← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وقال غير الأصمعي: وهِنْدٌ -غير مصغر-: مئتان وإمامه ثلاث مئة. وأنكر ابن قتيبة أن يقال: خمس ذود؛ كما لا يقال: خمس ثوب، وغلطه العلماء؛ فإن هذا الحديث شائع في الحديث الصحيح، ومسموع عن (١) العرب، معروف في كتب اللغة، وليس هو جمعًا لمفرد، بخلاف الأثواب. قال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمسُ ذَوْدٍ لخمسِ من الإبل، وثلاثُ ذَوْدِ لثلاث من الإبل، وأربعُ ذود، وعشرُ ذود، على غير قياس، كما قالوا: ثلاثُ مئة، وأربعُ مئة، والقياس: مئين ومئات، ولا يكادون يقولونه. قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وهذا صريح بأن الذود واحدٌ في لفظه. وقد ضبطه الجمهور: خمس ذود، ورواه بعضهم خمسة ذود، وكلاهما لرواة مسلم، والأول أشهر، وكلاهما صحيح في اللغة، فإثبات الهاء لانطلاقه على المذكر والمؤنث، ومن حذفها قال الداوودي: أراد أن الواحد منه فريضة (٢). الثالث: قوله ﵊: "ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة"، الأوسق جمع، وَسق -بفتح الواو، وهو المشهور-

стр. 1647

وكسرها، فعلى الأول يجمع على أفعل، كفلس وأفلس، وعلى الثاني يجمع على أفعال (١) كحمل وإحمال، قالوا: وأصله الحمل. قال شمر: كل شيء حملته، فقد وَسَقْته، يقال: ما أفعلُ كذا ما وسقت عيني الماء، أي: [حملت. وقال] (٢) غيره: الوسقُ: ضَمُّكَ الشيء إلى الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧]؛ أي: جمعَ وضَمَّ، وذلك أن الليل يضم كل شيء (٣)؛ واستوسق (٤) الشيء: إذا اجتمع وكمل (٥). وقيل: معنى وسق: علا، وذلك أن الليل يعلو كل شيء، وُيجلله (٦)، ولا يمتنع منه شيء، ويقال للذي يجمع الإبل: واسِق، وللإبل نفسِها: وَسَقَة، وقد وسقتها فاستوسقتْ، أي: اجتمعتْ وانضمَّتْ. وقال الخطابي: الوَسْقُ: تمامُ حمل الدواب النقالة، وهو ستون صاعًا بصاع النبي ﷺ ، والصاعُ خمسةُ أرطال وثلثٌ بالبغدادي (٧).

стр. 1648

واختلف في الرطل البغدادي بعد الاتفاق على أنه اثنتا (١) عشرة أوقية، والأوقية هنا هي زنة عشرة دراهم، وثُلُثي درهم من دراهم الكيل، والأظهر: أنه مئة وثمانية وعشرون درهمًا، وأبيبعةُ أسباع درهم، وقيل: لا (٢) أسباع، وقيل: مئة وثلاثون، فالأوسق: ألف وخمْس مئة رطل بالبغدادي. وهل ذلك تحرير أو تقريب؟ للشافعية في ذلك وجهان: أصحهما: أنه تقريب، فإن نقص عن ذلك يسيرًا، وجبت الزكاة. والثاني: أنه تحرير، فمتى نقص شيئًا -وإن قل-، لم تجب (٣). وما أظنهم يختلفون في مثل الحبة والحبتين والحبات اليسيرة في الوجوب. ولم أر في مذهبنا خلافًا أن (٤) النقصان إذا كان يسيرًا، لم يُسقط (٥) الزكاة. واختُلف في اليسير، فقيل: ما لا يتسامح الناسُ (٦) في العادة، ومنهم من فسره بالمقدار الذي تختلف فيه الموازين، وهذا عندهم

стр. 1649

بشرط جوازها بجواز الوازنة. قال الإمام أبو عبد اللَّه: فإن كثر النقص، وجرى مجرى الوازنة، ففي وجوب الزكاة فيه قولان: فمن اتبع مقتضى اللفظ والتحديد، أسقطها. ومن اتبع المقصودَ الذي هو الانتفاعُ بها، كالانتفاع بالوازنة، أوجب الزكاة (١). وحكي عن عمر بن عبد العزيز: أن نصاب الدراهم إن نقص ثلاثة دراهم، ونصاب الذهب إن نقص ثُلُثَ دينار، لم تسقط الزكاة، واللَّه أعلم. الرابع (٢): ولقد أبعدَ غايةَ الأبعاد من قال: إن "دونَ" في هذا الحديث ونحوه، بمعنى: غير، وإنما معناه: أَقَلّ، وإلا، لزم أن لا تجب الزكاة فما زاد على الخمسة، ولم أعلم من يقول ذلك غيرُه، وهو باطل قطعًا، واللَّه الموفق. فائدة (٣): قال الإمام أبو عبد اللَّه: قال بعض العلماء: إنه ظهر من حُسن ترتيب الشريعة التدريجُ في المأخوذ من المال يزكَّى بالجزء على حساب التعب فيه، فأعلى ما يؤخذ الخمسُ، فما وجد من أموال الجاهلية

стр. 1650

ولا تعبَ في ذلك، ثم ما فيه التعبُ من طرف واحد يؤخذ فيه نصف الخمس، وهو العُشْر فيما سَقَت السماءُ والعيون، وما سُقي بالنَّضْح، فكان (١) فيه التعبُ من الطرفين، يؤخذ فيه ربعُ الخمس، وهو نصفُ العُشر، وما فيه التعبُ في جميع الحول، كالعَيْن، يؤخذ فيه ثُمُنُ ذلك، وهو ربعُ العشر، فالمأخوذ إذًا: الخمسُ، ونصفُه، وربعُه، وثمنُه (٢). قلت: ولا خلاف أن ما دون النُّصُب المحدودة بحدِّ الشارع لا زكاةَ فيه -على ما تقدم من الخلاف في النقصان اليسير-؛ كما يدل عليه نص الحديث، إلا ما نُقل عن أبي حنيفة: من (٣) أنه يوجب في زكاة الحرث الزكاة مطلقًا، قليلًا كان أو كثيرًا، واحتج له بعموم قوله ﵊: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ" (٤)، وهذا عامٌّ في القليل والكثير. وأجيب عن هذا: بأن المراد: بيانُ قدر المخرَج منه، وكأنه -واللَّه أعلم- نزعة ظاهرية.

