← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

الحديث السابع ١٥٧ - عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِّيةِ، قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا (١). * * *

стр. 1577

ظاهر (١) الحديث: كراهةُ اتباع النساءِ للجنازة (٢)، من غير تحريم، ولعلَّه مخصوص ببعض النساء، ومذهبنا: جوازُ اتباع المرأة جنازةَ ولدِها، ووالدِها (٣)، وزوجِها، وأختِها (٤)، إذا كان ذلك مما (٥) يعرف أنه يخرج مثلُها على مثله، وإن كانت شابة، وكراهةُ الخروجِ على غير هؤلاء ممن لا يُنكر عليها الخروجُ عليهم من قرابتها. قال ابن حبيب: و (٦) يُكره خروجُ النساء في الجنائز، وإن كُنَّ غيرَ نوائحَ ولا بَواكِيَ في جنائز أهل الخاصَّة من ذوي القرابة وغيرِهم. قالوا: وينبغي للإمام أن يمنعهنَّ من ذلك؛ فقد أمر النبيُّ ﷺ بطرد امرأةٍ رآها في جنازة، فطردت حتى لم يرها. وقال لنساءٍ رآهنَّ في جنازة: "أَتَحْمِلْنَهُ فِيْمَنْ يَحْمِلُهُ (٧)؟ " قلن: لا، قال: "فَتُدْخِلْنَهُ قَبْرَهُ (٨) فِيْمَنْ يُدْخِلُه؟ "، قلن: لا؟ قال: "فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" (٩).

стр. 1578

قال، وكان الحسن يطردهنَّ، وإذا لم يرجعن، لم يرجعْ، ويقول: لا ندعُ حقًا لباطلٍ (١). وكان مسروق يَحْثي في وجوههنَّ الترابَ، ويطردهن، فإن رجعْنَ، وإلَّا، رجعَ (٢) (٣). وقال النخعي: كانوا إذا خرجوا بالجنائز، أغلقوا الأبوابَ على النساء (٤). وقال ابن عمر: ليس للنساء في الجنائز نصيبٌ. وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: والصوابُ اليومَ الأخذُ بقول ابنِ حبيب؛ لأن خروجهن يؤدِّي إلى فتنة وفساد كبير، فينبغي للإمام أن يمنعهن من ذلك. قلت: ولقد رأيتهن بمصرَ (٥) يجتمعن، ولا يُصَلِّين على الجنازة (٦)، بل يتبعْنَها، لا لمعنًى (٧) شرعي أصلًا، هذا دأبهنَّ في ذلك فيما عملتُ، واللَّه أعلم.

стр. 1579

وقولها: "ولم يعزم علينا" يدلُّ على أن العزيمةَ فيها معنى التأكد (١)؛ لأنها مأخوذة من العَزْم، وهو الطلبُ المؤكد (٢) فيه، وهذا يخالف ما حَدَّ به الإمامُ فخرُ الدين العزيمةَ في "المحصول" في (٣) قوله: العزيمةُ: هي جوازُ الإقدام مع عدم المانع (٤). فيدخل في هذا الحد (٥) أكلُ الطيبات، ولبس الناعمات، وليس ذلك من العزائم، وفيها جوازُ الإقدام مع عدم المانع. وقد حدَّها غيرُه من المتأخرين: بطلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانعٌ شرعي. وهذا يدخل فيه الواجبات، فليس بجيد أيضًا فيما يظهر، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1580

الحديث الثامن ١٥٨ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١): "أَسْرِعُوا بِالجَنَازَةِ؛ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونها إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَه عَنْ رِقَابِكُم" (٢).

стр. 1581

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قد (١) تقدم أنه يقال: جَنَازة، وجِنَازة -بالفتح وبالكسر- بمعنى (٢)، وأما من قال بالفتح: للميت، وبالكسر: للنعش، فيتعين عنده هنا الفتحُ، فإن المقصودَ هنا بالإسراع: الميتُ، لا النعش. الثاني: فيه: الأمرُ بالإسراع بالجنازة، وهو السنَّة المعمول بها، والحكمةُ في ذلك: ما ذُكر (٣) في الحديث، لكن للإسراع شرطان: أحدهما: القطعُ بموته، على ما تقدم. والثاني: أن لا يُخاف من شدة (٤) الإسراع حدوثُ مفسدة بالميت؛ من انفجار، ونحوه، وقد جعل اللَّه لكل شيء قَدْرًا، وهذا كلُّه إذا قلنا: إن الإسراع راجعٌ إلى المشي بالجنازة، وهو الذي عليه الجمهور، وإلا، فقد نقل ع عن بعضهم: أن المراد: الإسراع بتجهيزها إذا تحقق موتُها (٥). ح: وهذا قول باطل مردود؛ لقوله ﷺ : "فشرٌّ تضعونَه عن رقابكم" (٦).

