← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

السادس: قوله ﵊: "فهل تجدُ إطعامَ ستين مسكينًا؟ " صريحٌ في الدلالة على استيعاب هذه العِدَّة، وبه قال عامةُ الفقهاء؛ خلافًا لما روي عن الحسن: أنه يطعم أربعين مسكينًا صاعًا، وحجةٌ -أيضًا- على من قال: يطعم عشرين مسكينًا ثلاثةَ أيام. ق: والقولُ بذلك (١)، عملٌ بعلَّةٍ مستنبطةٍ تعود (٢) على ظاهر النص بالإبطال، وقد عُلم ما في ذلك في أصول الفقه (٣). وقوله: "فمكث النبي ﷺ ": هو بضم الكاف وفتحها. السابع: العَرَق: -بفتح العين والراء المهملتين- هو المعروف المشهور في اللغة والرواية، وكذا حكاه ع عن رواية الجمهور، ثم قال: ورواه كثيرٌ من شيوخنا بإسكان الراء، والصواب: الفتح (٤). قلت: وأما العَظْم الذي عليه اللحم، فبالإسكان لا غيرُ. ويقال للعَرَق: الزَّبِيلُ (٥) -بفتح الزاي-؛ كالرَّغيف، والزِّنْبِيل -بكسر الزاي-؛ كالقِنْديل، ويقال له: القُفَّة، والمِكْتَل -بكسر الميم وفتح المثناة فوق-، والسَّفيفة -بفتح السين وبفاءين-، قاله ابن دريد.

стр. 1752

وسمي عَرَقًا؛ لأنه جمع عَرقَة، وهي الظفيرة (١) الواسعة، ومَنْ سماه عَرقَةً، فلأنه منها، ويجمع -أيضًا- على عرقات. ع: وسمي زَبيلًا (٢)؛ لأنه يُحمل فيه الزِّبل. وقد قال الفقهاء: إنه يسع خمسةَ عشرَ صاعًا، وذلك ستون مدًا، لكل مسكين مدٌّ؛ لأن الصاع أربعة أمداد؛ كما تقدم، وإذا ضربنا أربعةً في خمسةَ عشرَ، كانت ستين. وفيه: حجة للجمهور على أبي حنيفة، والثوري؛ إذ قالا: لا يجزىء أقلُّ من نصف [صاع] لكلِّ مسكين (٣). الثامن: ظاهرُ الحديث يدلُّ على الترتيب؛ كما ذهب إليه بعض (٤) الفقهاء، وجعلوه ككفارة الظِّهار، والمشهورُ من مذهبنا: أنها على التخيير، ومذهبُ الشافعي: أنها على الترتيب؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث. ونازع ع في ظهور دلالة الترتيب في السؤال على ذلك، وقال ما معناه: إن مثل هذا السؤال يُستعمل فيما هو على التخيير، وجعلَه (٥) يدلُّ على الأولوية مع التخيير، وأما ما وقع في "المدونة" من قول ابن

стр. 1753

القاسم: ولا يعرفُ مالكٌ غيرَ الإطعام، فمحمولٌ ومؤوَّلٌ على استحباب تقديم الإطعام على غيره من الخصال. وذكر ع في تعليل ذلك وجوهًا: فقال: لذكر اللَّه -تعالى- له في القرآن، وإن كان نسخ رخصة للقادر، ففضله بالذكر والتعيين له غير منسوخ؛ لاختيار اللَّه -تعالى- في حكمه، وكذلك بقاء حكمه للمفرِّط في قضائه، وفي العاجز، وذي العذر، ولشمول نفعِه في المساكين، ولأن له مَدْخَلًا في كفارة رمضانَ للمرضع، والحامل، والشيخِ الكبير، والمفرِّط في قضائه، ولأنه المطابقُ لمعنى الصوم الذي هو الإمساكُ عن الطعامِ والشرابِ، واستحبَّ بعضُ أصحابنا ترتيبَ ذلك على ما جاء في الحديث، واستحبَّ بعضُهم ترتيب ذلك بحسب الأوقات والشدائد، فيكون الإطعامُ هناك أفضل (١)، واللَّه أعلم. التاسع: ليس في الحديث ما يدل على أمره بالقضاء، ولا زوجته، والجمهورُ على وجوب القضاء عليهما، قيل: والسكوتُ عنه لتقرُّره وظهوره. وعند الشافعية ثلاثة أوجه: ثالثها: إن كفَّر بالصيام، فلا قضاء عليه، وإن كفَّر بغيره، قضى يومًا، هذا في الرجل، وأما المرأة، فلا خلاف في وجوب القضاء عليها، زاد إمام الحرمين: إذا لم نوجب (٢)

