وإن لم يكن ثَمَّ أحدٌ يسلِّم عليه؟ ويشهد لذلك من المذهب: أن مَنْ حلف أن لا يكلم زيدًا، لم يحنث بهذه التسليمة، والذي يؤكد ذلك -أيضًا-: أن هذه التسليمة لو كان المقصود بها السلامَ على الناس، لاكتفى بردِّ واحدٍ من الجماعة على الإمام، وأيضًا: فإن التسليمة الثانية غيرُ واجبة عندنا، وعند الشافعي، ولو كانت لقصد (١) الرد، لكان (٢) على ما يقول فرضًا. وأما الفَذُّ، فيسلِّم تسليمةً واحدة؛ كما في "المكتوبة" على المشهور (٣)؛ إذ ليس معه مَنْ يردُّ عليه. وأطلق أصحابُ الشافعي القولَ: بأن المصلي على الجنازة يسلِّم تسليمتين: عن يمينه، وعن (٤) شماله، ولم يفرقوا بين فَذٍّ وغيرِه، وجعلوها كالمكتوبة. وهل يجهر بالتسليم، أو لا؟ روايتان عن مالك: وجهُ الجهر: أنها صلاةُ فرض في جماعة، فيُسن فيها للإمام الإعلانُ بالسلام كالمكتوبة، وليعلَمَ المأمومون بفراغ الإمام، فيسلمون. ووجه الإسرار: أنها ذكرٌ منفرد عن الصلاة، فلا إعلانَ فيها؛ كسجود السهو بعد السلام، ولأن المأمومين يعلمون بفراغ الإمام بعد

стр. 1542

انصرافه، وقد جاء أن الصحابة كانوا يسلمون تسليمًا خفيفًا، ذكره ابن وهب في "المدونة"، والسنة أن يفعل من وراءَهُ مثله، واللَّه أعلم. ولم يذكر -أيضًا- في الحديث رفعَ الأيدي مع التكبير، وقد اختلف فيه قولُ مالك على ثلاثة أقوال: الرفع في الأولى فقط، وهو المشهور، وفي الجميع، ولا يرفع (١) جملة، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 1543

الحديث الثاني ١٥٢ - عَنْ جَابِرٍ (١): أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى النَجَاشِيِّ، فَكُنْتُ (٢) فِي الصَّفِّ الثَّانِي، أَوِ (٣) الثَّالِثِ (٤).

стр. 1544

هذا الحديث بعضُ ما قبلَه، إلا قولَه: فكنت في الصف الثاني، أو الثالث، والظاهر أن الشك من جابر، لا من الراوي عنه. فيه (١): جعل (٢) الناس صفوفًا في صلاة الجنازة؛ كالمكتوبة (٣)، مع إمكان أن يكونوا صفًا واحدًا؛ لأن الصحراء لا تضيق بالصف الواحد. ق (٤): وقد حكي عن بعض المتقدمين: أنه كان إذا حضر الناس الصلاة، صفهم صفوفًا؛ طلبًا لقبول الشفاعة؛ للحديث المرويِّ فيمن صلَّى عليه ثلاثةُ صفوف (٥). قلت: وفي هذا عندي نظر؛ لأن المراد من قوله ﵊ "ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ" (٦): الكثرةُ، لا مجرد الصفوف، حتى لو اجتمع في صف واحد مئةُ نفس -مثلًا-، وكان في ثلاثة صفوف ثلاثون (٧)، لكان ما يتحصَّلُ من بركة أهل الصفِّ الواحد وشفاعتِهم

стр. 1545

للميت أكثرَ ممَّا يتحصل (١) من الصفوف الثلاثة؛ لقلة عددهم بالنسبة إلى الصف الواحد المشتملِ على مئة نفس، هذا مما لا ينازع فيه إن شاء اللَّه تعالى، وليس المقصود منه (٢) مجردَ الصفوف (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1546

الحديث الثالث ١٥٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ (١) عَلَيْهِ أَرْبَعًا (٢).

стр. 1547

* الكلام على هذا الحديث من وجوه: الأول: القبر: واحدُ القبور، والمقبَرة والمقبُرة -بفتح الباء وضمها (١) -، ويقال: قَبَرْتُ الميتَ أَقْبُره وأَقْبِرُه -بضم الباء وكسرها- قَبْرًا؛ أي: دفنته، وأَقْبَرْتُه (٢): أمرتُ بأَن يُقبر، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]؛ أي: جعله ممن يُقبر، ولم يجعلْه يُلقى للكلاب (٣)، وكان القبر مما أكرم اللَّه -تعالى- به (٤) بني (٥) آدم (٦). وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]؛ أي: أوعيةً، واحدُها كفتٌ، ويقال: كِفاتًا: مضَمًّا، تكفتُ أهلَها، أي: تضمُّهم أحياءً على ظهرها، وأمواتًا في بطنها، وكان يسمون بقيعَ الغَرْقَدِ: كَفْتَةَ؛ لأنه (٧) مقبرةٌ يَضُمُّ الموتى.

