← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

فَرَّتْ يَهُودُ وَأَسْلَمَتْ جِيرَانَهَا ... صَمِّي لِمَا فَعَلَتْ يَهُودُ صَمَام (١) وأما النصارى: فجمع نَصْرانٍ، ونَصْرانة، مثل النَّدامى، جمع نَدْمان ونَدْمانة، قال الشاعر: فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا ... كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ و (٢) لكن لم يستعمل نصرانٌ إلا بياء النسب؛ لأنهم قالوا: رجلٌ نَصْرانِيٌّ، وامرأة نَصْرانِيَّةٌ (٣)، واللَّه أعلم. الرابع: اتخذ: افْتَعَلَ من تَخِذَ، قال الشاعر: [الطويل] وَقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلَى جَنْبِ غَرْزِهَا ... سَنِيفًا (٤) كَأُفْحُوصِ القَطَاةِ المُطَرِّقِ وهو تارة يتعدَّى إلى مفعول واحد؛ كقولك (٥): اتخذتُ دارًا، وتارة يتعدَّى إلى مفعولين؛ كما هو في الحديث، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. الخامس: فيه: تحريمُ اتخاذِ قبرِ الرسول ﷺ مسجدًا، فلا يجوز أن يُصَلَّى على قبره، وقد استدل بعضهم بعدم الصلاة على قبره ﷺ

стр. 1612

على عدم الصلاة على القبر مطلقًا كما تقدم، وعورض باختصاصه قبره ﷺ ، بذلك؛ لما فهم من هذا الحديث، وبعض الناس أجاز الصلاةَ على قبرِه ﷺ (١)؛ لجوازها (٢) على قبرِ غيره. السادس: قولها: "ولولا ذلك أُبرز قبرُه"؛ أي: ولولا تحذيرُه (٣) من اتخاذ القبور مساجدَ، لأُبرز قبره، أي: أُظهر (٤) للناس، ولكن تركوا ذلك خشيةَ ما ذُكر، لا سيما مع تقادم الأزمان، وتغير الأحوال. فصل: وقد زِيدَ في مسجد رسول اللَّه ﷺ حين أكثر الناس، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوتُ أزواجه أمهات المؤمنين ﵅ فيها، حتى (٥) حجرة عائشة ﵂ فيها (٦) مدفنُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وصاحبيه ﵄، وبنوا على القبر الشريف حوائطَ مرتفعةً مستديرةً حولَه؛ لئلا يظهر قبرُه في المسجد، فيصلَّى إليه، فيؤدِّي (٧) إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، حرفوهما حتى التقيا؛ بحيث لا يتمكَّن أحد من استقبال القبر الشريف. والحجرةُ الشريفةُ المكرمة المعظمة التي حول القبر هي حجرةُ عائشة أم المؤمنين، وبيتُها المختَصُّ بها ﵂، وقد كانت

стр. 1613

فيه بعد موته ﷺ ، وبعد دفنه ودفنِ أبيها أبي بكر الصديق ﵁، فلما طُعن عمرُ ﵁، أرسل إليها ابنَه عبدَ اللَّه يستأذنها في أن يُدفن عند صاحبيه، فأذنتْ له، فدُفن فيه، فلم تدخل عائشةُ ﵂ بعد دفن عمر ﵁ إلا محتجبةً، معاملةً له ميتًا معاملَتَه حيًا، وكان النبي ﷺ لما مات في هذه البقعة الشريفة، حُوِّلَ فِراشهُ، وحُفر له مكانه، ودُفن فيه بعدَ غسله وتكفينه والصلاة عليه ﷺ . و (١) روى محمدُ بنُ سعدٍ بسنده عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، قال: لما قُبض رسول اللَّه ﷺ ، جعل أصحابه (٢) يتشاورون: أين يدفنونه (٣)؟ فقال أبو بكر: ادفنوه حيث قبضه اللَّه ، فرُفع الفِراش، فدُفن تحته (٤). وروي -أيضًا- عن معن بن عيسى، عن مالك: أنه بلغه: أن رسولَ اللَّه- ﷺ لما تُوفي، قال ناسٌ: عند المنبر، وقال آخرون: بالبقيع، فجاء أبو بكر، فقال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَا دُفِنَ نبِيٌّ إِلَّا في مَكَانِهِ الَّذِي قَبَضَ اللَّهُ نَفْسَهُ فِيهِ" (٥)، فَأُخِّرَ (٦) رسولُ اللَّه ﷺ عن المكان

стр. 1614

الذي تُوفي فيه، فحُفر له، وأُلحد له، وجُعل على لحده بعد وضعه فيه تسعُ (١) لَبِنات، وفُرش له قَطيفة تحته كان يتغطى بها. ع: وروي أن الذي ألقاها في القبر شُقْرانُ مولى رسول اللَّه ﷺ ، وكان يلبسها، ويفترشها، فقال شقران: واللَّهِ لا يلبسكِ (٢) أحدٌ بعدَه أبدًا. ولا خلافَ أنه ﷺ غُسِّل. واختُلف في الصلاة عليه، فقيل: لم يُصَلَّ عليه جملةً، وإنما كان الناسُ (٣) يدخلون أرسالًا أرسالًا، فيدعون، وينصرفون. ع: واختُلف في تعليل ذلك، فقيل: لفضله، وأنه غيرُ محتاج لذلك؛ كالشهيد، وهذا ينكسر بغسلِه. وقيل: بل لأنه لم يكن ثمَّ إمامٌ، وهذا خطأ؛ فإن إمامة الفرائض لم تتعطل، ولأن البَيْعة تمت لأبي بكر قبلَ دفنه، وهو إمامُ الناس. وقيل: بل صُلِّي عليه أفذاذًا، فوجٌ بعدَ فوج؛ ليأخذ كلُّ واحد منهم نصيبه من بركة الصلاة. وقد جاء في بعض الآثار في وفاته: أنه صُلِّي عليه (٤) بصلاة جبريل، وهذه العلة المذكورة في عموم بركته هي إحدى العلل في تأخير دفنه من يوم وفاته (٥). وقد تقدم تعليل تأخير دفنه ﷺ ، وشرف وكرم.

