فيه: جوازُ سماع كلام الأجنبية في الاستفتاء ونحوِه من مواضع الحاجة.
وفيه: دليل على صحة القياس؛ من حيث إن النبي ﷺ قاس وجوبَ أداء حق الآدمي، وجعلَه من طريق الأحق، فيجوز لغيره القياسُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآيةَ، لا سيما وقولُه ﵊: "أَرَأَيْتَ" إرشادٌ وتنبيه على العلَّة التي هي كشيء مستقرٍّ في نفس المخاطَب.
وفي قوله ﵊: "فدينُ اللَّه أحقُّ بالقضاء" دلالةٌ على أحد الأقوال الثلاثة من العلماء في تزاحُم حقِّ اللَّه وحقّ الآدمي أَيُّهما يقدَّمُ؟ وثالثها: هما سواء، فيقسم بين الجهتين، ومن صوره (١) المسلَّمة: مَنْ مات وعليه دينٌ لآدمي، ودينٌ للَّه تعالى؛ كالزكاة، وضاقت التركةُ عن الوفاء بهما جميعًا.
стр. 1787
وفيه: قضاءُ الدين عن الميت، ولا خلافَ فيه.
وفيه: استحبابُ تنبيه المفتي على وجه الدليل إذا كان مختصرًا واضحًا؛ فإن ذلك أشرحُ لصدر المستفتي، وأطيبُ لنفسه، وأدعى لإذعانه لأحكام اللَّه -تعالى- من غير وجود حرج في نفسه، بل يسلِّم تسليمًا، ويستفيد فقهًا وتعليمًا.
وأما الرواية الأخرى، ففيها ما في الأولى، وتزيدُ بتخصيص الصوم بالنذر تصريحًا، فإن دل دليل على أن الحديث واحد، تعين أن يكون السؤالُ فيهما عن صيام النذر، إلا أنه يقع بين الروايتين تباينٌ من حيث إن السائل في الأولى رجل، وفي الثانية امرأة، وقد تقرر في علم الحديث: أنه يُعرف كونُ الحديث واحدًا باتحاد سندِه ومخرجه، وتقارب ألفاظه، واللَّه الموفق.
* * *
* التعريف:
سَهْلُ بنُ سعدِ بنِ مالكِ بنِ خالدِ بنِ ثعلبةَ بنِ حارثةَ بنِ عمرَ (١) ابنِ الخزرجِ بنِ ساعدةَ بنِ كعبِ بنِ الخزرجِ، الساعديُّ، الأنصاريُّ، المدنيُّ.
يكنى: أبا العباس، وقيل: أبو يحيى.
كان سنه يوم مات النبي ﷺ خمسَ عشرةَ سنةً، وتوفي سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين بالمدينة، وهو آخرُ من مات من الصحابة (٢) بالمدينة، ومات وله مئةُ سنة، وأحصنَ سبعينَ امرأة، شهدَ قضاءَ النبيَّ ﷺ في المتلاعِنَيْن، وأنه فرق بينهما، كان اسمه حزنًا، فغير النبي ﷺ اسمه، فسماه سهلًا.
روي له عن رسول اللَّه ﷺ مئةُ حديث، وثمانية وثمانون حديثًا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر.
روى عنه: الزهري، وأبو حازم سلمةُ بنُ دينار (٣)، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وأبو زُرعة عمرُ بنُ جابرٍ الحضرميُّ، وبكرُ بنُ سوادةَ، وغيرهم (٤).
فيه: إشارةٌ إلى أن فساد الأمور يتعلَّق بتغير هذه السُّنَّةِ، التي هي
стр. 1790
تعجيلُ الفِطْر، وأن مخالفة السنة بتأخيره؛ كالعلم على فساد الأمور، وقد اتفق العلماء على استحباب تعجيل الفطر بعد تيقن الغروب؛ أخذًا بهذا الحديث.
وفيه: ردٌّ على الشيعة المؤخِّرين الفطر إلى ظهور النجم.
ق: ولعل هذا هو السببُ في كون الناس لا يزالون بخير ما عجلوا الفطر؛ لأنهم إذا أخروه (١)، كانوا داخلين في فعلٍ خلاف السنة، ولا يزالون ما فعلوا السنة بخير (٢).
و (ما) من قوله ﵊: "ما عَجَّلوا الفطرَ" مصدرية ظرفية، والتقدير: تعجليهم الفطر، واللَّه أعلم.