стр. 1548

الثاني: قوله: "على قبر"؛ أي: على صاحبِ قبر، فحذفَ (١) المضافَ، وأقام المضاف إليه مقامه، وهو قياس في العربية. وقوله: "بعدما دفن"؛ أي (٢): بعدما دُفن صاحبُه، ففي (دُفن) ضمير يعود على المضاف المقدَّر؛ إذ لا يجوز أن يقدر ظاهرًا؛ لأن المفعول القائمَ مقامَ الفاعل؛ كالفاعل في أنه لا يحذف، فليتنبه لذلك. الثالث: فيه: الصلاةُ على القبر بعدَ الدفن، وقد اختلف العلماء في ذلك، فأجازها (٣) بعضهم، ومنعها بعضهم. وجهُ المنع: أن النبي ﷺ لم يُصَلَّ على قبره. ووجهُ الإجازة: صلاتُه ﷺ على قبر السوداء التي كانت تَقُمُّ المسجدَ (٤). قال الإمام المازري: وانفصل (٥) عن ذلك بوجوه: أحدها: أنه إنما فعل ذلك ﷺ ؛ لأنه كان وعدَها أن (٦) يصلِّيَ عليها، فصار ذلك كالنذر عليه ﷺ ، وهذا ضعيف؛ لأن النذر إنما يوفى به إذا كان جائزًا، فلو لم تكن الصلاة على القبر جائزة، لما فعلها.

стр. 1549

والوجه الثاني: أنه فعل ذلك؛ لأنه ﵊ أمرهم أن يُعْلِموه، وهو الإمامُ الذي إليه الصلاةُ، فلما صلَّوا دونَ علمِه، كان ذلك بمنزلة مَنْ دُفِنَ بغير صلاة، وهذا التأويل تبعده (١) القولةُ الشاذة التي لمالك فيمن دُفن بغير صلاة. قال: ويحتمل عندي أن يكون وجهُ ذلك: أنه ﵊ لما صلَّى على القبر، قال عند ذلك: "إِنَّ هَذ القُبُورَ (٢) مَمْلُوءَةٌ عَلَى أَهْلِهَا ظُلْمَةً، وَإِنَّ اللَّه (٣) -تَعَالَى- يُنَوِّرُهَا بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ" (٤)، أو كما قال، وهذا كالإفهام بأن هذا هو علةُ (٥) صلاته على القبور، وهذه علة تختص بصلاته ﵊؛ إذ لا يُقطع على وجود ذلك في غيره، وفي الكتاب: عن ابن عباس: أن النبي ﷺ صلَّى على القبر، ويحتمل أن يكون القبر الذي أرادَ ابنُ عباس، هو قبرُ السوداء المذكور (٦)، انتهى كلامه (٧). ع (٨): وتحصيلُ مذهب مالك وأصحابه، ومشهورُ أقوالِ أكثرهم،

стр. 1550

فيمن لم يُصَلَّ عليه حتى دُفن: أنه يُصَلَّى عليه في قبره، وعنه -أيضًا-، وهو قول سحنون، وأشهب: لا يصلى عليه. ومشهور قوله، وقول أصحابه، فيمن صُلِّى عليه: ليس لمن فاتته الصلاةُ عليه إعادةُ الصلاة عليه، وهو قول الليث، والثوري، وأبى حنيفة، قال: إلا أن يكون وَلِيَّه، فله إعادةُ الصلاة (١). وعن مالك أيضًا: جوازُ ذلك، وهو قول الشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم. واختلف فيما يفيت الصلاة عليه، وإخراجَه إذا دُفن بغير صلاة، هل بإهالة التراب؟ وهو قول أشهب، أو بتسويته؟ وهو قول عيسى، وابن وهب، أو خوف التغير عليه؟ وهو قول ابن القاسم، وابن حبيب، وقاله سحنون -أيضًا-، أو الطول، وذلك فيمن لم يُصَلَّ عليه، ما زاد على ثلاثة أيام فأكثر عند أبي حنيفة. وقال أحمد: فيمن صُلِّي عليه: تُعاد إلى شهر، وقاله إسحاقُ في الغائب، قال: وفي الحاضر ثلاثة أيام. قال أبو عمر (٢): وأجمعَ مَنْ قال بالصلاة على القبر: أنه لا يُصَلَّى عليه إلا بالقرب. وأكثر ما قيل في ذلك شهر (٣).