стр. 1582

قلت: وهذا جمودٌ على ظاهر لفظ الحديث، وإلا، فيحتمل حملُه على المعنى؛ فإنه قد يعبر بالحمل، أو العنق عن المعاني دونَ الذوات، فيقال: حملَ فلانٌ على ظهره، أو على عُنقه دَيْنًا، و (١) نحو ذلك، [فيكون المعنى في قوله ﷺ : "فشر تضعونه عن رقابكم": أنكم تستريحون من نظر من لا خير فيه، أو من مجالسته، ونحو ذلك] (٢)؛ فلا يكون في الحديث دليلٌ على رد قول هذا القائل، ويقوي هذا الاحتمال: أن كل حاضري (٣) الميت لا يحملونه، إنما يحمله القليلُ منهم، لا سيما اليوم؛ فإنه يحمله -في الغالب- مَنْ (٤) لا تعلُّقَ له به، واللَّه أعلم. الثالث: قوله ﵊: "فإن تكُ" في الموضعين: هو بحذف النون الخفيفة؛ لكثرة الاستعمال، والأصل: (تَكونُ)، فدخل الجازم، فاسكن النون، فاجتمع ساكنان؛ الواو والنون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، ثم حذفت النون لما ذكرناه من كثرة الاستعمال؛ كما قالوا: لا أدرِ، فحذفوا الياءَ لذلك، وقد تقدم نحوُ هذا. الرابع: خَيْرٌ، وشَرٌّ: يجوز أن يكونا مبتدأين، والخبرُ محذوف؛ أي: فلها خير، ولها شر (٥)، وساغ هنا الابتداء بالنكرة؛ لكون فاء الجزاء

стр. 1583

وليْتهما (١)، فهما (٢) من باب قول العرب: إن مضى عيرٌ، فعيرٌ (٣) في الرباط. ويجوز أن يكونا خبرين محذوفي المبتدأ (٤)، والتقدير: فهي خيرٌ، وفهي شرٌّ؛ أي: ذاتُ خير، أو ذاتُ شر، وأما الجملتان اللتان بعدَهما، وهما: (تقدِّمونها) و (تضعونه)، فصفة لهما، واللَّه أعلم. ومعنى قوله ﵊ (٥) -: "فخيرٌ تقدِّمونها إليه"؛ أي: ما أعدَّ اللَّه لها من النعيم المقيم، وقوله ﷺ : "فشرُّ تضعونَه عن رقابكم"، معناه: أنها بعيدة عن الرحمة، فلا مصلحةَ لكم في مصاحبتها وملابستها. ويؤخذ منه: تجنبُ أهل البطالة، ومصاحبةُ من لا خير فيه، نسأل اللَّه العظيم أن يجعلنا من أهل الخير، ولا يجعلَنا من أهل الشر، بمنِّه وكرمه، آمين، بمحمد وآله أجمعين. * * *

стр. 1584

الحديث التاسع ١٥٩ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ (١) وَسْطَهَا (٢).

стр. 1585

* التعريف: سَمُرَةُ بنُ جُنْدُبٍ: بفتح الدال وضمها. وفي "الصحاح": الجندَب، والجندُب: ضرب من الجراد، واسمُ رجل، قال سيبويه: نونها زائدة، وقال أبو زيد: يقال: وقع القوم في أُمِّ (١) جندب؛ إذا ظلموا (٢)، فإنها اسمٌ من أسماء الإساءة، والظلم، والداهية (٣). ابنِ هلالِ بنِ حُدَيْجِ -بالحاء المهملة المضمومة وفتح الدال المهملة أيضًا- ابنِ مرةَ (٤) بنِ حزمِ بنِ عمرِو بن جِابرِ بنِ ذي الرياستين، الفزاريُّ، هكذا نسبه سليمانُ بن سيف (٥)، أو نحوه (٦).

стр. 1586

وفزارةُ هو ابنُ ذبيانَ بنِ بغيضِ بنِ ريثِ بنِ غطفانَ. يكنى: أبا سعيد، ويقال: أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو سليمان. قَدِمت به أمه المدينةَ بعد موت أبيه، وكانت امرأةً جميلة، فتزوجها رجل من الأنصار، وبقي في حجره إلى أن صارع غلامًا بحضرة النبي ﷺ ، فصرعه، فأجازه في البعث، وكان الغلام المصروع ممن أجازه يومئذ. روي له عن رسول اللَّه ﷺ مئة حديث، وثلاثة وعشرون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلمٌ بأربعة. روى عنه: أبو رجاءٍ العُطاردي، وعبدُ اللَّه بنُ بريدة، والحسنُ بن أبي الحسن البصري، وسوادةُ بنُ حنظلة. مات بالكوفة، وكان قد نزل البصرة، ثم انتقل إلى الكوفة، واشترى بها دارًا في بني أسد. قال (١) الحافظ أبو نعيم في "كتاب الصحابة" له: كان -يعني سمرة- عظيمَ الأمانة، يحبُّ الإسلامَ وأهلَه، بقي إلى أيام زياد.

стр. 1587

وقيل: توفي سنة تسع وخمسين قبلَ معاوية بسنة. وقال أبو محمد عبد الغني في كتاب "الكمال" له: مات بالكوفة في آخر خلافة معاوية. روى له الجماعة (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: لفظة (وراء) من الأضداد؛ فإنها قد تكون بمعنى: قُدَّام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ﴾ [الكهف: ٧٩] الآية؛ أي: أمامَهم، وهو مشترك أيضًا، فإن الوراء أيضًا: وَلَدُ الولد، فإن قطع عن الإضافة، بُني كسائر الظروف. قال الأخفش: يقال: لقيتُه مِنْ وَراءُ، فترفعه على الغاية إذا كانَ غيرَ مضاف، وتجعله اسمًا، وهو غير متمكِّن؛ كقولك: من قبلُ، ومن بعدُ (٢)، وأنشد (٣): إِذَا أَنَا لَمْ أُومَنْ عَلَيْكَ وَلَمْ يَكُنْ ... لِقَاؤُك إِلَّا مِنْ وَرَاءُ وَرَاءُ (٤)

