← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

مغصوب-، وأعني بعدم التلازم هاهنا: عدَمه في الشرعية؛ فإن الشرع وَجَّهَ الأمرَ إلى مطلق الصلاة، والنهيَ إلى مطلق الغصب، وتلازُمهما واجتماعُهما إنما هو من فعل المكلَّف، لا في الشرعية، فلم يتعلق النهيُ شرعًا بهذا الخصوص، بخلاف صوم العيد، فإن النهي ورد عن خصوصه، فتلازمت جهةُ العموم وجهة الخصوص، وتعلق النهيُ بعين ما وقع في النذر، فلا يكون قربةً. وتكلم الأصوليون في قاعدة تقتضي النظر في هذه المسألة، وهو أن النهي عند الأكثرين لا يدل على صحة المنهيِّ عنه، وقد نقلوا عن محمد بن الحسن ﵀: أنه يدل على صحة المنهيِّ عنه، لأن النهي لابد فيه من إمكان المنهيِّ عنه (١)، إذ لا يقال للأعمى: لا تبصر، ولا للإنسان: لا تنظر، فإذًا المنهي عنه -أعني: صومَ يوم العيد- ممكنٌ، وإذا أمكن، ثبتت الصحةُ، وهذا (٢) ضعيف؛ لأن الصحة إنما تعتمد التصور والإمكان العقلي والعادي، والنهي يمنع التصور الشرعي، فلا يتعارضان، وكأن محمدَ بنَ الحسن يصرف اللفظ في المنهيِّ عنه إلى المعنى الشرعي (٣)، واللَّه أعلم. فيه: استحبابُ ذكرِ الخطيبِ ما يتعلق بوقته من الأحكام.

стр. 1822

وفيه: الإشارة إلى علة تحريم صوم يوم النحر، وهو الأكلُ من النسك، فلذلك لم يقل: يوم النحر؛ فإن قوله: "تأكلون فيه من نُسُكِكم" يستلزمه، ويزيد فائدةَ التنبيه على التعليل. وقوله: "هذان يومان" تغليبٌ للحاضر على (١) الغائب، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1823

الحديث السابع (١) ١٩٨ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: الفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَعَنِ الصَّمَّاءِ (٢)، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وعَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْح وَبَعْدَ العَصْرِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِتَمَامِهِ (٣)، وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ الصَّوْمَ فَقَطْ (٤).

стр. 1824

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1825

* الشرح: قد تقدم ذكر تحريم صوم اليومين آنفًا (١). أما اشتمالُ الصَّمَّاء، فقال الفارسي في "مجمعه": تفسير الفقهاء: أنه يشتمل بثوب، ويرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه، فالنهيُ عنه لأ [نه] يؤدِّي إلى الكشف وظهور العورة، قال الفارسي: وهذا التفسير لا يُشعر به لفظُ الصماء، وقال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب جميع جسده؛ بحيث لا يترك فرجة يُخرج منها يدَه، [واللفظ مطابق لهذا المعنى] (٢). ق: والنهي عنه يحتمل وجهين:

стр. 1826

أحدهما: أن يخاف منه أن يدفع إلى حالة سادَّة لمتنفسه (١)، فيهلك (٢) عما تحته إذا لم يكن فيه فُرجة. والآخر: أنه إذا تخلل به، فلا يتمكن من الاحتراز إن أصابه شيء، أو نابه مؤذٍ، ولا يمكنه أنْ يتقيَه بيديه، لإدخاله إياهما تحت الثوب الذي اشتمل به (٣). وأما الاحتباء: فهو أن يجمع الرجل ظهرَه وساقيه بعِمامته، وقد يحتبي بيديه، أو بغير ذلك. وأما النهي عن الصلاة بعدَ الصبح، وبعد العصر، فالمراد بها: صلاة النافلة، وقد تقدم ذلك مستوعَبًا في حديث: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ" الحديث، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1827

الحديث الثامن ١٩٩ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" (١).

стр. 1828

* الشرح: ظاهرُه في الغزو والجهاد، ويحتمل أن يريد بسبيل اللَّه: طاعتَه؛ لأن كل ما يُتقرب به إلى اللَّه -تعالى- فهو في سبيل اللَّه، وكأنه عبَّر بذلك عن إخلاص النية وحسنِ القصد، وكأن الأول أظهرُ بالنسبة إلى العرف (١)، وإن كان قد جاء في بعض الأحاديث جعل الحج، أو سفره من سبيل اللَّه، فإن حملناه على الغزو، فلاجتماع العبادتين فيه، لكن قيل: يُحمل على مَنْ لم يتضرر بالصيام، ولا يفوِّت حقا، ولا يختل أمرُ قتاله ولا غيره من مهمات غزوه (٢). ومعنى المباعدة من النار: المعافاة منها -عافانا اللَّه منها (٣) بمنِّه وكرمه-. ومعنى سبعين خريفًا: سبعون عامًا؛ أي: مسيرةَ سبعين عامًا. ق: وإنما عبر بالخريف عن السنة؛ من جهة أن السنة لا يكون فيها إلا خريف واحد، فإذا مرَّ الخريف، فقد مرت السنة كلُّها، وكذلك لو عبر بسائر الفصول عن العام، كان سائغًا لهذا المعنى، إذ ليس في السنة إلا ربيعٌ واحد، ومصيف (٤) واحد. قال بعضهم: ولكن الخريف أولى بذلك؛ لأنه الفصل الذي