стр. 1615

الحديث الثالث عشر ١٦٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ" (١).

стр. 1616

* (١) الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قد تقدم معنى قوله ﵊: "لَيْسَ مِنَّا"، وأن معناه: ليس من أهل سُنَّتِنا, ولا مهتدٍ بهدينا, ولا يجوز أن يُحمل على الخروج من (٢) الإِسلام جملةً؛ لأن (٣) المعاصي لا يكفر بها عند أهل الحقِّ والسنَّة. الثاني: قوله ﵊: "مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ": خَصَّ (٤) الخدودَ بالضرب دونَ سائر الأعضاء؛ لأنه الواقعُ منهن عندَ المصيبة، ولأن (٥) أشرفَ ما في الإنسان الوجهُ، فلا يجوز امتهانُه وإهانتُه بضربٍ ولا تشويهٍ، ولا غيرِ ذلك مما يَشْينُه، وقد أمر في الضرب والتأدب بأن يُتَّقَى الوجهُ. الثالث: قوله ﵊: "الخُدُودَ" فجمع، وليس للإنسان إلا خَدَّان، وهذا -واللَّه أعلم-، من باب قوله -تعالى-:

стр. 1617

﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] , وقالت العرب: شابَتْ مَفارِقُه، وليس له إلا مفرقٌ واحد، فكأنهم سموا كلَّ موضعٍ من المفرق مفرقًا، وقالوا أيضًا: جملٌ ذو عَثانين، وليس له إلا عُثنون واحد، والعُثْنونُ: شعيراتٌ طِوالٌ تحت حَنَك البعير، ونحو ذلك كثير، هذا إذا جعلنا (مَنْ) واقعةً (١) على مفرد، فإن (٢) جعلناها واقعةً على جمع، فلا إشكالَ، ومثلُه شقُّ الجيوب، وهو قطعُها وإفسادُها بالقطع في غير محله، فحرم على ذلك (٣)؛ لما فيه من إظهار السخط، وعدم إظهار الرضا بالقضاء، مع ما في شق الجيوب من إضاعة المال. الرابع: المراد بدعوى الجاهلية: الندبُ، والنياحةُ، وهو ذكرُ صفات الميت؛ فإنهم كانوا ينوحون على الميت، ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك المحاسن عندهم قبائحُ في الشرع، فيقولون مثلًا: واكهفاه! واسيداه! واسنداه! واجبلاه! وامُرْمِلَ النسوان! وموتمَ الوِلدان! ومخرب العمران! هذا ونحوه مما يرونه شجاعةً؛ فإنْ رُفِع الصوت بذلك، وعُدِّد، فهو نياحة، وإلا، فهو ندبٌ (٤). وجاء في الحديث الآخر صريحًا: "النِّيَاحَةُ مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ" (٥)،

стр. 1618

وجاء: "لَعَنَ اللَّهُ النَّائِحَةَ وَالمُسْتَمِعَةَ" رواه أبو داود (١). ولتعلمْ: أن جمهورَ العلماء على تحريم النياحة. وذهب بعضُ أصحابنا؛ أخذًا من حديث أم عطية: إلى أن النهي عن النياحة ليس بنهي عزم وفرض؛ إنما هو نهيُ حض وندب، واستدل بقول أم عطية للنبيِّ ﷺ : إلا آلَ فلان؛ فإنهم كانوا أَسعدوني في الجاهلية، فلا بد أن أُسعدهم، فقال: "إِلَّا آلَ فُلَانٍ" (٢)، وبقضية نساءِ جعفرٍ، وسكوتِ النبي ﷺ عنهنَّ آخرًا، وبأحاديثَ كثيرةٍ جاءت في ذلك، ولم يجعل فيها نسخًا، فأما إن انضاف إلى النياحة فعلٌ آخر من أفعال الجاهلية؛ من شَقِّ الجيوب، وخَمْش الخدود، أو ما كانت تُضيفه من فعل المصائب إلى الدهر، وهو دعواها، فلا خلافَ في تحريم ذلك كله؛ أعني: النياحة، وما ذُكر معها من هذه الأفعال القبيحة. وقد أُجيب عن حديث أم عطية بوجوه: فقيل: الحديث مبتور (٣)، نقص منه: فقال النبي ﷺ : "لَا إِسْعَادَ في الإِسْلَامِ"، وذكر هذه الزيادة النسائيُّ في حديث بمعناه، وليس فيه: "فقالَ النبيُّ ﷺ إِلَّا آلَ فلانٍ"، ولم يذكر فيه أم عطية (٤)، فيكون

стр. 1619

على هذا معنى قوله: "إلا آلَ فلانٍ"، مع إثبات (١) تلك الزيادة: على وجه تكرار كلامها، والتقرير له، والتوبيخ، لا على الإباحة، ثم أجابها بأنه: "لا إسعادَ في الإِسلام"، قاله ع. قال: وقد يكون -على ظاهر اللفظِ بالإباحة-: أن يكون قبلَ تحريم النياحة، وأن يكون حديث أم عطية غيرَ الحديث الآخر، ثم منع النبي ﷺ الإسعادَ في الحديث الآخر (٢). قلت: ويصلح هذا الجواب الثاني أن يكون جوابًا عن نساء جعفرٍ أيضًا، واللَّه أعلم. وقال ح: حديثُ أم عطيةَ محمول على الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة؛ كما هو ظاهر، ولا تحل النياحةُ لغيرها, ولا لها في غيرِ آلِ فلان؛ كما هو صريح في الحديث، وللشارع أن يخص من العموم ما شاء. ثم قال: هذا مذهبُ العلماء كافة (٣)؛ يعني: تحريم النياحة مطلقًا، وقد رأيت ما تقدم من الخلاف فيها لبعض أصحابنا، وهو القاضي أبو عبد اللَّه، هكذا ذكره ع في "إكماله" (٤) (٥)، واللَّه أعلم.

стр. 1620

الحديث الرابع عشر ١٦٤ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، فَلَهُ قِيرَاطَان"، قِيلَ: وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: "مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ" (١). ولِمسلمٍ: "أَصْغَرُهُما مِثْلُ أُحُدٍ" (٢).

стр. 1621

قد (١) تقدم أن شهد في مثل هذا بمعنى: حضرَ، والحديث مشعرٌ بالحض على صلاة الجنازة، والترغيب في مصاحبتها واتباعها حتى تُدفن، والتنبيه على عظيم ثوابها، وهي مما خص اللَّه -تعالى- به هذه الأمةَ كما قال ﵊: "إِنَّ اللَّه أَعْطَاكُمْ شَيْئَيْنِ لَمْ يَكُونَا لأحَدٍ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: صَلَاةُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْكُمْ"، الحديث. وقوله ﵊: "من شهدها حتى تُدفن، فله قيراطان": قيل: معناه بالأول فيحصلُ بالصلاة قيراط، وبالاتباع مع حضور الدفن قيراط آخر، فيكون الجميع قيراطين (٢)، بيَّنَ ذلك روايةُ البخاري في أول "صحيحه" في كتاب: الإيمان: "مَنْ شَهِدَ جَنَازَةً، وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، رَجَعَ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَينِ" (٣)، وهذا صريح في أن المجموع بالصلاة، والاتباع، وحضور الدفن، قيراطان.

стр. 1622

ومثل هذا ما جاء في الحديث الصحيح: "مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ في جَمَاعَةٍ؛ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ لَيْلَةٍ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَمَاعَةٍ؛ فَكَأَنَّمَا قَامَ لَيْلَةً" (١)، هذا اختُلف فيه (٢) -فيما أظن-، فقيل: إنما يحصل بمجموع الصلاتين؛ كأجر قيامِ ليلة، وقيل: يحصل بصلاة الصبح خاصة قيامُ ليلة، وهذا هو المتبادَرُ إلى الذهن، واللَّه أعلم. فصل: إذا فُرغ من الدفن، فانصراف الإنسان منه على خمس مراتب: الأولى: وهي أفضلها: أن لا ينصرف حتى يفرغ من الدفن، ويستغفر للميت، ويدعو له (٣)؛ لما رواه أبو داود، عن عثمان: أن النبي ﷺ كانَ إذا فرغَ من دفنِ الميت، وقفَ عليه، وقال (٤): "اسْتَغْفِرُوا لأَخِيْكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التثبيت، فَإِنه الآنَ يُسْأَلُ" (٥). الثانية: أن ينصرف إذا فَرَغَ من الدفن، ولا يقفَ للدعاء، فقد حصل له قيراطان؛ للحديث. الثالثة: أن ينصرف إذا سُتر عليه باللَّبِن، قبل أن يُهال عليه التراب،

стр. 1623

فهو دون الأول في الأجر. الرابعة: أن ينصرف إذا بلغت الجنازةُ القبرَ، قبلَ أن يُقبر، قال أشهب في "المجموعة": إذا بقي معها مَنْ يلي ذلك. قلت: لأن الدفن فرضُ كفاية، فإذا قام به غيره، صار في حقه كالمستحب، فلا يأثم بالرجوع، لكن فاته قيراطٌ من الأجر؛ لقوله ﵊: "حَتَّى تُدفن (١)، فله قيراطانِ"، فظاهره: اشتراطُ حضورِ الدفن في حصولِ القيراطين، واللَّه أعلم. الخامسة: أن ينصرف إذا صَلَّى عليها، فله قيراط؛ كما في الحديث، والذي قبله أفضلُ؛ لأنه تبعَ الجنازةَ إلى القبر، فحصل له ثوابُ المشي معها بعد الصلاة، وأما مَنْ تبعها، ثم رجع قبل أن يصلي، فله أجرُ مشيه، وكرهه أشهبُ إلا لحاجة. وقوله: "وما القيراطان؟ " إلى آخره: القيراط في أصل اللغة: نصفُ دانِق، والدانق: سدس درهم، وذلك ثمان حبات، وثلث حبَّة، وثلث خمس حبَّة، وأصلُه: قرَّاط -بالتشديد-؛ لأن جمعه قراريط، فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء، ومثله دينار، وأصله: دِنَّار -بالتشديد -أيضًا (٢). وأما القيراط في هذا الحديث، فقد جاء تفسيرُه فيه على طريق التمثيل

стр. 1624

لجزء (١) من الأجر، ومقدار منه، وهو من مجاز التشبيه، شبه المعنى العظيم بالجسم العظيم، ونحو قوله ﵊: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ ومِلْءَ الأَرْضِ"، الحديث (٢). وقوله: "أصغرُهما مثلُ أحد"، انظر: أيهما أصغر، الأول أم الثاني؟! والظاهر (٣) عندي: أن ذلك موكولٌ إلى علم اللَّه سبحانه، لا يطَّلع عليه إلا مَنْ عَلِمَه من جهة اللَّه تعالى؛ إما بوحي، أو إلهام، واللَّه تعالى الموفق للصواب، عليه توكلت وإليه مآب (٤). * * *

стр. 1625

كِتْابُ الزَّكَاة

стр. 1626

كِتْابُ الزكاة الزكاة تطلق بمعنى النماء، وبمعنى الطهارة: فمن الأول: قولنا: زكا الزرعُ؛ أي: نما. ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] و ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]؛ أي: طهرها من دنس المعاصي والمخالفات، دليله: قولُه تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي: أخملها بالمعاصي، والأصل دَسَّسَها، فأدغم. وأورد على الأول: أن الزكاة إخراج من المال، ونقصٌ محسوس، فكيف يكون نماءً؟ وأجيب: بأنها، وإن كانت نقصًا في الحال (١)، فهي تَنْمي في المآل، وتزيدُ في إصلاح الأموال. وقيل: يزكو عند اللَّه أجرُها، وينمي؛ كما جاء في الحديث الآخر: "حَتَّى تَكُونَ (٢) كَالجَبَلِ العَظِيمِ" (٣)، وجاء -أيضًا- في الصحيح:

стр. 1627

"مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ" (١). قيل: ووجه الدليل من ذلك أن النقصان محسوسٌ بإخراج القَدْرِ الواجب منه، فلا يكون [غير ناقص إلا بزيادة] (٢) تبلغه إلى ما كان عليه، وقد أخبرني مَنْ أثق به: أنه كان عنده عشرون درهمًا، فتصدق منها بدرهم، ثم وزنها، فإذا هي [بوزن] ما كانت (٣)، وقد وقع لي أنا -أيضًا- نحو ذلك. وقيل: لأنها لا تؤخذ إلا من الأموال المعرَّضَة للنماء؛ أي: لمَّا كان متعلقها ينمي، سميت باسم متعلقها، واللَّه أعلم. وأما معنى الطهارة فيها؛ فلأنها تطهر النفسَ من رذيلة البخل وغيره؛ كما تقدم، وقد قيل: من أَدَّى زكاةَ ماله، لم يُسَمَّ بخيلًا. ع (٤): وقيل: سميت زكاة؛ لأنها تزكي صاحبها، وتشهد بصحة

стр. 1628

إيمانه (١)؛ كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقيل: سميت بذلك؛ لأنها طاعة وإخلاص. وقيل في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧]: لا يشهدون أَنْ لا إله إلا اللَّه، فعبر عن أحد المتلازمين بالآخر؛ من حيث إن الزكاة ملازمة للإيمان، ولأن مخرِجَها لا يخرجُها إلا من إخلاصه (٢)، وصحة إيمانه؛ لما جُبِلت عليه النفوس من الشح بالمال، وحبه، ومنه قوله ﵊: "الصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ" (٣). وقيل: لأنها تزكي المالَ وتطهره؛ إذ لو لم تخرج منه أَخْبَثَتْه، وأبقَتْ فيه أوساخه. وأما تسميتُها صدقةً، فمن الصِّدْق؛ إذ هي دليل على صحة إيمانه، وصدق باطنه فيه مع ظاهره. وقد تسمى بذلك؛ لتصديق صاحبِها أمرَ اللَّه (٤) -تعالى- بإخراجها. وسمَّاها الشرع -أيضًا-: حَقًّا، فقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ

стр. 1629

يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] , ونفقةً، بقوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وعفوًا، بقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وبَيْنَ السَّلَفِ وأهلِ التفسير اختلافٌ في مراده -تعالى- بهذه الكلمات (١). قال الإِمام أبو عبد اللَّه: وقد أفهم الشرع أنها شُرعت للمواساة، وإن المواساة إنما تكون فيما له بالٌ من الأمور (٢)، فلهذا حدَّ النُّصُبَ، وكأنه لم ير فيما دونها محملًا لذلك، ثم وضعها في الأموال النامية العين، والحَرْثِ، والماشية، فمن ذلك ما ينمي بنفسه، كالماشية، والحرث، ومنه ما ينمي (٣) بتغير عينه وتقلُّبه، كالعين، والإجماع على تعلق الزكاة بأعيان هذه المسميات. وأما تعلق الزكاة بما سواها من العُروض، ففيها للفقهاء ثلاثة أقوال: فأبو حنيفة يوجبها على الإطلاق، وداود يُسقِطها، ومالكٌ يوجبها على المدير على شروط معلومة من مذهبه. قلت: وأما قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] , فبعمومه يحتج لأبي حنيفة، ومالكٌ حملَه على ما كان للتجارة دون القُنية (٤). وسيأتي الكلامُ على شيء من هذا.

стр. 1630

الحديث الأول ١٦٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (١) بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: "إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُم إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُم: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُم: أَنَّ اللَّه تعالى قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجابٌ" (٢).

стр. 1631

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله ﵊: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب": ق: كأنه كالتوطئة والتمهيد للوصية (١) باستجماع همته بالدعاء لهم، فإنَّ أهلَ الكتاب أهلُ علم، ومخاطبتهم لا تكون كمخاطبة جُهَّال المشركين (٢) وعَبَدَة الأوثان في العناية بها (٣).

стр. 1632

الثاني: وقعت البداية بمطالبتهم بالشهادتين؛ لأنهما أصل الدين وأساسُه الذي تُبنى (١) عليه جملةُ فروعه؛ إذ لا يصح شيء منها إلا بعد ثبوت الشهادتين قطعًا، ولذلك أجمعت الأمةُ على أن الكفار مخاطَبون بهما، فمن كان منهم غيرَ موحِّد على التحقيق؛ كالنصارى، طولب بكل واحدة من الشهادتين عَيْنًا (٢)، ومن كان موحِّدًا؛ كاليهود، طولب بالإقرار بالرسالة؛ فإنهم يدخلون في الإِسلام بالإيمان بما كفروا به، وتقديم المطالبة بالإيمان لا يدل على عدم المخاطبة بالفروع من حيث إن الترتيب في الدعاء لا يلزم منه الترتيبُ، ولا بد [من] الترتيب (٣) في الوجوب؛ بدليل وجود الترتيب في الحديث بين الصلاة والزكاة، ولا ترتيبَ بينهما في الوجوب. الثالث: قوله ﵊: "فإنْ هم أطاعوا لكَ بذلك"؛ أي: تلفَّظوا بالشهادتين ولا بد، هذا معنى إطاعتهم بذلك (٤)، فلا يكفي غيرُ التلفظ؛ من إشارة، أو قرينة ما دالة على الإيمان, بل لا بد من النطق بهما جميعًا، حتى لو تلفظوا بإحداهما، لم يُكتفَ منهم بذلك، وأما قولُه ﵊: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ

стр. 1633

النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه" (١)، فقد تقدم في باب الجمعة: أنه ﵊ رمز بقوله: لا إله إلا اللَّه إلى الإتيان بالشهادتين وغيرِهما مما هو من لوازمهما -على ما تقرر-، وأما إطاعتُهم بالصلاة، فلا يلزم منها إقرارُهم بفرضيتها، بل لو فعلوها على الوجه المشروع، كان ذلك كافيًا, ولم يشترط تلفُّظُهم بالإقرار بالفرضية، ولذلك نقول في الزكاة: حيث يحصل منهم الامتثالُ بإخراجها, لا يلزمُهم التلفظ بالإقرار بوجوبها، وإنما المعتبرُ من ذلك الإذعانُ لما أُمروا به، وعدمُ الإنكار، واللَّه أعلم. الرابع: قوله ﵊: "خمسُ صلواتٍ في كلِّ يوم وليلة": فيه: دليل صريح على عدم وجوب الوتر، فإنَّ بَعْثَه ﵊ معاذًا إلى اليمن كان متأخرًا بعدَ استقرار أمر الوتر، والعملِ به قبلَ وفاته ﵊ بقليل. الخامس: قوله ﵊: "تؤخذ من أغنيائهم، فتُرَدُّ على فقرائهم": لا يفيد كونهَم أهلَ اليمن، ويقوي هذا الاحتمالَ عدمُ اعتبار أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية، كما وُوجِهوا (٢) بالخطاب بالصلاة مع عدم اختصاصهم بها حكمًا.

стр. 1634

ولم أَرَ في مذهبنا خلافًا في عدم جواز نقلها عن البلد الذي فيه المالُ، والمالكُ، والمستحقون للزكاة، فإنْ نقلَها، أو دفعَها إلى فقراءِ غيرِ بلده، كُره له ذلك، وأَجزأ، وقال سحنون: لا يجزئه، نعم لو بلغَ الإمامَ أن ببعض البلاد حاجةً شديدة، جاز له نقلُ بعضِ الصدقة المستحقة بغيره إليه. وهل المعتبر مكانُ المال (١) وقتَ تمام الحول، فيفرق (٢) الصدقة عنده، أو هو سببُ الوجوب، أو مكانُ المالك، إذ هو المخاطَب بها، فيخرجها في ذلك (٣)؟ لأصحابنا قولان. وأما صدقة الفطر، فإنما يُنظر فيها إلى موضع المالك فقط. السادس: ذهب أبو حنيفة، وبعضُ أصحاب مالك، أخذًا من هذا الحديث: إلى أن مَنْ ملك نصابًا لا يُعطى من الزكاة؛ من حيث إنه جعل المأخوذ منه غنيًا، وقابله بالفقير، ومن ملك نصابًا، فالزكاةُ مأخوذة منه، فهو غني بهذا الاعتبار، والمعنى: لا يُعطى من الزكاة إلا في المواضع الخمسة المنشأة في الحديث. السابع: ظاهرُ هذا الحديث دليلٌ لمذهب مالكٍ وموافقيه (٤) في

стр. 1635

إعطاء الزكاة لصنف واحد؛ إذ لم يُذكر في الحديث إلا الفقراء. وفيه -أيضًا-: أن الإمام أو نائبه هو الذي يتولى قبضَ الزكاة؛ لوصفه إياها بكونها مأخوذةً من الأغنياء. ق: فكلُّ ما اقتضى خلافَ هذه الصفة، فالحديثُ ينفيه (١). الثامن: قوله ﵊: "فإياك وكرائمَ أموالهم": (إياك) منصوبٌ بفعل مضمر لا يجوز إظهاره، والتقدير: إياك باعد، واتق كرائمَ أموالهم، وهو من باب: إياك والأسدَ، وأهلَكَ والليلَ، وأشباه ذلك. فيه: تحريمُ أخذ كرائم الأموال، وهي جمع كريمة، إلا برضا أربابها. قال صاحب "المطالع": وهي الجامعةُ للكمال الممكن في حقها؛ من غزارة لَبَن، أو جمال صورة، أو كثرة لحم أو صوف، وهي النفائسُ التي تتعلق (٢) بها نفسُ مالكها، ويقال: هي التي يختصها صاحبُها لنفسه، ويؤثرها. قلت: كالأكولة، والرُّبَّى، وهي التي تربِّي ولدها، والماخِضِ، وفحلِ الغنم، وحَزَراتِ المال -بتقديم الزاي-، وهي التي تُحْزَرُ بالعين، وتُرْمَقُ، لشرفها، وحُب أهلها لها.

стр. 1636

قيل: والحكمة في ذلك: أن الزكاة وجبت مواساةً للفقراء من مال الأغنياء، فلا يناسب ذلك الإجحاف بأرباب الأموال، فسامح الشرعُ أربابَ الأموال بما يَضِنُّون به، ونهى المصدِّقين عن أخذه (١). التاسع: لم يَذْكر في الحديث -على هذه الرواية- الركنين الباقيين من أركان الإسلام الخمسة؛ وهما: الصومُ، والحجُّ، وكأن الراويَ عن معاذ تركَهما، فروى بعضَ الحديث، وترك بعضَه، وعليه يدل كلامُ الشيخ تقيِّ الدين بن الصلاح رحمه اللَّه تعالى، قال: هذا الذي وقع في حديث معاذ من تقصير الراوي. قال بعض شيوخنا: وهو الأظهر؛ لأن بَعْثَه ﵊ معاذًا كان قبل وفاة رسول اللَّه ﷺ بقليل، ويبعُدُ حينئذ القول بأن ذلك كان قبل فرض الصوم والحج؛ لأن الصوم فُرض في السنة الثانية من الهجرة، وفرض الحج في السنة السادسة، وهو المشهور، وقيل: في التاسعة، وهو ضعيف (٢). (٣) قوله ﵊: "واتَّقِ دعوةَ المظلوم"، إلى آخره، الحجاب يقتضي: الاستقرار في المكان، والباري -تعالى-

стр. 1637

[منزه عن ذلك، إلَّا أنه] (١) ﷺ كان يخاطب العربَ بما تفهم، وإنما المراد: أنها مقبولة على كل حال، لا (٢) أن للباري -تعالى- حجابًا يحجبه عن الناس. [ويحتمل عندي] (٣) أن يراد هنا بالحجاب: الحجابُ المعنويُّ دون الحسي، والمعنى: أن المظلوم دعوته مقبولة، وإن كان عاصيًا مخلِّطًا، ولا يكون عصيانُه وتخليطه حاجبًا للإجابة، ومما يؤيد هذا الاحتمال: ما جاء في الصحيح: "أَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ"، الحديث (٤)، فعلم أن المطعم الحرام، والمشربَ الحرام، ونحوَ ذلك، مما يمنع الإجابة، فأراد ﷺ أن دعوةَ المظلوم لا يمنعُها شيء؛ كما مَنَعَ المطعمُ والمشربُ الحرامُ من استجابة الدعاء؛ كما منع ذلك في حقِّ غير المظلوم، واللَّه أعلم. وهذا الحديث يشتمل على فوائد: منها: استحبابُ وصية الإمام لمن يُوَلِّيه. ومنها: تعظيمُ أمر الظلم، واستجابةُ (٥) دعوة المظلوم، كما تقدم.

стр. 1638

ومنها: جوازُ الدعاء على الظالم بما يسوغ شرعًا. ومنها: أن أخذَ كرائم الأموال ظلم؛ لذكره ﵊ عقبَ قوله: "وإياكَ وكرائمَ أموالهم". وفي الحديث: دليلٌ على العمل بخبر الواحد، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1639

الحديث الثاني ١٦٦ - عَنْ أَبي سعيد الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" (١).

стр. 1640

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: أَوَاقٍ في الحديث -بحذف الياء، مثل غَوَاشٍ-، كذا رويناه في هذا الكتاب، وفي بعض روايات مسلم (أَوَاقِيَّ) -بياء (١) مشددة-، وكلاهما صحيح. قال أهل اللغة: الأُوقِيَّةُ -بضم الهمزة وتشديد الياء-، وجمعها أَوَاقِيّ -بتشديد الياء وتخفيفها-، وأواقٍ، بحذفها. قال ابن السِّكِّيت: كلُّ ما كان من هذا النوع واحدُه مشدَّدٌ، جاء في جمعه التشديدُ، والتخفيفُ؛ كالأُوقية والأَواقِي، والسُّرِّيَّةِ والسَّرَارِي، والبُخْتِيَّة والبَخَاتي، والأُثْفِيَّة والأَثافي، ونظائرِها، وأنكر جمهورُهم أن

стр. 1641

يقال في الواحدة: وَقْيَّة، وجمعُها (١) وَقايا؛ كضَحِيَّة وضَحايا (٢). قال أبو عبيد: هي اسمٌ لوزن مبلغُه أربعون درهمًا كَيْلًا، ودرهمُ الكيل زِنَتُه خمسون حَبَّةً، وخُمُسا حبةٍ، وسمي درهم الكيل؛ لأنه بتكييل عبد الملك بنِ مروان، أي: بتقديره وتحقيقه، وذلك أن الدراهم التي كان يتعامل الناس بها قديمًا نوعان: نوع عليه نقشُ فارس، والآخرُ عليه نقشُ الروم، أحدُ النوعين يقال لها: البَغْلِيَّة؛ وهي السود، الدرهمُ منها ثمانيةُ دوانقَ، والأخرى يقال لها: الطَّبَرِيَّة، وهي العتق، الدرهُم منها أربعةُ دوانق، فجاء الإسلام وهي كذلك، فكان الناس يتعاملون بها مجموعةً على النصف من هذه، والنصف من هذه عند الإطلاق، ما لم يعينوا أحدَ النوعين، وكذلك كانوا يؤدون الزكاة في أول الإسلام باعتبار مئة من هذه، ومئة من هذه في النصاب، ذكر هذا أبو عُبيد وغيره، فلما كان عبدُ الملك بن مروان، تحرَّجَ من نقوشها، وضرب الدرهمَ بنقش الإسلام بعد أن تَحَرَّى معاملَتهم الإطلاقية، فجمَع بين درهم بغليٍّ من ثمانية دوانق، وبين درهم طبريٍّ من أربعة دوانق، فكان اثني عشر دانقًا، فقسمها نصفين، فضرب الدرهم من نصفها، وهو ستة دوانق (٣).

стр. 1642

وقد تقدم أن الدانق ثمانُ حبات وثلثُ حبة وثلثُ خمس حبة من الشعير المطلق، واتفق المسلمون على اعتبار درهم الكيل المذكور؛ لموافقته ما كان معتبرًا من عهد النبي ﷺ ، وإلى أن ضربت. والجمهور على أن نصاب الزكاة مئتا درهم من دراهم الكيل؛ وهي الخمس الأواقي المذكورة في الحديث، ولم يخالف في ذلك إلا مَنْ زعم أن أهل كل بلد يعتبرون النصاب بما يجري (١) عندهم من الدراهم؛ صَغُرت أو كَبُرت، وهو مذهب ابن حبيب، والصحيحُ ما ذهب إليه الجمهور، ويعضده قولُه ﷺ : "الوَزْنُ عَلَى وَزْنِ أَهْلِ مَكَّةَ"، وهو حديث صحيح (٢)، وقد تقدم أن هذا المقدار المذكور هو الذي كان وزن أهل مكة في عصر النبي ﷺ ، وقد وَهِمَ من قال: إن (٣) الدراهم كانت مجهولةَ القدر في زمن النبي ﷺ إلى زمان عبد الملك، وكيف ذلك وهو ﵊ يوجب الزكاةَ في أعدادها، وبها تقع البياعات، وتنعقد الأنكحة (٤)، والإجارات، وغير ذلك من المعاملات، وإنما معناه: أنها لم يكن منها شيءٌ من ضرب الإسلام،

стр. 1643

على ما تقدم تقريره. تتميم: لا بد أن تكون الأوقية أربعين درهمًا، خالصةً غيرَ مشوبة بغيرها، فإن كانت مغشوشة، أو بعضُها، لم تجب الزكاة حتى تبلغ مئتي درهم خالصة، هذا هو المشهور من مذهبنا. وقيل: يعتبر الأكثر، فيكون الأقلُّ تبعًا. قال القاضي عبد الوهاب: إلا أن يكون ما لا حكم له؛ كما يقول (١) أهل الصنعة: إنه لا يتأتى الضرب إلا به؛ كالدانق في العشرة وما أشبهه. قلت: ولو تصور أن يكون جودة، أو سِكَّة (٢) تجبر ما نقصه الغشُّ، لم يعتبر باتفاق. تنبيه (٣): وما حكاه الغزالي ﵀ عن مالك، من أن الزكاة تجب على مَنْ معه مئة وخمسون تساوي مئتين قراضة، ونقدُ البلد قراضة، فلا يعرفه أصحابه، ولا نقله أحدٌ منهم عنه، بل صرح المتأخرون منهم بنفيه، وقالوا: إنما رأوا في "الموطأ" أنها إذا نقصت، وكانت تجوز بجواز الوازنة، وجبت الزكاة، فظنوا النقصَ في المقدار، والجوازَ في الفضة؛ لأنها بارتفاع ثمنها تلحق بالوازنة، وهذا الذي ظنوه باطل قطعًا، وليس هو مراد أهل المذهب، وإنما مرادهم: أنها ناقصة نقصًا

стр. 1644

لا يتشاحُّ (١) الناس في مثله في العادة، واللَّه أعلم، فليعلمْ (٢) ذلك. ولا يغتر (٣) بما نقله الغزالي فيه؛ فإنه باطل قطعًا، واللَّه الموفق. ولم يذكر في هذا الحديث الذهب؛ لأن غالب تصرفهم كان بالوَرِق، وقد ذكر الذهب في غير هذا الحديث من غير "الصحيحين"، أو ما يدل عليه، وأظنه في "سنن أبي داود" (٤)، واللَّه أعلم. ودينارُه أربعة وعشرون قيراطًا، والقيراطُ ثلاثُ حبات من وسط الشعير، فمجموعه اثنان وسبعون حبة، وهو مجمَع عليه، فإذا كان معه عشرون دينارًا، أو مئتا درهم على ما وصفنا، وجبت الزكاةُ فيها إجماعًا، إلا ما رُوي عن الحسن البصري، والزهري، من أنهما قالا: إنها لا تجب في أقل من أربعين مثقالًا، والأشهرُ عنهما الوجوبُ في عشرين، كما قاله الجمهور. ع: وعن بعض السلف: وجوبُ الزكاة في الذهب إذا بلغت قيمته (٥) مئتي درهم، وإن كان دون عشرين مثقالًا، قال هذا

стр. 1645

القائل: ولا زكاة في العشرين حتى تكون قيمتها مئتي درهم (١)، واللَّه أعلم. الثاني قوله ﵊: "ولا فيما دونَ خمسِ ذَوْدٍ صدقةٌ": الرواية المشهورةُ: إضافةُ خمس إلى ذود، كقولهم: خمسة أبعرة، وخمسة جمال، وخمس نوق، وخمس نسوة (٢). قال سيبويه: تقول: ثلاثُ ذَوْد؛ لأن الذود مؤنثة، وليس باسم كُسِّر عليه مذكره. وقال أبو عبيد: الذود: ما بين ثنتين إلى تسع، قال: وهو مختص بالإناث. وقال الحربي (٣): قال الأصمعي: الذود: ما بين الثلاث إلى العشر، والصُّبَّة: خمسٌ أو ستٌّ، والصَّرْمَة: ما بين العشر إلى العشرين، والعكرة: ما بين العشرين إلى الثلاثين، والهجمة: ما بين الستين إلى السبعين، والهُنَيْدَة (٤): مئة، والخطر: نحو مئتين، والعرج: من خمس مئة إلى ألف (٥). وقال أبو عبيد وغيره: الصرمة: من العشر إلى الأربعين.

стр. 1646

وقال غير الأصمعي: وهِنْدٌ -غير مصغر-: مئتان وإمامه ثلاث مئة. وأنكر ابن قتيبة أن يقال: خمس ذود؛ كما لا يقال: خمس ثوب، وغلطه العلماء؛ فإن هذا الحديث شائع في الحديث الصحيح، ومسموع عن (١) العرب، معروف في كتب اللغة، وليس هو جمعًا لمفرد، بخلاف الأثواب. قال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمسُ ذَوْدٍ لخمسِ من الإبل، وثلاثُ ذَوْدِ لثلاث من الإبل، وأربعُ ذود، وعشرُ ذود، على غير قياس، كما قالوا: ثلاثُ مئة، وأربعُ مئة، والقياس: مئين ومئات، ولا يكادون يقولونه. قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وهذا صريح بأن الذود واحدٌ في لفظه. وقد ضبطه الجمهور: خمس ذود، ورواه بعضهم خمسة ذود، وكلاهما لرواة مسلم، والأول أشهر، وكلاهما صحيح في اللغة، فإثبات الهاء لانطلاقه على المذكر والمؤنث، ومن حذفها قال الداوودي: أراد أن الواحد منه فريضة (٢). الثالث: قوله ﵊: "ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة"، الأوسق جمع، وَسق -بفتح الواو، وهو المشهور-

стр. 1647

وكسرها، فعلى الأول يجمع على أفعل، كفلس وأفلس، وعلى الثاني يجمع على أفعال (١) كحمل وإحمال، قالوا: وأصله الحمل. قال شمر: كل شيء حملته، فقد وَسَقْته، يقال: ما أفعلُ كذا ما وسقت عيني الماء، أي: [حملت. وقال] (٢) غيره: الوسقُ: ضَمُّكَ الشيء إلى الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧]؛ أي: جمعَ وضَمَّ، وذلك أن الليل يضم كل شيء (٣)؛ واستوسق (٤) الشيء: إذا اجتمع وكمل (٥). وقيل: معنى وسق: علا، وذلك أن الليل يعلو كل شيء، وُيجلله (٦)، ولا يمتنع منه شيء، ويقال للذي يجمع الإبل: واسِق، وللإبل نفسِها: وَسَقَة، وقد وسقتها فاستوسقتْ، أي: اجتمعتْ وانضمَّتْ. وقال الخطابي: الوَسْقُ: تمامُ حمل الدواب النقالة، وهو ستون صاعًا بصاع النبي ﷺ ، والصاعُ خمسةُ أرطال وثلثٌ بالبغدادي (٧).

стр. 1648

واختلف في الرطل البغدادي بعد الاتفاق على أنه اثنتا (١) عشرة أوقية، والأوقية هنا هي زنة عشرة دراهم، وثُلُثي درهم من دراهم الكيل، والأظهر: أنه مئة وثمانية وعشرون درهمًا، وأبيبعةُ أسباع درهم، وقيل: لا (٢) أسباع، وقيل: مئة وثلاثون، فالأوسق: ألف وخمْس مئة رطل بالبغدادي. وهل ذلك تحرير أو تقريب؟ للشافعية في ذلك وجهان: أصحهما: أنه تقريب، فإن نقص عن ذلك يسيرًا، وجبت الزكاة. والثاني: أنه تحرير، فمتى نقص شيئًا -وإن قل-، لم تجب (٣). وما أظنهم يختلفون في مثل الحبة والحبتين والحبات اليسيرة في الوجوب. ولم أر في مذهبنا خلافًا أن (٤) النقصان إذا كان يسيرًا، لم يُسقط (٥) الزكاة. واختُلف في اليسير، فقيل: ما لا يتسامح الناسُ (٦) في العادة، ومنهم من فسره بالمقدار الذي تختلف فيه الموازين، وهذا عندهم

стр. 1649

بشرط جوازها بجواز الوازنة. قال الإمام أبو عبد اللَّه: فإن كثر النقص، وجرى مجرى الوازنة، ففي وجوب الزكاة فيه قولان: فمن اتبع مقتضى اللفظ والتحديد، أسقطها. ومن اتبع المقصودَ الذي هو الانتفاعُ بها، كالانتفاع بالوازنة، أوجب الزكاة (١). وحكي عن عمر بن عبد العزيز: أن نصاب الدراهم إن نقص ثلاثة دراهم، ونصاب الذهب إن نقص ثُلُثَ دينار، لم تسقط الزكاة، واللَّه أعلم. الرابع (٢): ولقد أبعدَ غايةَ الأبعاد من قال: إن "دونَ" في هذا الحديث ونحوه، بمعنى: غير، وإنما معناه: أَقَلّ، وإلا، لزم أن لا تجب الزكاة فما زاد على الخمسة، ولم أعلم من يقول ذلك غيرُه، وهو باطل قطعًا، واللَّه الموفق. فائدة (٣): قال الإمام أبو عبد اللَّه: قال بعض العلماء: إنه ظهر من حُسن ترتيب الشريعة التدريجُ في المأخوذ من المال يزكَّى بالجزء على حساب التعب فيه، فأعلى ما يؤخذ الخمسُ، فما وجد من أموال الجاهلية

стр. 1650

ولا تعبَ في ذلك، ثم ما فيه التعبُ من طرف واحد يؤخذ فيه نصف الخمس، وهو العُشْر فيما سَقَت السماءُ والعيون، وما سُقي بالنَّضْح، فكان (١) فيه التعبُ من الطرفين، يؤخذ فيه ربعُ الخمس، وهو نصفُ العُشر، وما فيه التعبُ في جميع الحول، كالعَيْن، يؤخذ فيه ثُمُنُ ذلك، وهو ربعُ العشر، فالمأخوذ إذًا: الخمسُ، ونصفُه، وربعُه، وثمنُه (٢). قلت: ولا خلاف أن ما دون النُّصُب المحدودة بحدِّ الشارع لا زكاةَ فيه -على ما تقدم من الخلاف في النقصان اليسير-؛ كما يدل عليه نص الحديث، إلا ما نُقل عن أبي حنيفة: من (٣) أنه يوجب في زكاة الحرث الزكاة مطلقًا، قليلًا كان أو كثيرًا، واحتج له بعموم قوله ﵊: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ" (٤)، وهذا عامٌّ في القليل والكثير. وأجيب عن هذا: بأن المراد: بيانُ قدر المخرَج منه، وكأنه -واللَّه أعلم- نزعة ظاهرية.
следующие страницы →