* * *
الإشارةُ في الأول إلى جهة المشرق، وفي الثاني إلى جهة المغرب، وهما متلازمان؛ إذ لا يُقبل الليلُ إلا إذا أدبر النهارُ، ولكنه قد لا تتفق (١) مشاهدةُ عينِ الغروب، ويُشاهد (٢) هجومُ الظلمةِ حتى يتيقن الغروب بذلك، فيحلُّ الإفطار.
وقوله ﵊: "فقد أفطر الصائم": الألف واللام في (الصائم) للجنس قطعا، وهذا يردُّ (٣) قولَ من يقول: إن الاسم المشتق لا يكون جنسًا عامًا.
والإفطار هنا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المعنى: فقد حَلَّ له (٤) الإفطار حينئذٍ، فالغروبُ على هذا عَلَمٌ على حِلِّ الإفطار.
والثاني: أنه بالغروب صار مُفْطِرًا حكمًا، فيؤخذُ منه استحالة الإمساك الشرعي ليلًا، بل قال بعضهم: إنه حرام كإمساك يوم الفطر، ويوم النحر.
وقال بعضهم: ذلك جائز، وله أجر الصائم، واحتج هؤلاء بوصاله ﷺ وتقريره ذلك لغيره، وإن الأحاديث الواردة بالنهي عن
стр. 1793
الوصال التي ذكرها مسلم في ألفاظها ما يدلُّ على أن النهيَ عن ذلك تخفيفٌ ورِفْق، وفي بعض طرق مسلم: نهاهُمْ عَنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ (١)، وفي بعض طرقه: لَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنتهُوا عَنِ الوِصَالِ، وَاصَل بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الهِلَالَ، فقالَ ﵊: "لَوْ تَأَخَّرَ الهِلَالُ، لَزِدْتُكُمْ"؛ كَالمنكل لهم (٢)، وفي بعض طرقه: "لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ، لَوَاصَلْنَا وِصَالًا يَدَعُ المُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ" (٣)، وهذا كله دليل على عدم استحالةِ إمساكِ الليل شرعًا، ولو كان مستحيلًا، لما واصل ﵊ بهم، ولا حملَهم على ما لا يحلُّ، ولعاقبَ مَنْ خالفَ نهيَه.
وقد تقدم لنا في أول (٤) مقدمة كتاب: الصيام نقلُ الخلاف في الوصال، وأن في ذلك ثلاثةَ أقوال؛ ثالثها: جوازُ الوصال إلى السحر خاصةً، وسيأتي الكلامُ على ذلك أيضًا.
* * *
قوله: "نهى"، يحتملُ التحريمَ، والكراهةَ، وكأنه في التحريم أظهرُ، وقد تقدَّم الخلاف في ذلك مبينًا.
وقولهم: "فإنكَ تُواصل" فيه: معارَضَة المفتي إذا أَفتى بما يخالف حالَه، ولم يعلم المستفتي بسرِّ المخالفة.
وقوله ﵊: "إني لستُ كهيئتكم": الهيئة في أصل اللغة: الشَّارَةُ، يقال: فلانٌ حسنُ الهيئة، والهيئة (١) -بفتح الهاء وكسرها-، والمعنى: لستُ مثلَكم؛ كما جاء مفسرًا في الرواية الأخرى لمسلم: "إِنَّكمْ لَسْتُمْ في ذَلِكَ مِثْلِي" (٢).
قال الخطابي: الوصالُ من خصائص ما أُبيح للنبي ﷺ ، وهو محظور (٣) على أمته (٤).
وقوله ﵊: "إني أُطعَم وأُسقى"، قيل: هو على ظاهره كرامةً له ﵊، واختصاصًا، قاله ع (٥)، واعترضه ح: بأنه لو أكل حقيقةً، لم يكن مُواصِلًا، وقوي ذلك بقوله
стр. 1797
-﵊ في الرواية الأخرى: "إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُني رَبِّي وَيَسْقِيني" (١)، ولفظ (ظَلَّ) لا يكون إلا في النهار، ولا يجوز الأكلُ الحقيقي في النهار، بلا شك (٢).
قال ع: ويجوز أن يكون كنايةً عن القوة التي جعلها اللَّه -تعالى- له، وإن لم يطعم، ولم يُسْقَ حقيقةً حتى يكون كمن فُعل به ذلك.