стр. 1829

تحصل (١) به نهايةُ ما بدأ في سائر الفصول؛ لأن الإزهار يبدو (٢) في الربيع، والثمار تتشكل (٣) صورُها في المصيف، وفيه يبدو نضجُها، ووقتُ الانتفاع بها أَكْلًا وتحصيلًا وادخارًا في الخريف، وهو المقصود منها، فكان فصل الخريف أولى بأن يُعبر به عن السنة من غيره (٤). قلت: إن سلَّمنا مناسبة هذا التعليل، فلنا أن نقول: فما وجهُ العدول عن التعبير بالسنة إلى لازمها الذي هو الخريف، والأصلُ التعبيرُ بالشيء لا بلازمه؟ والذي يظهر لي في ذلك -واللَّه أعلم-: أن السامع إذا سمع الخريف، تصور أن في كل سنة فصولًا أربعة، ولا كذلك إذا عبر بالسنة، إذ ربما ذهل عن تصور ذلك، والحديث إنما أُتي به في سياق الترغيب، فكان ذكرُ الخريف أنسبَ لذلك، واللَّه أعلم. ويجوز -أيضًا- أن يكون ﵊ عبر بذلك لما كان الخريف نصفُه الأول فيه الحر، إذ هو معاقِبٌ لفصل الصيف، ونصفُه الآخر فيه البرد، إذ كان يليه فصلُ الشتاء، ليتذكر العبد (٥) بذلك حرَّ النار وزمهريرَها، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 1830

باب ليلة القدر الحديث الأول (١) ٢٠٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ مِنَ السَّبع الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبع الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبع الأَوَاخِرِ" (٢).

стр. 1831

* الشرح: اختلف العلماء (١) لم سُميت ليلةَ القدر؟ فقيل: المعنى: أنها ليلةُ الشرف والمنزلة والفضيلة، فسماها بهذا؛ لنزول القرآن جملة إلى سماء الدنيا، وثباتِ خيرها ودوامِه، وهو معنى البركة في قوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] في الآية الأخرى. وقيل: لأنها ليلةُ تقديرِ الأمور وقضائِها؛ من قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]. وقيل: المراد بهذه الآية: ليلةُ النصف من شعبان. ع: ومعنى ذلك -واللَّه أعلم-: إظهارُ ما قَدَّره اللَّه -تعالى- في أَزَلهِ من ذلك لحَمَلةِ وحيه، وملائكةِ سمواته، ونفوذُ أمره بذلك لهم ووحيه، أو إظهارُ ما شاء (٢) من أفعاله الدالة على ذلك عندهم، وإلا فقَدَرُ اللَّه وسابقُ علمِه بالآجال والأرزاق، وقضاؤه بما كان ويكونُ

стр. 1832

لا أولَ له (١). وقيل: سماها ليلة القدر؛ لأنها يتنزل فيها من فضل اللَّه وخزائن مِنَنِهِ ما لا يُقدر قدرُه. قلت: وفي هذا التعليل الأخير عندي نظر. ثم اختلفوا في سر كونها خيرًا من ألف شهر، وتخصيصها بهذه المدة، فقيل: إن رسول اللَّه ﷺ ذَكَرَ رجلًا من بني إسرائيل حملَ السلاحَ في سبيل اللَّه ألفَ شهر، فعجب المؤمنون من ذلك، وتقاصَرَتْ إليهم أعمالُهم، فأُعْطُوا ليلة هي خيرٌ من مدة ذلك الغازي. وقيل: إن الرجل كان فيما مضى ما كان يقال له عابدٌ حتى يعبد اللَّه ألفَ شهر، فأُعطوا ليلة إن أَحْيَوها، كانوا أحقَّ بأن (٢) يسمَّوا عابدين من أولئك العباد (٣). وروى مالك في "موطئه": أن النبي ﷺ أُري أعمالَ الناس قبله، أو ما شاء اللَّه من ذلك، فكأنه (٤) تقاصرَ أعمارَ أمته أن لا يبلغوا من العمل مثلَ الذي بلغَ غيرُهم في طول العمر، فأعطاه اللَّه ليلةَ القدر خير من ألف شهر (٥).

