← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

الثاني: فيه: دليل على أنه يُقال: رمضان، من غير ذِكْر الشهر، بلا كراهة. ح: وفي هذه المسألة مذاهب. قالت طائفة: لا يقالُ: رمضان -على انفراده- بحال، وإنما يقال: شهر رمضان، قال: وهذا قول أصحاب مالك، وزعم هؤلاء أن رمضان اسمٌ من أسماء اللَّه تعالى، فلا يطلق على غيره إلا بقيد. وقال أكثر أصحابنا، وابن الباقلاني: إن (١) كان هناك قرينةٌ تصرفه إلى الشهر، فلا كراهةَ، وإلَّا فيكره، قالوا: فيقال (٢): صُمنا رمضان، وقُمنا رمضان، ورمضانُ أفضلُ الأشهر، ويندب طلبُ ليلة القدر في أواخرِ رمضانَ، وأشباه ذلك، ولا كراهة في هذا كله، وإنما يكره أن يقال: جاء رمضان، [ودخل رمضان]، وحضر رمضان، وأحبُّ رمضان، ونحو ذلك. والمذهب الثالث: مذهب البخاري والمحققين: أنه لا كراهةَ في إطلاق رمضانَ بقرينة وبغير قرينة، وهذا المذهبُ هو الصواب، والمذهبان الأولان فاسدان؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع، ولم يثبت فيه نهيٌ، وقولهم: إنه اسمٌ من أسماء اللَّه تعالى، ليس بصحيح، ولم يصحَّ فيه شيء، وإن كان قد جاء فيه أثرٌ ضعيف، وأسماءُ اللَّه تعالى توقيفيةٌ، لا تُطلق إلا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه

стр. 1717

اسم، لم يلزم منه كراهةٌ، وهذا الحديث المذكور في الباب صريحٌ في الردِّ على المذهبين، انتهى كلامه (١). قلت: المؤاخذة عليه رحمه اللَّه تعالى في هذا الفصل في مواضع: الأول: إقدامُه على إفسادِ قولِ هذا الجمِّ الغفير من الأئمة، والتعبير بهذا اللفظ الغليظ الشنيع، مع إمكان حصول مقصودِه بلفظ يُشعر بالأدب معهم؛ مثل: فيه نظر، وانظر هذا، ونحو ذلك؛ كما هو عادة العلماء الراسخين ﵃. الموضع الثاني: قوله: لم يثبت فيه نهي، فهو نافٍ، وهم مُثْبِتون، وحاشا دينَ أقلِّهم أن يَدَّعي إثباتَ شيء مع علمه بأنه غير ثابت، فإن قال: وهموا كلهم، قلنا: وأنت -أيضًا- غير معصوم من ذلك، فليس قولك أولى من قولهم، بل عند التعارض هم المرجَّحون بلا نزاع، سلمنا أنه لم يرد فيه نهي، أليس للعلماء تنزيل الأحكام الشرعية على وَفْق ما تقتضيه قواعدُ الشريعة؛ كما هو معلوم من دأبهم وعادتهم؟ الموضع الثالث: قوله: وقولُهم: إنه اسم من أسماء اللَّه، ليس بصحيح، هو أيضًا من العبارة الغليظة الشنيعة، والنفي المعارض للإثبات، مع اختلاف الناس في عدة أسماء اللَّه تعالى اختلافًا مشهورًا، حتى قيل: إن بعض الناس بلغها إلى مئة وخمسين اسمًا، وإن بعضهم

стр. 1718

بلغها إلى ألف اسم، وأما قوله ﵊: "إِنَّ للَّهِ تِسْعَةً وتسعِينَ اسْمًا"، الحديث (١)، فليس فيه دليل على أنه -تعالى- ليس له أسماءٌ غيرُها، بل ليس فيه إلا إثباتُ هذه الأسماء المحصورة بهذا العدد، لا نفيُ ما عداها، قالوا: وإنما وقع التخصيصُ بالذكر لهذه الأسماء دونَ غيرها؛ لأنها أشهر أسمائه وأثبتُها، وأظهرُها. قال الخطابي: وجملة قوله ﵊: "إِنَّ للَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا، دَخَلَ الجَنَّةَ"، قضية واحدة، لا قضيتان (٢)، ويكون تمام المراد في هذا الخبر في قوله: "مَنْ أَحْصَاهَا، دَخَلَ الجَنَّة"، لا في قوله: "تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا"، وإنما هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألفَ درهم أعدها للصدقة؛ وكقولك: إن لعمرو مئةَ ثوب، من زارَه، خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثرُ من ألف درهم، ولا من الثياب أكثرُ من مئة ثوب، وإنما دلالته: أن الذي أعدَّه زيد من الدراهم للصدقة ألفُ درهم، وأن الذي أرصده عمرو من الثياب للخلع مئةُ ثوب. قال: والذي يدل على صحة هذا التأويل: حديثُ عبد اللَّه بن مسعود، وقد ذكره محمدُ بنُ إسحاق في المأثور: أن النبي ﷺ كان

стр. 1719

يدعو: "اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ (١) عَبْدِكَ، نَاصِيَتي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْل فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِيْ كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِيْ عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ"، الحديث (٢)، فهذا يدل على أن للَّه تعالى أسماءً لم يُنزلها في كتابه، حَجَبَها عن خلقه، ولم يظهرها لهم، انتهى كلام الخطابي. وفيه: دلالة ظاهرة على اختصاص بعض الناس ببعض أسمائه -تعالى-؛ لقوله ﵊: "أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ"، فلا ينبغي، أو لا يجوز أن يجزم بأنه ليس له -تعالى- من الأسماء إلا هذه التسعة والتسعون، واللَّه الموفق. الموضع الرابع: قوله: ولو ثبت أنه اسم، لم يلزم منه كراهة، وهذا ممنوع، فإن ذلك يؤدي إلى الإبهام والاشتراك، وقد منع ﷺ أن يُكنى بكنيته؛ خوفًا مما ذكرنا، فهذا أولى. ثم إن هذا الذي قال إنه يرد قولَ المتقدمين، وهو قوله ﵊: "إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ"، الحديث (٣)،

стр. 1720

غيرُ عارٍ عن القرينة الدالة على أن المقصود به الشهر، ولا يتبادر (١) الذهن إلى غير ذلك (٢)، فلا يردّ على من قال: إنه لا يطلق رمضان إلا بقرينة، وهو عندي أظهرُ (٣) المذاهب الثلاثة، واللَّه أعلم. الوجه الثالث من الكلام على الحديث: فيه ردٌّ صريح على الروافض الذين يرون تقدم (٤) الصومِ على الرؤية؛ فإن رمضان اسمٌ لما بين الهلالين، وصيام يوم قبلَه تقديمٌ (٥) عليه، ويرد عليهم (٦) -أيضًا- قولُه ﵊: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ" (٧)، فاللام هنا للتأقيت، لا للتعليل؛ كما زعمت الروافضُ، ولو سلمنا لهم كونَها للتعليل، لما لزم من ذلك تقدمُ الصوم على الرؤية، ألا تراك تقول: أكرم زيدًا لدخوله، فلا يقتضي تقدمَ الإكرام على الدخول، وغير ذلك من الأمثلة.

стр. 1721

ق: وحملُه على التأقيت لابد فيه من احتمال تجوز وخروج عن الحقيقة؛ لأن وقت الرؤية وهو الليل لا يكون محلًا للصوم (١). قلت: إذا حملنا: "صوموا" على انووا الصيامَ، لم يكن فيه تجوز البتةَ، واللَّه أعلم؛ إذ الليل كله ظرفٌ لإيقاع نية الصوم فيه. الرابع: الظاهر من الحديث: كراهةُ إنشاء الصوم قبلَ رمضان بيوم أو يومين، لا تحريمه، واللَّه أعلم. وأما من كانت له عادة، فوافقت ما قبل رمضان بيوم أو يومين معينين، أو متوقفين على غرض صحيح؛ مثل قوله: للَّه عليَّ أن أصومَ يومَ قدوم فلان، ونحو ذلك، فوافق ذلك ما قبل رمضان بذلك القدر، فهذا ونحوُه لا كراهة فيه؛ فإن ذلك داخل تحت قوله ﵊: "إِلَّا رجلًا كانَ يصومُ صوما فليصُمْه" (٢)، وكذلك من كان يسردُ الصومَ، وأما المنهيُّ عنه: إنشاءُ صوم يوم أو يومين على طريق الاحتياط لرمضان، وأما صومُ يومِ الشَّكِ تطوعًا على غير الشك، فقد تقدم ذكرُ الاختلاف فيه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1722

الحديث الثاني ١٧٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا رَأَيْتُمُوهُ، فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ، فَأفْطِرُوا، فَإِنْ غمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدُرُوا لَهُ" (١).

стр. 1723

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله ﵊: "إذا رأيتموه" هو من الضمير الذي يفسره سياق الكلام؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، و ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤]، وقد تقدم مثلُه؛ أي: إذا رأيتم الهلال، وقد جاء في بعض روايات مسلم: "حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ" (١) مصرَّحًا به. قال أهل اللغة: ويقال: هِلال من أولِ ليلةٍ إلى الثانية، ثم يقال: قَمَرٌ بعدَ ذلك (٢). الثاني: قوله: "فصوموا"؛ أي: بَيِّتوا الصيام؛ لأن الليل ليس محلًّا للصوم، كما تقدم. الثالث: قوله ﵊: "فإن غُمَّ عليكم،

стр. 1724

فاقدُروا له": جمهور العلماء على أن "اقدروا له" بمعنى: أكملوا العددَ ثلاثين، وجاء ذلك مصرَّحًا به في الرواية الأخرى: "فَأَكْمِلُوا العَدَدَ ثَلَاثِينَ" (١)، وذهب مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ الشِّخِّير إلى أن معنى "اقدروا له": احسبوا له بحساب المنجِّمين، قال ابن سيرين: وليته لم يقل ذلك، وإن كان من كبار التابعين، بل من المخضرمين، واستدل مطرف بقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، ورد: بأن المرادَ (٢): الاهتداء في طريق البحر والبر، وقالوا أيضًا: لو كان التكليف يتوقف على حساب التنجيم؛ لضاق الأمر فيه؛ إذ لا يعرف ذلك إلا القليلُ من الناس، والشرعُ مبني على ما يعلمه الجماهير، وأيضًا: فإن الأقاليم على رأيهم مختلفة، ويصح أن يُرى في إقليم دون إقليم، فيؤدي ذلك إلى اختلاف الصوم عندَ أهلها، مع كون الصائمين منهم لا يعدلون غالبًا (٣) على طريق مقطوع به، ولا يلزم قومًا ما ثبت عند قوم على تفصيل يأتي. وأيضًا: لو كان حساب المنجمين معتبرًا في ذلك، لبينه النبي ﷺ للناس (٤) كما بين لهم أوقات الصلوات وغيرها، واللَّه أعلم. وحكى ابنُ سريج عن الشافعي مثلَ قولِ مطرِّفٍ، والمعروف من

стр. 1725

مذهب الشافعي الموجودِ في كتبه خلافُ هذا. ق: والذي أقولُ به: إن الحساب لا يجوز أن يُعتمد عليه في الصوم؛ لمفارقة (١) القمر للشمس على ما يراه المنجمون من تقدُّم الشهر بالحساب على الشهر بالرؤية بيوم أو يومين؛ فإن ذلك إحداثٌ لم يشرَعْه اللَّه تعالى، وأما إذا دل الحسابُ على أن الهلال قد طلعَ من الأفق على وجه يُرى لولا وجودُ المانع؛ كالغيم مثلًا، فهذا يقتضي الوجوبَ؛ لوجود السبب الشرعي، وليس (٢) حقيقة الرؤية المشترطة في اللزوم؛ لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بكمال العدة، أو بالاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان، وجب عليه الصوم، وإن لم يرَ الهلال، ولا أخبره مَنْ رآه (٣). الرابع: قوله ﵊: "إذا (٤) رأيتموه": ليس المراد: أن يراه كلُّ فرد فرد ولا بُدَّ، وإنما المراد: ثبوتُ الرؤية الشرعية، ولا خلافَ أعلمُه أنها تحصُل بشهادة شاهدين عدلين، إلا عند أبي حنيفة، فله تفصيلٌ يأتي. واختُلف في شهادة العدل الواحد، هل يثبت بها الصوم، أم لا؟

стр. 1726

مذهبنا: لا يثبت إلا بشهادة عدلين مَرْضيين إن كان ثَمَّ مَعْنيون (١) بالشريعة، وإلا، كفى الخبر. نعم، لو رآه واحد، لزمه دون غيره؛ لظاهر هذا الحديث، وكذلك إذا انفرد برؤية هلال (٢) شوال، أفطر سرًا، لكن يجب عليه رفعُ شهادته للحاكم إن كان ممن تُقبل شهادتُه؛ رجاءَ أن ينضاف إليه غيرُه، فيثبت الحكم، وقيل: يرفع، وإن كان لا يرجى قبولُ شهادته؛ لجواز حصول الاستفاضة، وإذا رُئي الهلالُ ببلد، لزم غيرَهم الصومُ بذلك، والقضاء إن فات من غير تفصيل. وروي: إن كان ثبتَ بأمر شائع، فالحكم كذلك، وإن كان ثبتَ بشهادة شاهدين عند حاكم، لم يلزم من خرج عن ولايته، إلا أن يكون أميرَ المؤمنين، فيلزم أيضًا جماعتَهم. قال الإمام المازري: والفرقُ بين الخليفة وغيره: أن سائر البلدان (٣) لما كانت بحكمه (٤)، فهي كبلد (٥) واحد، ويحتج للزوم (٦) الصوم من جهة القياس -يعني: على القول الآخر-: بأنه كما يلزم الرجوعُ إلى قول بعض أهل المصر، فكذلك يرجع أهلُ مصرٍ إلى أهل مصرٍ؛ إذ

стр. 1727

العِلَّةُ حصولُ الخبر بذلك (١). وقد اختلف قولُ الشافعي في ذلك -أعني: في ثبوت الصوم بشهادة واحد-، ففي "البويطي": لا يُقبل إلا من عَدْلَين. وقال في القديم والجديد: يقبل من عدل واحد، وهو الصحيح، إلا أنهم قالوا: إذا قلنا: يثبت بقولِ واحدٍ، فإنما ذلك في الصوم خاصة، فأما في الطلاق، والعتق، وغيرهما مما عُلِّق على رمضان، فلا يقع به، بلا خلاف. قالوا: وكذلك للدين (٢) المؤجَّل، ولا تنقضي العدة، ولا يتم حولُ الزكاة، والجزية، والدية المؤجَّلة، وغير ذلك من الآجال؛ بلا خلاف، بل لابدَّ في كل ما سوى الصوم من شهادة رجلين عدلين، كامِلَي العدالة ظاهرًا وباطنًا. وممن صرح بهذا: المتولي، والبغوي، والرافعي، وآخرون (٣). وقال أبو حنيفة: إن كانت السماء مُصْحِيَة، فإنه لا يثبتُ إلا بشهادة جمع كثير يقع العلمُ بخبرهم، وإن كانت السماء بها علةٌ من غيم، قبل الإمامُ شهادةَ العدلِ الواحد، رجلًا كان أو امرأة، حرًا كان أو عبدًا.

стр. 1728

وعن أحمد روايتان: أظهرهما (١): أنه تقبل (٢) شهادة عدل واحد، والأخرى: لابد من عدلين؛ كمذهبنا، واللَّه أعلم (٣). الخامس: قوله ﵊: "فإن غُمَّ عليكم": معناه: إن حال بينكم وبينه غيمٌ، يقال: غُمَّ، وأُغْمِيَ، وغُمِّيَ، وغُمِيَ -بتشديد الميم وتخفيفها، والغينُ مضمومة فيهما-، ويقال: غَبِيَ -بفتح الغين وكسر الباء-، وكلها صحيحة، وقد غامَتِ السماء، وغَمَّتْ، وأَغامَتْ، وتَغَيَّمَتْ، وأَغَمَّتْ، كلها بمعنى، واللَّه أعلم. وقيل: معنى هذه الألفاظ مأخوذة من إغماء المريض، يقال: غُمِيَ عليه، وأُغْمِي عليه، والرباعي أفصح. ع: وقد يصح أن يرجع إلى إغماء السماء والسحاب، وقد يكون -أيضًا- من التغطية، ومنه قولهم: غَمَمْتُ الشيءَ: إذا سترته، والغَمَى -مقصور-: ما سقفت به البيت من شيء، ووقع في حديث محمد بن سلام الجُمحي في الكتاب هذا الحرف، عند القاضي الشهيد: عَمِيَ -بالعين المهملة والميم المخففة-، وكذا حدثنا به -أيضًا- الخشني عن الطبري، ومعناه: خفي، يقال: عَمِي عليَّ الخبرُ؛ أي: خفي، وقيل: هو من العَماء، وهو السحابُ الرقيق، وقيل: السحاب المرتفع؛ أي: دخل في العَماءِ، أو يكون من العَمَى -المقصور-، وهو عدم

стр. 1729

الرؤية، واللَّه أعلم. السادس: الحديثُ دليلٌ على أحمدَ بنِ حنبلٍ القائلِ بوجوب صومِ يومِ الشكِّ احتياطًا، وإن صح أنه من رمضان، أجزأَه. ع: وروي صومُه عن عائشة، وأسماء، وابن عمر، وطاوس. وقال الأوزاعي، والكوفيون: إن صامه، وتبين أنه من رمضان، أجزأَه، وجمهورهم: لا يصومه، ولا يُجزيه إن صامه. وكان بعض الصحابة يأمر بالفصل ما بين رمضان وشعبان بفطر يوم أو يومين. وكره محمدُ بنُ مسلمةَ (١) -من أصحابنا- تحريَ ذلك آخرَ يوم؛ كما يُكره تحرِّي صومه، واللَّه أعلم (٢). قلت (٣): وقد قيل: إن ابن عمر ﵄ بنى على تحوُّلِ النية، وقد قال ابن مسعود: لأَنْ أُفطر يومًا من رمضانَ، ثم أَقضيه، أحبُّ إليَّ من أن أزيدَ فيه. وقال حذيفة: كان نبينا ينهانا عن صيام اليوم الذي يُشك (٤) فيه. وصح عن عمر بن الخطاب، وعليِّ بن أبي طالب، وابن عباس، وأنسٍ، وحذيفةَ، وأبي هريرة، وعمرَ بنِ عبد العزيز، والنخعيِّ،

стр. 1730

والشعبيِّ، وعِكْرِمة، وابنِ جُبير، ومحمدِ بنِ سيرينَ، النهيُ عن صيام يوم الشك. وفي "الترمذي"، عن عمار بن ياسر، قال: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فيه، فقد عَصى أَبَا القاسِم ﷺ (١). واختلف أصحابنا: هل يُصام يومُ الشك تطوعًا، أم لا؟ على ثلاثة أقوال، الفرقُ في الثالث باختصاصِ صومِ مَنْ عادتُه سردُ الصوم دونَ غيره، وكذلك يصومُه عندنا مَنْ نَذَرَه (٢)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1731

الحديث الثالث ١٧٥ - عَنْ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةً" (١). * * *

стр. 1732

"السحور" -بفتح السين-: ما يتسحَّرُ به، كالبَرُود، وهو ما يُتَبَرَّدُ به، والسَّنُون، وهو ما يُسْتَنُّ به، والرَّقُوءُ، وهو ما يُرْقَأُ به الدمُ، والسُّحور -بضم السين-: الفعل، هذا هو الأشهر. والبركة: النماءُ (١) والزيادة، وكأنه سمي باسم زمنه؛ لأنه يُفعل في السحر قُبيل الفجر، والأمر به أمرُ إرشاد لا إيجاب، وهذه (٢) البركة المعلل بها السحور يجوز أن تكون أُخروية؛ لأن فيها إقامة السنة، وإقامةُ السنة موجبةٌ للثواب وزيادة وثمرته، ومن جملة بركة السحور: ما يكون في ذلك الوقت من ذِكْر المتسحرين للَّه تعالى، أو (٣) قيامِ القائمين، وصلاةِ المتهجدين؛ فإن الغالب ممن قام يتسحَّر أن يكون منه ذكرٌ ودعاء، وصلاةٌ واستغفار، وغيرُ ذلك مما يُفعل في رمضان. ويحتمل أن تكون دنيويةً، لقوة البدن التي (٤) يخاف مع تركه (٥) سقوطُها مع (٦) الصوم، وقد يحتمل أن البركة مجموعُ الأمرين، واللَّه أعلم (٧).

стр. 1733

والسحور مما اختصَّت به هذه الأمة -زادها اللَّه شرفًا-، ومما خُفِّف به عنهم، قال ﵊: "فَضْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الكِتَابِ أكلَةُ السَّحَرِ" (١) -بفتح الهمزة من أَكْلَة-، وهي مصدر أكلَ أكلةً؛ كضربَ (٢) ضربةً، والمراد بها: أكلُ ذلك الوقت، وقد رُوي بضم الهمزة، وفيه بُعد؛ لأن الأكلة -بالضم-: هي اللقمة الواحدة، وليس المراد أن المتسحر لا يأكل إلا لقمة واحدة إلا على طريق المجاز والتوسع؛ كما يقال: تعالَ بنا نأكلْ لقمةً، والمراد: غَدْوَةٌ، أو عَشْوَةٌ، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1734

الحديث الرابع ١٧٦ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ زيدِ بْنِ ثَابتٍ ﵄، قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ أَنَسٌ: قُلْتُ لِزَيْدٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً (١).

стр. 1735

فيه: استحبابُ السحور؛ كما تقدم، واستحبابُ تأخيره إلى قبيل الفجر. وفيه: حسنُ الأدب في العبارة، وذلك قولُه: مع رسول اللَّه ﷺ ؛ فإنه لو قال: تسحرنا نحن ورسول اللَّه ﷺ ، ونحو ذلك، لم يكن مثلَ قوله: مع رسول اللَّه ﷺ ، فإنه يعطي التبعيةَ لرسول اللَّه ﷺ ، والكونَ معه، وفي ذراه (١)، بخلاف الأول. وفيه: الحرص على طلب العلم، وتحرير المسائل، لقول أنس: كم كان بين الأذان والسحور؟ وقول زيد: قدر خمسين آية؛ أي: قدر قراءة خمسين آية. وفيه: استحباب الاجتماع على السحور، وقد يختلف باختلاف الحال، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1736

الحديث الخامس ١٧٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ (١). * * * الجمهورُ على صحة صومِ مَنْ أصبحَ جُنبًا، لهذا الحديث، ولقوله