أو أن اللَّه -تعالى- يخلُق فيه من الشِّبَع والرِّيِّ ما يُغنيه عن الطعام والشراب، واللَّه أعلم (٣).
نادرة: كنتُ يومًا مع شيخنا مكينِ الدين، المعروفِ بالأسمر ﵁، في بعض بساتين الإسكندرية، في جماعة من أصحابنا، فحضر الطعام، وكنت صائمًا، فسألني الجماعة موافقتهم، فَأبيتُ، قال الشيخ ﵁: دعوه وأنا آكلُ عنه، وشرعوا في الأكل دون الشيخ، فوجدتُ من الشبعِ والريِّ ما يجده الطاعمُ الشارب، حتى نبرتْ جنباي حسًّا، وظللت بقيةَ يومي متغذيًا بذلك.
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: فيه: الإخبار (١) بمحاسن الأعمال، إذا لم يقصد بذلك التسميع، والمراءاة، فربما كان ذلك داعيةً لغيره إلى (٢) العمل الصالح، والاقتداء به في ذلك (٣).
وفيه: الحلفُ اختيارًا من غير استحلاف، وكون الحالف في اليمين على حنث (٤)؛ فإن ذلك غير ممتنع شرعًا.
стр. 1801
الثاني: (ما) من قوله: "ما عشتُ" مصدرية ظرفية؛ أي: مدة حياتي.
الثالث: قوله ﵊: "لا تستطيع ذلك" (١)، عدمُ الاستطاعة تطلق (٢) تارة على المتعذِّر أصلًا، وأُخرى على ما شَقَّ (٣) فعلُه، وإن لم يكن متعذّرًا، وعليهما ذُكر الاحتمالُ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فحمله بعضُهم على المستحيل، حتى أخذَ منه جوازَ تكليف المحال، وحمله بعضُهم على ما يشقُّ، وهو الأقربُ.
ق: ويمكن أن يُحمل على الممتنع، إما على تقدير أن يبلغَ من العمر ما يتعذَّر معه ذلك، وعلمه النبيُّ ﷺ بطريق [الرفق]، إذ (٤) في ذلك التزام الأوقات تقتضي العادة أنه لابدَّ من وقوعها مع تعذر ذلك فيها، ويحتمل أن يكون قوله ﵊: "لا تستطيع ذلك"، مع القيام ببقية المصالح المرغَّبة شرعًا (٥).
قلت: وهذا خلافُ قوله ﵊ لحمزةَ بنِ عمرٍو المتقدم، وإقراره إياه على سَرْد الصوم، والظاهر: أنه -عليه الصلاة
стр. 1802
والسلام- عَلِمَ من حال أحدهما ما عَلِمَ من حال الآخر، وينشأ من ذلك عدمُ كراهة صيام الدهر؛ إذ كان ﵊ لا يُقِرُّ على مكروه، وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب جماعة إلى جوازه، منهم: مالك، والشافعي -رحمهما اللَّه-، ومنعه (١) أهلُ الظاهر؛ لأحاديثَ وردتْ فيه؛ كقوله ﵊: "لَا صَامَ مَنْ (٢) صَامَ الأَبَدَ" (٣)، وغير ذلك، وتأول ذلك مخالفوهم: بأن هذا محمولٌ على إدخال صيام الأعياد والتشريق.
ع: والأشبهُ عندنا في التأويل: أن يكون محمولًا على أنه يضر به ذلك، ألا تراه قال: "فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ، هَجَمَتْ لَهُ عَيْنُكَ، وَنَهِكَتْ نَفْسُكَ" (٤).
قلت: معنى هَجَمَتْ: غارَتْ، ونهِكَتْ -بفتح النون، وفتح الهاء وكسرها، وإسكان التاء-؛ أي: ضَعُفَتْ.
ح: وضبطه بعضهم -بضم النون (٥) وكسر الهاء وفتح التاء-؛
стр. 1803
أي: نُهِكْتَ أنتَ؛ أي: ضَنيت، قال: وهذا ظاهر كلام القاضي (١).
الرابع: فيه: استحبابُ صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وعلّتُه مذكورة في الحديث، واختُلف في تعيينها، وليس ذلك من غرضنا في هذا الحديث، وسيأتي الكلامُ على ذلك قريبًا في حديث أبي هريرة.