стр. 1833

قلت: هذا أحدُ الأحاديث الأربعة الواقعة في "الموطأ" المطعونِ فيها، على ما نقله ابن بزيزة في "شرح الأحكام" لعبد الحق -رحمهما اللَّه-، وغيرُه. والثاني: قوله: "إِذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةً، ثُمَّ تَشَاءَمَتْ، فَتِلْكٌ عَيْنٌ غَدِيقَةٌ". والثالث: قوله: "إِنِّي لأَنْسى، أَوْ أُنَسَّى لأِسُنَّ". والرابع: قوله: أخبر معاذٌ، قال: آخرُ ما أَوصاني به رسولُ اللَّه ﷺ حينَ وضعتُ رِجْلي في الغَرْزِ، الحديث. وقد أُلحق بها: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ دخلَ يومَ الفتح مكةَ وعلى رأسِه المِغْفَرُ. وخالف في هذه الزيادة الأخيرة سائرُ أصحاب ابن شهاب. وقال ابن عبد البر: حديثُ مالك هذا -يعني: حديث ليلة القدر- لا يُحفظ مسنَدًا، ولا مرسَلًا -فيما علمت-، إلا من "الموطأ"، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي لا توجد مسندة ولا مرسلة من إرسال تابعي ثقة (١). قلت: قال الأفلنحي: والحديثُ وإن كان كما قاله أبو عمر، فينبغي أن يُعَوَّلَ عليه؛ لكونِ مالكٍ خَرَّجَه، وهو رئيسُ صناعة الحديث. وأما ما روى الترمذي وغيرُه: أن النبيَّ ﷺ أُري في منامه بني أمية

стр. 1834

يَنْزون على مِنبره نَزْوَ القِرَدَة (١)، فشقَّ ذلك عليه، فأَنزل اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١]، إلى قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ [القدر: ٣] مَلَكَها بنو أمية بعدَ ذلك، قال: فحسبناها، فوجدناها ألفَ شهر، لا تزيدُ يومًا، ولا تنقص يومًا (٢). فقال القاضي أبو بكر بن العربي في "قبسه": وهذا لا يصح، قال: والذي روى مالكٌ من أن النبيَّ ﷺ أُري تقاصُرَ أعمارِ أمته، أصحُّ وأولى، ولذلك أدخله؛ ليبين بذلك الفائدةَ فيه، ويدلَّ على بطلان هذا الحديث (٣). ثم اختلفوا في ميقات (٤) رجائها، فقيل: هو العام كله. قال ابنُ مسعود: مَنْ يَقُمِ الحولَ يُصِبْ ليلة القدر. والثاني: أنها في شهر رمضان؛ لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فجعله محلًا عامًا في لياليه وأيامه لنزول القرآن، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] فجعله خاصًا في ليلة القدر منه.

стр. 1835

فائدة: قال الزمخشري: قوله تعالى (١): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] عظَّم اللَّهُ القرآنَ فيها من ثلاثة أوجه: الأول: أنه أحالَ تنزيله إليه -تعالى- خصوصًا. الثاني: أنه أتى به مضمَرًا، لا مُظْهَرًا؛ تنبيهًا على أنه أنبَهُ (٢)، وقدرُه أعظمُ من أن يفتقرَ إلى إظهاره. الثالث: أنه رفع من مقدار الوقت الذي نزَّلَه فيه بسبب كونِهِ ظرفًا لنزوله (٣). الثالث من الأقوال: أنها ليلةُ سبعَ عشرةَ من رمضان، قاله ابن الزبير، ورواه ابن مسعود عن النبي ﷺ ، وإلى ذلك إشارة من كتاب اللَّه تعالى، وهي قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وذلك ليلة سبعة عشر من رمضان؛ قاله القاضي أبو بكر بن العربي. الرابع: أنها ليلةُ إحدى وعشرين؛ لرؤيا النبيِّ ﷺ أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، فكان ذلك فيها. الخامس: أنها ليلةُ ثلاثٍ وعشرين، وهي رواية عبدِ اللَّه بنِ أُنيس عن النبي ﷺ ، قال: وقد روى أهل التزهُّد: أن جماعة منهم سافروا

стр. 1836

في البحر في رمضان، فلما كانت ليلة ثلاث وعشرين، سقط أحدُهم من السفينة في البحر، فجرجرَ الماءَ في حلقه، فإذا به حلوٌ، وكان ما ينزل من السماء في تلك الليلة من البركة والرحمة يقلب المِلْحَ الأُجاج عَذْبًا، فما ظنك إذا وجد ذنبًا؛ وذلك قوله: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمانًا واحْتِسَابًا"، الحديثَ (١)، وإن قام الشهرَ كلَّه، فقد نالها، وإن اتفق أن يقوم فيه ليلةً، فصادَفَها، فقد نالَها. السادس: أنها ليلةُ خمسٍ وعشرين، وفي ذلك أثر. السابع: أنها ليلةُ سبع وعشرين، قاله أُبيٌّ، وقال: أخبرنا رسول اللَّه ﷺ بآية: أن الشمسَ تطلعُ في صبيحتها بيضاءَ لا شعاعَ لها (٢)، كأن الأنوارَ المفاضة في (٣) الخلق (٤) تلك الليلةَ تغلبها. وكان ابنُ عباس يحلف أنها ليلة سبعة وعشرين، وشرع في ذلك بإشارة عليها بنى الصوفية عَقْدَهم في كثير من الأدلة، فيقول: إذا

стр. 1837

عددْتَ حروفَ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر: ١] فقولُك: (هي) هو الحرف السابع والعشرون، ووافقه (١) في هذا الاستنباط أبيُّ بنُ كعب، وزاد -أيضًا- بأن قال: إن لفظة ليلة القدر تكررت في (٢) السورة ثلاثَ مرات (٣)، وهي تسعةُ أحرف، وتسعةٌ في ثلاثة سبعةً (٤) وعشرين، وروي هذا القول -أيضًا- عن ابن عباس ﵄. الثامن: أنها ليلة تسع وعشرين. التاسع: أنها في أشفاع هذه الأفراد، وادعت ذلك الأنصارُ في تفسير قوله ﵊: "في تَاسِعَةٍ تَبْقَى"، قالوا: هي ليلةُ عشرين، قالوا: نحن أعلمُ بالعدد منكم. العاشر: أنها تختص بأوتار العشر. الحادي عشر: أنها في ثلاث وعشرين، أو سبع وعشرين، وهو قول ابن عباس أيضًا. الثاني عشر: أنها تُطلب في ليلة سبعَ عشرةَ، أو إحدى وعشرين، وهو قولٌ محكيٌّ عن بلالٍ، وابنِ عباس، والحسنِ، وقَتادةَ (٥).

стр. 1838

الثالث عشر: أنها آخرُ ليلة من الشهر (١). الرابع عشر: أنها تدور في السنة، وقيل: بل تدور في شهر رمضان من السنة، وقيل: لا تدور أصلًا، بل هي ليلة معينة عند اللَّه -تعالى- مخصوصة بالعشر الأواخر من رمضان، غير معينة عند الناس. ومن أعجب الأقوال قولُ أبي حنيفة: أنها رفعت؛ تمسُّكًا منه بظاهر قوله ﵊: "فتلَاحَى رَجُلَانِ، فَرُفِعَتْ"، وإنما المقصود: رفعُ تعيينها (٢)، لا وجودها، وهو مقتضى السياق؛ بدليل أمرِه ﵊ بالتماسِها، والتماسُ المرتفع محالٌ، وقد قال ﷺ : "فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُم، الْتَمِسُوهَا في السَّبْعِ والتِّسْعِ"، هكذا هو في أول "صحيح البخاري" (٣)، والذي عليه الجمهورُ من أهل العلم أنها مخصوصةٌ برمضانَ في كل سنة. وقيل: إنها مخصوصةٌ برمضان بعينه، كان في ذلك الزمن، وهو باطل لا دليل عليه. قال ابن بزيزة: والصحيح -واللَّه أعلم- أن هذه الليلة أُخفيت عن الخلق؛ ليجتهدوا في العشر.

стр. 1839

قلت: فهي كالساعة في يوم الجمعة، وكالصلاة الوسطى، وكاسم اللَّه الأعظم؛ على القول بذلك، وكما أخفى -تعالى- رضاه في طاعته، وغضبَه في معصيته، ووليَّه في خلقه؛ كما في الحديث. وقوله ﵊: "أَرى رؤياكم قد تواطَأَتْ"؛ أي: توافَقَتْ، هو بهمزة بعد الطاء؛ من قوله -تعالى-: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]. فيه: دليل على اعتبار الرؤيا، والاستناد إليها في الأمور الوجوديات، وما لا يخالف القواعد الكلية من غيرها. ق: وقد تكلم الفقهاء فيما لو رأى النبيَّ ﷺ في الرؤيا، وأمره بأمر، هل يلزم ذلك؟ فقيل فيه: إن ذلك إما أن يكون مخالفًا لما ثبتَ عنه ﷺ من الأحكام في اليقظة، أو لا، فإن كان مخالفًا، عملَ بما ثبتَ (١) في اليقظة؛ لأنا وإن قلنا: إن من رأى النبي ﷺ على الوجه المنقول (٢) من صفته، فرؤياه حَقٌّ، فهذا من قَبيل تعارُض الدليلين، والعملِ بأرجَحِهما، وما ثبتَ في اليقظة فهو أرجحُ. قلت: لقائل أن يقول: ليس هذا من باب تعارضُ الدليلين؛ إذ النسخُ لا يُتصور بعدَه ﵊ في منامٍ ولا يقظة، وإنما