стр. 1551

قلت: قال الباجي: وجهُ قول أشهب: أَن وضعَ (١) اللَّبِن من بنيان داخل القبر، وأما إهالةُ التراب، فهو المشروعُ في الدَّفن والتغطية، وإنما يفوتُ بالدفن (٢). ووجهُ قولِ ابن وهب: أن الفراغَ من الدفن تسويةُ التراب. ووجه قولِ ابنِ القاسم: أنه لا تأثير للتراب وتسويته؛ إذ لا مضرة على الميت في إزالته، ولا هتكَ في ذلك لحرمته ما لم يُخف التغيرُ عليه، فإذا خيف التغير، امتنع إخراجُه؛ لما في ذلك من هتك حرمته (٣). ونقل ابن الصباغ من الشافعية عن مذهبه وجها: بأنه يُصَلَّى على القبر أبدًا، وهو غريب، وقد انفرد البخاري عن عقبة بن عامر، قال: صلَّى رسولُ اللَّه ﷺ على قتلى أُحُدٍ بعد ثمان سنين (٤)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1552

الحديث الرابع ١٥٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ يَمَانِيَةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا عِمَامَةٌ (١).

стр. 1553

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الثوبُ: معروفٌ، وبيضٌ، وزنُه في الأصل (١): فُعْلٌ -بضم الفاء-؛ مثل: حُمْر، ولكن أُبدل من ضمة الباء كسرة؛ كراهةَ انقلابِ الياءِ واوًا (٢). فائدة: قيل: إن أصول (٣) الألوان أربعة: الابيضاض، والاحمرار، والاخضرار (٤)، والاسوداد، وما عدا ذلك من الألوان متشعبٌ منها، واللَّه أعلم. الثاني: فيه: أن تبييض الكفن من السنة، ولا أعلم في أفضليته خلافًا، وكره الأوزاعي الثياب المصبغة في الكفن، إلا العَصْبَ، وهو ضربٌ من بُرود اليمن؛ لأنها من ملابس الجمال والزينة، وليس موضعه. الثالث: قولها: "يمانية": هو بتخفيف الياء، والأصل (يَمَنِيَّة)،

стр. 1554

-بتشديد الياء-، لكنهم عوضوا عن الياء الألف، فلا يجتمعان. قال سيبويه ﵀: وبعضهم يقول: (يَمَانِيَّ)، بالتشديد (١). الرابع: قولها: "ليس فيها قميصٌ، ولا عِمامة": يحمله الشافعي على أنه ليس في الكفن بموجود (٢). ويحمله مالك على أنه ليس بمعدود، بل يحتمل أن يكون ثلاثةُ الأثواب (٣) زيادةً على القميص والعمامة. قلت: ومثلُه قوله تعالى: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢]؛ فإنه يحتمل أن يتناول النفيُ الموصوفَ وحدَه، وهو العَمَدُ، دونَ الصفة التي هي (٤) (ترونها)، على أن (٥) ثَمَّ عَمَدًا، إلا أنها غيرُ مرئية، والتقدير: بغير عَمَدٍ مرئيةٍ لكم، ويحتمل أن يتناول الصفةَ والموصوفَ جميعًا، ويكون من وادي (٦): علَى لَاحِبٍ (٧) لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ (٨)

стр. 1555

وَ: لا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرْ أي: لا مَنارَ هناك فيُهتدى به، ولا ضَبَّ هناك فينجَحِر (١)، واللَّه أعلم. ع: ورجح الشافعي تأويلَه بقول الراوي: وأما الحلة، فشُبِّه على الناس فيها: أنها اشتُريت له ليكفَّنَ فيها، فتركت الحلةُ، فكُفِّن في سواها. واحتج -أيضًا- من جهة القياس: بأنها لِبْسَةٌ (٢) في حالةٍ، المقصودُ بها التقرُّب والخضوع، فشابهت لبسةَ المحرِم. واحتج أصحابنا: بإعطائه ﵊ القميصَ لأُبيِّ ابن سلول (٣)، وانفصلوا عن هذا الحديث: بأنه قد قيل: إنما أعطاه ذلك عوضًا عن القميصِ الذي كساه للعباس ﵁ (٤). قلت: وذلك أن العباسَ بنَ عبد المطلب ﵁ كان بالمدينة، فطلبتْ (٥) له الأنصارُ ثوبًا يكسونه إياه، فلم يجدوا قميصًا يصلُح عليه

стр. 1556

إلا قميصَ عبدِ اللَّهِ بنِ أُبي، فكسوه إياه (١)، هكذا ذكره أبو سليمان الخطابي في "شرح السنن". ع: وحكى ابن القصار: أن القميص والعمامة غيرُ مستحب عند مالك، ونحوه عن ابن القاسم (٢)؛ كقول الشافعي، وهذا خلافُ ما حكاه متقدمو (٣) أصحابنا: ابن القاسم وغيرُه عن مالك من أنه يُقَمَّص ويُعَمَّم، وعلى قوله: يُقَمَّص ويُعَمَّم يُدْرَج في ثلاثة أثواب، فيكون خمسةً على ما قاله بعضُ شيوخنا. وقد جاء عنه -أيضًا-: لا بأس بالقميص في الكفن، ويُكَفَّن معه بثوبين فوقَه، فهذا على قوله ثلاثة أثواب (٤). قلت: فإن كانت خمسةً، فعمامة، وقميصٌ، ومئزر، ولفافتان (٥). وإن كُفنت المرأة في خمسة، فإزار، وخمار، ودرع (٦)، ولفافتان. واستحب أن (٧) يُشد المئزرُ بعصائبَ من حَقْوَيْها إلى ركبتيها، وإن