стр. 1737

تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ فإنه يقتضي جواز الوطء ما دام الليل إلى آخر جزء منه، ومن ضرورة من وطىءَ في آخر جزء منه أن يصبح جنبًا. وقال عروةُ بنُ الزبير، والحسنُ البصريُّ، وطاوسٌ، وعطاءٌ، وسالمُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ بنِ الخطاب: إن صيام الجنب باطلٌ، وإنه إذا علم بجنابته، ثم لم يغتسل حتى أصبح، وجب عليه صومُ ذلك اليوم، وقضاءُ يومٍ مكانه. وقال النخعي: أما التطوع، فلا يقضيه، وصومُ الجنب فيه صحيح، وأما الصوم المفروض، فيُمِمُّ صومَه، ويقضي يومًا مكانه. وقال هشام بن عروة: من أدركه الصومُ جنبًا عامدًا لذلك (١)، فهو آثم، وليبدلْ يومًا مكانه، وإن كان غيرَ متعمد، صح صومُه، ولا قضاء عليه. واختلف في ذلك عن أبي هريرة. وكذلك اختلفوا في الحائض يدركُها الفجر قبلَ الغُسل، فقالت طائفة: إنها تقضي ذلك اليوم، وبه قال ابنُ الماجشون من أصحابنا، إذا قدرت على الغُسل قبل طلوع الفجر، وخرَّج النسائي عن أبي هريرة: أنه قال: لا وربِّ هذه! ما أنا قلتُ (٢): من أدركه الصبحُ وهو جنبٌ فلا

стр. 1738

يصوم، محمدٌ وربِّ الكعبة! قالَهُ (١). وخرَّج النسائي -أيضًا- من حديث عبدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ: أنه احتلم ليلًا في رمضان، فاستيقظ قبلَ أن يطلع الفجرُ، ثم نام قبل أن يغتسل، فلم يستيقظ حتى أصبحَ، قال: فلقيتُ أبا هريرة حين أصبحتُ، فاستفتيتهُ في ذلك، فقال: أفطرْ؛ فإن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر بالفطر إذا أصبح الرجل جنبًا، قال عبدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ بنِ الخطاب: فجئت عبدَ اللَّه بنَ عمر، فذكرتُ له الذي أفتاني به أبو هريرة، فقال: أقسمُ عليكَ لئن أفطرتَ، لأُوجعَنَّك ضربًا، فإن بدا لك أن تصوم يومًا آخر، فافعل (٢). قال ابن عبد البر في "التمهيد": روي عن أبي هريرة: أنه رجع عن هذه الفتيا إلى ما كان ﵊ من حديث عائشة، ومَنْ تابعها (٣). وقيل: إن ذلك كان في أول الإسلام، ثم نسخ، وكانوا إذا ناموا، حَرُمَ عليهم الجماعُ، فلما نسُخ ذلك، نُسخ ما تعلق به، واللَّه أعلم. قال ابن المنذر: نسخ ذلك، ولم يعلَمْه (٤) أبو هريرة، فكان يفتي بما

стр. 1739

علمَه، فلما بلغه الناسخُ، رجع إليه، وقال: هذا أحسنُ ما سمعتُ فيه (١). وقولهما (٢): من أهله؛ أي: من جماعِ أهله، فحُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه، وفي رواية: "مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ" (٣). قال بعض متأخري أصحابنا: ربما يُفهم منه: أنه كان يحتلم، وقد قيل: إنه لم يحتلم، ولم يتثاءب قَطُّ؛ لأن ذلك من الشيطان، وهو ﵊ معصوم. قال غيره: وقد اختُلف هل يجوز الاحتلامُ على الأنبياء، أم لا؟ والأشهرُ: امتناعه، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 1740

الحديث السادس ١٧٨ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ" (١).

стр. 1741

الواو في "وَهُوَ صَائِمٌ"، واو الحال؛ أي (١): نسيَ في حال صومه، فأكل أو شرب، وإنما خص الأكلَ والشرب من بين سائر المفطرات؛ لأنها أغلبُها وقوعًا، وأنهما (٢) لا يُستغنى عنهما؛ بخلاف غيرهما، ولأن نسيان الجماع نادرٌ بالنسبة إلى ذلك، والتخصيصُ (٣) بالغالب لا يقتضي مفهومًا (٤)، فلا يدل ذلك على نفي الحكم عما عداه، أو لأنه من باب تعليق الحكم باللقب، وقد عرفت في الأصول: أنه لم يقل به غيرُ الدقَّاق، وظاهرُ الحديث: عدمُ القضاء على مَنْ أكل ناسيًا في نهار صومه، وقد اختلف في ذلك: فذهب مالك: إلى أنه لا بدَّ من القضاء في الصوم المفروض. ق: وهو القياس؛ فإن الصوم قد فات ركنه -يريد: وهو الإمساك-، وهو من باب المأمورات، والقاعدةُ تقتضي أن النسيانَ يؤثر في باب المأمورات. وعمدةُ مَنْ لم يوجب القضاء -وبذلك قالت طائفةٌ من الصحابة

стр. 1742

والتابعين والفقهاء بعدَهم، كان الصوم فرضًا أو تطوعًا، كان الفطر بأكل أو شرب أو جماع- هذا الحديثُ، وما في معناه، أو ما يقاربه، وفي بعض طرقه: "وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ" (١)، فإنه أمر بالإتمام، وسمي الذي يتم صومًا، وظاهرهُ: حملهُ على الحقيقة الشرعية، دونَ صورة الصوم؛ كما يقوله من أوجب القضاء؛ لأنه إذا دار (٢) حملُ اللفظ على حقيقته الشرعية أو اللغوية، كان حملُه على الشرعية أولى، وإذا كان صومًا شرعيًا، وقع مجزئًا، ويلزم من ذلك عدمُ وجوب القضاء، فهذا منشأ الخلاف، واللَّه أعلم. وقوله ﵊: "فإنما أطعمه اللَّه وسقاه": ظاهره: إقامةُ عذر الناسي؛ لإضافته ﵊ ذلك للَّه تعالى، فهذا قد يدلُّ على صحة الصوم؛ إذ إفسادُ الصوم يناسبه إضافةُ الفعل للمكلف، وكأن أصحابنا حملوا ذلك على الإخبار بعدم الإثم والمؤاخذة لعلَّة النسيان، لا أنه يدل على صحة الصيام، واللَّه أعلم (٣). * * *

стр. 1743

الحديث السابع ١٧٩ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْتُ (١)، قَالَ: "مَا لَكَ؟ "، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَناَ صَائِمٌ، وَفي رِوَايَةٍ: أَصَبْتُ أَهْلِي في رَمَضَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ تَجدُ رَقَبَةً تُعْتِقُها؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَبَيْنَا (٢) نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ (٣)، أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، والعَرَقُ: المِكْتَلُ، قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ "، قَالَ: أَنَا، قَالَ: "خُذْ هَذَا (٤) فَتَصَدَّقْ بِهِ"، فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَوَاللَّهِ! مَا بَيْنَ لَابَتَيْها -يُرِيدُ: الحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنيَابُهُ، ثُمَّ

стр. 1744

قَالَ: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" (١).

стр. 1745

الحرَّةُ: أَرْضٌ تَرْكَبُهَا حِجَارَةٌ سُودٌ (١). * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: هذا الرجل السائل هو سَلَمَةُ بنُ صخرٍ البياضيُّ، وقيل: سلمانُ بنُ صَخْر (٢). الثاني: قوله: "بينما نحنُ عندَ رسولِ اللَّه ﷺ إذ جاءه رجلٌ": اعلم أن "بينما" تُتلقى تارة بإذ، وتارة بإذا اللتين للمفاجأة، قال الشاعر: فَبَيْنَمَا العُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ وكقوله في هذه القطعة: وَبَيْنَمَا المَرْءُ في الأَحْيَاءِ مُغْتَبِطٌ ... إِذَا هُوَ الرَّمْسُ تَعْفُوهُ الأَعَاصِيرُ (٣) فتلقى هذا الشاعر (بينما) في البيت الأول بإذ، وفي البيت الثاني بإذا، وأما (بينا)، فلا تُتلقى بواحدة منهما، بل وجهُ الكلام أن يقال:

стр. 1746

بينا زيدٌ قائمٌ جاء عمرٌو، وعليه قول أبي ذؤيب: بَيْنَا تُعَانِقُهُ الكُمَاةُ، وَرَوْغُه (١) ... يَوْمًا، أُتِيحَ لَهُ جَريءٌ سَلْفَعُ فقال: أتيح، ولم يقل: إذ أُتيح، وهذا البيت ينشد بجر (تعانقه) (٢)، ورفعه، فمن جَرَّ، جعل الألف ملتحقةً لإشباع الفتحة؛ لأن الأصل فيها (بينَ)، وجر (تعانقه) على الإضافة، ومن رفع، رفعه على الابتداء، وجعل الألف زائدةً ألحقت (بين) لترتفع بعدها الجملة؛ كما زيدت في (بينما) لهذه العلة (٣). وقد جاءتا -أعني: بينا، وبينما- في هذا الحديث على هذه القاعدة، فقال: بينما نحن عند رسول اللَّه ﷺ ، إذ جاءه رجل، فتلقى (بينما) بإذ، وقال: فبينا نحن على ذلك، أُتي النبي ﷺ ، ولم يقل: إذ أتي، فاعرفْه. الثالث: استدل الجمهور بقول هذا المجامع في رمضان: هلكتُ، وفي الرواية الأخرى: احترقتُ، على أنه كان متعمّدًا، وقصروا الكفارةَ على المتعمِّد دون الناسي، وهو قولُ مالكٍ المشهورُ، وقولُ أكثر أصحابه (٤). وذهب أحمد، وبعض الظاهرية، وعبد الملك بن الماجشون،

стр. 1747

وابن حبيب، إلى إيجابها على الناسي، وروي ذلك -أيضًا (١) - عن مالك، وعطاء، محتجين بترك استفساره ﵊، مع أن ظاهره عمومُ الوقوع في العمد، والجهل، والنسيان، وقد أطلق ﵊ الفتيا مع هذا الاحتمال، وهذا كما قاله الشافعي في الأصول: تركُ الاستفصالِ مع الاحتمال يتنزَّلُ منزلةَ العموم في المقال، وهذا ضعيف؛ كما قيل؛ لأنه يمكن أن يقال: إنه ترك هنا استفصاله لقرينةِ حالِهِ الدالةِ على تعمُّدهِ الجماعَ من قوله: (هلكتُ) و (احترقتُ). قال الإمام: وشذ بعضُ الناس، فقال: لا كفارةَ على المجامِع، وإن تعمَّدَه، واغتر بقوله ﵊ لمَّا أمره أن يتصدق بالعَرَق من التمر، وشكا (٢) الفاقةَ: "اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ"، فدلَّ ذلك عنده على سقوط الكفارة. وأحسن ما حُمل عليه الحديث عندنا: أنه أباح له تأخيرَها لوقتِ يُسْرِه، لا على أنه أسقطها عنه، وليس في الحديث ما يدلُّ على إسقاطها جملة (٣). الرابع: قوله ﵊: "هل تجد رقبة تعتقها؟ ": يحتمل أن يستدل به على أمرين:

стр. 1748

أحدهما: جوازُ إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة؛ لإطلاق لفظ الرقبة من غير تقييد بإيمان، وهو مذهبُ أبي حنيفة، وكذلك المَعِيبة (١) عند داود، والجمهورُ على خلافهما؛ فإنهم شرطوا في إجزاء الرقبة الإيمانَ؛ بدليل تقييدها في كفارة القتل، فيُرَدُّ المطلَق إلى المقيد؛ كما هو المعروف في الأصول، وأيضًا: فإن مقصود الشرع بالعتق: تخليصُ الرقاب من الرق، ليتفرغوا للعبادة، ولنصر المسلمين، وهذا المعنى مفقودٌ في حق (٢) الكافر. قيل: وقد دلَّ (٣) على صحة هذا المعنى: قولُه ﵊ في حديث السوداء: "أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" (٤)، وأما العيبُ، فنقصٌ في المعنى والقيمة، فلا يجوز، لأنه في معنى عتق الجزء؛ كالثلث والربع، وهو ممنوع بالاتفاق. الثاني: أنه لا يجب في الجماع على الرجل والمرأة إلا كفارةٌ واحدة؛ إذ لم يذكر له النبي ﷺ حكمَ المرأة، وهو مذهبُ الشافعي، وداود، وأهل الظاهر.

стр. 1749

ومالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، على وجوب الكفارة على المرأة إن طاوعته. ع: ويتأول هذا الحديث لعل المرأة مكرَهَةٌ، أو ناسيةٌ لصومها، أو ممن يُباح لها الفطر ذلكَ اليومَ؛ لعذر المرض، أو السفر، أو الطُّهر من الحيض. وسوَّى الأوزاعي بين المكرَهَة والطائعة على مذهبه. وقال مالك في مشهور مذهبه في المكرهة: يُكَفَّر عنها بغير الصوم. وقال سحنون: لا شيء عليه (١) لها، ولا عليها، وبهذا (٢) قال أبو ثور، وابن المنذر، ولم يختلف مذهبنا في قضاء المكرهة، والنائمة، إلا ما ذكر (٣) عن القاضي إسماعيل عن مالك: أنه لا غسلَ على الموطوءة، نائمةً ولا مكرهةً، ولا شيء عليها، إلا أن تلتذ، قال ابن القصار: فتبين من هذا: أنها غير مفطرة. ع: فظاهره: أنه لا قضاءَ على المكرَهة إلا أن تلتذَّ، ولا على النائمة؛ لأنها كالمحتلمة، وهو قول أبي ثور في النائمة والمكرَهة. واختُلف في وجوب الكفارة على المكره على الوطء لغيره على هذا، وحكى ابن القصار، عن أبي حنيفة: أنه لا يلزم المُكرَهَ كفارةٌ عن

стр. 1750

نفسه، ولا عَمَّنْ أَكره (١). الخامس: قوله ﵊: "هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ": يقال: اسْتَطاع يَسْتَطيع، واسْتَتاع يَسْتَتيع، واسْطَاع يَسْطيع، وقد ضموا حرف المضارعة من هذا الأخير، وإن كان زائدًا على أربعة أحرف، ومثله أَهْرَاقَ يُهريقُ، واعتذر عنهما سيبويه ﵀ بأن السين في اسطاع، والهاء في أهراقَ، زائدتان للعوض، واعتُرض عليه: بأنه لم يحذف منهما شيء فيحتاجا إلى عِوَض (٢)، وأجاب السّيْرافي عن ذلك بأن قال: العِوَضُ إنما هو من نقل الحركة؛ إذ الأصل في اسطاع: اطوع، وفي أهراق: أروق، فلما نُقلت فتحةُ الواو إلى ما قبلها في الموضعين، قُلبت ألفًا؛ لتحركها في الأصل، وانفتاحِ ما قبلَها الآن، فكانت (٣) الزيادة عوضًا من (٤) ذلك، فاعرفْه. ومعنى يستطيع: يقدرُ، ويُطيق، ويَقْوى (٥). والتتابع: التوالي، وهو حجة للجمهور (٦) على ابن أبي ليلى؛ إذ لم يشترطه.

стр. 1751

السادس: قوله ﵊: "فهل تجدُ إطعامَ ستين مسكينًا؟ " صريحٌ في الدلالة على استيعاب هذه العِدَّة، وبه قال عامةُ الفقهاء؛ خلافًا لما روي عن الحسن: أنه يطعم أربعين مسكينًا صاعًا، وحجةٌ -أيضًا- على من قال: يطعم عشرين مسكينًا ثلاثةَ أيام. ق: والقولُ بذلك (١)، عملٌ بعلَّةٍ مستنبطةٍ تعود (٢) على ظاهر النص بالإبطال، وقد عُلم ما في ذلك في أصول الفقه (٣). وقوله: "فمكث النبي ﷺ ": هو بضم الكاف وفتحها. السابع: العَرَق: -بفتح العين والراء المهملتين- هو المعروف المشهور في اللغة والرواية، وكذا حكاه ع عن رواية الجمهور، ثم قال: ورواه كثيرٌ من شيوخنا بإسكان الراء، والصواب: الفتح (٤). قلت: وأما العَظْم الذي عليه اللحم، فبالإسكان لا غيرُ. ويقال للعَرَق: الزَّبِيلُ (٥) -بفتح الزاي-؛ كالرَّغيف، والزِّنْبِيل -بكسر الزاي-؛ كالقِنْديل، ويقال له: القُفَّة، والمِكْتَل -بكسر الميم وفتح المثناة فوق-، والسَّفيفة -بفتح السين وبفاءين-، قاله ابن دريد.