стр. 1840

يقال: تعارَضَ الدليلان: إذا تساويا في الأصل، ولا مساواة هاهنا، لما ذكرناه، فاعرفه (١). ثم قال: فإن كان غيرَ مخالف لما ثبتَ في اليقظة، ففيه خلاف (٢). قلت: ولم أدرِ كيف يتصور الخلافُ مع ذلك مع عدم المخالفة، ألا ترى أنه لو قال ﵊ لراءٍ رآه في منامه: حافظْ على الصلوات، وأَدِّ الزكاة، ونحو ذلك مما تقرر في الشريعة، هل يُتصور الخلافُ في ذلك، أو يعقل؟ إلا أن يريد: أنه ﵊ أمره بشيء لم يتقرر له حكمُ الشرع، فهذا محتمل، واللَّه أعلم. ثم قال: والاستنادُ إلى الرؤيا (٣) هاهنا في أمر ثبتَ استحبابُه مطلقًا، وهو طلبُ ليلة القدر، وإنما ترجَّحَ السبعُ الأواخر بسبب المرائي الدالة على كونها في السبع الأواخر، وهو استدلال على أمر وجودي لزمَه استحبابٌ شرعيٌّ مخصوص بالتأكيد بالنسبة إلى هذه الليالي، مع كونه غيرَ منافٍ للقاعدة الكلية الثابتة من استحباب طلب ليلة القدر (٤). وقوله ﵊: "فليتحَرَّها"؛ أي: ليحرِصْ على طلبها، وليجتهدْ فيه، واللَّه أعلم.

стр. 1841

الحديث الثاني ٢٠١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في لَيَالِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ" (١) (٢).

стр. 1842

الحديث الثالث ٢٠٢ - عَنْ أبَي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتكَفَ عَامًا، حَتَّى إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِي اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: "مَنِ اعْتكَفَ مَعِي، فَلْيَعْتكِفِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَقَدْ أُرِيتُ (١) هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأيتُنِي أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ، فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ،

стр. 1843

وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ"، فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكانَ المَسْجدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ المَسْجدُ، فَاَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبْهَتِهِ أثَرُ المَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشِرينَ (١).

стр. 1844

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: يقال: العشر الأوسط، والوُسَط -بضم الواو-، وهكذا رأيته بخط ابن عصفور النَّحْوي ﵀، أعني: الوُسَط، ووجهُه: أن العشرَ اسمٌ لمجموع الليالي العشر، فهو كالأُخَر في جمع أخرى، ووجهُ الأوسط: إرادةُ انقسام الشهر إلى ثلاثةِ أعشار، والأولُ كأنه الأصل، واللَّه أعلم (١). الثاني: قوله: "من رمضان" فيه: استعمال رمضان من غير ذكر الشهر، على ما تقدم استيعابهُ. الثالث: قوله (٢): "فاعتكفَ عامًا"، سُميت السنة عامًا؛ لأنه مصدرُ عامَ: إذا سبحَ، يعوم عَوْمًا وعامًا، فالإنسانُ يعومُ في دنياه على الأرض طولَ حياته حتى يأتيَه الموتُ، فيغرقُ فيها، وكأنَّ (٣) استعمالَ العام أولى من السنة، فإن السنة عندَهم قد تكون عَلَمًا عندهم على الجُدُوبة والقحط، يقال: أَسْنَتَ القومُ: إذا أصابتهم الجدوبةُ، يقلبون الواو تاء، أو (٤) ليس بقياس في مثل هذا، واللَّه أعلم. الرابع: العريش: ما يُستظل به، وكأنه بناءٌ من خشب، والعريش

стр. 1845

-أيضًا-: عريشُ الكَرْم، والعريشُ: شبهُ الهودج، وليس به، يتخذ ذلك للمرأة تقعدُ فيه على بعيرها، والعريش -أيضًا-: خيمة من خشب وثُمام، والجمعُ عُرُشُ؛ مثل: قَليب وقُلُب. قال الجوهري: ومنه قيل لبيوت مكة: العُرُش؛ لأنها عيدان تُنصب ويُظلل عليها، وفي الحديث: "تَمَتَّعْنا معَ رسولِ اللَّه ﷺ وفلانٌ كافرٌ بالعُرُش" (١)، ومن قال: عُروش، واحدُها عَرْش؛ مثل فَلْس وفُلوس، ومنه الحديث: كان ابنُ عمر يقطع التلبيةَ إذا نظر إلى عُروش مكة (٢)، وأما العُرش -بضم العين- فهو أحدُ عُرْشَي العنق، وهما لحمتان (٣) مستطيلتان في ناحيتي العنق، أنشد الأصمعي: وَعْبدُ يَغُوثَ يَحْجُلُ (٤) الطَّيْرُ حَوْلَهُ ... قَدِ اهْتَزَّ عُرْشَيهِ الحُسَامُ المُذَكَّرُ ويروى: قَدِ اهْتَدَّ (٥).