стр. 1557

كُفنت في ثلاثة؛ فكالرَّجُل. ويُستحب في الكفنِ الوترُ، وأقلُّه ثلاثة، وأكثرُه سبعة. قال اللخمي: ولا يجاوز السبعةَ؛ فإنه (١) سرف. والاثنان خيرٌ من الواحد؛ لأنه أَسْتر، والثلاثةُ خيرٌ من الأربعةِ، والخمسةُ خيرٌ من الستة. قال اللخمي: فإن كان (٢) السبعةُ مدارجَ من غير قميص ولا عِمامة، فحسن. قال مالك في "المدونة": من شَأنِ الميتِ أن يُعَمَّم. قلت: قال (٣) أصحابنا: و (٤) عمامةُ الميتِ على حسب عمامةِ الحيِّ، رواه مُطرِّفٌ، عن مالك، يُجعل منها تحتَ لَحْييه، ويُترك منها قدرُ الذراع ذؤابةً تُطرح على وجهه، وكذلك من خمار المرأة؛ لأنه بمنزلة العمامة للرجل، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 1558

الحديث الخامس ١٥٥ - عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارَّيةِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أكثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ، فآذِنَّنَي، فَلَمَّا فَرَغْنَا، آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: "أَشْعِرْنهَا بِه"؛ تَعْنِي: إِزَارَه (١). وَفي رِوَايَةٍ: "أَوْ سَبْعًا" (٢).

стр. 1559

وَقَالَ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضعِ الوُضُوءِ مِنْهَا" (١). وإِنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ (٢).

стр. 1560

* التعريف: أم عطية: اسمها نسُيْبَةُ -بضم النون-، وقيل: -بفتحها- بنتُ كعب، وقيل: بنت الحارثِ، الأنصاريةُ. روي لها عن رسول اللَّه ﷺ أربعون حديثًا، اتفقا (١) على ستة، وللبخاري حديث واحد، ولمسلم آخر. روى عنها (٢): محمد بن سيرين، وأختُه حفصة. روى لها الجماعة (٣). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: يقال تُوُفِّي الإنسانُ، وهَلَكَ، وماتَ، وقضى (٤)، ودَرَجَ، ويقال في غير الآدمي: نَفَقَ الحمار، طَفِسَ البِرْذَوْنُ، تَنْبَلَ البعيرُ،

стр. 1561

هَمَدَتِ النار، قَرَتَ الجرحُ: إذا ماتَ الدمُ فيه. الثاني ابنتُه هذه ﷺ هي (١) زينبُ، هذا هو المشهور، وذكر بعضُ أهل السير أنها أُمُّ كُلثوم (٢). وكان له ﷺ ثمانيةٌ من الولد؛ أربعةُ ذكور: القاسم، وبه كان يكنى ﷺ ، والطيب، والطاهر، وإبراهيم، وأربعُ إناث (٣): زينب هذه، ورُقَيَّة، وأُمُّ كُلْثوم، وفاطمة. قال ابن هشام: أكبرُ بنيه القاسمُ، ثم الطيب، ثم الطاهر، وأكبرُ بناته رقيةُ، ثم زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة. قلت: وقيل: أكبرهُن أم كلثوم. قال ابن إسحاق: فأما القاسم، والطاهر، والطيب، فهلكوا في الجاهلية، وأما بناته ﷺ ، فكلهن أدركَ الإسلام، وأسلَمْن، وهاجرْنَ معه ﷺ . قلت: وكلهم من خديجة ﵂، إلا إبراهيمَ، فإنه من ماريا سُرِّية النبيِّ ﷺ التي أهداها له المُقَوْقِسُ من حَفْن من (٤) كورة أنصنا (٥) (٦).

стр. 1562

الثالث: قوله ﵊: "أو أكثرَ من ذلكِ إن رأيتنَّ ذلكِ" إلى آخره، هو (١) بكسر الكاف من (ذلكِ)؛ لأن الخطاب لمؤنث، وإن كان المشار إليه مذكر؛ إذ القاعدة في العربية أن تجعلَ أوَّلَ الكلام لمن تسأل عنه، وآخرَه لمن تخاطبه، فتقول: كيف ذلك الرجل يا امرأة؟ وكيف تلك المرأة يا رجل؟ على ما هو مبين في كتب العربية. الرابع: قوله ﵊: "اغسلْنَها" استدَلَّ به على وجوبِ الغسل. ق (٢) والاستدلالُ بصيغة هذا الأمر على الوجوب، يتوقف عندي (٣) على مقدمة أصولية؛ وهو جواز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد (٤)؛ من حيث إن قوله: "ثلاثًا" غيرُ مستقل بنفسه، فلا بد أن يكون داخلًا (٥) تحت صيغة الأمر، فتكون (٦) محمولةً فيه على الاستحباب، وفي أصل الغسل على الوجوب، فيراد بلفظ (٧) الأمر: الوجوبُ بالنسبة إلى أصل الغسل، والندب بالنسبة إلى الإيتار (٨). قلت: وهو كما قال رحمه اللَّه تعالى.

стр. 1563

الخامس: قوله ﵊: "إن رأيتنَّ ذلكِ"، قيل: معناه: إن رأيتنَّ الغسلَ، وقيل: معناه: إن رأيتنَّ الزيادةَ في العدد (١)، وهذا (٢) الثاني هو (٣) المتبادَرُ إلى الفهم، وانبنى على ذلك الاختلافُ في حكم الغسل، فمن قال: معناه: إن رأيتن الغسلَ، قال: غسلُ الميت سنةٌ، ومن قال: معناه: إن رأيتن الزيادةَ على العدد، قال بوجوبه، وهذا -واللَّه أعلم- ينبني (٤) على الخلاف في التقييد، والاستثناء، والشرط، إذا تعقب الجمل، هل يعود (٥) إلى جميعها، إلا (٦) ما أخرجه الدليل، أو إلى أقربها؟ بين الأصوليين (٧) خلاف. والعجب من ح في نقله الإجماعَ على أن غسل الميت فرضُ كفاية (٨)، مع ثبوت هذا الخلاف، [الذي] نقله الإمام (٩) أبو عبد اللَّه المازري وغيره، أعني: أن غسل الميت واجبٌ أو سنة (١٠).

стр. 1564

وإذا قلنا: إن معناه: الزيادةُ على العدد، فمعناه: التفويضُ إلى رأيهنَّ بحسب الحاجة والمصلحة، وليس على طريق التشهِّي؛ فإن الزيادة على قدر الحاجة سَرَف، فهو من قَبيل (١) الإسراف في ماء (٢) الطهارة، وإذا زيد على تلك (٣)، فالانتهاءُ إلى السبع؛ إذ لا يحتاج إلى الزيادة عليها في الأغلب. ولتعلمْ: أنه ليس عند مالك ﵀، وبعضِ أصحابه، في غسل الميت تحديدٌ بعدد معين، ولكن ينقي (٤) الميت، ولا يقتصر مع الإنقاء على دون الثلاث، فإن احتيج إلى زيادة، استحب الوتر، وليس لذلك عنده حَدٌّ. ع: وإلى هذا يرجع قولُ الشافعي وغيرِه من العلماء، وكذا إذا احتاج الغاسلُ إلى ذلك، أو خرج من الميت شيء بعدَ غسله، أعاد الغسلَ، وحُجَّتُهم الحديثُ، بقوله (٥): "إنْ رأيتنَّ ذلكِ"، وصرف الأمر إلى اجتهاد الغاسل بحسب ما يحتاج إليه من زيادة الإنقاء، وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث: "أَوْ سَبْعًا"، وإلى هذا نحا أحمد، وإسحاق، أن لا يُزاد على سبع، وإن خرج منه شيء بعد السبع، غُسِلَ الموضعُ وحده (٦).

стр. 1565

وقاله الثوري، والمزني، وجماعة من المالكية. قالوا: وحكمُه حكمُ الجنب إذا أحدثَ بعدَ الغسل. ومنهم من قال: يُوَضَّأُ إذا خرجَ منه شيء بعد الثالثة. وذهب بعضُهم: إلى (١) أنه لا حدَّ فيه أولًا، ولا آخرًا: أنه يجزىء فيه ما يجزىء في الغسل من الجنابة. ونحوه قول عطاء: الواحدةُ السابغةُ (٢) في ذلك تجزىء (٣). السادس: قوله: "بماء وسِدْر": معناه عند جمهور العلماء: أن يُذاب السدرُ المسحوقُ (٤) بالماء، ثم يُعْرَك به بدنُ (٥) الميت، ويُدلك به. ع: وليس قولهم: بماء وسدر أن تلقي (٦) ورقاتٍ من السدر في الماء عندَ كافتهم (٧)، بل أنكروه، ونسبوا فعله للعامة، وقد ذكر الداوودي نحوًا منه (٨)، قال: يُسحق السدر، ويُرمى في الماء، ولكنه عند جمهورهم:

стр. 1566

على أن يُغسل أولًا بالماء القَراح، فتتم الطهارة، ثم الثانية بالماء والسدر للتنظيف (١)، ثم الثالثة بالماء والكافور للتنظيف والتجفيف، وهذا حقيقة مذهب مالك. وحكاه ابن حبيب، وقال: بل يبدأ بالماء والسدر ليقعَ التنظيف أولًا، ثم بالماء القراح ثانيًا. وقال أبو قِلابة مثلَه، لكنه قال: ويحسب هذا غسلةً واحدة، وهو (٢) جارٍ على قياسات الطهارة. وذهب أحمد إلى أن الغسلاتِ كلَّها تكون (٣) بالسدر على ظاهر الحديث، وفي حديث آخر: "كُلُّهُنَّ بِالمَاءِ وَالسِّدْرِ" (٤)، وقد يكون قولهم: (غسلُه بالماء والسدر) ليس بأن يُلقى فيه السدر كما قالوا، ولكنه يُخَضْخَضُ السدرُ بالماء حتى تخرجَ رغوتُه للغسل، ثم يُغسل به (٥) الميت، ويُصب الماء من فوق ذلك للتطهير، وأظن (٦) هذا مراد الداوودي؛ كسائر ما يُزال من النجاسات والأقذار اللزجة بالغاسول، فلا يكون غسلًا مضافًا.

стр. 1567

قلت: ومذهبنا: أن غسلَ الميت عِبادة، لا للنجاسة؛ إذ لو كان للنجاسة، لما زاده الغسلُ إلا نجاسةً؛ إذ الذاتُ النجسةُ لا يطهرها الماء، على القول بنجاسة الآدمي إذا مات، فكيف، والصحيح طهارةُ المؤمن حيًا وميتًا؟ وقد قال ﵊: "المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ" (١)، هذا معنى كلام ع، وأكثرُ لفظه (٢). السابع: قوله: "واجعلْنَ في الآخرةِ كافورًا"؛ أي: المرةِ الأخيرة، وكان الكافورُ؛ لشدة تبريده وتجفيفه جسدَ (٣) الميت، وحياطته عن سرعة التغير (٤) والفساد، ولتطيب رائحتُه للمصلين (٥)، ومَنْ يحضر من الملائكة. ع: على هذا الاستعمال (٦) جماعةُ العلماء، إلا أبا حنيفةَ وأصحابَه. ورُوي (٧) عن النخعي: إنما ذلك في الحنوط، لا في الغسل، ويمكن أن يتأول (٨) من قال: هذا في الآخرة، أي: بعد تمامها، والظاهرُ خلافه، واللَّه أعلم. قالوا: ووجهُ تخصيص الكافور دون غيره من الطيب: أن فيه تبريدًا

стр. 1568

للجسد، وتجفيفًا له، ويمنعه (١) من سرعة التغير، ولقوة رائحته، وسطوعِها وغلبتِها على غيرها، فإن لم يوجد، قام غيرُه من الطِّيب مَقامَه (٢). الثامن: قوله: "فألقى إلينا حَقْوَه، فقال: أَشْعِرْنها إياه": الحَقْوُ هنا: الإزار، والأصلُ فيه: الخَصْر، ومَعْقِدُ الإزار، وهو بكسر الحاء وفتحها، وسمي به الإزار مجازًا؛ لأنه يُشَدُّ فيه، وكأنه من باب تسمية الشيء بمجاوره؛ كما قالوا للمزادة: راوِيَة، والراويةُ: اسمٌ للجملِ الحاملِ لها (٣)، وغير ذلك مما لا نطوِّل بذكره. وجمعه: أَحْقٍ؛ مثل: أَدْلٍ، وأَجْرٍ، في (٤) جمع دلْوٍ، وجَرْوٍ، ويجمع -أيضًا- على أَحْقاء؛ كحِمل وأَحْمال، وفي الكثير حُقِيٌّ، وأصلُه حُقووٌ، فأَدَّاه التصريفُ إلى حُقِيٍّ (٥). وقوله ﵊: "أشعرنها به"؛ أي (٦): اجعلْنَه شعارًا لها، والشِّعارُ: الثوبُ الذي يلي الجسدَ، سُمي شعارًا؛ لأنه يلي شعرَ الجسد، وكأن ذلك لتنال (٧) بركته ﷺ .