الخامس: قوله ﵊: "فإن الحسنة بعشر أمثالها": كان المرادَ بالحسنة: الفعلة الحسنة شرعًا، فأقيمت الصفةُ مقامَ الموصوف.
فإن قلت: القاعدةُ في العربية إثباتُ التاء من الثلاثة إلى العشرة في عددِ المذكر، وحذفُها في المؤنث، والمثلُ مذكَّرٌ، فلم حُذفت التاء؟
قلت: هو مثلُ قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقد أجيب عنه من وجهين:
أحدهما: أن التقدير فله عشرُ حسناتٍ أمثالها، وحذفت التاء من عشرة؛ لأن الأمثال في المعنى مؤنثة؛ لأن مثل الحسنة حسنة.
والثاني: أنه أُنِّثَ، لإضافته إلى مؤنث، وهو الهاء والألف التي هي ضمير مؤنث، فكان (٢) من باب: سقطتْ بعضُ أصابعه، و:
كَمَا نَهِلَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ
стр. 1804
وأشباهِ ذلك.
السادس: قوله ﵊: "وذلك مثلُ صيام الدهر"، قيل: إنه مؤوَّلٌ عندهم على أنه مثلُ أصلِ صيام الدهر من غير تضعيف؛ فإن التضعيف مرتَّبٌ على الفعل الحسي الواقع في الخارج.
ق: والحاملُ على هذا التأويل: أن القواعد تقتضي أن المقدَّرَ لا يكون كالمحقَّق، وأن الأُجور تتفاوت بحسب تفاوت المصالح، أو المشقَّة في الفعل، فكيف يُسَوَّى من فعلَ الشيءَ بمن قدر فعله [له]، فلأجل ذلك (١) قيل: إن المراد: أصلُ الفعل في التقدير، لا الفعلُ المرتَّبُ عليه التضعيفُ في التحقيق، وهذا البحث يأتي في مواضع، ولا يختص بهذا الفعل (٢).
ومن هنا يمكن أن يجاب عن الاستدلال بهذا اللفظ وشبهه، على جواز صوم الدهر؛ من حيث إنه ذكر الترغيب في فعل هذا الصوم، ووجهُ الترغيب بأنه مثل صوم الدهر، ولا يجوز أن تكون (٣) جهةُ الترغيب هي جهة النهي، وسبيل الجواب: أن (٤) الذمَّ عند من قال به متعلقٌ بالفعل الحقيقي، وجهةُ الترغيب هاهنا حصولُ الثواب على الوجه التقديري،
стр. 1805
فاختلفت جهةُ الترغيب وجهةُ الذم، وإن كان هذا الاستنباط الذي ذُكِرَ لا بأسَ به، ولكن الدلائل الدالةَ على كراهة صوم الدهر أقوى منه دلالةً، والعملُ بأقوى الدليلين واجب، والذين أجازوا صوم الدهر حملوا النهي على ذي عجز أو مشقة، أو ما يقرب من ذلك من لزوم تعطيل مصالح راجحة على الصوم أو متعلقة بحق الغير؛ كالزوجة مثلًا (١).
* * *
معنى قوله ﵊: "أَحَبُّ إلى اللَّه"؛ أي: أكثرُه ثوابًا، وأعظمُه أجرًا، وتقديرُه بما ذكر، ونومُ سُدُسِه فيه مصلحةُ الإبقاء على النفس، واستقبالُ صلاة الصبح وأذكار أولِ النهارِ بنشاط، وأنه أقربُ إلى عدمِ الرِّياءِ في الأعمال؛ فإن من نامَ السدسَ الأخير، أصبح جامًّا (١) غيرَ منهوكِ القوى، وهو أقربُ إلى أن يخفي أثر عمله على من يراه، وقد قيل: إن عدم النوم في السحر يُصَفِّر الوجهَ، ومن يخالفْ هذا، يجعلْ قولَه ﵊: "أَحَبُّ الصيامِ" مخصوصا بحالةٍ، أو بفاعلٍ، واللَّه أعلم (٢).
* * *
هو بخفض (صيام) وما بعده على البدل من (ثلاث)، ويجوز الرفعُ على إضمار المبتدأ، والأول أولى.
فيه: الحضُّ على هذه الخصال الثلاث؛ لقرينة الإيصاء بها.