стр. 1846

الخامس: الوُكوف: القَطْرُ، يقال: وَكَفَ يَكِفُ وَكْفًا و (١) وُكُوفًا: إذا قَطَرَ، ووَكَفَ الدمعُ وَكِيفًا ووَكفانًا ووَكْفًا؛ بمعنى: قَطَر (٢). السادس: سجودُه ﵊ في الماء والطين، وعلوقُ الطين بجبهته ﵊، ولم يمنعْه ذلك من صحة السجود؛ دليلٌ لمذهب مالك ﵀ في صحةِ صلاةِ منْ سجدَ على الطاق والطاقتين من عِمامته، وهو الكَور -بفتح الكاف-، وإن كان تعمُّدُ ذلك مكروهًا. والشافعية يشترطون مباشرةَ الأرض بالجبهة، والحديثُ دليل عليهم، وبيانُه: إذا سجدَ في الماء والطين، ففي السجود الأول تعلقُ الطين بالجبهة، فإذا سجد ثانيًا، كان ما علق بالجبهة في السجود الأول حائلًا في السجود الثاني عن مباشرة الجبهة بالأرض، ويبعد أن يكون مسح جبهته ﵊ من الأول، ثم سجد (٣) بُعدًا شديدًا (٤). السابع: قوله: "وهي الليلة التي يخرجُ من صَبيحتها من اعتكافِه"، وقوله في آخر الحديث: "فرأيتُ أثرَ الماء والطين على جبهته من صُبْح إحدى وعشرين": نُقل عن بعض أهلِ الظاهر من المحدثين: أن

стр. 1847

ليلةَ اليوم هي الآتيةُ بعدَه، والصحيحُ المشهور: أنها السابقةُ قبلَه، فلهذا الخلاف تعلق بهذه المسألة (١). فائدة: يقال: فعلنا الليلة كذا: من طلوع الفجر ما لم تَزُلِ الشمسُ، فإذا زالتْ، قيل: فعلنا البارِحَةَ، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1848

باب الاعتكاف الحديث الأول ٢٠٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتكِفُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، ثُمَّ اعْتكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ (١). وَفي لَفْظٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ، جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتكَفَ فِيهِ (٢).

стр. 1849

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: في حقيقة الاعتكاف لغةً: وهو الثبوتُ، واللزومُ، والاحتباسُ، والإقامةُ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧]؛ أي: مقيمًا ملازمًا، وقال تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]؛ أي: محبوسًا ملزومًا، وقال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ أي: ثابتون ملازِمون. وخصَّ الشرعُ هذه الأمةَ بصفاتٍ لا تصحُّ (١) أن تكون اعتكافًا شرعيًا وإقامةَ عبادة إلا بها، ويجمعها أن يقال: الاعتكافُ الشرعي: لزومُ المسلم (٢) المميزِ المسجدَ للعبادةِ، صائمًا، كافًّا عن الجِماع ومقدِّماته، يومًا فما فوقه، فيصحُّ من الصبي، والمرأة، والرقيق (٣).

стр. 1850

وخالف الشافعيُّ و (١) أصحابه في اشتراط الصيام فيه، واحتج بوجهين: أحدهما: إيقاعه في رمضان؛ والثاني: بقول عمر: يا رسول اللَّه! إني نذرتُ اعتكافَ ليلةٍ في الجاهلية، فقال النبيُّ ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" (٢). والجواب عن الأول: أنَّا لم نشترط أن يكون الصومُ للاعتكاف، ولكن (٣) نقول: من شرطِ الاعتكاف ألا يصحَّ إلا مع وجود الصوم، كان رمضان، أو غيره من الصيام. وعن الثاني: أنه قد جاء في الرواية الأخرى: "إني نذرتُ يومًا وليلةً". وجوابٌ آخَرُ وهو أن العرب تُعبر بالليلة عن اليوم والليلة، ولذلك قالوا: صُمنا معَ رسول اللَّه ﷺ تسعًا وعشرين أكثرَ مما صُمْنا معه ثلاثين، فعبروا بالليالي عن الأيام، وقال ﵊: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ" (٤)، وهو كثير، بل باب التاريخ كله كذلك -أعني: الاستغناء بالليالي عن الأيام-، وقال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قال مالك: فخاطب به الصائمين.

стр. 1851

ع: ولم يأت أنه ﵊ اعتكفَ إلا وهو صائمٌ، ولأنه عملُ أهلِ المدينة؛ كما ذَكَرَ مالكٌ في "موطئه"، وهو مذهب جمهور العلماء (١). ومن جهة المعنى: أن الاعتكافَ هو ملازمةُ المسجد بالنية -على ما تقدم-، والنيةُ تقطعُ قلبَه عن الدنيا وعلائِقِها، والمسجدُ يمنع بدنَه عن الاشتغال بأشغالها؛ لأن المساجد بيوتٌ أذنَ اللَّه أن تُرفع وُيذكر فيها اسمه، ليس فيها عملٌ في غيره، فلا يجوز له أن يعمل من الدنيا إلا ضرورة (٢) الآدمية، وهي الطعام والشراب، وما لهما، فيمنع من الأكل نهارًا؛ لأنه أحد الأسباب المنقطعة عن الدنيا، ألا ترى أنه مُنع من الخروج إلا لحاجة الإنسان، أو لتحصيل القوت؟ قال ابن العربي: ومنعَه مالكٌ ﵀ تفطُّنًا لهذه الدقيقة من قراءة العلم؛ لأنه من أسباب الدنيا، وقَصَرَه على الذكر المجرَّد، وقال غيرهُ من العلماء: يقرأ (٣) العلمَ إذا خلصتْ له النيةُ للَّه . قال: وبه أقول (٤). وأما النية: فلا خلافَ فيها؛ لكونه عبادة، ومحلُّه المسجد مطلقًا.

стр. 1852

وذهب حذيفةُ، وسعيد بن المسيب: إلى أنه لا يصحُّ إلا في أحد المساجد الثلاثة؛ المسجدِ الحرام، ومسجدِ المدينة، ومسجدِ بيت المقدس. وقال الزهري: لا يكون إلا في الجامع. قلت: إن كان ممن تلزمه الجمعةُ، ونذرَ اعتكافَ أيام تدخل فيها الجمعةُ، فمشهورُ مذهبِ مالكِ: ما قاله الزهريُّ، وهو قول الشافعي، والكوفيين، وغيرهم. ع (١): و (٢) ذهب جماعةٌ من السلف: إلى أنه لا يعتكف إلا في مسجد تُجمع فيه الجمعةُ، وروي عن (٣) مالك، زاد في رواية ابن عبد الحكم: أو في رحابه التي تُجمع فيها الجمعة. وقال الكوفيون: ولا يعتكف (٤) النساء إلا في بيوتهنَّ. وقال ابنُ لُبابةَ من المتأخرين من أصحابنا: يجوز للجميع في غير مسجد، ولا صومٍ (٥). قلت: وظاهرُ قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]

стр. 1853

حجةٌ للجمهور في تعميم المساجد، وحجةٌ على ابن لبابة في عدم اشتراط المسجدِ والصومِ، على ما تقدم. والحديث -أيضًا- يردُّ عليه؛ من حيث إن المسجد قُصِدَ لذلك، مع ما فيه من مخالفة العادة في الاختلاط (١) بالناس في المسجد، وتحمل المشقة في الخروج لعوارض الخِلْقة. ولا خلاف أنه لا حدَّ لأكثرِه لمن نذره، واستحب أن يكون أقلُّه عشرةُ أيام؛ اقتداءً بالنبي ﷺ . وعن مالك فيمن نذر اعتكافًا مبهمًا روايتان: يوم وليلة، وعشرةُ أيام (٢) (٣). الثاني: فيه: استحباب الاعتكاف مطلقًا للرجال والنساء؛ لقولها: "ثم اعتكفَ أزواجُه من بعده"، واستحبابُه في رمضان بخصوصه، وفي العشر (٤) الأواخر بخصوصها، ولفظُ الحديث يُشعر بالمداومة، وقد صرح بذلك في رواية: "في كُلِّ رمضانَ"، وعملُ أزواجه من بعده -أيضًا (٥) - يؤكده.

стр. 1854

الثالث: قولها: "فإذا صلَّى الغداةَ، جاء مكانَه الذي اعتكفَ فيه" لا بد من تأويله، فإن الجمهور على استحباب دخولِ المعتكف قبلَ غروب الشمس لمن أراد اعتكاف العشر، فظاهر هذا يقتضي دخولَه قبل طلوعها، وقد أُوِّلَ على تقدم اعتكافه ﵊، وأن دخوله بعد صلاة الغداة للانفراد عن الناس بعدَ الاجتماع بهم (١) في الصلاة، لا أنه كان ابتداء دخول المعتكَف، ويكون المراد بالمعتَكَف هنا: الموضعَ الذي خَصَّه بالاعتكاف، وهيأه له؛ كما جاء: أنه ﵊ اعتكفَ في وقته، وكما جاء: أن أزواجه ﵅ ضربن أخبيةً (٢). وأخذ بظاهره الأوزاعي، والثوري، والليثُ في أحد قوليه. وقال أبو ثور: يفعل هذا مَنْ نذرَ عشرةَ أيام، فإن زاد عليها، فقبلَ غروب الشمس من الليلة. وقال مالك: لا يدخل اعتكافَه إلا قبل غروب الشمس، وقاله أحمد، ووافقهما الشافعي، وأبو حنيفة، وأبو ثور في الشهر، واختلفوا في الأيام، فقال الشافعي: يدخل فيها قبل طلوع الفجر، وبه (٣) قال القاضي أبو محمد عبدُ الوهاب في الأيام، وفي الشهر.

