الخامس: قوله: "فكأنهم وَجَدوا في أنفسهم":
ق: تعبيرٌ حسنٌ كُسِيَ حُلَّةَ الأدبِ في الدلالة على ما كانَ في أنفسهم (١).
قلت: (وَجَد) من الألفاظ المشتركة، يقال: وَجَد مطلوبه يَجِدُهُ وُجُودًا، وَيجُدُهُ -أيضًا بالضم- لغةُ عامر.
قال أهل اللغة: لا نظيرَ لها في باب المثال، قال الشَاعر:
لَوْ شِئْتِ قَدْ نَقَعَ الفؤَادُ بِشَرْبَةٍ ... تَدَعُ الصَّوَادِيَ لا يَجُدْنَ غَلِيلا
ووجد ضالَّتَهُ وجْدَانًا -بالكسر-، وَوَجَدَ عليه في الغضب، مَوْجِدَة ووِجْدانًا -بالكسر أيضًا- ووَجَدَ في الحزن وَجْدًا -بالفتح-، ووجَد في المال وُجْدًا، ووَجْدًا، وجِدَةً، أي: استغنى (٢).
السادس: (معشر): مفردُ معَاشِر، وهي جماعاتُ الناس، وقد تقدم الكلام عليه بأبسطَ من هذا، والضُلَّال: جمعُ ضالّ، والضَّلالُ والضلالةُ: ضدُّ الرشاد والهدى، وهو هنا ضلالُ الإشراك والكفر، والهدايةُ هداية الإيمان، ولا مِرْية في أن نعمة الإيمان لا يُعادلها شيء من أمر الدنيا، ثم أتبع ذلك بالألفة، وهي أعظمُ من الأموال (٣)،
стр. 1682
إذ تُبذل الأموالُ في تحصيلها، وهيهاتَ أن تحصُلَ، قال اللَّه تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣].
ق (١): وقد كانت الأنصار في غاية التباعد والتنافر، وجرت بينهم حروب قبل المبعث؛ منها: يوم بعاث. ثم أتبع ذلك نعمةَ الغنى والمال (٢).
ففي الحديث: دليل على إقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحق، وأحسنَ الصحابةُ ﵃ الأدبَ في جوابهم، وحُسْنِ خطابهم مع اعترافهم بالحق، وتركِ المماراة، لا جرم أعقَبهم اللَّه من حُسن أدبهم شكر رسول اللَّه ﷺ لهم، وثناءه عليهم، فسبحان مَنْ هداهم، وامتنَّ عليهم برؤيته وصحبته ﷺ .
السابع: ما كُني عنه بكذا وكذا، وقد جاء مصرَّحًا به في رواية أخرى، ولكن أتى الراوي بالكناية المحصِّلَة للمقصود تأدبًا.
الثامن: قوله ﵊: "لو شئتم لقلتم جئتنا": هكذا هو منه ﷺ على طريق التواضع ولين الجانب، وإلا ففي الحقيقة الحجة البالغة، والمنة الظاهرة في جميع ذلك للَّه ولرسوله عليهم وعلى
стр. 1683
غيرهم، فإنه -تعالى- هو الذي أَهَّلَهم لمحبته، وأعانهم على نصر رسوله (١)، وسَمَّاهم أنصارًا، وناهيكَ نعمةً وافتخارًا.
التاسع: قول ﵊: "ألا ترضون" إلى آخره تنبيهٌ على ما غفلوا عنه من عظيم ما حصل لهم، بالنسبة إلى ما أصاب غيرهم من عرض الدنيا، وأنه لا شيء بالنسبة إلى ما حصل لهم (٢).
العاشر (٣): قوله ﵊: "لولا الهجرةُ لكنت امرأً من الأنصار"، أي: أتسمَّى باسمهم، وأَنتسبُ إليهم، كما كانوا يتناسبون بالحِلْف، لكن خصوصية الهجرة ومرتبتَها سبقت وعَلَتْ، فهي أعلا وأشرفُ، فلا تُبدل بغيرها، ولا ينتفي منها مَنْ حصلت له، ففيه: إشارة عظيمة إلى فضيلة الأنصار ﵃.
الحادي عشر (٤): قوله ﵊: "الأنصارُ شعارٌ، والناسُ دِثار" من أحسن التشبيه، فإن الدثارَ ما كان من الثياب فوقَ الشعار، وهو الثوبُ الذي يلي الجسمَ، فاستعار ذلك، لفرط قربهم، وكأنه جعلَهم بطانتَه وخاصَّتَه، وأنهم ألصقُ به وأقربُ إليه من غيرهم.
стр. 1684
الثاني عشر (١): قوله ﵊: "ولو سلكَ الناسُ واديًا" إلى آخره، الوادي: مجرى الماء، ويُجمع على أَوْدِيَة، وقد تقدم أنه لا نظير له في كلامهم، وإن فاعِلًا لا يجمع على أَفْعِلَة، إلا في وادٍ وأَوْدِيَة.
وأما الشِّعْبُ -بالكسر-: فهو الطريق بين الجبلين، و-بالفتح-: القبيلة العظيمة، وهو أبو القبائل الذي يُنسبون إليه، أي: يجمعهم ويضمهم، والشِّعْبُ -أيضًا-: ما تشعَّب من قبائل العرب على العجم (٢).
الثالث عشر (٣): قوله ﵊: "إنكم ستَلْقَوْنَ بعدي أَثَرَة".