стр. 1569

ففيه: التبرُّكُ بآثار الصالحين، ولباسهم. وفيه جواز (١) تكفينِ المرأة في ثوب الرجل. ع (٢): واختُلف في صفة إشعارها إياه، فقيل: يُجعل لها مئزرًا، وهو قولُ ابنِ وهب. وقيل: لا تُؤْزر، ولكن تُلَفُّ فيه، وهو قول ابن القاسم، وجماعة من العلماء. قال ابن سيرين: المرأة تُشعر، ولا تُؤْزر. قال ابن جريج: أشعرنها: الْفُفْنَها. وقال النخعي: الحَقْو: فوقَ الذراع. وقال ابنُ عُليَّة: الحَقْو: النطاق، سَبَنِيَّةٌ طويلةٌ يجمع فيه فخذاها (٣)؛ تحصُّنًا لها، ثم يلف على عجزها (٤)، واللَّه أعلم. التاسع: قوله: "بميامنها، ومواضعِ الوضوء منها": الميامن: جمع مَيْمَنَة، وأمرُه بالبداية بالميامن على أصل الشرع في استحباب البداية بالميامن في الطهارة وغيرِها من العبادات؛ تيمنًا بلفظ اليمين، وتفاؤلًا بأن يكون من أصحاب اليمين، وقوله ﵊: "ومواضع الوضوء منها" ليس فيه عندي (٥) دليلٌ على وضوء

стр. 1570

الميت (١)؛ لاحتمال أن يكون المراد: مواضعَ الوضوء المعهودَة حالَ الحياة، وإن كان الوضوء عندنا مستحبًا، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة لا يراه مستحبًا. ع: واختلفوا (٢) متى يُوضأ عندنا، هل في المرة الأولى (٣)، أو في الثانية، أو فيهما؟ واستدل بعضهم بهذا الحديث على أن النساء أحقُّ بغسل المرأةِ من الزوج، وهو مذهب الحسن، وأنه لا يغسلُها إلا عند عدمهنَّ، والجمهور من الفقهاء وأئمة الفتوى على خلافه، وأنه أحقُّ. وذهب الشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي، إلى أنه لا يغسلها جملةً. وأجمعوا على غسل الزوجة زوجَها، وجمهورُهم على أنها أحقُّ به من الأولياء، وقال سحنون: الأولياء أحقُّ. ولم (٤) يُذكر في هذا الحديث أمرُه بالغسل لمن غسَّلها، وهو موضعُ تعليم، وقد جاء في (٥) الأمر بذلك حديثٌ من طريق أبي هريرة، وحملَه الفقهاء على الاستحباب، لا على الوجوب، واختلف الصحابه (٦)

стр. 1571

في الأخذ به. ومعنى الغسل والحكمةُ فيه -لمن قال به-، إما ليكون على طهارة جسده؛ مخافةَ ما يصيبه من رش غسل الميت، وما يتطاير عليه من ذلك، أو أنه إذا عزم على الاغتسال، كان أبلغَ في غسلِه، وأحرى ألا يتحفَّظَ مما يصيبه، فيجيد إنقاءَهُ وتنظيفَه. واختلف قولُ مالك في ذلك، فروى المدنيون عنه (١): سقوطَ الغسل، وإن اغتسل، فحسنٌ. ونحوه قولُ الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد (٢). وروى غيرُهم عنه الغسلَ. قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بوجوب ذلك، قال إسحاق: أما الوضوء، فلا بد منه، ونحوه قولُ أحمدَ بنِ حنبل (٣). ومذهب العلماء كافة: أنه لا يجبُ عليه وضوءٌ منه (٤). العاشر: قولها: "وجعلنا رأسَها ثلاثةَ قرون"؛ أي: ثلاث ظفائر؛ ظفيرتين، وناصيتها؛ كما جاء مبينًا في رواية أخرى، وفي رواية: "فَمَشَطْناها ثلاثةَ قرونٍ" ففيه: مَشْط رأسِ (٥) الميت، وضَفْره، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب من أصحابنا.

стр. 1572

وقال الأوزاعي: لا يُستحب المشط، ولم يعرف ابنُ القاسم الضَّفْرَ، وقال: يُلَفُّ (١). وذهب الكوفيون (٢)، والأوزاعي: إلى تفريقِه، وإرسالِه من الجانبين (٣) بين يديها (٤)، دونَ تسريح. ع: ومن حجتهم: أنه ليس في الحديث معرفةُ النبيِّ ﷺ بفعلِ أُمِّ عطية، فيُجعل سُنَّةً وحجةً (٥) (٦). ح: والظاهر: إطلاعُ النبي ﷺ على ذلك، واستئذانُه فيه (٧)؛ كما في غسلها (٨). قلت: وهذا الظاهرُ عنده، غيرُ ظاهر (٩)، واللَّه أعلم.

стр. 1573

الحديث السادس ١٥٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ، أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا" (١).

стр. 1574

وَفي رِوَايَةٍ: "وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ" (١). قَالَ ﵁: الوَقْصُ: كَسْرُ العُنُقِ. * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: فيه: إطلاقُ لفظِ الواقفِ على الراكبِ بعرفةَ. الثاني: الراحلة: المركَبُ من الإبل؛ ذكرًا كان أو أنثى؛ كالشاة بالنسبة إلى الغنم، وقد فسر المصنف الوَقْصَ، ويقال أيضًا: وَقَصَتْ

стр. 1575

به راحلتُه، فهو كقولك: خُذِ الخِطَامَ، وخُذْ بِالخِطام (١). الثالث: الحنوط: -بفتح الحاء-: ذَريرَةٌ، وقد يحنط به الرجل، وحنط الميت تحنيطًا، والتَّخْمير: التغطية. الرابع: ظاهرُ الحديث: بقاءُ حكم الإحرام بعد الموت، وبه قال الشافعي، ولم يقل به مالك، ولا أبو حنيفة، وهو مقتضى القياس؛ لأنه بالموت انقطَع التكليف، ولكن الشافعي قَدَّمَ ظاهرَ الحديث على القياس، واعتذرَ الإمامان عن الحديث بتعليله ﵊ هذا الحكمَ في هذا المحرِمِ بعلَّةٍ لا نقطعُ (٢) بوجودها في غيره، ولا تُعلم (٣) إلا من جهته ﵊، وهو أنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا، والحكمُ إنما يعمُّ بعموم علته، ومن رأى أن العلةَ الإحرامُ، قال: هي عامةٌ في كل محرِم، وكذلك حكمُ المعتدَّةِ عندنا -أيضًا- كغيرها، واللَّه أعلم (٤). * * *

стр. 1576

الحديث السابع ١٥٧ - عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِّيةِ، قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا (١). * * *

стр. 1577

ظاهر (١) الحديث: كراهةُ اتباع النساءِ للجنازة (٢)، من غير تحريم، ولعلَّه مخصوص ببعض النساء، ومذهبنا: جوازُ اتباع المرأة جنازةَ ولدِها، ووالدِها (٣)، وزوجِها، وأختِها (٤)، إذا كان ذلك مما (٥) يعرف أنه يخرج مثلُها على مثله، وإن كانت شابة، وكراهةُ الخروجِ على غير هؤلاء ممن لا يُنكر عليها الخروجُ عليهم من قرابتها. قال ابن حبيب: و (٦) يُكره خروجُ النساء في الجنائز، وإن كُنَّ غيرَ نوائحَ ولا بَواكِيَ في جنائز أهل الخاصَّة من ذوي القرابة وغيرِهم. قالوا: وينبغي للإمام أن يمنعهنَّ من ذلك؛ فقد أمر النبيُّ ﷺ بطرد امرأةٍ رآها في جنازة، فطردت حتى لم يرها. وقال لنساءٍ رآهنَّ في جنازة: "أَتَحْمِلْنَهُ فِيْمَنْ يَحْمِلُهُ (٧)؟ " قلن: لا، قال: "فَتُدْخِلْنَهُ قَبْرَهُ (٨) فِيْمَنْ يُدْخِلُه؟ "، قلن: لا؟ قال: "فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" (٩).

стр. 1578

قال، وكان الحسن يطردهنَّ، وإذا لم يرجعن، لم يرجعْ، ويقول: لا ندعُ حقًا لباطلٍ (١). وكان مسروق يَحْثي في وجوههنَّ الترابَ، ويطردهن، فإن رجعْنَ، وإلَّا، رجعَ (٢) (٣). وقال النخعي: كانوا إذا خرجوا بالجنائز، أغلقوا الأبوابَ على النساء (٤). وقال ابن عمر: ليس للنساء في الجنائز نصيبٌ. وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: والصوابُ اليومَ الأخذُ بقول ابنِ حبيب؛ لأن خروجهن يؤدِّي إلى فتنة وفساد كبير، فينبغي للإمام أن يمنعهن من ذلك. قلت: ولقد رأيتهن بمصرَ (٥) يجتمعن، ولا يُصَلِّين على الجنازة (٦)، بل يتبعْنَها، لا لمعنًى (٧) شرعي أصلًا، هذا دأبهنَّ في ذلك فيما عملتُ، واللَّه أعلم.

стр. 1579

وقولها: "ولم يعزم علينا" يدلُّ على أن العزيمةَ فيها معنى التأكد (١)؛ لأنها مأخوذة من العَزْم، وهو الطلبُ المؤكد (٢) فيه، وهذا يخالف ما حَدَّ به الإمامُ فخرُ الدين العزيمةَ في "المحصول" في (٣) قوله: العزيمةُ: هي جوازُ الإقدام مع عدم المانع (٤). فيدخل في هذا الحد (٥) أكلُ الطيبات، ولبس الناعمات، وليس ذلك من العزائم، وفيها جوازُ الإقدام مع عدم المانع. وقد حدَّها غيرُه من المتأخرين: بطلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانعٌ شرعي. وهذا يدخل فيه الواجبات، فليس بجيد أيضًا فيما يظهر، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1580

الحديث الثامن ١٥٨ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١): "أَسْرِعُوا بِالجَنَازَةِ؛ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونها إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَه عَنْ رِقَابِكُم" (٢).
следующие страницы →