стр. 1651

ع: وقال داود: كلُّ ما يدخله (١) الكيل، فيراعى فيه خمسة الأوسق، وما عداه؛ مما لا يوسق، ففي قليله وكثيره الزكاة. قلت: وعكسُ هذا ما نقل عن الحسن، والزهري: أن لا صدقةَ في أقلَّ من أربعين دينارًا، وإن كان الأشهرُ عنهما مذهب الجماعةَ، على (٢) ما تقدم. ع: ورُوي عن بعض السلف: أن الذهبَ إذا كانت قيمتها مئتي درهم كان فيها الزكاة، وإن لم تبلغ عشرين دينارًا، وكذلك (٣) لا زكاة في العشرين إلا أن تكون قيمتها مئتي درهم (٤)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1652

الحديث الثالث ١٦٧ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" (١). وَفي لَفْظٍ: "إلا زَكَاةَ الفِطْرِ في الرَّقِيقِ" (٢).

стр. 1653

قال العلماء: هذا الحديث أصلٌ في عدم زكاة عين العُروض، وقلنا: عين العروض، تحرزًا عن قيمتها إذا كانت للتجارة، ونفى الزكاةَ في عين الخيل والرقيق، ولم يخالف في ذلك أحدٌ على ما نقله ح إلا أبو حنيفة، وشيخُه حَمَّادُ بْنُ سلمة، وزُفَرُ، فأوجبوا في الخيل إذا كانت إناثًا، أو ذكورًا وإناثًا (١)، في كل فرس دينارًا، وإن شاء قَوَّمَها، وأخرج عن كل مئتي درهم خمسةَ دراهم، وعنه روايةٌ بتخصيص الزكاة بالإناث المحض. ح: وليس لهم حجة في ذلك، وهذا الحديث صريحٌ في الردِّ عليهم (٢).

стр. 1654

ق (١): وقد استدل بهذا الحديث الظاهريةُ على عدم وجوب زكاة التجارة، وقيل: إنه قول قديم للشافعي ﵀ (٢)، من حيث إن الحديث يقتضي عدمَ وجوب الزكاة في الخيل والعبيد مطلقًا. ويجيب (٣) الجمهور عن استدلالهم بوجهين: أحدهما: القول بالموجب: فإن زكاة التجارة متعلقها القيمةُ لا العين، والحديث يدل على عدم التعلق بالعين، فإنها لو تعلقت بالعين من العبيد والخيل، لثبتت ما بقيت العينُ، وليس كذلك، فإنه لو نوى القُنية، لسقطت الزكاة، والعينُ باقيةٌ، وإنما الزكاة متعلقة بالقيمة؛ بشرط التجارة، وغير ذلك من الشروط. والثاني: أن الحديث عام في العبيد والخيل، فإذا أقاموا الدليل على وجوب زكاة التجارة، كان هذا الدليل أخصَّ من ذلك العام، فيقدَّم عليه. نعم، يحتاج إلى تحقيق إقامة الدليل على وجوب زكاة التجارة، وإنما المقصود هنا: بيانُ كيفية النظر بالنسبة إلى هذا الحديث، وقوله ﵊: "إِلَّا زَكَاةَ الفطرِ في الرقيق" ظاهرٌ في وجوب زكاة الفطر، وهو أشهرُ الروايتين عن مالك (٤).

стр. 1655

مسألة: لا خلافَ في أن السيد تجب عليه الزكاةُ عن عبده المسلم، وأما الكافر، فالجمهورُ على عدم وجوبها عليه عنه، وكذلك القريبُ الكافرُ ممن تلزم نفقتُه، أو الزوجةُ الكافرة. وقال ابن المنذر: و [به قال] عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: تجب عن عبده وقريبه الذميِّ، ودليلنا: قولُه ﷺ : "من المسلمين"، وهو في "الصحيحين" (١). تفصيل: إذا ثبت هذا، فالعبدُ إما مسلم، أو كافر، فالكافرُ لا تجب فُطرته، والمسلم إما أن يكون كلُّه رقيقًا، أو بعضُه، فإن كان كلُّه رقيقًا؛ فإما أن يكون لمالكٍ واحد، أو أَزْيَدَ، فإن كان لمالكٍ واحد، فظاهر، وإن كان لأزيدَ، فالمشهورُ: أن الفطرة على قدر الأجر (٢)، لا على العدد، وإن كان بعضُه رقيقًا، فثلاثة أقوال: مشهورها: على السيد بقدر حصته، ولا شيء على العبد، وقيل: عليهما ما (٣) بقدر الحرية والرقِّ، وقيل: على السيد الجميع. مسألة: لو اشترى يومَ الفطر عبدًا، فالمشهورُ الذي رجع إليه: أن زكاته على البائع، وأما المبيع بالخيار، والأمة تتواضع، فعلى البائع، والمبيع بيعًا فاسدًا، زكاتُه على المشتري، وأما العبد المخْدَمُ

стр. 1656

يرجع إلى حرية على مخدَمه، بفتح الدال. فإن كان يرجع إلى رق، ففي المذهب ثلاثة أقوال، يفرق (١) في الثالث بين طول الخدمة، فيكون على المخدَم أيضًا، أو لا يطول، فيكون (٢) على المخدَم، وتجب على سيد المكاتَب على المشهور، وعلى الآبق المرجُوِّ، وعلى رب المال في عبيد القِراض، ولا يخرج من مال القراض. وقال أشهب: إذا بيعوا، نُظر إلى الفضل (٣)، فإن كان ربعَ المال أو ثلثَه، فقد صار للعامل ثُمُنُ المال، أو سُدُسُه، إن كان القراض على النصف، فعليه من الزكاة بقدر ما صار له من العبيد؛ لأنه قد كان شريكًا يومئذ. قال ابن حبيب: فعلى قول أشهب تؤخذ الزكاةُ مما بِيَدِ المقارض، فإذا تفاصلا، نُظر إلى الربح، ثم تكون الزكاة على ما ذكر. قال ابن المَوَّاز: قولُ ابن القاسم في ذلك هو الصواب؛ لأن الزكاة هاهنا على الأبدان، لا على الأموال، والزكاةُ تجب قبل تمييز العاملِ حقَّه، ولا يصير له حتى يقضيه، ومنشأ الخلاف: النظرُ إلى العامل، هل ملك قبل إنضاض المال، أم لا؟ وقد أشار إلى ذلك

стр. 1657

أشهب، وابن المواز، واللَّه أعلم (١). وقول المصنف: وفي لفظ: "إلا زكاة الفطر في الرقيق" غيرُ متفق عليه، بل اختص به مسلم. رويناه بخفض الزكاة، وهو بعيدٌ، أو باطل، والوجه فيه: الرفعُ، على البدل من: صدقةٌ، ويجوز نصبه على الاستثناء، والأولُ أولى، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1658

الحديث الرابع ١٦٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "العَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمْسُ" (١).

стр. 1659

الجُبَارُ: الهَدَرُ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ، وَالْعَجْمَاءُ: الدَّابَّةُ. * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: العجماء: البهيمة؛ كما قال المصنف. قال الجوهري: وإنما سُميت عجماءَ؛ لأنها لا تتكلم، فكل من لا يقدر على الكلام أصلًا فهو أعجم، مستعجم، والأعجم -أيضًا-: الذي لا يُفصح ولا يُبين كلامه، وإن كان من العرب، والمرأة عجماء، ومنه زيادٌ الأعجمُ الشاعرُ، والأعجم: الذي في لسانه عُجْمة، وإن أفصحَ بالعجمية، ورجلانِ أَعْجَمان، ورجالٌ أَعْجَمون، وأَعَاجِمُ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] (١). والجُبَار: قد فسره المصنف. ونصُّ الحديث يقتضي أن جرحَ العجماء جبار، وظاهره: اختصاصُه (٢) بالأبدان دونَ الأموال، وهو أقربُ إلى حقيقة الجرح.

стр. 1660

ع: أجمعوا على أن جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها، إذا لم يكن معها أحد، فإن كان معها راكب، أو سائق، أو قائد، فجمهورُ العلماء على ضمان ما أتلفت. وقال داود، وأهل الظاهر بعدم الضمان مطلقًا، إلا أن يحملها الذي هو معها على ذلك، أو يقصده (١). ق: وفيه حديث عن النبي ﷺ ، يعني: قول الجمهور الثاني (٢). البئر مؤنثة، والقليب: البئر قبل أن تطوى، يذكر ويؤنث (٣). وقال أبو عبيد: هي البئر العادية القديمة. وجمعُ البئر في القلة: أَبْؤُر، وَأبْآر -بهمزة بعد الباء-، ومنهم من يقلب الهمزة، فيقول: آبار، وفي الكثرة: بِئَار (٤). وأما المعدِن: فبكسر الدال، سمي بذلك، لعدنِ الناس فيه، وهو إقامتُهم صيفًا وشتاءً، يقال: أعدنْتُ البلدَ: إذا توطنته، وعَدَنَتِ الإبلُ بمكانِ (٥) كذا: لَزِمَتْه، فلم تبرحْ منه، ومنه قوله -تعالى- ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]؛ أي: جنات إقامة، ومركز كل شيء معدِنُه، والعادِنُ:

стр. 1661

الناقة المقيمة في الرَّعْي (١). ومعنى الحديث: أن يحفر الرجل بئرًا في مكان يسوغ له فيه الحفرُ، أو مَعْدِنًا، فيمر به مارٌّ، فيسقطُ فيه فيموتُ، أو يستأجرَ أجيرًا فيه، فيهلك بسبب العمل، أو يستأجر أجيرًا، فيحفر له بئرًا، أو معدنًا، فيقع عليه، فهذا كلُّه لا ضمان عليه فيه، ما لم يقصد الإهلاك، فيضمن، حتى لو حفر بئرًا لإهلاك لص، فهلك فيها، لَقُتِل (٢)، أما لو فعل ذلك لا لقصدِ إهلاك، فإن كان فيما لا يجوز له، ضمنَ الديةَ، أو القيمة، وإن كان فيما يجوز، فإن قصد ضررًا، والسارق (٣)، ضمن الديةَ دونَ القود؛ لأنه فعل في ملكه، وإلا، فلا ضمان عليه، وباللَّه التوفيق (٤). الثالث قوله ﵊: "وفي الركاز الخمس": الركاز: هو المركوز، كالكتاب بمعنى المكتوب، ومعناه في اللغة: الثبوت، ومنه: ركزَ رُمْحَه: إذا غَرَزَه، وأثبَتَه، ومركز الدائرة وسطُها، ومركزُ الرجل: موضعُه (٥).

стр. 1662

وهو في الشرع: دفين الجاهلية، ويجب فيه الخمسُ، بلا خلاف عندنا. قال ابن المنذر: وبه قال جميع العلماء، قال: ولا أعلم أحدًا خالفَ فيه إلا الحسنُ البصري، فقال: إن وجد في أرض الحرب، ففيه الخمس، وإن وجد في أرض العرب، ففيه الزكاة. قلت: إذا ثبت هذا، فالنظرُ (١) في جنسه، وقدره، ومحله. فأما جنسه، فروي تخصيصُه بالنقدين عن مالك، وبه قال ابن القاسم، وابن المواز، وروي عنه -أيضًا (٢) - تعميمُ الحكم في جميع ما يوجد فيه من النحاس، والرصاص، واللؤلؤ، والطيب، وغير ذلك، واختاره -أيضًا (٣) - ابن القاسم، وبه قال مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع. وللشافعي -أيضًا- في ذلك قولان: جديدهما: اختصاصُه بالتقدير (٤)، وظاهر الحديث يقتضي العموم. وأما قدره، فقال في "الكتاب": في العين يخمس، وإن كان يسيرًا، وفي "كتاب ابن سحنون": لا خمس فيه، والمذهبُ الأولُ.

стр. 1663

وأما محله: فله محالُّ أربعةٌ: الأول: أرضُ الحرب، فما وجد فيه، فهو للجيش الذي وصل واجده إليه بهم. الثاني: أرض العَنْوَة، فما وُجد فيها، فهو للجيش الذي افتتحوها، أو لورثتهم إن وُجدوا. قال سحنون: وإن لم يوجدوا، و (١) انقطع نسلُهم، كان كاللُّقَطَة، ويفرق في المساكين. وقال أشهب: إن عرف أنه لأهل العنوة، فهو لمن افتتح البلاد إن عُرفوا، وإلا، فهو لعامة المسلمين، وخمسُه في وجوه الخمس. الثالث: أرضُ الصلح. قال ابن القاسم، والمغيرة: ما وجد فيها، فهو لأهل الصلح دون واجده. قال القاضي أبو الوليد: وهذا إذا كان واجده من غير أهل الصلح، فإن كان منهم، فقد قال ابن القاسم: هو له، وقال غيره: بل هو لجملة أهل الصلح. وقال أشهب: إن علم أنه من أموال أهل الصلح، كان لهم، وكان حكمُه حكمَ اللقطة تُعَرَّف (٢)؛ فمن ادعاها منهم، أقسم (٣)

стр. 1664

على ذلك في كنيسته، وسُلمت إليه اللقطة، وإن علم أنها ليست من أموالهم، ولا من أموال من ورثوه، فهو لمن وجده، يُخرج خمسه. الرابع: فيافي المسلمين، وما وجد في فيافي العرب والصحارى التي لم تُفتح عنوة، ولا أسلمَ أهلُها عليها، فهو لمن وجده، ويخرج خمسه. وقال مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وأصبغ: ما وجد من الركاز، فهو لواجده، وعليه فيه الخمسُ، كان في أرض العرب، أو أرض عنوة، أو أرض صلح. فرع: لو وُجد الركازُ في موضع جُهل حكمهُ، فقال سحنون في "العتبية": هو لمن أصابه، يريد: ويُخمسه (١). ولو وجده عبدٌ، أو ذمي، فقال المغيرة: في كل ما وجد من الركاز من العين وغيره الخمسُ، وجده حرٌّ، أو عبد، أو ذميٌّ، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، وقاله ابن نافع، وكذلك قال الشيخ أبو إسحاق: قال أصحابنا: وما لَفَظَه (٢) البحرُ، ولم يتقدم عليه مِلْكُ أَحدٍ، فهو لواجده، ولا خمسَ فيه، وإن تقدم عليه ملكٌ لمعصومٍ، فهل يكون لواجده (٣)؛ لأنه في حكم المستهلك، أم

стр. 1665

لمالكه؟ فيه خلاف (١)، وكذا ما تُرك بمضيعة في البر أو البحر، وعجز عنه ربُّه، وصُوِّرَ تاركًا له. وقال القاضي أبو بكر: إذا ترك الحيوانَ أهلُه بمضيعة، فقام عليه إنسانٌ حتى أحياه، ففيه روايتان. إحداهما: أنه له، وهو الصحيح؛ لأنه لو تركه لغيره بقوله، فقبضه، كان له، وكذلك إذا تركه بفعله. قال: أما لو كان بغير اختياره، كعطيب البحر، والسلب، فهو لصاحبه، وعليه لجالبه كِراءُ مُؤْنتِه. تعميم (٢): ومصرفُ الخمس إلى الإمام العدل، وإلا، أخرجه واجدُه لمستحقيه. وأما المعدن، فيجب فيما تخرج منه الزكاة ما لم يكن نَدْرَة (٣)، وهي التي لا يُتكلف فيها عمل، ففيها الخمس. وروى ابن نافع عن مالك: أنها كغيرها. وقيل: إن كانت يسيرة، فهي كغيرها، وإن كانت كثيرة، ففيها الخمس. الرابع: الحديث يدل بظاهره على عدم اشتراط الحول في الركاز،

стр. 1666

ولا أعلم فيه خلافًا، بل هو كالغنيمة، والمعشرات (١). واختلف قول الشافعي في اعتبار الحول في المعادن، والفرق بينهما: وجودُ التعب، وكلفةُ العمل في المعادن، فأشبهت زكاةَ الأرباح التي لا تُنال إلا بذلك، بخلاف الركاز، فإنه لا كُلفة فيه البتةَ، فالنماءُ فيه متكامل، وما تكاملَ فيه النماء، لا يُعتبر فيه الحول، فان الحول مدة مضروبة لتحصيل النماء، والنماءُ في الركاز متكامل -كما تقدم- بخلاف المعادن، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 1667

الحديث الخامس ١٦٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ, وَالْعَبَّاسُ عَمُّ النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ، فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، وَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ، فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا", ثُمَّ قَالَ: "يَا عُمَرُ! أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ ". (١).

стр. 1668

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: بعث: معناه: أبيسل، وكذلك ابتعثَ، وقولهم: كنت في بَعْثِ فلان؛ أي: في الجيش الذي بعث معه (١)، والبُعوث: الجيوش (٢). الثاني: قوله: "على الصدقة"، أي: الزكاة المفروضة، ويبعد أن يراد بها: صدقةُ التطوع، كما قاله ابن القصار من أصحابنا، لوجهين: أحدهما: أن المتبادَرَ إلى الذهن خلافُه، فلا يُعْدَل عنه. والثاني: أنه ﵊ إنما كان يبعث في الزكاة المفروضة على ما نُقل. الثالث: قوله ﵊: "ما يَنْقِم ابنُ جميل"،

стр. 1669

يقال: نَقَم يَنْقِمُ؛ كضَرَبَ يَضْرِبُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج: ٨]، وقال الشاعر: مَا نَقَمَ النَّاسُ مِنْ أُمَيَّةَ إِلَّا ... أَنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبُوا وَأَنَّهُمْ سَادَةُ المُلُوكِ وَلَا ... تَصْلُحُ (١) إِلَّا عَلَيْهِمُ العَرَبُ ويقال أيضًا: نَقِمَ يَنْقَمُ؛ مثل: عَلِمَ يَعْلَمُ (٢)، وقد استعملَ هذه اللغة الحريري، فقال: ولا أَنْقَمُ، وَلَوْ لَدَغَنِي الأَرْقَمُ (٣). واختلف في معناه، فقيل: يعيبُ، وقيل: ينكر، وقيل: يكره، وقد فسر قوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ [المائدة: ٥٩] الآية: تَتَكَرَّهون، وتُنْكِرون (٤)، فإن فسرناه بـ: "ينكر"، كان معناه: أنه لا عذَر له في المنع؛ إذ لم يحصل للمنع موجبٌ، إلا إغناءُ اللَّه إياه، وذلك ليس بموجب للمنع، ولا موجب البتةَ، وهذا من وادي قوله: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِرَاعِ الكَتَائِبِ (٥)

стр. 1670

فيقصدون النفيَ على سبيل المبالغة في الإثبات، إذ المعنى (١): إن لم يكن لهم (٢) عيبٌ إلا هذا، وهذا ليس يعيب، فلا عيبَ فيهم البتةَ، وكذلك المعنى هنا (٣)، إذ (٤) لم ينكرْ إلا كونَ اللَّه -تعالى- أغناه بعدَ فقره، فلم ينكر منكرًا أصلًا، فلا عذر له في المنع (٥). وكذلك إن فسرناه بـ: "يكره"، أي: ما يكره إخراجَ الزكاة -على ما تقدم-. وأما تفسيره بـ: يحيب، ففيه عندي بُعدٌ، واللَّه أعلم. قيل: إن ابن جميل كان منافقًا أولًا، فمنع الزكاة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤]، فقال: استتابني اللَّه، فتابَ، وصلحت حالُه. الرابع: الأعتاد: آلاتُ الحرب؛ من السلاح، والدوابِّ، وغيرِها، هكذا فسره أهل اللغة، والواحدُ عَتاد -بفتح العين- ويجمع -أيضًا- على أَعْتِدَة. ع: روي في غير كتاب مسلم: أعبده، وأَعتده -بالباء، والتاء-، واختلف فيه رواة البخاري، وهو جمعُ فرسٍ عَتْدٍ، وهو: الصلب، وقيل المُعدُّ للركوب، وقيل: السريعُ الوثب، ورجح بعضُهم هذه

стр. 1671

الرواية بأنه لم تجر العادة بتحبيس العبيد في سبيل اللَّه، وهذا جائز غيرُ ممتنع، بل قد وجد في العرب قبلُ، وقد ذكر ذلك في الغوث (١) بن مَرٍّ المسمى بصوفةَ، وبالربيط، وذلك أن أمه ربطتْ رأسَه بصوفةٍ، وجعلله ربيطَ الكعبة يخدمها، وقيل مثلُه في ابن (٢) الأخرم (٣). ح: ومعنى الحديث: أنهم طلبوا من خالد زكاةَ أَعتاده، ظنًا منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاةَ عليَّ، فقالوا للنبي ﷺ : إن خالدًا منع الزكاة، فقال ﵊: إِنَّكم تظلمونه، إنه قد حبسها ووَقَفها في سبيل اللَّه، قبل الحول عليها، فلا زكاة فيها. ويحتمل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاة، لأعطاها، ولم يَشِحَّ بها؛ لأنه قد وقف أمواله للَّه تعالى متبرعا بها، فكيف يشح بواجب عليه؟! (٤) ع: وقيل: يجوز أن يكون ﵊ أجاز لخالد أن يحتسب ما حبسه من ذلك فيما يجب عليه من الزكاة؛ لأنه في سبيل اللَّه،

стр. 1672

فهو حجة لمالكٍ في جواز دفعِها لصنف واحد، وهو قول العلماء كافة؛ خلافًا للشافعي في وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية، وعلى هذا يجوز إخراجُ القيم في الزكاة. وقد أدخل البخاريُّ هذا الحديثَ في باب: أخذ العرض (١) في الزكاة، فيدل أنه ذهبَ إلى هذا التأويل، ومذهبُ مالك، والشافعي: منعُ إخراج القيم في الزكاة (٢)، وأبو حنيفة يُجيز ذلك، وذكره البغداديون عن المذهب أيضًا (٣). ق: وأقول: هذا التأويلُ لا يزيل الإشكال؛ لأن ما حُبِسَ على جهة معينة، تَعَيَّنَ صرفُه إليها، واستحقَّه أهلُ تلك الصفة، مضافًا إلى جهة الحبس (٤)، فإن كان قد طُلب من خالد زكاةُ ما حبسه، فكيف يمكن ذلك مع تعين ما حبسه لصرفه؟ وإن كان طُلب منه زكاةُ المال الذي لم يحبسه من العين والحرث والماشية، فكيف يحاسب بما وجبَ عليه في ذلك، وقد تعين صرف ذلك المحبَّسِ إلى جهته؟ قلت: وهذا إيراد صحيح لا ينازِعُ فيه منصفٌ. ثم قال ق: وأنا أقول: يحتمل أن يكون تحبيسُ خالدٍ لأدراعِه

стр. 1673

وأعتادِه في سبيل اللَّه: إرصادَه إياها لذلك، وعدمَ تصرفه بها في غير ذلك، وهذا النوع حبس، وإن لم يكن تحبيسًا، ولا يبعد أن يراد مثلُ ذلك بهذا اللفظ، ويكون قوله: "إنكم تظلمون خالدًا" مصروفًا إلى قولهم: منعَ خالدٌ؛ أي: تظلمونه في نسبته إلى منع الواجب، مع كونه صرفَ ماله إلى سبيل اللَّه، ويكون المعنى: أنه لم يقصد منعَ الواجب، ويُحمل منعُه على غير ذلك (١). قلت: فهذه ثلاثة تأويلات: تأويل ح: وهو ظنهم أنها عروض للتجارة، وأن الزكاة تعلَّقت بها، فحملها على أنه حبسها قبل الحول قبلَ وجوب الزكاة فيها، فكان (٢) ذلك هو المسقطَ عنده. والثاني: تأويل ع: أنه أخرج العُروض قيمةً عما وجب في ماله من زكاة، وأنه صرف هذه (٣) العروض في أحد مصارف الزكاة، وهو سبيل اللَّه. والثالث: تأويل ق: وهو أنه صرفَ لفظةَ (حبس) عن ظاهرها، إلى أنه حبس الأعيان عن تصرفه فيها لغير الجهاد في سبيل اللَّه، فإن قصد ق: أنها صارت حبسًا بغير لفظ الحبس، فالإشكالُ الذي قرره أولًا

стр. 1674

يعود، وإن أراد: أنه أرصده؛ كما صرَّحَ به، ويكون ملكُه باقيًا مستمرًا عليها، فالزكاة باقية في ذمة المالك، ولم يعلم ما جرى فيها فقد. . . (١) وطلبُ السعاةِ لزكاة العروض بعيدٌ، فقد ترجَّحَ تأويلُ ع، واللَّه أعلم. هذا كله إذا قلنا: إن الصدقة هي الزكاة، وهو الظاهرُ على ما تقدم. وإن قلنا: إنها صدقة التطوع، ارتفعَ الإشكالُ من أصله، ويكون المعنى: أنه ﵊ اكتفى بما حبسه خالدٌ في سبيل اللَّه عن أخذ شيء آخرَ صدقةَ تطوعٍ، حتى يكون الطالبُ منه شيئًا آخرَ بعدَ تحبيسِه مالَه ظالمًا له على سبيل المبالغة والتوسُّع، واللَّه أعلم. الخامس: قوله ﵊: "وأما العباس، فهي عليَّ ومثلُها" فيه: جوازُ التصريح باسم القريب؛ كما تقدم تقريرُه في حديث عبد اللَّه بنِ عمرَ حين أصابَ أرضًا بخيبرَ، الحديث. ودخلت الألف واللام على (عباس)، وإن كان عَلَمًا؛ لمحًا (٢) لصفته قبل التسمية، على ما هو مقرر في كتب العربية.

стр. 1675

واختُلف في معنى قوله ﵊: "فهي عليَّ ومثلُها (١) ": فقيل: يحتمل أن يريدَ بقوله: "عليَّ"، أي: أُؤَدِّيها عنه، وهذا مناسب لقوله ﵊ عقبَ ذلك: "إِنَّ العمَّ صِنْوُ الأبِ"، فإن كونَه صنوَ الأب يناسب التحمُّلَ عنه بما وجب عليه. وقيل: معنى قوله: "عليَّ"، أي: له زكاةُ عامين قَدَّمها. قال الإمام أبو عبد اللَّه: وهذا التأويلُ إنما يصحُّ على مَنْ رأى جوازَ تقدمةِ الزكاة قبلَ حلولها (٢). ع: وقد روي في ذلك حديثٌ منصوص: "إِنَّا تَعَجَّلْنَا مِنْهُ صَدَقَةَ عَامَيْنِ" (٣)، وفي حديث آخر: أنه سأل النبيَّ ﷺ ذلك، فأذَن له (٤)، وبه يحتج عامة الفقهاء: أبو حنيفة، والأوزاعي، والشافعي، وفقهاء أصحاب الحديث، ومَنْ وافقهم من السلف: على جواز تقديم الزكاة قبلَ حولها بالكثير، وتقديم زكاة عامين وأكثر.

стр. 1676

خلافًا لقول مالك، والليث، وهو قول عائشة، وابن سيرين: في أنها لا تجوز قبلَ وقتها، كالصلاة، وعن مالك خلاف مذكور: إن قرب، وتحديد القرب في كتبنا معلوم. وقد تأول بعض المالكية قوله ﵊: "تَعَجَّلْنَا مِنْهُ صَدَقَةَ عَامَيْنِ" بمعنى: أوجبناها عليه، وضَمَّناها إياه، وتركناها عليه دَيْنًا. وقيل: بل كان تسلَّفَ منه النبيُّ ﷺ مالًا، لما احتاج إليه في السبيل، فقاصَّه بها عندَ الحول، وهذا ما لا يختلف فيه، وليس من التقديم في شيء (١). والوجه الأولُ أثبتُ هذه الأوجه وأظهرُها، واللَّه أعلم. وأما الصِّنْوُ: فهو المِثْلُ. قال أهل اللغة: هو أن تخرج نخلتانِ أو ثلاثٌ من أصل واحد، فكل واحدة منهنَّ صِنْوٌ، والاثنانِ صِنْوانِ، والجمع صِنْوانٌ، وأصناء (٢): بأن يكون الأصلُ واحدًا فيه النخلتان والثلاثُ والأربعُ، ورَكِيَّتان صنوانِ: إذا [تقاربتا] ونبعتا من عين واحدة (٣)، واللَّه أعلم. والمراد بالحديث: أن أصل الأب والعم واحد، فيتعين إكرامُه كما يتعين إكرامُ الأب، واللَّه أعلم.

стр. 1677

الحديث السادس ١٧٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ فِي النَّاسِ, وَفِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا (١) إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ, فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهُدَاكُمْ اللَّهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ، فَأَلَّفَكُمْ اللَّهُ (٢) بِي، وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ بِي؟ " كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: "مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ "، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: "لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا، أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ, وَتَذْهَبُونَ بالنَّبيِّ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ, وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ" (٣).

стр. 1678

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: (أفاء): أَفْعَلَ من الفَيْء، وهو الغنيمة، يتعدَّى إلى مفعولين: أحدهما: بنفسه، والآخر: بحرف الجر، نقول: أفاء اللَّه على المسلمين مالَ الكفار يُفيء إفاءة، واسْتَفَأْتُ هذا المالَ: أخذتُه فيئًا (١). وفي حديث سعدِ بنِ الربيع: فاستفاءَ (٢) عَمُّهما مالَهما (٣)؛ أي: أخذه كالفيء، والأصلُ في أفاء: أَفْيَأَ، فنُقلت فتحةُ الياء إلى الفاء، فتحركت الياء في الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفًا، فصار أفاء. وأصل الفيء في اللغة: الردُّ والرجوع، ومنه سُمي الظل بعدَ الزوال فيئًا، لرجوعه من جانب المغرب إلى جانب المشرق.

стр. 1679

وكأن الأموال التي بأيدي الكفار كانت بالأصالة للمؤمنين، إذ الإيمانُ هو الأصل، والكفرُ طارىءٌ عليه، فغلب الكفارُ على تلك الأموال، فإذا غنمَ المسلمون منها شيئًا، رجعت إلى كون من كان يملك أصلها. الثاني: غزوةُ حنين كانت في السنة الثامنة من الهجرة، وهي من غنائم هوازن، و (حنين) مذكر، ولذلك صُرف -على ما تقدم في أسماء البلدان-، ومفعولُ (قَسَمَ) محذوف، أي: قسمَ الأموالَ في الناس. الثالث: اختُلف في المؤلفة قلوبهم، من هم؟ فقيل: هم كفارٌ يُعْطَوْن ترغيبًا في الإسلام، وقيل: مسلمون ليتمكن إسلامُهم، وقيل: مسلمون لهم أتباعٌ كفارٌ ليتألفوهم. قال القرطبي في "مفهمه": واختلف في هذا العطاء الذي أعطاه النبيُّ ﷺ لهؤلاء المؤلفة قلوبهم، هل كان من الخُمس، أو من صُلْب الغنيمة؟ قال: والأحرى (١) على أصول الشريعة أن يكون من الخمس، ومنه أكثرُ عطاياه ﷺ ، وقد قال النبيُّ ﷺ : "مَالِي مِمَّا (٢) أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الخُمُسُ، وَالخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ" (٣).

стр. 1680

والظاهرُ من مراجعةِ الأنصار، وقولِ رسول اللَّه ﷺ : "أَلا ترضونَ أن يرجعَ الناسُ بالشاةِ والبعير، وترجعونَ برسولِ اللَّه ﷺ إلى رحالكم؟ " أنه: كان من صُلْب الغنيمة، وأن ذلك إنما كان لما يعلم من رضا أصحابه بذلك، ولطِيب قلوبهم به، و (١) يكون هذا مخصوصًا بتلك الواقعة، وله أن يفعل ما شاء في الأموال والرقاب، والأصلُ: التمسُّك بقواعد الشريعة على ما تقررت، واللَّه أعلم (٢). قلت: وأما أخذُهم من الزكاة، فَبِنصِّ القرآن، وقد اختُلف هل لهم في هذا الوقت نصيبٌ، أم لا؟ والصحيحُ من مذهبنا: بقاءُ حكمهم إن احتيجَ إليهم. تقسيم: قال العلماء: المشركون أصناف، منهم من رجع إلى الإسلام بالمعجزة وظهور البرهان، ومنهم من رجع بالقهر والسنان، ومنهم من رجع بالعطاء والإحسان، وهم المؤلفة قلوبهم. الرابع: الأنصار: جمعٌ مفردُه نصير، كشَريف وأشراف، وأما جمعُ ناصرٍ، فَنَصْر؛ كصاحِب وصَحْب، هذا معنى كلام الجوهري (٣). ولا يبعد عندي أن يجمع ناصر على أنصار، كشاهد وأشهاد، وصاحب وأصحاب، وإن كان جمع فاعِل على أَفْعال ليس بالكثير.

стр. 1681

الخامس: قوله: "فكأنهم وَجَدوا في أنفسهم": ق: تعبيرٌ حسنٌ كُسِيَ حُلَّةَ الأدبِ في الدلالة على ما كانَ في أنفسهم (١). قلت: (وَجَد) من الألفاظ المشتركة، يقال: وَجَد مطلوبه يَجِدُهُ وُجُودًا، وَيجُدُهُ -أيضًا بالضم- لغةُ عامر. قال أهل اللغة: لا نظيرَ لها في باب المثال، قال الشَاعر: لَوْ شِئْتِ قَدْ نَقَعَ الفؤَادُ بِشَرْبَةٍ ... تَدَعُ الصَّوَادِيَ لا يَجُدْنَ غَلِيلا ووجد ضالَّتَهُ وجْدَانًا -بالكسر-، وَوَجَدَ عليه في الغضب، مَوْجِدَة ووِجْدانًا -بالكسر أيضًا- ووَجَدَ في الحزن وَجْدًا -بالفتح-، ووجَد في المال وُجْدًا، ووَجْدًا، وجِدَةً، أي: استغنى (٢). السادس: (معشر): مفردُ معَاشِر، وهي جماعاتُ الناس، وقد تقدم الكلام عليه بأبسطَ من هذا، والضُلَّال: جمعُ ضالّ، والضَّلالُ والضلالةُ: ضدُّ الرشاد والهدى، وهو هنا ضلالُ الإشراك والكفر، والهدايةُ هداية الإيمان، ولا مِرْية في أن نعمة الإيمان لا يُعادلها شيء من أمر الدنيا، ثم أتبع ذلك بالألفة، وهي أعظمُ من الأموال (٣)،

стр. 1682

إذ تُبذل الأموالُ في تحصيلها، وهيهاتَ أن تحصُلَ، قال اللَّه تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣]. ق (١): وقد كانت الأنصار في غاية التباعد والتنافر، وجرت بينهم حروب قبل المبعث؛ منها: يوم بعاث. ثم أتبع ذلك نعمةَ الغنى والمال (٢). ففي الحديث: دليل على إقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحق، وأحسنَ الصحابةُ ﵃ الأدبَ في جوابهم، وحُسْنِ خطابهم مع اعترافهم بالحق، وتركِ المماراة، لا جرم أعقَبهم اللَّه من حُسن أدبهم شكر رسول اللَّه ﷺ لهم، وثناءه عليهم، فسبحان مَنْ هداهم، وامتنَّ عليهم برؤيته وصحبته ﷺ . السابع: ما كُني عنه بكذا وكذا، وقد جاء مصرَّحًا به في رواية أخرى، ولكن أتى الراوي بالكناية المحصِّلَة للمقصود تأدبًا. الثامن: قوله ﵊: "لو شئتم لقلتم جئتنا": هكذا هو منه ﷺ على طريق التواضع ولين الجانب، وإلا ففي الحقيقة الحجة البالغة، والمنة الظاهرة في جميع ذلك للَّه ولرسوله عليهم وعلى

стр. 1683

غيرهم، فإنه -تعالى- هو الذي أَهَّلَهم لمحبته، وأعانهم على نصر رسوله (١)، وسَمَّاهم أنصارًا، وناهيكَ نعمةً وافتخارًا. التاسع: قول ﵊: "ألا ترضون" إلى آخره تنبيهٌ على ما غفلوا عنه من عظيم ما حصل لهم، بالنسبة إلى ما أصاب غيرهم من عرض الدنيا، وأنه لا شيء بالنسبة إلى ما حصل لهم (٢). العاشر (٣): قوله ﵊: "لولا الهجرةُ لكنت امرأً من الأنصار"، أي: أتسمَّى باسمهم، وأَنتسبُ إليهم، كما كانوا يتناسبون بالحِلْف، لكن خصوصية الهجرة ومرتبتَها سبقت وعَلَتْ، فهي أعلا وأشرفُ، فلا تُبدل بغيرها، ولا ينتفي منها مَنْ حصلت له، ففيه: إشارة عظيمة إلى فضيلة الأنصار ﵃. الحادي عشر (٤): قوله ﵊: "الأنصارُ شعارٌ، والناسُ دِثار" من أحسن التشبيه، فإن الدثارَ ما كان من الثياب فوقَ الشعار، وهو الثوبُ الذي يلي الجسمَ، فاستعار ذلك، لفرط قربهم، وكأنه جعلَهم بطانتَه وخاصَّتَه، وأنهم ألصقُ به وأقربُ إليه من غيرهم.

стр. 1684

الثاني عشر (١): قوله ﵊: "ولو سلكَ الناسُ واديًا" إلى آخره، الوادي: مجرى الماء، ويُجمع على أَوْدِيَة، وقد تقدم أنه لا نظير له في كلامهم، وإن فاعِلًا لا يجمع على أَفْعِلَة، إلا في وادٍ وأَوْدِيَة. وأما الشِّعْبُ -بالكسر-: فهو الطريق بين الجبلين، و-بالفتح-: القبيلة العظيمة، وهو أبو القبائل الذي يُنسبون إليه، أي: يجمعهم ويضمهم، والشِّعْبُ -أيضًا-: ما تشعَّب من قبائل العرب على العجم (٢). الثالث عشر (٣): قوله ﵊: "إنكم ستَلْقَوْنَ بعدي أَثَرَة". قال صاحب "المفهم": روي عن العذري والطبري -وهي روايتنا-: أَثَرَة، بفتح الهمزة والثاء. قال أبو عبيد: أي: يُستأثر عليكم، فيُفضل غيرُكم نفسَه عليكم في الفيء. والأَثَرَةُ: اسم من آثَرَ يُؤثِر إيثارًا، قال الأعشى: اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالبَقَاءِ وَالعَدْل ... وَوَلَّى الملامَةَ الرَّجُلَا

стр. 1685

قال: وسمعت الأزهري يقول: الأَثَرَةُ: الاستئثار، والجمع: الأَثَر، وعند أبي بحر في هذا الحرف -بضم الهمزة وسكون الثاء-، وأصل الأثر: الفضلُ، قال أبو عبيد: يقال: له عليَّ أُثْرَة؛ أي: فضل، ومعناها قريب من الأولى، وقيده عليُّ بنُ الحسينِ بنِ سراجٍ بالوجهين (١). وفي هذا عَلَمٌ من أعلام النبوة؛ فإنه إخبار بما سيقع، وقد وقع على وَفْق ما أخبر ﷺ وشَرَّفَ وكَرَّم. * * *
следующие страницы →