стр. 1855

وقال عبد الملك: لا يُعتد بذلك اليوم (١). وسبب هذا الاختلاف: هل أولُ ليلةِ أيامِ الاعتكاف داخلةٌ فيها، أم لا تدخل، وأن اليوم هو المقصودُ بالاعتكاف، والليل تابعٌ له؛ قولان، ومن قال بالأول، تأوله على ما تقدم آنفًا. مسألة: الاعتكافُ على قسمين: نذر، وتطوُّع. والنذر قسمان: معين، وغير معين. فالمعين: يلزمه بتعيينه (٢)، فإن كان في رمضان، لزم قضاؤه، وإن كان في غير رمضان، فهل يقضيه، أم لا؟ في المذهب قولان. وغير المتعين (٣): لا يتقيد بالزمان، ويتقيد بالصوم والمكان. مسألة: اختلف العلماء في العمل الذي يخصُّ الاعتكافَ، فقيل: كلُّ عملٍ من أعمالِ البِرِّ مما يتعلَّق بالآخرة، القاصرةُ والمتعديةُ في ذلك سواء، مع الكَفِّ عن الجِماع ومقدِّماته. وقال ابن القاسم: قراءة القرآن، وذكر اللَّه تعالى، والصلاة، ونحو ذلك. وقال غيره: وقراءة العلم، ويجوز له أن يأمر ببعض شؤونه، وما فيه مصلحةُ معاشه، ولا بأس أن يعقد النكاح، وأن يتطيب؛ بخلافِ

стр. 1856

المحرمِ فيهما، ويخرج لحاجة الإنسان، ولشراء طعامه وشرابه إن احتاج إلى ذلك، ولم يجد مَنْ يكفيه، ولغُسْلِ جُمعته؛ بخلاف عيادة المرضى، وصلاة الجنائز، والحكومة، وأداء الشهادة، فإن كان ذلك في المسجد، وقلَّ الاشتغال به، ففي المذهب قولان: قال ابن بزيزة: وصح عن سعيد بن جبير، وقتادة والحسن بن حُيَيٍّ، والثوريِّ، وعطاءٍ، والنخعيِّ: أن المعتكف يشهد الجنائز، ويعودُ المرضى إذا اشترط ذلك حين عقد الاعتكاف. وقال مجاهد، وعطاء -أيضًا-، والزهريُّ، والليثُ، وغيرُهم: لا يعود المرضى، ولا يشهد الجنائز (١). وقال أبو حنيفة: إن خرج لعيادة المريض، أو للجنازة، بَطَلَ اعتكافُه. وقال صاحباه محمدٌ وأبو يوسفَ: له أن يخرج لشهود الجنازة، وعيادة المرضى، وغير ذلك، فإن كان مقدارُ لبثِه لذلك نصفَ يوم فأقلَّ، فاعتكافُه صحيح، وإن كان أكثرَ من ذلك، بَطَلَ اعتكافه. قلت: ليت شعري! من أين أخذ هذا التحديد الذي لا دليلَ عليه، ولا معنًى يرشد إليه؟! (٢)

стр. 1857

قال ابن بزيزة: اختلفوا: هل يخرجُ لرفع شهادةٍ حملها، أم لا؟ والصحيح: أنه إن تَعَيَّنَ وقتُها، واضطرَّ الأمر فيها، وجبَ رفعُها، ورجع إلى اعتكافه. ومن أهل العلم مَنْ أجاز له الخياطةَ، والعملَ القليل؟ كالنسخِ، والبيع والشراء، والخصام من الحق القريب، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وداود. مسألة: هل يبطل الاعتكاف بالقُبلة والمباشَرة؟ اختلف العلماء. فقال أبو حنيفة: لا يُبطل الاعتكافَ مباشرةٌ ولا قبلةٌ، إلا أن يُنْزِلَ. وقال مالك: يبطل الاعتكافُ بذلك. وللشافعيِّ في ذلك قولان. وقال بعضُ الظاهرية: يبطل الاعتكافُ بمباشرة أحدِ الزوجين صاحبَه، إلا في ترجيل الشعر؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، واختص ترجيل الشعر بحديث عائشة. وقال ابن لبابةَ من المالكية، وغيرُه: تحرم المباشرةُ في المسجد،

стр. 1858

وأما في غير المسجد، فلا. وهذا دليلٌ على أن المسجدَ ليس بشرطٍ عنده في الاعتكاف شرعًا. واستيعابُ أحكامِ الاعتكاف في كتب الفقه (١). * * *

стр. 1859

الحديث الثاني ٢٠٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ، وَهُوَ مُعْتكِفٌ فِي المَسْجدِ، وَهِيَ في حُجْرتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ (١). وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الإنْسَانِ (٢). وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: إنْ (٣) كُنْتُ لأَدْخُلُ البَيْتَ لِلْحَاجَةِ،

стр. 1860

وَالمَرِيضُ فيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلَّا وَأَنا مَارَّةٌ (١). * * * التَّرْجيل: تَسْرِيحُ الشعر. قال ابن السِّكِّيت: شَعْرٌ رَجَلٌ، ورَجِلٌ: إذا لم يكن شديدَ الجعودة، ولا سَبِطًا (٢)، تقول منه: رَجَّلَ شعرَه تَرْجيلًا (٣).
следующие страницы →