أما صومُ ثلاثة أيام من كل شهر، فاختُلف في تعيينها، ففسره جماعة من الصحابة والتابعين بأيام البيض، وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، منهم: عمرُ بنُ الخطاب، وابنُ مسعود، وأبو ذَرٍّ، وبه قال أصحابُ الشافعي.
واختار النخعي [آخر الشهر.
واختار] وآخرون: ثلاثةَ أيام من أوله؛ منهم: الحسن.
واختارت عائشةُ، وآخرون: صيامَ السبت، والأحد، والاثنين من الشهر، ثم الثلاثاء، والأربعاء، والخميس من الشهر الذي بعده.
واختار آخرون: الاثنين والخميس.
ح: وفي حديث رفعه ابنُ عمر: أَوَّلُ اثْنَيْنِ في الشَّهْرِ، وَخَمِيسَانِ بَعْدَهُ، وعن أم سلمة: أول خميس، والاثنانِ بعده، ثم الاثنان.
وقيل: أول يوم من الشهر، والعاشر، والعشرون.
وقيل: إنه صيام مالكِ بنِ أنس، وروي عنه كراهةُ صومِ أيام البيض.
وقال ابن شعبان: أول يوم من الشهر، والحادي عشر، والحادي والعشرون (١).
стр. 1810
وقوله: "وركعتي الضحى": جاء في صلاة الضحى أحاديثُ كثيرة، وربما قيل: إنها الصلاة الوسطى، وقد تقدم ذلك في صدر هذا الكتاب.
وأما الوتر، فقد تقدم في بابه مستوعَبًا، واللَّه ولي التوفيق والمنة (١).
* * *
* التعريف:
محمدُ بنُ عَبَّادِ بنِ جعفرٍ، المخزوميُّ، القرشيُّ، المكيُّ.
سمع جابرَ بنَ عبدِ اللَّه، وعبدَ اللَّه بنَ عباس، وعبدَ اللَّه بنَ عَمرو، وعبدَ اللَّه بنَ عُمرَ بنِ الخطاب.
روى عنه: ابنُ جُريج، وزيادُ بنُ سعدٍ، وعبدُ الحميد بنُ جبير.
تابعي، أخرج حديثه في "الصحيحين" (١).
* الشرح:
المراد بالنهي: إفرادُه بالصوم؛ كما سيأتي في الحديث الذي بعدَه مبيَّنًا.
وقد اختلف العلماء في علَّةِ ذلك، فقيل: إن يوم الجمعة يومُ دعاءٍ وذِكْرٍ وعبادة؛ من الغسل، والتبكير إلى الصلاة وانتظارها، واستماع الخطبة، وإكثار الذكر؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة: ١٠]، وغير ذلك من العبادات، فاستحب الفطرُ فيه؛ ليكون أعونَ لها على هذه الوظائف، وأدائها
стр. 1813
بنشاط وانشراح لها، والتذاذٍ بها، من غير ملل ولا سآمة، وهو نظيرُ الحاجِّ يومَ عرفة؛ فإن السنَّةَ له الفطرُ، وهذا تعليل يتبادر إلى الذهن جودتُه، وإذا تُؤُمِّل، ضَعُفَ، لزوال الكراهةِ بصيامِ يومٍ قبلَه أو بعدَه.
فإن قلتَ: إنه يحصل له بفضيلة الصوم القبليِّ أو البعديِّ ما ينجبر به ما عساه أن يقع في وظائف يوم الجمعة من فتور وتقصير.
قلتُ: هذا ضعيف أيضًا، لأن الجابر لذلك أعمُّ من كونه صومًا، أو ذِكْرًا، أو صدقة، أو غير ذلك، فلِمَ حصرتَه في الصيام دونَ غيره؟
ثم نقول لهذا القائل: ما تقول لو أَعتق المكلَّفُ رقبةً، أو تصدَّق بمال كثير، ونحو ذلك، ثم أفردَ يومَ الجمعة بالصيام، هل تنتفي الكراهة والحالة هذه، ويكون ذلك جابرًا كما قلت؟ فإن قال بزوال الكراهة، فقد خرق الإجماعَ فيما علمت، وإن قال: انتقض التعليل، فليختر قائلُ هذا التعليل أَيَّ الأمرين شاء.
وقيل: سببُ النهي: خوفُ المبالغة في تعظيمه بحيث يُفتتن به؛ كما افْتُتِنَ بيوم السبت، واعترض (١) هذا -أيضًا- بصلاة الجمعة وغيرِها مما هو مشهورٌ من وظائفها وتعظيمه.