стр. 1588

ووراء مؤنث، وكذلك قُدَّام، ولم يؤنث من الظروف غيرُهما، قالوا في تصغيرهما: وُرَيَّة، قُدَيْدِيمَة. قال الشاعر: وَقَدْ عَلَوْتُ قُتُودَ الرَّحْلِ يَسْفَعُني (١) ... يَوْمٌ قَدَيْدِيمةَ الجَوْزاءِ مَسْمُومُ (٢) وإنما أُدخلت الهاء في تصغيرهما، وإن كان تصغيرُ ما زاد على ثلاثة أحرف لا تلحقه التاء؛ للفصل بين المذكر والمؤنث، إذ لو تُركت التاء، لالتبسَ بالمذكر، وعكسُهما أسما ثلاثية مؤنثة لم يلحق تصغيرَها الهاء، نحو، حَرب، ودِرْع، وعرب، وهي أحدَ عشر اسمًا؛ يقال: حُرَيْب، ودُريع، وعُرَيْب، وكذلك بقيتُها تُحفظ، ولا يُقاس عليها، واللَّه أعلم. الثاني: قوله: "في نِفاسِها": وصفٌ غيرُ معتبر باتفاق، وإنما هو حكايةُ أمر وقع، وهذا مما يدلُّ على تحرِّي الصحابة ﵃، وشدةِ تحرزِهم فيما ينقلونه (٣)، وإنما المعتبر قولُه: "امرأة"، على قول مَنْ فرق بين المرأة والرجل في مقام الإِمام خلفَ الجنازة، فقال: يقف

стр. 1589

عند منكِبِها (١)، وفي الرجل عندَ وسطه، وهو أحدُ القولين عندنا. ع: واختُلف بسببها (٢) في مقام الإِمام من الميت: قال الطبري: وأجمعوا على أنه لا يلاصقه أولًا، وليكنْ بينه وبينه فرجةٌ، فذهب قوم إلى الأخذ بهذا الحديث في القيام وسطَ الجنازة، ذكرًا كان أو أنثى. قال أبو هريرة: في المرأة؛ لأنه يسترها عن (٣) الناس. وقيل: كان هذا قبل اتخاذ الأنعشة والقباب؛ وهو قول النخعي، وأبي حنيفة. وقال آخرون: هذا حكم المرأة، فأما الرجلُ، فعند رأسه؛ لئلا ينظر إلى فرجه، وأما المرأة، فمستورة بالنعش؛ وهو قول أبي يوسف، وابن حنبل. وقد خرَّج أبو داود حديثًا بمعناه. وروى ابن غانم عن مالك نحوَه في المرأة، وسكت عن الرجل، وذكر عن الحسن التوسعةُ في ذلك، وقال به أشهبُ، وابن شعبان. وقال أصحاب الرأي: يقوم فيهما (٤) حذوَ الصَّدر (٥).

стр. 1590

وقيل في قيام النبي ﷺ وسطها: من أجل جنينها ليكونا أمامه معًا. الثالث: قوله: "فقام وسطها": ع: ضُبط بإسكان السين (١). والوجهُ عندي فيه الفتح، وهو مقتضى ما قاله أهل اللغة؛ قالوا: يقال: جلست وسْط القوم -بالإسكان-؛ أي: بينهم، وجلست وسَط الدار -بالفتح-، فكل موضع صلح فيه (بين)، فهو وسْط -بالإسكان-، وإن لم يصلح فيه (بين)، فهو وسَط، بالفتح (٢). قال الجوهري: وربما سُكِّنَ، وليس بالوجه (٣). ويستحيل تقدير (بين) في الحديث؛ لأن (بين) لا تضاف إلا إلى شيئين فصاعدًا، تقول: المال بينَ زيد وعمرو، ولا يصح بين زيد، وأما قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] فإنما أضيفت إلى (ذلك)، وإن (٤) كان مفردًا؛ لوقوع الإشارة به إلى شيئين، وهما الفُروضة،

стр. 1591

والبَكارة، وأما قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] , فلِما في (أحد) من معنى العموم. قال شيخنا محيي الدين المازوني ﵀: ويدل على أن فيها معنى العموم قولُه تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]، فنعت (أحدًا) بحاجزين (١)، وغلَّطَ بعضَ المعاصرين له في قوله: التقديرُ: بين أحد وأحد، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1592

الحديث العاشر ١٦٠ - عَنْ أَبي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِىءَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ (١). وَ (٢) الصَّالِقَةُ: الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا عِنْدَ المُصِيبَةِ.