стр. 1754

عليها كفارةً، فمفهومه: أن القضاء لا يجب عليها إذا وجبت الكفارة، أو يختلف فيه، واللَّه أعلم. وأما مذهبنا، فلا أعلم فيه خلافًا في وجوب القضاء عليها (١)، إلا ما تقدم من احتمال كلام ابن القصار، مكرهةً كانت أو طائعة، وأما الكفارةُ، فلا خلاف عندنا في وجوبها على الواطىء، وأما المرأة، فإن كانت طائعة، فكذلك يجب عليها كفارةٌ أخرى عن نفسها مع القضاء، وإن كانت مكرَهَةً، فلا قضاء (٢) عليها، وتجب الكفارةُ على زوجها عنها، فتكون عليه كفارتان عنه وعنها، هذا هو المشهور. وقال سحنون: لا شيء عليه لها، ولا عليها، وبهذا قال أبو ثور، وابن المنذر. وفي مذهب الشافعي ثلاثة أقوال: أصحُّها: تجب الكفارة على الرجل عن نفسه فقط، ولا شيء على المرأة، ولا يلاقيها الوجوب (٣). والثاني: تجب عليه الكفارة، وتكون عنه وعنها، وهي كفارة واحدة. والثالث: تجب عليه كفارتان؛ إحداهما عنه، والأخرى عنها. وبقول الشافعي: قال داود، وأهل الظاهر -أعني: اتحاد الكفارة-،

стр. 1755

والأوزاعي يوافقهم، إلا إذا كفَّر بالصيام. وبقول مالك قال أبو ثور، وأهل الرأي -أعني: وجوب الكفارة على المرأة إن طاوعته-، واللَّه أعلم (١). العاشر: في الحديث: دلالة ظاهرة على أنه لا مدخل لغير هذه الخصال الثلاث في الكفارة، ونقل عن الحسن البصري، وعطاء: أن المكفِّر إن لم يجد رقبةً، أهدى بدنةً إلى مكة، قال عطاء: أو بقرة، ع (٢). وقد اختُلف في عطاءٍ هذا، فقيل: هو عطاءُ بنُ عبد اللَّه، وقيل: ابنُ ميسرة مولى المهلَّبِ بنِ [أبي] صفرة، وأدخله البخاري في الضعفاء والمتروكين (٣). قال ابن بزيزة: وهو وهم، بل كان عالمًا فاضلًا، مجيدًا للقراءات، ولعلمِ القرآن؛ من التفسير، وغيره، روى عنه: مالك، ومعمر، والأوزاعي، قال ذلك الأئمةُ: ابن أبي حازم، وغيره. قلت: وإنما ضعفه البخاريُّ لتكذيب ابنِ المسيب له، حين سُئل عنه أنه حدثه بحديث الأعرابي: كذبَ، ما حدثْتُه، واللَّه أعلم.

стр. 1756

وقد وردت البَدَنة في حديث المفطِرِ (١) في رمضان يعدمُ (٢) الرقبةَ، من رواية عطاء، عن سعيد بن المسيب، ذكره مالك في "الموطأ"، وقد أنكر سعيدٌ على عطاءٍ روايتَه عنه البدنةَ (٣). الحادي عشر: قوله: "على أفقرَ مني يا رسول اللَّه؟! ": هكذا وقع في نسخ هذا الكتاب، وفي كتاب مسلم: (أفقرَ) -بالنصب- من غير حرف (على)، على (٤) إضمار فعل تقديره: أتجدُ أفقرَ مني؟ أو: أعطي أفقرَ مني (٥)؟ ويجوز فيه -الرفع- على أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أحدٌ أفقرُ منا، أو مَنْ يتصدق عليه أفقرُ منا، وهكذا رواه النسائي: "أَحَدٌ أحوجُ منَّا"، واللَّه أعلم (٦). الثاني عشر: قوله: "ما بين لابتيها": اللابتان: الحَرَّتان، والمدينةُ بينَ حَرَّتين، والحَرَّة: الأرضُ الملبسةُ حجارةً سوداءً (٧)، و (٨) يقال: لابَة، ولوبَة، ونوبة -بالنون (٩) -، حكاهن ابنُ عبد البر، والجوهري،

стр. 1757

وخلائقُ من أهل اللغة، ومنه قيل للأسود: لوبِيٌّ، ونوبِيٌّ -باللام والنون-، وجمع اللابة: لوبٌ، ولابٌ، ولاباتٌ، ولا همزَ فيها (١). الثالث عشر: قوله: "فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه". ع: سبب ضحكه ﵊ التعجبُ من حالِه ومقاطعِ كلامه، وإشفاقِه أولًا، ثم طلبِه ذلك لنفسِه، وقد يكون من رحمة اللَّه تعالى، وتوسعتِه عليه، وإطعامِه له هذا الطعامَ، وإحلالِه له بعد أن كُلِّف إخراجَه، واللَّه أعلم (٢). والأنياب: جمعُ ناب، وهي الأسنان الملاصقة للثنايا، وهي أربعة، وذلك أن الإنسان له أربع ثنايا، وأربع رَباعِيات، الواحدة رَبَاعِيَة -مخففة-، وأربعةُ أنياب، وأربعةُ ضواحك، واثنتا عشرةَ رحى، ثلاثٌ في كل شق، وأربعةُ نواجذَ، وهي أقصاها، فذلك اثنان وثلاثون سنًا، قاله أبو زيد فيما نقله ابنُ قتيبة عنه، وقال الأصمعيُّ مثله، إلا أنه قال: الأرحاء ثمانية، فتكون على قوله: ثمانية وعشرين (٣)، واللَّه أعلم (٤).

стр. 1758

فيه: جوازُ الضحك، وهو غيرُ التبسُّم، وما جاء من (١) أنه ﵊ كان ضحكُه تبسُّمًا (٢)، فيجوز أن يكون الغالبُ من ضحكه ﵊، لا كلُّه، واللَّه أعلم. وأما قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩]، فضاحكًا حالٌ مقدرة، أي: تبسم مقدرًا (٣) الضحك؛ لأن الضحك يستغرق التبسُّمَ، هذا هو الصحيح عندي، وقد جعله ابن عصفور حالًا مؤكدة، وهو بعيدٌ، أو وهمٌ، واللَّه أعلم. فقد علمت بذلك كلِّه: أن التبسم غيرُ الضحك، يقال منه: ضحك يضحك ضِحْكًا، وضَحْكًا، وضَحِكًا، وضِحِكًا أربع لغات، والضَّحْكَة: المرةُ الواحدةُ (٤)، واللَّه أعلم. الرابع عشر: قوله ﵊: "اذهبْ، فأطعِمْه أهلَكَ": ع: قال الزهري: هذا خاصٌّ لهذا الرجل وحدَه، يعني: أنه

стр. 1759

يجزيه أن يأكل من صدقة نفسه؛ لسقوط الكفارة عنه لفقره، فسوغها له النبيُّ ﷺ ، وقد روي: "كُلْهْ وَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" (١). وقيل: هو منسوخ. وقيل: يحتمل أنه أعطاه إياه لكفارته، وأنه يجزئه على من لا تلزمه نفقتُه من أهله. وقيل: بل لما كان عاجزًا عن نفقة أهله، جاز له إعطاءُ الكفارة عن نفسه لهم. وقيل: بل لمَّا ملَّكها إياه النبيُّ ﷺ ، وهو محتاج، جاز له أكلُها هو وأهلُه لحاجته. وقيل: يحتمل أنه لما كان لغيره أن يكفِّرَ عنه، كان لغيره أن يتصدَّق عليه عند الحاجة بتلك الكفارة. وقد ترجم البخاري عليه: إذا أطعم المجامعُ أهلَه [في رمضان من الكفارة وهم محاويج. قال غيره: وهذا ساغ إذا عجز عن نفقتهم، إذ] (٢) لا تلزمه لهم نفقة، فكانوا كغيرهم. قال بعضهم أيضًا: ولأن في أكله منها إذا كان محتاجًا إحياء رمقه،

стр. 1760

فجاز له (١) وفيما قاله نظر. وقيل: بل (٢) أطعمه إياه لفقره، وأَبقى الكفارةَ عليه متى أيسر -كما تقدم-، وهذا تحقيق مذهب كافة العلماء، وذهب الأوزاعي (٣) وأحمد إلى أن حكمَ مَنْ لم يجد الكفارة ممن لزمته من سائر الناس سقوطُها عنه مثل هذا الرجل (٤)، واللَّه أعلم. قلت: ظاهر قوله ﵊: "أهلك" دخولُ ذوي القربى والزوجةِ فيه، يقال: أهلُ الرجل، وأهلُ الدار، وكذلك الأَهْلَةُ، والجمع أَهْلات، وأَهَلات (٥) -بسكون الهاء وفتحها-، وأَهَالٍ، زادوا فيه الياءَ على غير قياس؛ كما جمعوا ليلًا على ليالٍ، وقد جاء في الشعر: آهال، مثل: فَرْخ، وأفراخ، وزيد، وأزياد، وأنشد الأخفش: وَبَلْدَةٍ مَا الإِنْسُ مِنْ آهَالِهَا والمنزلُ الآهِلُ الذي فيه أهلُه، واللَّه أعلم (٦).

стр. 1761

باب الصوم في السفر الحديث الأول ١٨٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ للنَّبِيِّ ﷺ : أَصُومُ (١) في السَّفرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيامِ، "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وإِنْ شِئْتَ فَاَفْطِرْ" (٢).