стр. 1752

وسمي عَرَقًا؛ لأنه جمع عَرقَة، وهي الظفيرة (١) الواسعة، ومَنْ سماه عَرقَةً، فلأنه منها، ويجمع -أيضًا- على عرقات. ع: وسمي زَبيلًا (٢)؛ لأنه يُحمل فيه الزِّبل. وقد قال الفقهاء: إنه يسع خمسةَ عشرَ صاعًا، وذلك ستون مدًا، لكل مسكين مدٌّ؛ لأن الصاع أربعة أمداد؛ كما تقدم، وإذا ضربنا أربعةً في خمسةَ عشرَ، كانت ستين. وفيه: حجة للجمهور على أبي حنيفة، والثوري؛ إذ قالا: لا يجزىء أقلُّ من نصف [صاع] لكلِّ مسكين (٣). الثامن: ظاهرُ الحديث يدلُّ على الترتيب؛ كما ذهب إليه بعض (٤) الفقهاء، وجعلوه ككفارة الظِّهار، والمشهورُ من مذهبنا: أنها على التخيير، ومذهبُ الشافعي: أنها على الترتيب؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث. ونازع ع في ظهور دلالة الترتيب في السؤال على ذلك، وقال ما معناه: إن مثل هذا السؤال يُستعمل فيما هو على التخيير، وجعلَه (٥) يدلُّ على الأولوية مع التخيير، وأما ما وقع في "المدونة" من قول ابن

стр. 1753

القاسم: ولا يعرفُ مالكٌ غيرَ الإطعام، فمحمولٌ ومؤوَّلٌ على استحباب تقديم الإطعام على غيره من الخصال. وذكر ع في تعليل ذلك وجوهًا: فقال: لذكر اللَّه -تعالى- له في القرآن، وإن كان نسخ رخصة للقادر، ففضله بالذكر والتعيين له غير منسوخ؛ لاختيار اللَّه -تعالى- في حكمه، وكذلك بقاء حكمه للمفرِّط في قضائه، وفي العاجز، وذي العذر، ولشمول نفعِه في المساكين، ولأن له مَدْخَلًا في كفارة رمضانَ للمرضع، والحامل، والشيخِ الكبير، والمفرِّط في قضائه، ولأنه المطابقُ لمعنى الصوم الذي هو الإمساكُ عن الطعامِ والشرابِ، واستحبَّ بعضُ أصحابنا ترتيبَ ذلك على ما جاء في الحديث، واستحبَّ بعضُهم ترتيب ذلك بحسب الأوقات والشدائد، فيكون الإطعامُ هناك أفضل (١)، واللَّه أعلم. التاسع: ليس في الحديث ما يدل على أمره بالقضاء، ولا زوجته، والجمهورُ على وجوب القضاء عليهما، قيل: والسكوتُ عنه لتقرُّره وظهوره. وعند الشافعية ثلاثة أوجه: ثالثها: إن كفَّر بالصيام، فلا قضاء عليه، وإن كفَّر بغيره، قضى يومًا، هذا في الرجل، وأما المرأة، فلا خلاف في وجوب القضاء عليها، زاد إمام الحرمين: إذا لم نوجب (٢)

стр. 1754

عليها كفارةً، فمفهومه: أن القضاء لا يجب عليها إذا وجبت الكفارة، أو يختلف فيه، واللَّه أعلم. وأما مذهبنا، فلا أعلم فيه خلافًا في وجوب القضاء عليها (١)، إلا ما تقدم من احتمال كلام ابن القصار، مكرهةً كانت أو طائعة، وأما الكفارةُ، فلا خلاف عندنا في وجوبها على الواطىء، وأما المرأة، فإن كانت طائعة، فكذلك يجب عليها كفارةٌ أخرى عن نفسها مع القضاء، وإن كانت مكرَهَةً، فلا قضاء (٢) عليها، وتجب الكفارةُ على زوجها عنها، فتكون عليه كفارتان عنه وعنها، هذا هو المشهور. وقال سحنون: لا شيء عليه لها، ولا عليها، وبهذا قال أبو ثور، وابن المنذر. وفي مذهب الشافعي ثلاثة أقوال: أصحُّها: تجب الكفارة على الرجل عن نفسه فقط، ولا شيء على المرأة، ولا يلاقيها الوجوب (٣). والثاني: تجب عليه الكفارة، وتكون عنه وعنها، وهي كفارة واحدة. والثالث: تجب عليه كفارتان؛ إحداهما عنه، والأخرى عنها. وبقول الشافعي: قال داود، وأهل الظاهر -أعني: اتحاد الكفارة-،

стр. 1755

والأوزاعي يوافقهم، إلا إذا كفَّر بالصيام. وبقول مالك قال أبو ثور، وأهل الرأي -أعني: وجوب الكفارة على المرأة إن طاوعته-، واللَّه أعلم (١). العاشر: في الحديث: دلالة ظاهرة على أنه لا مدخل لغير هذه الخصال الثلاث في الكفارة، ونقل عن الحسن البصري، وعطاء: أن المكفِّر إن لم يجد رقبةً، أهدى بدنةً إلى مكة، قال عطاء: أو بقرة، ع (٢). وقد اختُلف في عطاءٍ هذا، فقيل: هو عطاءُ بنُ عبد اللَّه، وقيل: ابنُ ميسرة مولى المهلَّبِ بنِ [أبي] صفرة، وأدخله البخاري في الضعفاء والمتروكين (٣). قال ابن بزيزة: وهو وهم، بل كان عالمًا فاضلًا، مجيدًا للقراءات، ولعلمِ القرآن؛ من التفسير، وغيره، روى عنه: مالك، ومعمر، والأوزاعي، قال ذلك الأئمةُ: ابن أبي حازم، وغيره. قلت: وإنما ضعفه البخاريُّ لتكذيب ابنِ المسيب له، حين سُئل عنه أنه حدثه بحديث الأعرابي: كذبَ، ما حدثْتُه، واللَّه أعلم.
следующие страницы →