стр. 1593

* الشرح: يقال: بَرِئْتُ منك، ومن الذنوبِ والعيوبِ، بَرِأة -بكسر الراء (١) - أَبْرَأُ -بفتحها-، وبَرِئْتُ من المرض بُرءًا (٢) -بضم الباء-. قال الجوهري: وأهلُ الحجاز يقولون: بَرَأْتُ من المرض بَرْءًا (٣)، بالفتح (٤). فكأن براءته ﷺ من هؤلاء من باب قوله ﵊: "مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا" (٥)، ونحوه؛ أي: ليس من أهل سُنَّتنا, ولا من المهتدين بهَدْينا. وهذا القول منه ﵊ دليلٌ على تحريم هذه الأفعال؛ لإشعارها بالسخط لقضاء اللَّه تعالى. وتقييدُ المصنف ﵀ الصَّلْق برفعِ الصوتِ بقوله: "عندَ المصيبة"، إن أراد أنه المرادُ بهذا الحديث، فصحيح، وإن أراد الإطلاقَ، فليس كذلك، بل الصِّلاقُ: شدةُ رفعِ الصوت مطلقًا، قال لَبيدٌ:

стр. 1594

فَصَلَقْنَا في مُرَادٍ صَلْقَةً ... وَصُداءً أَلْحَقَتْهُمْ بِالثَّلَلْ (١) أي: رفعنا أصواتنا بالدعاء إلى قتال بني مراد. وأَصْلَقَ لغةٌ في صَلَقَ (٢) (٣). وأما الحالقة: فالتي تحلق رأسها عندَ المصيبة، تقول العرب: لا تفعلْ ذلك (٤)، أُمُّكَ حالِقٌ؛ أي: أثكَلَها اللَّهُ حتى تحلقَ شعرها (٥)، وفي معناه: قده من غير حلق. وأما الشاقة: فشاقَّةُ الجَيْبِ عند المصيبة أيضًا، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1595

الحديث الحادي عشر ١٦١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قالتْ: لَمَّا اشْتكَى النَّبِيُّ ﷺ ، ذَكَرَ بَعْضُ نِسائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، يُقالُ لَها: مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبة أَتَتَا أَرْضَ الحَبَشَةِ (١)، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِها وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورةَ، أُولئَكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ" (٢). (٣)

стр. 1596

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: اشتكى: افْتَعَلَ من الشَّكوى، ومعناه: مَرِضَ، وهو لفظٌ يستعمل في المرض على اختلاف أنواعه، يقال: اشتكى عينَه، واشتكى رأسَه، واشتكى بطنَه، ومنه الحديث الآتي: "إِنَّ ابنتي اشتكَتْ عينَها، أفنكحلُها؟ "، روي -بضم النون- من عينها، وفتحها. وهذا المرض -واللَّه أعلم- مرضُه الذي مات فيه ﵊، والرواية الأخرى تفسِّره؛ وهو قولها: "في مرضِه الذي لم يَقُمْ منهُ". الثاني: الكَنيسة -بفتح الكاف وكسر النون-: مُتَعَبَّدُ النصارى، وجمعُها كَنائِس؛ كصَحِيفة وصَحائِف. واختُلف في البِيَعِ، فقيل: كنائسُ النصارى أيضًا، وقيل: كنائسُ اليهود، واحدتها بِيعَةٌ -بكسر الباء-. وأما الصَّوامِعُ: فهي مواضعُ العبادة كانت قبلَ الإِسلام مختصةً برهبان النصارى، وبعبادِ الصابئين، قاله قتادة، ثم استُعمل في مئذنة المسلمين. وأما الصلوات: فقيل: إنها مشتركة لكل ملَّة، قاله ابن عطية. وذهبت طائفة إلى أن الصلوات اسمٌ لشرائع اليهود، وأن اللفظةَ

стр. 1597

عُربت: صلاة. وقال أبو العالية: الصلوات: مساجدُ الصابئين، والمساجدُ للمسلمين (١). قال ابنُ عطية: وهذه الأسماء تشترك الأمم (٢) في مُسمياتها، إلا البيعةَ؛ فإنها مختصة بالنصارى في عرفِ لغة العرب، والمساجد للمسلمين (٣). وقد تقدم أنه يقال: مسجِد، ومسجَد -بكسر الجيم وفتحها-، ومَسْيِد أيضًا. الثالث: فيه: تحريمُ تصوير الحيوان الآدمي، وأما تحريمُ تصوير (٤) غير الآدمي من الحيوانات، فيؤخذ من أحاديث أخر، كما جاء أنه يقال لهم: "أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ" (٥)، ونحو ذلك. ق: ولقد أبعدَ غايةَ الإبعاد من قال: إن ذلك محمولٌ على الكراهة، وإن هذا التشديدَ كان في ذلك الزمان لقربِ عهدِ الناس بعبادة (٦) الأوثان،

стр. 1598

وهذا الزمانُ؛ حيث انتشرَ الإِسلام، وتمهدت قواعدُه لا يُساويه في هذا المعنى، فلا يساويه في التشديد، هذا أو معناه. قال: وهذا القولُ عندنا باطلٌ قطعًا؛ لأنه قد ورد في الأحاديث الإخبارُ عن أمر الآخرة بعذاب المصوِّرين، وأنه يقال لهم: "أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ". وهذه علة (١) مخالفةٌ لما قاله هذا القائل، وقد صرح بذلك في قوله ﵊: "المُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّه" (٢)، وهذه علة عامة مستقلة مناسبة، لا تخص زمنًّا (٣) دون زمن، وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة (٤) المتظافرة، بمعنى خيالي يمكن أن لا يكون هو المراد، مع اقتضاء اللفط للتعليل بغيره، وهو التشبيهُ بخلق اللَّه (٥). قلت: وهذا ردُّ صحيح لا ينازِعُ فيه منصِف، وقد يؤخذ من قوله ﵊: "المُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ (٦) اللَّهِ" تحريمُ (٧) تصويرِ