وقيل: سببُ النهي: خوفُ اعتقاد وجوبه، واعترض -أيضًا- بصوم يوم الاثنين؛ فإنه يُندب صومُه، كما في الصحيح، ولا يلتفت إلى هذا الاحتمال البعيد، واعترض -أيضًا- بيوم عرفة، ويوم عاشوراء.
стр. 1814
وأما قول مالك في "موطئه": لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه، ومن يُقتدى به، ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامُه حسنٌ، وقد رأيت بعضَ أهل العلم يصومُه، وأراه كان يتحرَّاه (١).
فقد قال الداوودي من أصحابنا: لم يبلغ مالكًا هذا الحديثُ، ولو بلغه، لم يخالفه.
قلت: وفي هذا عندي بُعد؛ لشهرة الحديث وانتشاره.
وقال ع (٢): أخذ بظاهر هذا الحديث الشافعيُّ، ولعل قول مالكٍ إليه يرجع؛ لأنه إنما قال: وصومُه حسنٌ، ومذهبُه معلومٌ في كراهة تخصيص يومٍ بالصوم، وهذا محتمل من معنى ما جاء في الحديث: "لَا تَخُصُّوهُ بِصِيَامٍ" عند بعضهم، وإنما حكى مالكٌ عَمَّن حكى صومَه، وظن أنه كان تحرَّاه، ولم يقل مالك: إني أرى هذا، و (٣) لا أحبه -أعني: تحريه-، فيحتمل (٤) أنه مذهبه.
قلت: وهذا أقربُ من التعسف، وظاهرُ قول مالك ﵀ أو نصُّه وقوةُ سياقه، يقتضي عدمَ كراهة صومِه منفردًا بلا إشكال.
قال: وقد أشار الباجي إلى أن مذهب مالك هذا يحتمل قولة له أخرى في صيام يوم الجمعة، فوافق الحديث.
стр. 1815
قلت: وهذا ليس ببعيد.
وقال الداوودي في كتاب "النصيحة" (١) ما معناه: أن النهي إنما هو عن تحريه واختصاصه دونَ غيره، وأنه متى صامَ مع صومه يومًا غيرَه، فقد خرج عن النهي، كان ذلك الصوم قبلَه أو بعدَه، إذ لم يقل: اليوم الذي يليه، وقد يرجح (٢) ما قاله قولُه في الحديث الآخر، في الأم (٣): "لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ، وَلَا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي" (٤).
وذكر الطحاويُّ فيه معنًى آخرَ جاء في أثر رواه عن النبي ﷺ : أنه قال: "يَوْمُ الجُمُعَةِ يَوْمَ عِيدِكُمْ، فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ، إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" (٥)، انتهى (٦).
* * *
стр. 1816
الحديث الخامس
١٩٦ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ" (١).
* * *
* الشرح:
هذا الحديثُ مبيِّنٌ للحديث الذي قبلَه من أن المراد بالنهي: إفرادُ
стр. 1817
يوم الجمعة بالصيام -كما تقدم-، وقد تقدم تعليلُ ذلك، وما يرد عليه من النقوض آنفًا، وللنظر في ذلك مجال، واللَّه -تعالى- يُطلع مَنْ شاء على ما شاء (١)، فلا يلزم من عدم ظهور المصلحة لنا عُرُوُّ الحكم عنها، وباللَّه التوفيق.
* * *
* التعريف:
سَعْدُ بنُ عُبَيدٍ الزُّهْرِيُّ، القرشيُّ، المدنيُّ، أبو عبيدٍ التابعيُّ مولى عبدِ الرحمنِ بنِ أزهرَ، وهو منتسب إلى عبدِ الرحمن بنِ عوف -أيضًا-؛ لأنهما ابنا عم.
كان سعد هذا من فقهاء أهل المدينة ومفتيهم.
روى عن عمرَ بنِ الخطاب، وعثمانَ بنِ عفان، وعليِّ بنِ أبي طالبٍ، وأبي هريرة ﵃.
روى عنه: الزهري.
مات سنة ثمان وتسعين. أخرج له في "الصحيحين" (١).