стр. 1762

* الشرح: ظاهرُ هذا الحديث أن الصوم المسؤولَ عنه صومُ التطوُّع، لا رمضان. وقوله: "وكان كثيرَ الصيام" يُشعر بذلك، ويقوي ذلك أيضًا: أن في الكتابين رواية أخرى مشتملة على زيادة بينت هذا الحديث، وهي أنه قال: يا رسول اللَّه! إني أَسْرُدُ الصومَ، فأصومُ (١) في السفر؟ فقال ﵊: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ"، لكنه قد جاء في رواية أخرى في مسلم: "هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا، فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ" (٢)، ومثلُ هذا لا يُقال في التطوُّع. وأيضًا: فإن هذا الحديث أخرجه أبو داود، وقال فيه: يا رسولَ اللَّه! إني صاحبُ ظَهْر أُسافر عليه، وأركبُه في هذا الوجه، وإنه ربما صادفني هذا الشهرُ، -يعني: رمضان-، وأنا أجد القوةَ، وأنا شابٌّ، وأجدُني أن أصومَ أهونُ من أن أُؤخره، فيكون دَيْنًا عليَّ، أفأصومُ يا رسول اللَّه

стр. 1763

أعظم لأجري، أو أفطر؟ فقال ﵊: "أَيَّ ذَلِكَ شِئْتَ يَا حَمْزَةُ" (١)، قال صاحب "المفهم": وهذا نصٌّ في التخيير (٢). قلت: وأَيًّا ما كان، ففيه التخيير (٣)، وهذا يرد قولَ من قالَ بعدم انعقاد الصوم في السفر، من أهل الظاهر، وغيرهم، وإن كان متمسكهم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فقد تأوله الجمهور بأن هناك محذوفًا تقديره: فَأَفْطَرَ، ويستدل على صحته بصومه ﵊ في السفر، وبتخييره بينَ الصوم والإفطار في غير ما حديثٍ صحيح، ولو كان الصوم في السفر لا ينعقد، لَمَا صامَ، ولا (٤) أباحَ لغيره الصومَ فيه؛ فإن ذلك عبث، فدلَّ ذلك على أن المعنى ما قدره من الحذف، وأن القضاء إنما يلزم من أفطرَ، لا من صام، واللَّه أعلم. ويقوي قولَ الجمهور أيضًا: قولُه ﵊ في الحديث الآخر الصحيح: "هِيَ رُخْصَة مِنَ اللَّهِ"، الحديث، وبيانُه: أن قوله ﵊: "هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ"، الحديث يعطي بوجه الخطاب بالصوم إلى كلِّ مكلف، حاضرًا كان أو مسافرًا، ثم

стр. 1764

رخص لأهل الأعذار بسببها؛ لأن الرخصة حاصلُها راجعٌ إلى تخلف الحكم الحزم (١) مع تحقق سببه لأمر خارج عن ذلك السبب؛ كإباحة أكل الميتة عند الضرورة، فاعرفْه. إذا ثبت هذا، فقد اختلفوا هل الصوم أفضل، أو الفطر أفضل، أو هما سيَّان؟ فقيل: الصوم أفضل؛ لما ورد من صومه ﵊ هو وعبدُ اللَّه بنُ رواحة (٢)، ولغير ذلك من الأحاديث، ولقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآيةَ، فَعَمَّ، وإليه ذهب أنسُ ابنُ مالك، ومالكٌ في المشهور عنه. قال صاحب "المفهم": والشافعي على أن الفطر من باب الرخص، وأن فعل الصوم مبادرةٌ إلى تخليص الذمم، ومسابقةٌ إلى الخيرات، فقد أمر اللَّه بذلك في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] (٣). وقيل: الفطرُ أفضلُ؟ لقوله ﵊: "لَيْسَ البِرُّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ"، ورُوي: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ" (٤)؟ و (٥) لقوله ﵊: "هِيَ رُخْصَة مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا، فَحَسَنٌ، وَمَنْ

стр. 1765

أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ" فقد جعل الفطر حسنًا، والصوم لا جناح فيه، فهذه إشارة إلى تفضيل الفطر، وكان ابن عمر يقول: رخصةٌ ربي أحبُّ إليَّ (١)، مع أنه كان من أهل التشديد على نفسه، والأخذِ بالأشدِّ، وقال: أرأيتَ لو تصدَّقْتَ بصدقة، فردَّتْ عليكَ، ألا تغضب (٢)؟ ونهى أبو هريرة، وابنُ الزبير، وغيرُهما عن الصوم في السفر. وسئل ابن عباس ﵁، فقال: يُسْرٌ وعُسْرٌ، خذْ بيسر (٣) اللَّه (٤). وإليه ذهب ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما ﵄. وقيل: الفطرُ والصومُ سواءٌ؛ لقوله ﷺ : "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ"، وإليه ذهب جُلُّ أهل المذهب على ما ذكره القرطبي في "مفهمه"، قال: وعليه تدلُّ أحاديث مسلمٍ في هذا الباب (٥). قال الخطابي: وذهبت طائفة إلى أن الأفضلَ الأيسرُ عليه، والأسهلُ؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآيةَ. ع: وروي عن عمر بن عبد العزيز، وقتادة، ومجاهد (٦). ثم هل هذا في كل سفر؛ طاعةً كان أو معصيةً، طويلًا كان أو

стр. 1766

قصيرًا، أو مختصٌّ (١) بالسفر المباحِ أو الواجب؟ قال ابن بزيزة: والصحيح: أن النبي ﷺ لم (٢) يخصَّ سفرًا من سفر، وهو ظاهر الآية. قلت: والمذهبُ على أن العاصي بالسفر لا يترخص، والمذهب -أيضًا (٣) - اشتراطُ سفر تُقْصَرُ فيه الصلاة؛ خلافًا لمن لم يشترطه. قال الخطابي: وأظنه قولَ داود، وأهلِ الظاهر، فأما سائرُ الفقهاء، فإنهم لا يرون الإفطارَ إلا في سفر يجوز فيه القصرُ، وهو عند أهل العراق ثلاثةُ أيام، وعند أكثر أهل الحجاز ليلتان، أو نحوهما، وقد كان ابنُ عمرَ، وابنُ عباس، لا يريان القصرَ والإفطارَ في أقل من أربعة بُرُدٍ (٤). قلت: وهو مذهبنا، ومذهبُ الجمهور، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1767

الحديث الثاني ١٨١ - عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلا المُفْطِرُ على الصَّائِمِ (١). ظاهرُه: في رمضان؛ بقرينة عدم العيب، إذ (٢) الصومُ المرسَلُ لا يُعاب، واللَّه أعلم.

стр. 1768

الحديث الثالث ١٨٢ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، في شَهْرِ رَمَضَانَ، في حَرٍّ شَديدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، مَا فينا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّه ﷺ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ (١). * * *

стр. 1769

(إن) هذه هي المخففة من الثقيلة عندَ البصريين، والأصلُ عندهم: إنه كانَ أحدُنا ليضعُ، وهي عند الكوفيين بمعنى (ما)، و (اللام) بمعنى (إلا)، والتقدير: ما كان أحدُنا إلا ليضع، على ما هو مقرر في كتب العربية. وهذا الحديث يردُّ على أهل الظاهر ومَنْ وافقهم في قولهم: إن الصوم لا ينعقد في السفر؛ كما تقدم. * * *

стр. 1770

الحديث الرابع ١٨٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا، وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ "، قَالُوا: صَائِمٌ، قالَ: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ" (١). وَلِمُسْلِمٍ: "عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ" (٢).

стр. 1771

فيه: تفقُّد الإمام أحوالَ رعاياه، وعدمُ إهمالهم، وسؤالُه عن حقيقة الأمر، والسببِ المقتضي (١) لتغير الأحوال المعهودة. وقوله ﵊: "ليس من البر الصومُ في السفر": نزله العلماء على مَنْ أصابه بسبب الصوم جهدٌ ومشقة، أو أداه الصوم إلى ترك قُربة من القُرَب، وبذلك يقع الجمع بينه وبين ما تقدَّمَ من التخيير بين الصوم والإفطار في الأحاديث.

стр. 1772

وأما الظاهرية القائلون بعدم انعقاد الصوم في السفر، فيحتجون بأن اللفظ عامٌّ، والعبرةُ بعموم (١) اللفظ لا بخصوص (٢) السبب، ولا دليلَ لهم في ذلك؛ فإنا نفرق بين دلالة السياق، والقرائنِ على (٣) تخصيص العام، و (٤) على مراد المتكلم، وبين مجردِ ورودِ العامِّ على سبب، ولا نُجريها مجرًى واحدًا؛ فإن مجردَ ورود العام على سبب (٥) لا يقتضي التخصيص به؛ كنزول قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] بسبب سرقة رداء صفوانَ؛ فإنه لا يقتضي التخصيصَ بالضرورة والإجماع، وأما السياق والقرائن، فإنها الدالة على مراد المتكلم من كلامه، وهي المرشدةُ إلى بيان المجمَلات، وتعيين المحتمَلات (٦)، وهاهنا قد دلنا على تخصيصِ مثلِ هذا الصائم الذي لَحِقَه من الجهد والمشقة ما لحقه، بنفي البِرِّ عن صومه والحالة هذه ما شوهد من قرائن أحواله ولا بد، فلا يلزم منه أخذُ الحديث على عمومه؛ أعني قولَه ﵊: "ليسَ من البر الصومُ في السفر"، لا سيما في حق من لا يتأثر بالصيام، ولا يجد له أدنى مشقة، أو مَنْ يكون الصومُ له

стр. 1773

وِجاءً، أو وازعًا عن الوقوع في منهيٍّ عنه، هذا مع ما تقدم من صومه ﵊ في السفر، هو وعبدُ اللَّه بنُ رواحة، وغير ذلك من الصيام في السفر، وعلَامَ يحملونه؛ فإنه ﵊ لم يفعل ذلك عبثًا، وإنما فعله على وجه العبادة، وإبراء الذمة، وكيف تبرأ الذمة بصومٍ لا ينعقد على ما يزعمون؟ وقوله ﵊: "عليكم برخصة اللَّه" دليلٌ على استحباب الأخذ بالرخصة عندَ الاحتياج إليها، وتركِ التنطُّع والتعمُّق في الدين، وقد جاء: "هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ" (١)، وقال ﵊: "إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ؛ فَإِنَّ المُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى" (٢)، وقال ﵊: "مَنْ يُشَادَّ (٣) هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ" (٤)، أو كما قال ﵊، واللَّه تعالى الموفق. * * *

стр. 1774

الحديث الخامس ١٨٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا المُفْطِرُ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وَأَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الكِسَاءَ، فَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ المُفْطِرُونَ، فَضَربُوا الأَبْنِيَةَ، وَسَقَوُا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ" (١).

стр. 1775

قوله: "فمنَّا الصائم، ومنَّا المفطر": فيه (١): دليل على ما تقدَّمَ من جواز الصوم في السفر، وانعقادِه فيه، لتقريره ﵊ ذلك، وعدمِ إنكاره؛ خلافًا لمن قال: لا ينعقد من أهل الظاهر وغيرِهم، على ما تقدم. وقوله: "وأكثرنا ظِلًا صاحبُ الكساء"؛ أي: إن أكثرهم ظلًّا مَنْ له كساء يُلقيه على رأسه اتقاءً لحرِّ الشمس. فيه: دلالةٌ على عدم احتفالهم بآلات السفر؛ كالخيم، والفساطيط، ونحو ذلك؛ بحيث إنهم لم يكن معهم ما يتقون به حرَّ الشمس، وإن أكثرهم ظلًّا من له كساء، بل كان جُلُّ احتفالهم ﵃ بآلات الحروب، وما يُعنى (٢) من ذلك، ويُحتاج إليه على سبيل الضرورة، بخلاف حال أهل زماننا على ما يُرى. وقوله ﵊: "ذهبَ المفطرونَ اليومَ بالأجر"، أي: بأجرٍ يزيدُ على أجر الصائمين، فإن عملَهم كان متعدِّيًا، وعمل الصائمين كان قاصرًا. ق: ويحتمل أن يكون أجرُهم قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغًا ينغمر فيه أجرُ الصوم، فتحصلُ المبالغة بسبب ذلك، ويجعل (٣)

стр. 1776

كأن الأجر كلَّه للمفطر (١)، واللَّه أعلم، انتهى. وفيه: أنه إذا تعارضت المصالح، قُدِّمَ منها الأولى، والأقوى؛ فإن الصوم مصلحة، والفطر أيضًا -والحالة هذه- مصلحةٌ، ولكن مصلحة الفطر حينئذ أَوْلى؛ لتعدِّيها، وقصورِ مصلحةِ الصيام، كما تقدم. * * *

стр. 1777

الحديث السادس ١٨٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ (١).

стр. 1778

فيه: دليل على ما تقدَّم من أنه يقال: رمضان، من غير ذكر الشهر مع القرينة، على المذهب الأعدلِ من المذاهب الثلاثة المتقدِّم ذكرُها، واللَّه أعلم. وفيه: دليل على جواز تأخير قضاء رمضان، والتوسعة في ذلك ما لم يدخل رمضان آخرُ. وقد اختلف الفقهاء في وجوب الإطعام إذا أُخِّر القضاءُ إلى رمضان ثانٍ، وليس (١) له بهذا الحديث ذلك التعلُّق. وقد جاء في رواية أخرى: أن تأخيرَ قضاءِ عائشة ﵂ كانَ للشُّغْلِ برسول اللَّه ﷺ . ففيه: دليلٌ على شدة احتفالها بأمره ﷺ هي وسائرُ أزواجه ﵊، فكانت كل واحدة من أمهات المؤمنين ﵅ مُهَيِّئَةً نفسَها لرسول اللَّه ﷺ (٢)، مترصِّدَةً لاستمتاعه في جميع أوقاتها، أو غالبِها، إن أراد ذلك، لا تدري متى يريده، ولم تستأذنه في الصوم؛ مخافةَ أن يأذنَ لها، وقد يكون له حاجةٌ فيها، فتفوِّتُها عليه، وهذا من الأدب.

стр. 1779

وقد اتفق العلماء على أن المرأة لا يحلُّ لها صومُ التطوُّعِ وزوجُها حاضرٌ إلا باذنه، وإنما كانت تصومه في شعبان؛ لأن النبيَّ ﷺ كان يصوم شعبانَ كلَّه، أو مُعظمه، فلا حاجة له فيهنَّ حينئذ في النهار، ولأنه إذا جاء شعبان، تَضَيَّق قضاءُ رمضان، فإنه لا يجوز تأخيرُه عنه. ح: ومذهبُ مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمدَ، وجماهيرِ الخلف والسلف في حق من أفطره بعذر، لحيض وسفر: أنه يجب على التراخي، ولا تُشترط المبادرةُ به في أول الإمكان، لكن قالوا: لا يجوز تأخيرُه عن شعبان الآتي، لأنه يؤخَّر حينئذ إلى زمان لا يقبله، وهو رمضانُ الآتي، فكان كمن أخَّره إلى الموت. وقال داود: تجب المبادرةُ به في أول يوم بعدَ العيدِ من شوال، وحديثُ عائشة هذا يردُّ عليه. قال الجمهور: وتُستحب المبادرةُ به؛ للاحتياط فيه، فإن أخره، فالصحيح عند المحققين من الفقهاء وأهل الأصول: أنه يجبُ العزمُ على فعله، وكذلك القولُ في جميع الواجب الموسَّع، إنما يجوز تأخيرُه بشرطِ العزمِ على فعله، حتى لو أَخَّره [بلا عذر]، عصى، وقيل: لا يشترط العزم. وأجمعوا: أنه لو مات قبل خروج شعبان، لزمته الفديةُ في تَرِكته عن كل يوم مُدٌّ من طعام، هذا إن كان تمكَّنَ من القضاء، فلم يَقْضِ، فأما من أفطرَ في رمضان بعذر، ثم اتصل عجزُه، ولم (١) يتمكن من الصوم

стр. 1780

حتى ماتَ، فلا صومَ عليه، ولا يُطْعَمُ عنه، ولا يُصام عنه. قلت: والجمهورُ على استحباب تتابُعِه. وقالت جماعة من الصحابة والتابعين: يجبُ تتابُعه (١)، واللَّه الموفق. * * *

стр. 1781

الحديث السابع ١٨٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" (١). [وأخرجه أبو داود، وقال: هذا في النذر، وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ] (٢).

стр. 1782

هذا الحديثُ ليس على شرط المصنِّف؛ إذ لم يتفق الشيخان على إخراجه، وإنما أخرجه مسلم (١). قال الإمام: أخذَ بظاهر هذا الحديث: أحمدُ، وإسحاق، وغيرُهما، وجمهورُ الفقهاء على خلاف ذلك، ويتأولون الحديثَ على معنى: إطعامِ الحيِّ عن وليِّهِ إذا مات، وقد فَرَّطَ في الصوم، فيكون الإطعام قائمًا مقامَ الصيام (٢). قلت: إلا أن المخالفين خصصوه بالنذر، وروي مثلُه عن الشافعي، وأما قضاءُ رمضان، فلا يجوز عندهم، ولكنه يُطْعَم عنه من رأس ماله.

стр. 1783

ع: وهو مشهورُ قول الشافعي في وجوب الإطعام عليهم من رأس ماله دونَ الصوم، وهو قولُ كافة العلماء، ومالكٌ لا يوجب عليهم الإطعامَ إلا أن يوصي بذلك، أو يتطوَّعوا (١). قلت: فيكونُ من الثلُث؛ كسائر الوصايا. وقد انعقدَ الإجماعُ على أنه لا يصلِّي أحدٌ عن أحد في حياته، ولا بعدَ وفاته، وعلى أنه لا يصومُ أحدٌ عن أحد في حياته، وإنما الخلافُ في ذلك بعد (٢) موته (٣). قال القرطبي في "مفهمه"، وإنما لم يعمل مالك بالخبر؛ لأمور: أحدهما: أنه لم يجد عملَهم عليه. وثانيها: أنه اختُلف في إسناده. وثالثها: أنه رواه أبو بكر البزار، وقال في آخره: "لِمَنْ يَشَاءُ"، وهذا يرفع الوجوبَ الذي قالوا به. قلت: إنما يعدُّ هذا عذرًا لمالك لو كان يجيز ذلك -أعني: الصومَ عن الغير-، وهو لا يصح عنده، فلا ينبغي عَدُّه. ثم قال: ورابعها: أنه معارض لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]،

стр. 1784

ولقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] كلام كثير للعلماء، من جملته: أنه منسوخ، فلينظرْ ذلك. ثم قال: وخامسها: أنه معارض لما أخرجه البخاري (١) عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : أنه قال: "لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَكِنْ يُطْعِمُ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ" (٢). وسادسها: معارِض (٣) للقياس الجليِّ، وهو أنه عبادة بدنية، فلا يفعل من وجبت عليه كالصلاة، ولا ينقض هذا بالحج؛ لأن للمال فيه مدخلًا (٤)، انتهى. وقيل: المراد بالولي هنا: القريبُ، سواء كان عَصَبَةً، أو وارثًا، أو غيرَهما. وقيل: المراد: الوارثُ، وقيل: المراد: العَصَبَة. والصحيحُ الأولُ، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1785

الحديث الثامن ١٨٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أفأَقْضِيهِ (١) عَنْهَا؟ فَقَالَ: "لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟! "، قَالَ: نعَمْ، قَالَ: "فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ: جَاءَتِ امْرأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أفاَصُومُ عَنْهَا؟، فَقَالَ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتيِهِ، أَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي عَنْهَا؟! "، قالتْ: نعَمْ، قال: "فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ" (٣).

стр. 1786

فيه: جوازُ سماع كلام الأجنبية في الاستفتاء ونحوِه من مواضع الحاجة. وفيه: دليل على صحة القياس؛ من حيث إن النبي ﷺ قاس وجوبَ أداء حق الآدمي، وجعلَه من طريق الأحق، فيجوز لغيره القياسُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآيةَ، لا سيما وقولُه ﵊: "أَرَأَيْتَ" إرشادٌ وتنبيه على العلَّة التي هي كشيء مستقرٍّ في نفس المخاطَب. وفي قوله ﵊: "فدينُ اللَّه أحقُّ بالقضاء" دلالةٌ على أحد الأقوال الثلاثة من العلماء في تزاحُم حقِّ اللَّه وحقّ الآدمي أَيُّهما يقدَّمُ؟ وثالثها: هما سواء، فيقسم بين الجهتين، ومن صوره (١) المسلَّمة: مَنْ مات وعليه دينٌ لآدمي، ودينٌ للَّه تعالى؛ كالزكاة، وضاقت التركةُ عن الوفاء بهما جميعًا.

стр. 1787

وفيه: قضاءُ الدين عن الميت، ولا خلافَ فيه. وفيه: استحبابُ تنبيه المفتي على وجه الدليل إذا كان مختصرًا واضحًا؛ فإن ذلك أشرحُ لصدر المستفتي، وأطيبُ لنفسه، وأدعى لإذعانه لأحكام اللَّه -تعالى- من غير وجود حرج في نفسه، بل يسلِّم تسليمًا، ويستفيد فقهًا وتعليمًا. وأما الرواية الأخرى، ففيها ما في الأولى، وتزيدُ بتخصيص الصوم بالنذر تصريحًا، فإن دل دليل على أن الحديث واحد، تعين أن يكون السؤالُ فيهما عن صيام النذر، إلا أنه يقع بين الروايتين تباينٌ من حيث إن السائل في الأولى رجل، وفي الثانية امرأة، وقد تقرر في علم الحديث: أنه يُعرف كونُ الحديث واحدًا باتحاد سندِه ومخرجه، وتقارب ألفاظه، واللَّه الموفق. * * *

стр. 1788

الحديث التاسع ١٨٨ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" (١).

стр. 1789

* التعريف: سَهْلُ بنُ سعدِ بنِ مالكِ بنِ خالدِ بنِ ثعلبةَ بنِ حارثةَ بنِ عمرَ (١) ابنِ الخزرجِ بنِ ساعدةَ بنِ كعبِ بنِ الخزرجِ، الساعديُّ، الأنصاريُّ، المدنيُّ. يكنى: أبا العباس، وقيل: أبو يحيى. كان سنه يوم مات النبي ﷺ خمسَ عشرةَ سنةً، وتوفي سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين بالمدينة، وهو آخرُ من مات من الصحابة (٢) بالمدينة، ومات وله مئةُ سنة، وأحصنَ سبعينَ امرأة، شهدَ قضاءَ النبيَّ ﷺ في المتلاعِنَيْن، وأنه فرق بينهما، كان اسمه حزنًا، فغير النبي ﷺ اسمه، فسماه سهلًا. روي له عن رسول اللَّه ﷺ مئةُ حديث، وثمانية وثمانون حديثًا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه: الزهري، وأبو حازم سلمةُ بنُ دينار (٣)، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وأبو زُرعة عمرُ بنُ جابرٍ الحضرميُّ، وبكرُ بنُ سوادةَ، وغيرهم (٤). فيه: إشارةٌ إلى أن فساد الأمور يتعلَّق بتغير هذه السُّنَّةِ، التي هي

стр. 1790

تعجيلُ الفِطْر، وأن مخالفة السنة بتأخيره؛ كالعلم على فساد الأمور، وقد اتفق العلماء على استحباب تعجيل الفطر بعد تيقن الغروب؛ أخذًا بهذا الحديث. وفيه: ردٌّ على الشيعة المؤخِّرين الفطر إلى ظهور النجم. ق: ولعل هذا هو السببُ في كون الناس لا يزالون بخير ما عجلوا الفطر؛ لأنهم إذا أخروه (١)، كانوا داخلين في فعلٍ خلاف السنة، ولا يزالون ما فعلوا السنة بخير (٢). و (ما) من قوله ﵊: "ما عَجَّلوا الفطرَ" مصدرية ظرفية، والتقدير: تعجليهم الفطر، واللَّه أعلم. * * *
следующие страницы →