стр. 1599

غيرِ الحيوان مطلَقًا؛ إذ الكلُّ خلقُ اللَّه . ولنبينِ (١) الحكمَ في مسألة التصوير عندنا، فنقول: الصورُ إن كانت تماثيلَ على صفة الإنسان، أو غيره من الحيوان، فلا يحلُّ فعلُها, ولا استعمالها في شيء أصلًا، وإن كانت رسما في حائط، أو رَقْمًا في سِتْر يُنشر ويُبسط، أو وسائدَ يُرتفق بها للاتكاء عليها، فهي مكروهة، وقيل: حرام (٢). قال القاضي أبو بكر: وقد قيل: إن الذي يُمتهن من الصور يجوز، وما لا يُمتهن مما يُعلَّق، فيُمنع؛ لأن الجاهلية كانت تعظِّم الصور، فما يبقى فيه جزءٌ من التعظيم والارتفاع يُمنع، وما كان يُمتهن فهو مباح؛ لأنه ليس مما كانوا فيه، واللَّه أعلم. وقوله ﵊: "بنوا على قبره مسجدًا" إشارةٌ إلى المنع من ذلك، وقد صرح به في الحديث الآخر: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ" (٣)، وقد استجاب اللَّه -تعالى- دعاءه ﷺ ، فله الحمد والمنة.

стр. 1600

فصل: اتُّفق على كراهة تجصيص القبور، إلا ما يروى عن أبي حنيفة من إباحة البناء، وتجصيصِها، والأصلُ فيه: ما رواه أحمدُ بنُ حنبل، عن عبد الرزاق، عن ابن (١) جُريج، عن ابن الزبير، عن جابر: أَنَّ النبيَّ ﷺ نهى أن يُقْعَدَ على القبر، وأَنْ يُقَصَّص، ويُبْنى عليه. ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، ومسلم، فيه: أَوْ يُزَادَ عليه، وعند النسائي، وأبي داود: أو يُكتب عليه (٢)، والقَصَّةُ تشبه الجِصَّ، قاله الخطابي (٣)؛ لأن ذلك من زينة الأحياء. قيل لمحمدِ بنِ عبدِ الحكم في الرجل يوصي أن يُبنى على قبره، فقال: لا, ولا كرامةَ. قال ابن القاسم في "العتبية": كره مالك أن يُرَصَّص على القبر

стр. 1601

بالحجارة والطين، وأن يبنى عليها بطوب (١)، أو أحجار (٢). قال: وكره المساجدَ المتخذةَ على القبور، وأما مقبرةٌ داثرةٌ يبنى فيها مسجدٌ يصلَّى فيه، فلم أر به بأسًا. وروى مسلم، وأبو داود، والترمذي، عن أبي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ: أن النبيَّ ﷺ قال: "لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا، وَلَا تتَّخِذُوا عَلَيْهَا المَسَاجِدَ" (٣). وكره ابنُ القاسم أن يجعل على القبر بلاطة، ويُكتب فيها, ولم ير بالحجر والعود بأسًا يَعرف به الرجلُ قبرَ وليه، ما لم يكتب فيه. ولا خلاف في وضع الصخرة والعلامة، ما كانت عند رأس القبر، والأصلُ في ذلك: ما رواه أبو داود عن المطلب: أنه لما مات عثمانُ ابنُ مظعون، ودفن: أن النبيَّ ﷺ أمر رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حملَه، فقام النبي ﷺ ، فَحَسَر عن ذراعيه، ثم حمله، فوضعَه عند رأسه، وقال: "أَتَعَلم (٤) قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي" (٥).

стр. 1602

وإنما كرهت الكتابة؛ لحديث جابر، وهو قولُ الشافعي، وغيرِه. فصل: وأما ضربُ الفُسطاط على القبر، فقال ابن حبيب: ضربُه على قبر المرأة أفضلُ من ضربه على قبر الرجل، لما يستر منها عند إقبارها، وقد ضربه عمرُ على قبر زينبَ بنتِ جحش، وكره ابنُ عمر، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدريُّ، وابنُ المسيب، ضربَه على قبر الرجل، وضربَتْه عائشةُ على قبر أخيها عبدِ الرحمن، وضربَه محمدُ بنُ الحنفية على قبر ابنِ عباس، ورُوي أنه بات على قبره شهرًا. وروى البخاري: أنه لما مات الحسنُ بنُ الحسنِ (١) بنِ علي؛ ضربت امرأته القبةَ على قبره سنةً، ثم رجعت، فسمعوا صائحا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه آخر: بل يئسوا، فانقلبوا (٢). قال ابن حبيب: وأراه واسعًا اليومين والثلاثة، وإنما كرهه مَنْ كرهه لمن ضربه على وجه السمعة والمباهاة، وأما حوزُ (٣) القبر ببيت، ويبني عليه، أو فيه، فجوزه بعضُ أصحاب الشافعي، إلا أن ذلك

стр. 1603

في غير المقبرة المسبَّلة؛ لأنه فيها تضييق (١) على الناس، وقد قال الشافعي ﵀: رأيت من الولاة مَنْ يهدم بمكة ما بُني بها, ولم أر الفقهاء يَعيبون عليه ذلك (٢). قيل: وهذا يشبه ما كرهه مالك ﵀ من البنيان المحدَثِ بعرفةَ وبمنى، وبنيان مسجدِ عرفة. قال: وما كان بعرفةَ مسجدٌ منذ كانت، وإنما أُحدث مسجدُها بعدَ بني هاشم بعشرين سنة، واللَّه أعلم (٣). فصل: وأما ما حدث في زماننا هذا، وقبلَه بقليل؛ من أمر قَرافة مصر، وما ابتدعَ فيها الخاصُّ والعامُّ من الأبنية المَشِيدَة، والسقوف المعقَّدة، والزخارف المدونة، والبساتين المفننة، فيجب هدمُه شرعًا؛ لكونها من المقابر المحبَّسة على المسلمين، المُسَبَّلة لدفنهم خاصة، بنقل الإثبات، والأئمةِ الثقات، ومما يؤكد كونهَا مسبلةً لدفن المسلمين خاصة: ما أخبرني به الشيخُ الفقيه الإِمام علامة وقته نجمُ الدِّينِ بنُ الرفعة رحمه اللَّه تعالى، [عن شيخه القاضي الفقيه ظهير الدين الترمنتي رحمه اللَّه تعالى] (٤): أنه دخل (٥) إلى صورة مسجد بناه بعضُ الناس بقَرافة مصر الصُّغرى، فجلس فيه من غير أن يصلي التحية (٦)، فقال له الباني: لم لا صليت

стр. 1604

التحية؟ قال (١): لأنه غيرُ مسجد؛ فإن المسجد هو الأرض، والأرضُ مسبَّلَةٌ لدفن المسلمين، أو كما قال. وأخبرني -أيضا المذكور- عن شيخه المذكور: أن الشيخ بهاءَ الدين بنَ الجميزي رحمه اللَّه تعالى قال: جهدتُ مع الملك الصالح في هدم ما أُحدث بقَرافة مصرَ من البناء، فقال: أمرٌ فعلَه والدي لا أُزيله (٢)، وإذا كان هذا قولَ هذا الإِمام وغيره في ذلك الزمان، قبلَ أن يبالغوا في البناء والتفنن فيه، ونبش القبور لذلك، وتصويب المراحيض على أموات المسلمين، من الأشراف، والعلماء، والصالحين، وغيرهم، فكيف في هذا الزمان، وقد تضاعَفَ ذلك جدًا، حتى كأنهم لم يجدوا من البناء فيها بُدًّا، وجاؤوا في ذلك شيئًا إِدًّا؟! فيجب على وليِّ الأمرِ -أرشده اللَّه- الأمرُ (٣) بتهديمها وتخريبها حتى يعودَ طولُها عرضًا (٤)، وسماؤها أرضًا، هذا مع ما يُضاف (٥) إلى ذلك من هَتْك الحريم، واختلاطِ البريء بالسقيم؛ فإنهم استباحوا التكشُّف فيها، واتخذوه عادةً وديدَنًا (٦) لا يستَحْيون من اللَّه تعالى، ولا من الناس، وخالفوا في ذلك الكتابَ والسنةَ، والإجماعَ والقياس،

стр. 1605

وربما أضافوا إلى ذلك آلاتِ الباطل من الدفوف، والجنوك، والشبَّابات، واقتحموا في ليالي الجمع والأعياد وغيرها تعاطيَ هذه المحرمات، واستهانوا بحرمة القبور، وارتكبوا بين ظَهْرانَيْها الفجور، وربما أكلوا الحشيش، وشربوا الخمور، هذا مع أنها مواطن الاعتبار، وتذكرِ الموت وخوفِ عقوبة الجبار، فناهيك بها معصيةً ما أفظعها، وشناعة ما أبشعها! ولم أر، ولم أسمع باتفاق ذلك في بلد من بلاد المسلمين ولا غيرهم، فيجب على كل من قَدَر على إزالة ذلك، أو بعضِه القيامُ للَّه تعالى، فإن فعل البعضُ، سقط عن الباقين، وإلا أثموا كلُّهم، وأعجبُ من هذا: أن أهل هذين البلدين أو غالبهم متواطئون على ذلك، وكأنه (١) عندهم أمر مشروع، وحكم متبوع، لا تجد واحدًا منهم -في الغالب- يتوجع لذلك، أو يعدُّه من المهالك، بل استقرت نفوسُهم عليه، وسكنت طباعُهم إليه، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، بدأ الإِسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، ولقد أحسن أبو عمرو بنُ العلاء رحمه اللَّه تعالى حيث يقول: لا يزالُ الناس بخير ما تُعُجِّبَ من العَجَب (٢)، فسبحانَ الحليمِ الذي لا يعجل، والجوادِ الذي لا يبخل، الذي يُمْهِل ولا يُهْمِل، اللهمَّ وإذا أردت بالناس فتنة، فاقبِضْنا إليك غير مفتونين، وحسبُنا اللَّه ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، وصلى اللَّه على محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد للَّه رب العالمين.

стр. 1606

الحديث الثاني عشر ١٦٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ (١): قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِد"، قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ، أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (٢).

стр. 1607

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: اللعن: هو الطرد والإبعاد، فاللعنةُ (١) من العباد: الطردُ، ومن اللَّه: العذابُ والإبعاد من الرحمة. الثاني: في الحديث: جوازُ لعن اليهود والنصارى غيرِ المعينين، ولا خلاف فيه، والجمهور على منع لعن المعينين منهم. قال ابن العربي: قال لي كثير من أشياخي: إن الكافر المعين لا يجوز لعنه؛ لأن حاله عند الوفاة لا تُعلم (٢)، وقد شرط اللَّه في ذلك الوفاةَ (٣) على الكفر، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١] وأما ما رُوي عن النبي ﷺ : أنه لعن قومًا بأعيانهم من الكفار، إنما كان ذلك لعلمِه بمآلهم. قال ابن العربي: والصحيحُ عندي: جوازُ لعنه لظاهرِ حاله، ولجواز قتله وقتاله. قال (٤): وقد روي عن النبي ﷺ : أنه (٥) قال: "اللَّهُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ

стр. 1608

العَاصِي هَجَانِي، وَقَدْ عَلِمَ أَنِّي لَسْتُ بِشَاعِرٍ، فَالْعَنْهُ، وَاهْجُهُ عَدَدَ مَا هَجَانِي" (١)، فلعنه، وإن كان الإيمانُ والدينُ والإِسلامُ مآلَهُ، وانتصفَ بقوله: "عَدَدَ مَا هَجَاني"، ولم يزد؛ ليُعَلِّم العدل والإنصاف، وأضاف الهجو إلى اللَّه -تعالى- في باب الجزاء دون الابتداء بالوصف بذلك؛ كما يضاف إليه المكر والاستهزاء، والخديعة، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا (٢). قلت: ولا فرق في غير المعينين بين أن يكون (٣) لهم ذمة، أو لا، بل ذلك مباح (٤) على الإطلاق؛ لجحدهم (٥) الحقَّ، وعداوتهم للدين. قالوا: وكذلك كلُّ مَنْ جاهر بالمعاصي؛ كَشُرَّاب الخمر، وأَكَلَة الربا، والظَّلَمة، والسُّرَّاق، والمصوِّرين، والزُّناة، ومَنْ تشبه من النساء بالرجال، ومن الرجال بالنساء، إلى غير ذلك مما ورد في الحديث لعنُه. قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وليس لعنُ الكافر بطريق الزجر له عن الكفر، بل هو جزاءٌ على الكفر، وإظهارُ قبحِ كفره، كان الكافر ميتًا، أو مجنونًا.

стр. 1609

وقال قوم من السلف: لا فائدة في لعن من جُنَّ أو مات منهم، لا بطريق الجزاء، ولا بطريق الزجر؛ فإنه لا يتأثر به. وأما لعنُ العاصي المعين، فقال ابن العربي: لا يجوز لعنُه اتفاقًا (١)؛ لما روي عن النبي ﷺ : أنه أُتي بشارب خمر مرارًا، فقال بعضُ مَنْ حضر: لعنه اللَّه، ما أكثرَ ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ : "لا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ"، فجعل له حرمةَ الأُخوة، وهذا يوجب الشفقة، وهذا حديث صحيح (٢)، خرجه البخاري، ومسلم (٣). قال القرطبي في "جامعه": وقد ذكر بعض العلماء خلافًا في لعن العاصي المعين، قال: وإنما قال ﵊: "لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ"، في حق النُّعيمان بعدَ إقامة الحدِّ عليه، ومن أُقيم عليه حدُّ اللَّه، فلا ينبغي لعنُه، ومن لم يُقَمْ عليه الحد، فلعنُه جائز، سواء سُمِّي، أو عُيِّن، أم لا؛ لأن النبي ﷺ لا يلعن إلا مَنْ تجب عليه اللعنة، ما دام على تلك الحالة الموجبة للعنة، فإذا تاب منها، وأقلع، وطهره الحدُّ، فلا لعنةَ تتوجَّه عليه، وبينَ هذا قولُه ﵊: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ" (٤)، فدل هذا الحديث -مع صحته-، على أن التثريب

стр. 1610

واللعنَ إنما يكون قبل أخذ الحدِّ، وقبل التوبة، واللَّه أعلم (١). قال ابن العربي: وأما لعنُ العاصي مطلقًا، فيجوز إجماعًا؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ" (٢). قلت: قوله: مطلقًا، يريد به: غيرَ المعين، واللَّه أعلم. فائدة: حكى أبو جعفر النحاس عن بعض العلماء: أنه قال: إذا لعن الإنسانُ مَنْ لا يستحقُّ اللعنَ، فليبادر بقوله: إلا أن يكونَ لا يستحقُّ (٣). الثالث: اليهود: أصله: اليهوديون، ولكنهم حذفوا ياء الإضافة؛ كما قالوا: زَنْجِيٌّ وزَنْج. قال الجوهري: وإنما عُرِّبَ على هذا الحدِّ، فجُمع على قياس شعيرة وشعير، ثم عُرف الجمعُ بالألف واللام، ولولا ذلك، لم يجز دخولُ الألف واللام؛ لأنه معرفة مؤنث، فجرى في كلامهم مجرى القبيلة، ولم يُجعل كالحيِّ، وأنشد عليُّ بنُ سليمان النَّحْوِيُّ:

стр. 1611

فَرَّتْ يَهُودُ وَأَسْلَمَتْ جِيرَانَهَا ... صَمِّي لِمَا فَعَلَتْ يَهُودُ صَمَام (١) وأما النصارى: فجمع نَصْرانٍ، ونَصْرانة، مثل النَّدامى، جمع نَدْمان ونَدْمانة، قال الشاعر: فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا ... كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ و (٢) لكن لم يستعمل نصرانٌ إلا بياء النسب؛ لأنهم قالوا: رجلٌ نَصْرانِيٌّ، وامرأة نَصْرانِيَّةٌ (٣)، واللَّه أعلم. الرابع: اتخذ: افْتَعَلَ من تَخِذَ، قال الشاعر: [الطويل] وَقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلَى جَنْبِ غَرْزِهَا ... سَنِيفًا (٤) كَأُفْحُوصِ القَطَاةِ المُطَرِّقِ وهو تارة يتعدَّى إلى مفعول واحد؛ كقولك (٥): اتخذتُ دارًا، وتارة يتعدَّى إلى مفعولين؛ كما هو في الحديث، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. الخامس: فيه: تحريمُ اتخاذِ قبرِ الرسول ﷺ مسجدًا، فلا يجوز أن يُصَلَّى على قبره، وقد استدل بعضهم بعدم الصلاة على قبره ﷺ

стр. 1612

على عدم الصلاة على القبر مطلقًا كما تقدم، وعورض باختصاصه قبره ﷺ ، بذلك؛ لما فهم من هذا الحديث، وبعض الناس أجاز الصلاةَ على قبرِه ﷺ (١)؛ لجوازها (٢) على قبرِ غيره. السادس: قولها: "ولولا ذلك أُبرز قبرُه"؛ أي: ولولا تحذيرُه (٣) من اتخاذ القبور مساجدَ، لأُبرز قبره، أي: أُظهر (٤) للناس، ولكن تركوا ذلك خشيةَ ما ذُكر، لا سيما مع تقادم الأزمان، وتغير الأحوال. فصل: وقد زِيدَ في مسجد رسول اللَّه ﷺ حين أكثر الناس، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوتُ أزواجه أمهات المؤمنين ﵅ فيها، حتى (٥) حجرة عائشة ﵂ فيها (٦) مدفنُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وصاحبيه ﵄، وبنوا على القبر الشريف حوائطَ مرتفعةً مستديرةً حولَه؛ لئلا يظهر قبرُه في المسجد، فيصلَّى إليه، فيؤدِّي (٧) إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، حرفوهما حتى التقيا؛ بحيث لا يتمكَّن أحد من استقبال القبر الشريف. والحجرةُ الشريفةُ المكرمة المعظمة التي حول القبر هي حجرةُ عائشة أم المؤمنين، وبيتُها المختَصُّ بها ﵂، وقد كانت

стр. 1613

فيه بعد موته ﷺ ، وبعد دفنه ودفنِ أبيها أبي بكر الصديق ﵁، فلما طُعن عمرُ ﵁، أرسل إليها ابنَه عبدَ اللَّه يستأذنها في أن يُدفن عند صاحبيه، فأذنتْ له، فدُفن فيه، فلم تدخل عائشةُ ﵂ بعد دفن عمر ﵁ إلا محتجبةً، معاملةً له ميتًا معاملَتَه حيًا، وكان النبي ﷺ لما مات في هذه البقعة الشريفة، حُوِّلَ فِراشهُ، وحُفر له مكانه، ودُفن فيه بعدَ غسله وتكفينه والصلاة عليه ﷺ . و (١) روى محمدُ بنُ سعدٍ بسنده عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، قال: لما قُبض رسول اللَّه ﷺ ، جعل أصحابه (٢) يتشاورون: أين يدفنونه (٣)؟ فقال أبو بكر: ادفنوه حيث قبضه اللَّه ، فرُفع الفِراش، فدُفن تحته (٤). وروي -أيضًا- عن معن بن عيسى، عن مالك: أنه بلغه: أن رسولَ اللَّه- ﷺ لما تُوفي، قال ناسٌ: عند المنبر، وقال آخرون: بالبقيع، فجاء أبو بكر، فقال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَا دُفِنَ نبِيٌّ إِلَّا في مَكَانِهِ الَّذِي قَبَضَ اللَّهُ نَفْسَهُ فِيهِ" (٥)، فَأُخِّرَ (٦) رسولُ اللَّه ﷺ عن المكان

стр. 1614

الذي تُوفي فيه، فحُفر له، وأُلحد له، وجُعل على لحده بعد وضعه فيه تسعُ (١) لَبِنات، وفُرش له قَطيفة تحته كان يتغطى بها. ع: وروي أن الذي ألقاها في القبر شُقْرانُ مولى رسول اللَّه ﷺ ، وكان يلبسها، ويفترشها، فقال شقران: واللَّهِ لا يلبسكِ (٢) أحدٌ بعدَه أبدًا. ولا خلافَ أنه ﷺ غُسِّل. واختُلف في الصلاة عليه، فقيل: لم يُصَلَّ عليه جملةً، وإنما كان الناسُ (٣) يدخلون أرسالًا أرسالًا، فيدعون، وينصرفون. ع: واختُلف في تعليل ذلك، فقيل: لفضله، وأنه غيرُ محتاج لذلك؛ كالشهيد، وهذا ينكسر بغسلِه. وقيل: بل لأنه لم يكن ثمَّ إمامٌ، وهذا خطأ؛ فإن إمامة الفرائض لم تتعطل، ولأن البَيْعة تمت لأبي بكر قبلَ دفنه، وهو إمامُ الناس. وقيل: بل صُلِّي عليه أفذاذًا، فوجٌ بعدَ فوج؛ ليأخذ كلُّ واحد منهم نصيبه من بركة الصلاة. وقد جاء في بعض الآثار في وفاته: أنه صُلِّي عليه (٤) بصلاة جبريل، وهذه العلة المذكورة في عموم بركته هي إحدى العلل في تأخير دفنه من يوم وفاته (٥). وقد تقدم تعليل تأخير دفنه ﷺ ، وشرف وكرم.

стр. 1615

الحديث الثالث عشر ١٦٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ" (١).
следующие страницы →