قال صاحب "المفهم": روي عن العذري والطبري -وهي روايتنا-: أَثَرَة، بفتح الهمزة والثاء.
قال أبو عبيد: أي: يُستأثر عليكم، فيُفضل غيرُكم نفسَه عليكم في الفيء.
والأَثَرَةُ: اسم من آثَرَ يُؤثِر إيثارًا، قال الأعشى:
اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالبَقَاءِ وَالعَدْل ... وَوَلَّى الملامَةَ الرَّجُلَا
стр. 1685
قال: وسمعت الأزهري يقول: الأَثَرَةُ: الاستئثار، والجمع: الأَثَر، وعند أبي بحر في هذا الحرف -بضم الهمزة وسكون الثاء-، وأصل الأثر: الفضلُ، قال أبو عبيد: يقال: له عليَّ أُثْرَة؛ أي: فضل، ومعناها قريب من الأولى، وقيده عليُّ بنُ الحسينِ بنِ سراجٍ بالوجهين (١).
وفي هذا عَلَمٌ من أعلام النبوة؛ فإنه إخبار بما سيقع، وقد وقع على وَفْق ما أخبر ﷺ وشَرَّفَ وكَرَّم.
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: يقال: صدقة الفطر، وزكاة الفطر، ويقال للمُخْرَج: فِطْرة -بكسر الفاء لا غير-، وهي لفظة مولَّدة، لا عربية، ولا مُعَرَّبة، بل اصطلاحية للفقهاء، ونعني بالمعرَّبة: أن تكون الكلمة عجمية، فتتفوَّهُ بها العرب على منهاجها، وكأنها من الفِطْرة التي هي الخِلْقة؛ أي: زكاة الخِلْقة، واللَّه أعلم (١).
الثاني: اختُلف في قوله: "فرض" هل هو بمعنى التقدير، أو بمعنى الإيجاب والإلزام؟
فمن قال: هو بمعنى التقدير، قال: صدقة الفطر سُنَّة.
ومن قال بالثاني، قال: هي واجبةٌ فرضٌ.
والقولان لمالك رحمه اللَّه تعالى، والمشهور منهما: وجوبُها، وإن كان بعض شيوخنا ﵀ كان يعتقد أن المشهور أنها سُنة.
وبالوجوب قال الجمهور من الفقهاء.
стр. 1689
وقال أبو حنيفة: هي واجبة لا فرض، على أصله في الفرق بينهما.
ونقل ع عن بعضهم: أنها منسوخة بالزكاة المفروضة (١). والصحيح: أنها ثابتة غير منسوخة، وغلط القائل بالنسخ.
ثم اختلفوا: هل وجبت بالقرآن، أو بالسنة:
فمن أوجبها بالقرآن، أدخلها تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقد قيل: إن الإشارة بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]؛ أي: زكاة الفطر، وبقوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]؛ أي: صلاة العيد.
وعن قيس بن سعد، قال: أمرنا رسول اللَّه ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة، لم يأمرنا، ولم يَنْهَنا، ونحن نفعلُها، وكنا نصوم عاشوراءَ، فلما فُرض شهرُ رمضان، لم نؤمر، ولم نُنْه (٢).
قال العلماء: شرع رسولُ اللَّه ﷺ صدقةَ الفطر لحكمتين:
الأولى: أن تكون طُهرة لرَفَثِ الصوم، وقد قيل: إن الصيام يبقى موقوفًا لا يرتفع إلى اللَّه -على معنى الرضا والقبول- (٣)
стр. 1690
إلا بعد إخراجها.
الثانية: إغناءُ الفقراء عن سؤال يومِ العيد، وقد قال ﵊: "أَغْنُوهُمْ عنْ سُؤَالِ هَذَا اليَوْمِ" (١).
وقد اختلف العلماء متى تجب؟
وفي مذهب مالك أربعة أقوال:
فقيل (٢): تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان.
وقيل: بطلوع فجر يوم الفطر.
وقيل: بطلوع شمسه.
وقيل: إنها تجب وجوبًا موسَّعًا، من غروب الشمس آخرَ يوم من رمضان، إلى غروب الشمس يومَ الفطر.
والمشهورُ منها الأولُ، وقد صح أنه ﵊ أمر أن تُؤَدَّى قبلَ خروج الناس إلى المصلى، وهو المعمولُ عليه عندنا.
وتظهر فائدةُ هذا الخلاف فيمن وُلد، أو أسلم، أو مات، أو بِيع من العبيد، فيما بين هذه الأزمان.
واتفقوا على استحباب إخراجها بعد الفجر، قبل الغدوِّ إلى
стр. 1691
المصلَّى؛ ليتفرغ قلبُ الفقير في ذلك الوقت لما هو بصدده من الصلاة وغيرِها من العبادات، وهو سرُّ قوله ﷺ : "أَغْنُوهُمْ عَنْ سُؤَالِ هَذَا اليَوْمِ"، واللَّه أعلم.
وهل يجوزُ تقديمها بيوم، أو يومين، أو ثلاثة؟ في ذلك عندنا قولان:
قال بعض متأخري أصحابنا: وأجمعت الأمة على أنه يؤمر بها الحر المسلم، العاقل، المالك للنصاب، الذي ليس من أهل العمود.
قلت: ولا يشترط في إخراجها ملكُ النصاب؛ خلافًا لأبي حنيفة.
وقال سفيان: مَنْ له خمسون درهمًا، فهو غني، ويتوجه عليه الأمرُ بهذه الزكاة، فإن كان له أقلُّ من خمسين، لم تجب عليه.
وقال قوم من العلماء: لا يؤمر بها إلا غني، وهو من له أربعون درهمًا.
قلت: ومشهورُ مذهبنا: وجوبُها على مَنْ عنده قوتُ يومه معَها.
وقيل: إنما تجبَ على مَنْ لا يُجْحِفُ (١) به إخراجُها.
وقيل: إنما تجب على مَنْ لا يحل له أخذُها (٢).
стр. 1692
وقيل: إنما تجبُ على مَنْ لا يحل له أخذُ (١) الزكاة.
ويجب عليه (٢) إخراجها عمَّن تلزمُه نفقتُه من قريب، أو رقيق؛ كالأولاد، والآباء، والعبيد.
وقد تقدم ذكرُ أحكام العبيد، وبيانُ مَنْ يلزمه إخراجُها عنه على التفصيل، مستوعبًا في حديث: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ في عَبْده وَفَرَسِهِ صَدَقَةٌ".
فرع: لو كان لعبيده عبيدٌ، فهل يلزمُه إخراجُها عنهم؟
قال ابن بزيزة: اختلف الفقهاء في ذلك، والصحيحُ: لزومُ الإخراج عنهم؛ لأن الجميع ملكه.
قلت: انظر: (٣) "البيان والتقريب"؛ فإن فيه (٤) غيرَ هذا؛ فإنه لم يذكر خلافًا في عدم لزوم إخراجِه عن عبيد عبيده، وهو مذهبُ الكتاب.
واختُلف في وجوبها عليه عن زوجته، والمشهورُ: وجوبها عليه عنها، وعن خادمها أيضًا، و (٥) إن كانت الزوجة مَليَّة، وكذلك زوجة أبيه الفقير، وخادمه.
стр. 1693
وأما عبدُه الغائب، فمذهبنا: وجوبها على سيده إن كانت الغيبة قريبةً مرجُوَّة.
وقال الشافعي: لا تؤدَّى عنه مطلقًا؛ لما يتطرق إليه من الإغرار، واحتمال الحياة والموت، وهو أصلُه في منع بيع الغائب على الصفة.
وقال قوم: يؤدي (١) عن عبده الغائب مطلقًا؛ لأن أصل المِلْك ثابت (٢).
فرع: قال ابن بزيزة: جمهورُ العلماء أوجبَ زكاة الفطر على الصغير.
وهل يجبُ إخراجها عن الجنين في بطن أمه، أم لا؟ اختلف السلف في ذلك، فالجمهور: على أنها غيرُ واجبة عليه، ومن شواذِّ الأقوال أنها تُخرج عن الجنين، قال: وروينا عن عثمان بن عفان، وسليمان بن يسار: أنهما كانا يخرجانها عن الصغير، والكبير، والجنين. وقال قوم من سلف العلماء: إذا أكمل الجنينُ في البطن مئة وعشرين يومًا قبلَ انصداع الفجر، وجب إخراجُ زكاة الفطر عنه، وإنما خص المئة والعشرين؛ اعتمادًا على حديث عبد اللَّه بن مسعود، قال: حدثنا الصادقُ المصدوق: "أنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ في
стр. 1694
بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا"، الحديث (١).
الثالث: قوله: "على الذكرِ والأنثى، والحرِّ والمملوك": ظاهره: وجوبها على هؤلاء المذكورين دونَ مَنْ تلزمه (٢) عنهم، ولم أر في مذهبنا نقلًا صريحًا في ذلك، وإن كان صاحب "البيان والتقريب" قد قال: إن مقتضى المذهب: أن أصل وجوبها على السيد، وإنما رأيته في كتب الشافعية، وهو أن الفقهاء اختلفوا في أن الذين تُخْرَج عنهم هذه الزكاةُ، هل باشروا الوجوب أولًا، ثم انتقل عنهم إلى المخرِج عنهم بطريق التحمُّل، أم الوجوبُ يلاقي المخرجَ أولًا؟
قالوا: وفائدة هذا الخلاف تظهر فيما لو تطوع المؤدَّى عنه وأخرج بغير إذن المؤدِّي، فقال الشيخ أبو إسحاق في "المهذب": إن قلنا: إنها تجب على المؤدِّي (٣) ابتداءً، لم تُجزه؛ كما لو أخرج زكاةَ مالِه عنه بغير إذنه، وإن قلنا: بتحمل (٤)، جاز، لأنه؛ أخرج (٥) ما وجبَ
стр. 1695
عليه، واللَّه أعلم (١).
الرابع: قوله: "صاعًا": قد تقدم أن الصاع خمسةُ أرطال وثُلُثٌ بالبغدادي، وأنه أربعةُ أمداد بمدِّ النبيِّ ﷺ ، وقد قال صاحب "الشامل" من الشافعية، وغيره: الأصلُ فيه الكيل، وإنما قدره العلماء بالوزن استظهارًا.
ح: قد يستشكل ضبطُ الصاعِ بالأرطالِ؛ فإنَّ الصاعَ المخرَج به في زمن رسول اللَّه ﷺ مكيال معروف، ويختلف قدرُه وَزنًا باختلافِ ما يوضع فيه؛ كالذرة، والحِمِّصِ، وغيرهما؛ فإن أوزان هذه مختلفة، وقد تكلم جماعات من العلماء في هذه المسألة، وأحسنُهم فيها كلامًا الإمام أبو الفرج الدارمي من أصحابنا، فإنه صنف فيها مسألة مستقلة، وكان كثيرَ الاعتناء بتحقيق أمثالِ هذا. قال: ومختصر كلامه: أن الصواب: أن الاعتمادَ في ذلك على الكيل دون الوزن، وأن الواجب إخراجُ صاعٍ مُعَايَرًا بالصاع الذي كان يُخْرَج به في زمن رسول اللَّه ﷺ ، وذلك الصاعُ موجود، ومن لم يجده، وجبَ عليه الاستظهار؛ بأن يخرج ما يتيقَّن أنه لا ينتقص عنه، وعلى هذا، فالتقدير بخمسة أرطال وثلثٍ تقريبٌ، هذا كلام الدارمي، وذكر البندنيجيُّ (٢) نحوه.
стр. 1696
وقال جماعة من العلماء: الصاعُ أربعُ حَفَنات بكفي رجلٍ معتدل الكفين.
ونقل الحافظ عبد الحق في كتابه "الأحكام" عن ابن حزم: أنه قال: وجدنا أهلَ المدينة لا يختلف منهم اثنان في أن مُدَّ رسولِ اللَّه ﷺ ، الذي تؤدَّى به الصدقات، ليس أكثرَ من رِطْل ونصف، ولا دونَ رطلٍ وربع، وقال بعضهم: هو رطل وثلث، قال: وليس هذا اختلافًا، ولكنه على حسب رزانة المكيل من البُرِّ والتمر والشعير، قال: وصاع ابن أبي ذؤيب خمسةُ أرطال وثلثٌ، وهو صاع رسول اللَّه ﷺ (١).
قلت: وقد اجتمع عندي أربعةُ مكاييل، يدَّعي كلُّ واحد من أصحابها أنه حرره على مُدِّ النبي ﷺ ، وأنه لا تحريرَ بعده، فوجدت الأربعةَ متباينة جدًا، فلم يبق سوى التقريب والاستظهار دون التحقيق، واللَّه أعلم.
وقد خالف أبو حنيفة في ذلك، فقال: الصاعُ ثمانية أرطال.
واستدل مالك ﵀ بنقل الخلف عن السلف بالمدينة.
ق: وهذا استدلالٌ صحيح قوي في مثل هذا، ولما ناظر أبا يوسف بحضرة الرشيد في هذه المسألة، رجع أبو يوسف إلى قوله لما استدل
стр. 1697
بما ذكرناه (١).
الخامس: قوله: "صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير": (مِنْ) فيه لبيان الجنس للمخْرَج.
ع: اختُلف في النوع المخرَج، فأجمعوا على أنه يجوز البُرُّ، والزبيبُ، والتمرُ، والشعيرُ، إلَّا خلافًا في البُرِّ لمن لا يُعتد به، وخلافا في الزبيب (٢) لبعض المتأخرين، وكلاهما مسبوق بالإجماع، ومردودٌ قولُه به، وأما الأَقِطُ، فأجازهُ مالكٌ، والجمهورُ، ومنعه الحسنُ، واختلفَ فيه قولُ الشافعي.
وقال أشهب: لا يخرج إلا هذه الخمسة، وقاس مالكٌ على الخمسة كلَّ ما هو عيشُ أهلِ كلِّ بلدٍ من القطاني وغيرِها.
وعن مالكٍ قول آخر: إنه لا يجزىء غيرُ المنصوص في الحديث، وما في معناه.
ولم يُجِزْ عامةُ العلماء إخراجَ القيمة، وأجازها أبو حنيفة (٣).
السادس: قوله: "فعدل الناسُ به نصفَ صاع، إلى آخره": هو مذهب أبي حنيفة في البُرِّ، وأنه يخرج نصفَ صاع.
стр. 1698
وقيل: إن الذي عدل إلى ذلك معاويةُ بنُ أبي سفيان، وسيأتي الكلام على ذلك في الحديث الآتي بعدَ هذا، واللَّه أعلم.
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: (صاعا) منصوبٌ على أحدِ وجهين:
أحدهما: البدل من الهاء والألف في (نعطيها) (١)؛ إذ هما ضمير الصدقة.
والثاني: على الحال، ويكون صاعًا بمعنى مَكِيلًا ونحوه.
فيه دليل: على أن أهل الحجاز يخصون الطعام بالبر؛ كما هو منقول عنهم.
الثاني: (الأَقِط)، فيه لغتان: فتح الهمزة وكسر القاف، وهو المعروف المشهور. والثانية: إِقْط؛ مثل: عِدْل، نُقلت حركةُ القاف (٢)
стр. 1701
إلى الهمزة بعدَ حذف فتحتها (١)، واللَّه أعلم.
الثالث: (السمراء): الحنطة الشامية، وهي حنطة سمراء، وهي خلاف المحمولة، وهي البيضاء.
الرابع: قولُ معاوية: أرى مدًا من هذا يعدل مدين:
ح: هذا الحديث هو الذي يعتمده أبو حنيفة وموافقوه في جواز نصف صاع حنطة، والجمهور يجيبون عنه بأنه قول صحابي، وقد خالفه أبو سعيد وغيره، وهو (٢) أطولُ صحبةً، وأعلم بأحوال النبي ﷺ ، وإذا اختلف الصحابة، لم يكن قولُ (٣) بعضِهم أولى من بعض، فيرجعُ إلى دليل آخر، ووجدنا ظواهر الأحاديث والقياس متفقةً على اشتراطِ الصَّاعِ من الحنطةِ كغيرها؛ فوجب اعتمادُه، وقد صرح معاوية: بأنه رأيٌ (٤) رآه، لا أنه سمعه من النبي ﷺ ، ولو كان عندَ أحد من حاضري مجلسه (٥) -مع كثرتهم- من تلك الحنطة علمٌ في موافقة معاويةَ عن النبي ﷺ ، لذكره كما جرى في غير هذه القصة، واللَّه أعلم (٦).
стр. 1702
قلت: أما قوله: إن أبا سعيدٍ خالفَ معاوية، ففيه نظر؛ إذ ليس فيه تصريحٌ بالمخالفة، بل يحتمل أن يكون اختار أن لا ينقصَ شيئًا مما كان يُخرجه، وأن نصفَ صاع عنده من البر يجزىء، ولكن تورَّعَ، واحتاط، وطابت نفسُه بجريه على عادته، لا أنه خالفَ معاوية فيما رآه، واللَّه أعلم.
* * *
ينبغي أن نقدم أمامَ الحديث مقدمةَ تتعلق بكتاب الصيام، يحصل الغرضُ منها في أربعة أطراف، ثم نعود إلى تتبُّع ألفاظ الحديث.
الطرف الأول: في حقيقة الصيام لغةً وشرعًا، وهو في اللغة: الإمساكُ والكَفُّ، يقال: صام الرجلُ: إذا وقفَ عن السير، وصامَ النهار: إذا وقف سيرُ الشمس، وصام الرجلُ: إذا سكت عن الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، وقال الشاعر:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ العَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا (١)
وأما معناه في الشرع: فإمساك عن شهوتي البطن والفَرْج بِنِيَّةٍ قبلَ الفجر، أو معه، إلى غروب الشمس، فإن كان ذلك في زمن الحيض أو النفاس، أو يومي العيد، سمي صومًا فاسدًا، ويدل عليه: أنه ﵊ نهى عن صيام يوم الفطر، فسماه صيامًا، وكذلك
стр. 1706
نقول (١): صلاةُ أيام الحيض حرامٌ، فنسميها (٢) صلاة.
وأما تفصيلُ القولِ في شهوتي البطن والفرج، وبيانِ المفسد وغير المفسد، والنية وحقيقتها، ووقتها، فمبسوطٌ في كتب الفقه.
الطرف الثاني: في أركانه، وله ركنان: الركن الأول: النية، والركن الثاني: الإمساك.
الركن الأول: النية: فلا يصح إلا بها، سواء كان الصوم رمضان، أو نذرًا، أو كفارة، أو تطوعًا، وهو قول أكثر الفقهاء، وحكي عن زُفَرَ: أن الصوم إذا كان معينًا على المكلف؛ بأن يكون مقيمًا صحيحًا، لا يفتقر إلى نية، وحكي ذلك عن مجاهد، وعطاء، وهو قول عبد الملك ابن الماجشون من أصحابنا، وهذا مردود بما رواه النسائي، وأبو داود، عن حفصة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلا صِيَامَ لَهُ" (٣)؛ ولأن القضاء يفتقر إلى النية، فكذلك الأداء؛ كالصلاة.
الركن الثاني: الإمساكُ عن المفطرات، وهي: الجماعُ، والاستمناء،
стр. 1707
والاستقاء، على خلاف (١) فيه خاصة، ودخولُ الداخل؛ وهو كل عين يمكن الاحتراز منها يتصل من الظاهر إلى المعدة، أو إلى الحلق، من منفذٍ واسعٍ؛ كالفم، والأنف، والأذن، وفي إلحاق الحقنة بالمائعات كذلك (٢) خلاف، وكذلك في إلحاق غير المغذي من ذلك، أو القصر عليه، وذلك مبسوطٌ في كتب الفقه، وإنما المقصود هنا: التمهيدُ دونَ التفاصيل.
الطرف الثالث: في أحكام الصيام، وتردُ عليه الأحكام الأربعة: الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة.
فالواجب منه: شهر رمضان، وقضاؤه، والكفارة، والنذر.
والمندوب منه: على وجهين:
أحدهما: ما بلغ مبلغَ الفضيلةِ المرغَّبِ فيها بتأكيد الندبِ إليه، والوعد بالثواب عليه؛ كصيام يوم عرفة، ويوم التروية، وأيام العشر، وعاشوراء، وتاسوعاء، والأشهر الحرم، وشعبان، وأيام (٣) البيض، وثلاثة أيام من كل شهر، على ما في بعض ذلك من الخلاف المذكور في كتب الفقه.
والثاني: مندوبٌ مطلقًا غير متأكد، وهو صيام بقية أيام العمر غير الأيام المنهيِّ عن صيامها.
стр. 1708
والمحرم منه: يومُ الفطر، ويومُ النحر، واليومان بعدَه يليانه على المشهور.
والمكروه: صيامُ الرابع من أيام التشريق، ويوم الشك؛ على خلاف فيه.
وأما رمضان، فهو قاعدة الإسلام في الصيام، ووجُوبه معلومٌ من الدين ضرورة، وجاحدُه كجاحد الصلاة، وأدلته على الجملة: الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] الآيةَ (١)، ثم بينه -تعالى-، فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ثم بين وجوبَه فقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وأما السنة: فما رواه البخاري، والنسائي عن طلحةَ بنِ عبد اللَّه: أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ ثائرَ الرأس، فسأله عَمَّا فرضَ اللَّه من الصيامِ، فقال: "شَهْرُ رَمَضَانَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا"، فذكر الحديث (٢).
وما رواه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أنه ﵊ لما سُئل عن الإسلام، فقال: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَ (٣) لَا تُشْرِكَ بِهِ
стр. 1709
شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ"، الحديث (١).
وأجمعت الأمةُ قاطبةً على وجوبِ صوم (٢) شهر رمضان على كل مسلمٍ، بالغٍ، حاضرٍ، مطيقٍ.
فصل (٣): اختُلف في سبب تسميته رمضانَ؛ فقيل: إنه كان يوافقُ زمانَ الحرِّ والقَيْظ (٤)، مشتقٌّ من الرَّمْضاء، وهي الحجارة الحارَّة؛ لأن الجاهلية كانت تكبسُ في كل ثلاثِ سنينَ شهرًا، فيجعلون المحرَّمَ صفرًا؛ حتى لا تختلفَ شهورُها في الحر والبرد، وذلك هو النَّسيءُ الذي حَرَّمَ اللَّهُ تعالى، وكذا ربيع في زمان الربيع، وجُمادى في جُمود الماء، فلما حُرِّمَ النسيء، اختلفت الشهورُ في ذلك.
وروى أنس، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إِنَّمَا سُمِّيَ رَمَضَانَ؛ لأنَّهُ مُحْرِقٌ الذُّنُوبَ" (٥)، فيحتمل أن يُقال: أراد بذلك: أنه شُرِعَ صومُه دون غيره ليوافق معناهُ اسمَه.
стр. 1710
فصل: اختُلف في ابتداء فرضِ الصيام، فقيل: إن أولَ ما فُرض صومُ عاشوراء، وقيل: لم يكن فرضًا، وإنما كان تطوعًا.
قال ابن الصباغ من الشافعية: وهذا هو الظاهر في الرواية.
وحكي عن معاذ بن جبل: أنه قال: لما قدم النبي ﷺ المدينةَ، أمر بصيام ثلاثةِ أيام من كل شهر، وذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وفي إطلاق لفظِ النسخ هنا، وأنه مأخوذٌ من هذه الآية تَجَوُّزٌ؛ لأنه لم يقل فيها: لا تصوموا إلا شهر رمضان، بل ظاهر الآية على هذا النقل: إيجابُ ثلاثة أيام من كل شهر، وإيجابُ صوم شهرِ رمضانِ (١)، وإنما المراد: أنه فُهم عند نزول هذه الآية بدليل (٢) آخر، أن لا واجبَ إلا رمضان.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]: شهرُ رمضان، وهذا هو الظاهر؛ لما في قوله
стр. 1711
تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] من الإطلاق والإبهام، فخصص، وبيَّن بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فتكون الآية على هذا منسوخة.
قيل: أولُ ما فُرض الصومُ، كان المطيقُ مخيرًا بين أن يصوم، أو يفتديَ، والصومُ أفضلُ، وذلك بيِّن في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ إلى ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ثم نُسخ التخيير بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
الطرف الرابع: في (١) شروط صحة الصيام، وسننه.
أما شروط صحته: فأربعة؛ ثلاثة في الصائم، وهي: العقل، والإسلام، والنقاء من الحيض والنفاس.
فعدمُ الإسلام يمنع الصحةَ، وكذلك زوالُ العقل، والجنونُ، وأما استتارهُ بالنوم، فلا يمنع الصحةَ، وفي الإغماء تفصيلٌ، تلخيصه: إن أُغمي عليه قبل الفجر إلى الغروب، فالقضاء اتفاقًا، وإن كان بعد الفجر، ودامَ يسيرًا، فلا قضاء، وإن كان قبلَ الفجر، وزال بعده بيسير، أو بعد الفجر، ودام نصفَ النهار أو أكثرَه (٢)، فخلافٌ عندنا، واللَّه أعلم (٣).
стр. 1712
الشرط الرابع: الوقتٌ القابل للصوم، وهو جميع الأيام، ويُستثنى من ذلك الأيامُ المنهيُّ عن صيامها؛ كما تقدم.
وأما سُننه ومُستحباته، فخمس:
الأولى: تعجيلُ الفطر عندَ اعتقاد الغروب، فإن أراد الوصالَ، فحكى اللخمي قولين في جوازِه ونفيِه، ثم اختار جوازَه إلى السحر، وكراهتَه إلى الليلة القابلة (١)؛ لما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال: النبيُّ ﷺ "مَنْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ" (٢).
قلت: وبه قال ابنُ وهب من أصحاب مالك، وإسحاق، وابنُ حنبل.
وسبب هذا الخلاف: قولُهُ ﵊: "أَنْهَاكُمْ عَنْ الوِصَالِ" (٣)، هل هذا النهيُ على التحريم، أو الكراهة؟ لأنه ﵊ واصلَ بأصحابه بعد أن نهاهم، فلم ينتهوا.
стр. 1713
ثم إذا حملناه على الكراهة، فإنما هي لأجل ما يلحق من المشقة والضعف، فإذا أمن من ذلك، فهل يجوز، أم تُسَدُّ الذريعةُ فلا يجوز؟ خلاف أيضًا.
وأما من خصَّه بالسحر، فلأن أكلةَ السحر يؤمَنُ معها الضعفُ والمشقة التي لأجلها كُره الوصال، واللَّه أعلم.
والثانية: تأخيرُ السحور؛ لقوله في الأثر المروي في "الموطأ": وتعجيلُ الفطر، والاستيناء (١) بالسحور (٢). وإنما ذلك للتخفيف على الصائم، ورفع المشقة عنه.
والثالثة: كفُّ اللسانِ عن الهذيان، وأن ينزه صيامَه عن اللفظ القبيح، والمشاتمة، فإن شوتم، فليقل: إني صائم؛ للحديث المشهور (٣)، ولما روى أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ للَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدع طَعَامَه (٤) وَشَرَابَهُ" (٥).
стр. 1714
قلت: وهذا الشرطُ لا مفهوم له، إذ الباري غيرُ محتاج على الإطلاق، فليتنبه (١) لذلك.
فإن شاتم، لم يُفطر.
وقال الأوزاعي: يفطر؛ لنهي النَّبيِّ ﷺ عنه، ودليلُنا: أنه كلامٌ لا يخرج به عن الإسلام، فلا يفطر كسائر أنواع الكلام، والنهيُ ليس عن الصوم، وإنما هو عن الكلام، فلا يدل على فساد الصوم.
الرابعة: تركُ السواك بالعودِ الرَّطْب الذي يخرج له طعمٌ في الفم، وأما بالجوزة المحمرة، فحرام.
الخامسة: تركُ المبالغة في المضمضة والاستنشاق.
وهذا تمام المقدمةِ الموعودِ بها، فلنرجع إلى تتبع الحديث، وباللَّه التوفيق.
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله ﵊: "لا تَقَدَّموا": أصلُه: لا تتقدَّموا بتاءين، فحذفت إحداهما تخفيفًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] الآية، وفي الحديث الآخر: "لا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا (٢) " (٣)، وأمثالُ ذلك.
стр. 1715
تنبيه: شرطُ جوازِ الحذف في مثل هذا تماثلُ الحركتين (١)؛ كما هو هنا، فإن اختلفتا، لم يجز الحذف، لو قلت: تُتَغافر الذنوب، وتُتَعَّلم الحكمة، ونحو ذلك، لم يجز الحذف؛ لاختلاف الحركتين، فليعلمْ ذلك.
قال الإمام المازري: محملُه على من صام تعظيمًا للشهر، واستقبالًا (٢) له بذلك، فأما إن صيم يومُ الشك على جهة التطوع، ففيه اختلاف، وذلك إذا لم يكن عادته صومَ ذلك اليوم، أو نذره، وأما صومُه للاحتياط؛ خوفًا أن يكون من رمضان، فالمشهورُ عندنا: النهيُ عنه، وأوجبَهُ بعضُ العلماء في الغيم (٣).
قلت: وجهُ المشهورِ: سدُّ الذريعة، وقد وقع لأهل الكتابَيْنِ من الزيادة في أيام الصوم حتى أَنْهَوْا ذلك إلى ستين يومًا؛ كما هو المنقولُ عنهم، فمحملُ النهي على ما يخاف من الزيادة، فإن أُمن ذلك، جازَ؛ لقوله ﵊: "إِلَّا رَجُلًا كان يصوم صومًا، فَلْيصمه"، وبدليل قول عائشة ﵂: كان ﷺ يصوم شعبان كله إلا قليلًا (٤).
стр. 1716
الثاني: فيه: دليل على أنه يُقال: رمضان، من غير ذِكْر الشهر، بلا كراهة.
ح: وفي هذه المسألة مذاهب.
قالت طائفة: لا يقالُ: رمضان -على انفراده- بحال، وإنما يقال: شهر رمضان، قال: وهذا قول أصحاب مالك، وزعم هؤلاء أن رمضان اسمٌ من أسماء اللَّه تعالى، فلا يطلق على غيره إلا بقيد.
وقال أكثر أصحابنا، وابن الباقلاني: إن (١) كان هناك قرينةٌ تصرفه إلى الشهر، فلا كراهةَ، وإلَّا فيكره، قالوا: فيقال (٢): صُمنا رمضان، وقُمنا رمضان، ورمضانُ أفضلُ الأشهر، ويندب طلبُ ليلة القدر في أواخرِ رمضانَ، وأشباه ذلك، ولا كراهة في هذا كله، وإنما يكره أن يقال: جاء رمضان، [ودخل رمضان]، وحضر رمضان، وأحبُّ رمضان، ونحو ذلك.
والمذهب الثالث: مذهب البخاري والمحققين: أنه لا كراهةَ في إطلاق رمضانَ بقرينة وبغير قرينة، وهذا المذهبُ هو الصواب، والمذهبان الأولان فاسدان؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع، ولم يثبت فيه نهيٌ، وقولهم: إنه اسمٌ من أسماء اللَّه تعالى، ليس بصحيح، ولم يصحَّ فيه شيء، وإن كان قد جاء فيه أثرٌ ضعيف، وأسماءُ اللَّه تعالى توقيفيةٌ، لا تُطلق إلا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه
стр. 1717
اسم، لم يلزم منه كراهةٌ، وهذا الحديث المذكور في الباب صريحٌ في الردِّ على المذهبين، انتهى كلامه (١).
قلت: المؤاخذة عليه رحمه اللَّه تعالى في هذا الفصل في مواضع:
الأول: إقدامُه على إفسادِ قولِ هذا الجمِّ الغفير من الأئمة، والتعبير بهذا اللفظ الغليظ الشنيع، مع إمكان حصول مقصودِه بلفظ يُشعر بالأدب معهم؛ مثل: فيه نظر، وانظر هذا، ونحو ذلك؛ كما هو عادة العلماء الراسخين ﵃.
الموضع الثاني: قوله: لم يثبت فيه نهي، فهو نافٍ، وهم مُثْبِتون، وحاشا دينَ أقلِّهم أن يَدَّعي إثباتَ شيء مع علمه بأنه غير ثابت، فإن قال: وهموا كلهم، قلنا: وأنت -أيضًا- غير معصوم من ذلك، فليس قولك أولى من قولهم، بل عند التعارض هم المرجَّحون بلا نزاع، سلمنا أنه لم يرد فيه نهي، أليس للعلماء تنزيل الأحكام الشرعية على وَفْق ما تقتضيه قواعدُ الشريعة؛ كما هو معلوم من دأبهم وعادتهم؟
الموضع الثالث: قوله: وقولُهم: إنه اسم من أسماء اللَّه، ليس بصحيح، هو أيضًا من العبارة الغليظة الشنيعة، والنفي المعارض للإثبات، مع اختلاف الناس في عدة أسماء اللَّه تعالى اختلافًا مشهورًا، حتى قيل: إن بعض الناس بلغها إلى مئة وخمسين اسمًا، وإن بعضهم
стр. 1718
بلغها إلى ألف اسم، وأما قوله ﵊: "إِنَّ للَّهِ تِسْعَةً وتسعِينَ اسْمًا"، الحديث (١)، فليس فيه دليل على أنه -تعالى- ليس له أسماءٌ غيرُها، بل ليس فيه إلا إثباتُ هذه الأسماء المحصورة بهذا العدد، لا نفيُ ما عداها، قالوا: وإنما وقع التخصيصُ بالذكر لهذه الأسماء دونَ غيرها؛ لأنها أشهر أسمائه وأثبتُها، وأظهرُها.
قال الخطابي: وجملة قوله ﵊: "إِنَّ للَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا، دَخَلَ الجَنَّةَ"، قضية واحدة، لا قضيتان (٢)، ويكون تمام المراد في هذا الخبر في قوله: "مَنْ أَحْصَاهَا، دَخَلَ الجَنَّة"، لا في قوله: "تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا"، وإنما هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألفَ درهم أعدها للصدقة؛ وكقولك: إن لعمرو مئةَ ثوب، من زارَه، خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثرُ من ألف درهم، ولا من الثياب أكثرُ من مئة ثوب، وإنما دلالته: أن الذي أعدَّه زيد من الدراهم للصدقة ألفُ درهم، وأن الذي أرصده عمرو من الثياب للخلع مئةُ ثوب.
قال: والذي يدل على صحة هذا التأويل: حديثُ عبد اللَّه بن مسعود، وقد ذكره محمدُ بنُ إسحاق في المأثور: أن النبي ﷺ كان
стр. 1719
يدعو: "اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ (١) عَبْدِكَ، نَاصِيَتي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْل فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِيْ كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِيْ عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ"، الحديث (٢)، فهذا يدل على أن للَّه تعالى أسماءً لم يُنزلها في كتابه، حَجَبَها عن خلقه، ولم يظهرها لهم، انتهى كلام الخطابي.
وفيه: دلالة ظاهرة على اختصاص بعض الناس ببعض أسمائه -تعالى-؛ لقوله ﵊: "أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ"، فلا ينبغي، أو لا يجوز أن يجزم بأنه ليس له -تعالى- من الأسماء إلا هذه التسعة والتسعون، واللَّه الموفق.
الموضع الرابع: قوله: ولو ثبت أنه اسم، لم يلزم منه كراهة، وهذا ممنوع، فإن ذلك يؤدي إلى الإبهام والاشتراك، وقد منع ﷺ أن يُكنى بكنيته؛ خوفًا مما ذكرنا، فهذا أولى.
ثم إن هذا الذي قال إنه يرد قولَ المتقدمين، وهو قوله ﵊: "إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ"، الحديث (٣)،
стр. 1720
غيرُ عارٍ عن القرينة الدالة على أن المقصود به الشهر، ولا يتبادر (١) الذهن إلى غير ذلك (٢)، فلا يردّ على من قال: إنه لا يطلق رمضان إلا بقرينة، وهو عندي أظهرُ (٣) المذاهب الثلاثة، واللَّه أعلم.
الوجه الثالث من الكلام على الحديث: فيه ردٌّ صريح على الروافض الذين يرون تقدم (٤) الصومِ على الرؤية؛ فإن رمضان اسمٌ لما بين الهلالين، وصيام يوم قبلَه تقديمٌ (٥) عليه، ويرد عليهم (٦) -أيضًا- قولُه ﵊: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ" (٧)، فاللام هنا للتأقيت، لا للتعليل؛ كما زعمت الروافضُ، ولو سلمنا لهم كونَها للتعليل، لما لزم من ذلك تقدمُ الصوم على الرؤية، ألا تراك تقول: أكرم زيدًا لدخوله، فلا يقتضي تقدمَ الإكرام على الدخول، وغير ذلك من الأمثلة.