* الشرح:
صيامُ هذين اليومين حرامٌ اتفاقًا، فلا يجزئان مَنْ صامهما عن فرض، ولا نذر، ولا قضاء، ولا كفارة، ولا تطوُّع.
وقال ابن هبيرة: قال أبو حنيفة: إنْ نذر صومَ يوم العيد، فالأَولى
стр. 1820
أن يُفطره، ويصومَ غيره، فإن لم يفعل، وصامه، أجزأه عن النذر (١).
قلت: وأيامُ التشريق عنده كذلك.
ق (٢): فطريقُ (٣) الحنفية في ذلك: أن الصوم له جهةُ عموم، وجهةُ خصوص، فهو من حيث إنه صوم يقع الامتثالُ به، ومن حيث إنه صومُ يوم (٤) عيدٍ يتعلق به النهيُ، فالخروجُ عن العهدة يحصل بالجهة الأولى -أعني: كونه صومًا-، والمختار عند غيرهم خلافُ ذلك، وبطلانُ النذر، وعدمُ صحة الصوم، والذي يدَّعى من الجهتين (٥) بينهما تلازم هاهنا، ولا انفكاك، فيتمكن (٦) النهي من هذا الصوم، فلا يصح أن تكون قربة، فلا يصح نذره.
بيانه (٧): أن النهيَ وردَ عن صوم يوم العيد، والناذرُ له معلَّقٌ لنذره بما تعلَّقَ به النهيُ، وهذا بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة عندَ من يقول بصحتها؛ فإنه لم يحصل التلازم بين جهة العموم -أعني: كونها صلاة-، وبين جهة الخصوص -أعني: كونها حصولًا في مكان
стр. 1821
مغصوب-، وأعني بعدم التلازم هاهنا: عدَمه في الشرعية؛ فإن الشرع وَجَّهَ الأمرَ إلى مطلق الصلاة، والنهيَ إلى مطلق الغصب، وتلازُمهما واجتماعُهما إنما هو من فعل المكلَّف، لا في الشرعية، فلم يتعلق النهيُ شرعًا بهذا الخصوص، بخلاف صوم العيد، فإن النهي ورد عن خصوصه، فتلازمت جهةُ العموم وجهة الخصوص، وتعلق النهيُ بعين ما وقع في النذر، فلا يكون قربةً.
وتكلم الأصوليون في قاعدة تقتضي النظر في هذه المسألة، وهو أن النهي عند الأكثرين لا يدل على صحة المنهيِّ عنه، وقد نقلوا عن محمد بن الحسن ﵀: أنه يدل على صحة المنهيِّ عنه، لأن النهي لابد فيه من إمكان المنهيِّ عنه (١)، إذ لا يقال للأعمى: لا تبصر، ولا للإنسان: لا تنظر، فإذًا المنهي عنه -أعني: صومَ يوم العيد- ممكنٌ، وإذا أمكن، ثبتت الصحةُ، وهذا (٢) ضعيف؛ لأن الصحة إنما تعتمد التصور والإمكان العقلي والعادي، والنهي يمنع التصور الشرعي، فلا يتعارضان، وكأن محمدَ بنَ الحسن يصرف اللفظ في المنهيِّ عنه إلى المعنى الشرعي (٣)، واللَّه أعلم.
فيه: استحبابُ ذكرِ الخطيبِ ما يتعلق بوقته من الأحكام.
стр. 1822
وفيه: الإشارة إلى علة تحريم صوم يوم النحر، وهو الأكلُ من النسك، فلذلك لم يقل: يوم النحر؛ فإن قوله: "تأكلون فيه من نُسُكِكم" يستلزمه، ويزيد فائدةَ التنبيه على التعليل.
وقوله: "هذان يومان" تغليبٌ للحاضر على (١) الغائب، واللَّه أعلم.
* * *
* الشرح:
قد تقدم ذكر تحريم صوم اليومين آنفًا (١).
أما اشتمالُ الصَّمَّاء، فقال الفارسي في "مجمعه": تفسير الفقهاء: أنه يشتمل بثوب، ويرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه، فالنهيُ عنه لأ [نه] يؤدِّي إلى الكشف وظهور العورة، قال الفارسي: وهذا التفسير لا يُشعر به لفظُ الصماء، وقال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب جميع جسده؛ بحيث لا يترك فرجة يُخرج منها يدَه، [واللفظ مطابق لهذا المعنى] (٢).
ق: والنهي عنه يحتمل وجهين: