بحديث بلال ﵁ المخرج في «البخاري» (١): أنه كان متى توضأ، صلى، وقال: إنه أرجى عمل له (٢)، (٣).
وأما مذهبنا: فلا يتنفل في أوقات النهي مطلقًا، وليست هاتان الركعتان بعد الوضوء عندنا (٤) معدودة في جملة السنن، وإنما يستحب ذلك في غير أوقات النهي، وأما حديث بلال ﵁، فيجوز أن يكون ذلك مخصوصا بغير أوقات النهي، كما نقوله، وليس ذلك بأول عام خص بدليل، ويكون ذلك جمعا (٥) بين حديثه، وحديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي؛ إذ ذاك أولى من إلغاء أحد الحديثين، والله أعلم.
الثالث عشر: قوله: «لا يحدث فيهما نفسه»: فيه (٦) إثبات حديث النفس، وهو مذهب أهل الحق، والمراد بحديث النفس هنا:
стр. 212
ما يكون من كسب العبد، واجتلابه له، يشهد لذلك إسناد الفعل إليه (١) في قوله: «يحدث فيهما نفسه»؛ فإنه يقتضي تكسبا منه.
وأما الخواطر التي ليست من جنس مقدور العبد، فليست داخلة في هذا الحديث، والله أعلم.
وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر، حتى لو كان كفرا - والعياذ بالله-، وهذا كله فيما كان من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة؛ إذ لا بد من حديث النفس فيما يتعلق بالآخرة من معاني المتلو، والدعوات، والأذكار، وغير ذلك.
ق: ولا يريد بما (٢) يتعلق بأمر الآخرة كل أمر محمود أو مندوب إليه؛ فإن كثيرا من ذلك لا يتعلق بأمر الصلاة، وإدخاله (٣) فيها أجنبي عنها، وقد ورد عن عمر ﵁: أنه قال: إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة (٤)، أو كما قال، وهذه قربة، إلا أنها أجنبية عن مقصود الصلاة، انتهى (٥).
стр. 213
ونقل ع (١) عن بعضهم: أن هذا الذي يكون من غير قصد يرجى أن تقبل معه الصلاة، ويكون دون صلاة من لم (٢) يحدث نفسه بشيء؛ لأن النبي ﷺ إنما ضمن الغفران لمراعي ذلك؛ لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس، وإنما حصلت له هذه المرتبة؛ بمجاهدة نفسه من خطرات الشيطان، ونفيها عنه، ومحافظته عليها، حتى لم يشتغل عنها طرفة عين، وسلم من الشيطان باجتهاده، وتفريغه قلبه (٣).
ولم يرتض هذا.
ح: وأشار إلى معنى (٤) ما قدمته، وأن هذه الفضيلة تحصل مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرة (٥)، حتى قال: وهو الصواب (٦).
قلت: وانظر إذا تعمد حديث النفس، وتشاغل بذلك جدا (٧) والحالة هذه، وقلنا: لا يحصل له (٨) الغفران، هل تكون صلاته مع ذلك صحيحة، أو يكون ذلك مبطلاً لها، فرضا كانت أو نفلاً، أو
стр. 214
يفرق في ذلك (١) بين القليل والكثير؟ فإني لم أقف على نص صريح في ذلك لأصحابنا.
لكن ذكر القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ في مسألة النية ما ظاهره البطلان، ولفظه: إن عزبت بأمر خطر في الصلاة، أو سبب عارض، لم يضر، وإن كانت بأسباب متقدمة قد لزمت العبد؛ من الانهماك في الدنيا، والتعلق بعلائقها الزائدة، والتشبث بفضولها، فيقوى ترك الإعداد (٢) بالصلاة؛ لأن ذلك واقع باختياره (٣).
الرابع عشر: هل يدخل في هذا الغفران الكبائر، أو ذلك مختص بالصغائر؟
ق: ظاهره العموم في جميع الذنوب، وقد خصوا مثله بالصغائر، وقالوا: إن الكبائر إنما تكفر بالتوبة، وكان المستند في ذلك: أنه ورد مقيدا في مواضع؛ كقوله ﷺ : «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن (٤) ما اجتنبت الكبائر» (٥)،
стр. 215
فجعلوا (١) هذا القيد في هذه الأمور مقيدا للمطلق في غيرها (٢).
ح: ومعنى ذلك: أن الذنوب كلها تغفر، إلا الكبائر، فأنها لا تغفر، وليس المراد: أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة، فإن كانت (٣)، لا يغفر شيء من الصغائر؛ فإن (٤) هذا، وإن كان محتملاً، فسياق الأحاديث يأباه (٥).
ع: هذا المذكور في الحديث (٦)؛ من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وهو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما (٧) تكفّر بالتوبة، ورحمة الله تعالى، والله أعلم (٨).
وقد يقال: إذا كفَّر الوضوء، فماذا تكفّر الصلاة؟ وإذا كفّرت الصلاة فماذا تكفّر الجمعات ورمضان؟ وكذلك صوم يوم عرفة كفارة سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق (٩) تأمينه تأمين الملائكة
стр. 216
غفر له ما تقدم من ذنبه؟
والجواب ما أجاب به العلماء: إن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر، كفّره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة، كُتبت به حسنات، ورفعت به درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر، ولم يصادف صغيرة، رجونا أن يخفف من الكبائر، والله أعلم (١).
* * *
التَّوْرُ: شِبْهُ الطَّسْتِ.
* * *
* التعريف:
عمرو بن يحيى بن عُمارة (١) بن أبي حسن المازني الأنصاري، المدني.
سمع أباه، وعباد بن تميم، وعباس (٢) بن سهل، وسعيد بن يسار، ومحمد بن يحيى بن حبان، ومحمد بن عمرو بن عطاء.
روى عنه: يحيى بن سعيد (٣) الأنصاري، ومالك بن أنس، ووهيب (٤) بن خالد بن عبد الله، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز الدراوردي، ويحيى بن أبي كثير، وزيادة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة بن
стр. 220
عبد العزيز بن المختار.
مات في الأربعين ومئة، أخرج له في «الصحيحين» (١)(٢).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله: «فدعا بتور»؛ أي: طلبه، والتور -بالتاء المثناة فوق-: لفظ مشترك يقع على الطست - بفتح الطاء، وكسرها -، والطسُّ -بحذف التاء (٣) وتشديد السين المهملة-، وَالطَّسَّةِ -أيضا -.
وفي «الصحاح»: التور: إناء يشرب فيه، والتور: الرسول بين القوم (٤)، فهو مشترك بين هذين.
стр. 221
وقوله: «من ماء»: الظاهر أنه من باب تسمية الشيء بما يجاوره، كالراوية، و (من) هنا لبيان الجنس، لا تحتمل غير ذلك، والله أعلم.
الثاني: قوله: «فتوضأ لهم وضوء رسول الله ﷺ »، تقديره: وضوءًا نحو وضوء رسول الله ﷺ .
فحذف المصدر وصفته، وهو المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وهذا من باب المبالغة في التشبيه، من باب قولهم: زيد أسد، والله أعلم.
الثالث: قوله: «فأكفأ (١) على يديه»؛ أي: قلب وصب.
قال الجوهري: كفأت الإناء: قلبته، وكببته، فهو مكفوء، وزعم ابن الأعرابي: أن أكفأته لغة (٢).
فيه: استحباب غسل اليدين لغير المستيقظ.
وفيه: جواز الوضوء من آنية الصفر، والطهارة جائزة بكل إناء طاهر ما عدا الذهب والفضة؛ لثبوت النهي عن الأكل والشرب فيهما، وقيس الوضوء على ذلك، وسائر الاستعمالات.
قوله: «فغسل يديه ثلاثًا، فمضمض»: قد تقدم الكلام على غسل اليدين مستوعبا في حديث: «إذا استيقظ (٣) أحدكم من نومه».
стр. 222
وقوله: «فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات»: تقدم - أيضا - الكلام على حد (١) المضمضة والاستنشاق، وذكر الخلاف في أحكامهما، والكلام هاهنا في كيفيتهما فصلاً وجمعا.
وقد اختلف في الأفضل من ذلك، فمذهبنا: أن التفريق أفضل؛ لما في «أبي داود» أنه ﵊ فصل بين المضمضة والاستنشاق (٢)، ولأنهما عضوان متعددان، فيتعدد الماء لهما كبقية الأعضاء.
قال الإمام أبو عبد الله المازري: قيل: المختار أن يغسل الفم ثلاثًا بثلاث غرفات، ثم الأنف بعده كذلك، وقيل: يغسلان ثلاث مرات من غرفة واحدة؛ لأنهما كعضو واحد.
وقيل: يجمعان في كل غرفة؛ لأنهما كالعضو الواحد، فيتكرر فيه أخذ الماء.
قلت: وهو الأصح عند الشافعية (٣)، وهو ظاهر الحديث، والله أعلم.
стр. 223
السادس: قوله: «ثم غسل وجهه»: تقدم الكلام على حد الوجه وحقيقته.
وقوله: «ثم أدخل يده مرتين إلى المرفقين»: هذه إحدى الروايات المتقدم ذكرها، وفيه حذف؛ أي: فغسلهما مرتين، فالعامل في مرتين: أدخل، و (إلى) متعلقة بالمحذوف، والله أعلم.
السابع: قوله: «ثم أدخل يديه، فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة» دليل لمالك ﵁ على عدم استحباب تكرار المسح -كما تقدم-، وبذلك قال أبو حنيفة، وأحمد في المشهور عنهما -كما تقدم أيضا -، ودليلهم: ما جاء في الصحيح من اقتصاره ﷺ على المرة الواحدة.
قال الشيخان ح، ق، ما (١) معناه: أن المسح ورد في بعض الروايات مطلقًا، وفي بعضها مقيدا بمرة واحدة (٢).
قلت: فيتعين حمل المطلق على المقيد، فلا تكرار، ومن جهة المعنى: أن المسح مبني على التخفيف، والتكرار ثقيل، ولا (٣) يناسبه،
стр. 224
ولا يحسن قياسه على بقية الأعضاء المغسولة؛ لتغاير الحقيقتين.
استدل الشافعي ﵀ بحديث عثمان ﵁: أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثا (١)، وبما رواه أبو داود في «سننه»: أنه (٢) ﷺ توضأ ثلاثًا (٣)، وبالقياس على سائر الأعضاء.
وأجاب عن حديث المسح مرة واحدة: بأن ذلك لبيان الجواز.
والجواب عن حديث عثمان ﵁: أن نقول: ليس فيه دليل بَيِّنٌ لجواز تغليب أكثر الأعضاء على أقلها، وهو الرأس؛ إذ لا يمتنع في لسان العرب أن يقال (٤): جاءني القوم ثلاثة ثلاثة، أو غير ذلك من الأعداد، وقد جاء الواحد منهم، أو الاثنان على (٥) غير هذه الهيئة؛ تغليبا للأكثر منهم على الأقل، وإذا احتمل ذلك، سقط الاستدلال به (٦)، لا سيما والاحتمال قوي؛ بدليل مجيء الأحاديث الصحيحة بمرة واحدة نصا صريحا، مع ذكر العدد في المغسولات، فتعين أن يكون مراد الراوي ثلاثا ثلاثا: في المغسولات خاصة؛ دفعا للتعارض.
وأما حديث أبي داود، فمعارض بأحاديث مسلم، والبخاري،
стр. 225
وأحاديثهما تترجح من وجهين:
أحدهما: اشتراط الصحة.
والثاني: تعداد الرواة، وذلك صالح للترجيح عند المعارضة.
وأما قياس الممسوح على المغسول: فقد تقدم أنه لا يحسن؛ لتنافي الحقيقتين، ولا يقال: إن المسح مرة واحدة لبيان الجواز؛ لأنا نقول: القول كاف في ذلك.
فإن قالوا: الفعل أوقع، قلنا (١): مسّلم، ولكن لم (٢) لا يكتفى في بيان الجواز بمرة واحدة، ورواية (٣) التثليث نادرة بالنسبة إلى رواية الإفراد -على ما تقدم-، فرواية التثليث - إن صحت - كانت هي أولى بأن يقال فيها: إنها لبيان الجواز؛ لندورها، وكثرة غيرها، والله
أعلم (٤).
وقوله: «فأقبل بهما وأدبر»: اختلف (٥) في كيفية هذا الإقبال والإدبار، فذهب مالك والشافعي: أنه يبدأ بمقدم الرأس، ويذهب إلى القفا، ثم يردهما إلى حيث بدأ، وهو مبتدأ الشعر من حد الوجه، وعلى
стр. 226
هذا يدل ظاهر الحديث، إلا أنه استشكل من حيث إن هذه الصفة تقتضي: أنه أدبر بهما وأقبل؛ لأن ذهابه إلى جهة القفا إدبار، ورجوعه إلى جهة الوجه إقبال.
وأجيب عنه: بأن الواو لا ترتب، والمراد: أدبر بهما، وأقبل، ولكن ابتدأ بذكر الإقبال تفاؤلاً (١).
قلت: وعكس هذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢]، والمراد: على ما (٢) قيل: ثم أقبل يسعى، كما تقول: أقبل فلان يفعل كذا، بمعنى: أنشأ يفعل، فوضع أدبر موضع أقبل؛ لئلا يوصف بالإقبال؛ قاله الزمخشري في «تفسيره» (٣).
وجواب آخر (٤): وهو أن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية، أعني: أنه ينسب إلى ما يقبل إليه، ويدبر عنه، والمؤخر محل يمكن أن ينسب الإقبال إليه، والإدبار عنه. وهو معنى كلام عبد الحق في «النكت».
وذهب بعض الناس إلى أنه يبدأ بالناصية، ويذهب إلى ناحية الوجه، ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأس، ثم يعود إلى ما بدأ منه،
стр. 227
وهو الناصية؛ محافظةً على قوله (١): «بدأ بمقدم رأسه» (٢)، فإن الناصية مقدم الرأس، ويصدق عليه أنه أقبل -أيضا-، فإنه ذهب إلى ناحية الوجه، وهو القبل.
ق: إلا أن قوله في الرواية المفسرة بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه قد يعارض هذا؛ فإنه جعله بادئا بها بالمقدم إلى غاية الذهاب إلى قفاه. وهذه الصفة التي لهذا القائل تقتضي أنه بدأ بمقدم رأسه غير ذاهب إلى قفاه، بل إلى ناحية وجهه، وهو مقدم الرأس، انتهى (٣).
قال (٤) ابن بزيزة من أصحابنا: وحكي عن جدنا الفقيه العابد الولي المشهور محرز بن خلف: أن (أقبل) هنا، مأخوذ من القَبَل في العين، وهو ميل الناظر، وكثيرا ما يكون في الخيل، يقال: فرس أقبل، فمعنى أقبل بهما: أمالهما.
وأما ما يتعلق بغسل الرجلين، فقد تقدم الكلام عليه، وأما الرواية الثانية، فمصرحة بالوضوء من الصفر، وهو الحقيقة، وأما الأولى (٥) -أعني قوله: «بتور من ماء» -، فمجاز -على ما تقدم-، أنه من باب تسمية الشيء بمجاوره.
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: معنى التيمن هنا: الابتداء باليمين قبل الشمال، وهو من الألفاظ المشتركة؛ لأن التيمن - أيضا - مصدر تيمن بالشيء: إذا تبرك به، مأخوذ من اليُمْن -بضم الياء-، وهو البركة، والتيمن - أيضا -: النسب إلى اليَمَن -بفتح الياء والميم-، يقال: تيمن: إذا انتسب إلى اليمن.
الثاني: التنعل: لبس النعل، وهي الحذاء، مؤنثة، وتصغيرها: نعيلة، قال الجوهري: تقول: نعلت، وانتعلت: إذا احتذيت (١).
قلت: وتنعلت - أيضا -، كما هو في الحديث؛ لأن التنعل مصدر تنعل، كالتعلم مصدره تعلم، وفي مسلم: كان رسول الله ﷺ يحب التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل (٢).
ومعنى التيمن في التنعل: البداية بالرجل اليمنى، ومعناه في الترجل، وهو التسريح: البداية بالشق الأيمن من الرأس في تسريحه
стр. 230
ودهنه، وفي الطهور: البداية باليد اليمنى، والرجل اليمنى في الوضوء، وبالشق الأيمن في الغسل، والابتداء بالميامن في ذلك عندنا من الفضائل، وكذلك يقول الشافعي، وإن كان الترتيب عنده واجبا؛ لأنهما كالعضو الواحد؛ حيث جمعا في التنزيل بلفظ: ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٤] (١).
ح: هذه قاعدة مستمرة في الشرع؛ وهي أن (٢) ما كان من باب التكريم والتشريف؛ كلبس الثوب والسراويل والخف، ودخول المسجد، والسواك، والانتعال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل الشعر، وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه يستحب (٣) التيامن فيه.
فأما ما كان بضده؛ كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب، والسراويل، والخف، وما أشبه ذلك، فيستحب التياسر فيه، وذلك كله (٤) لكرامة اليمين وشرفها، والله أعلم.
стр. 231
وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، لو خالفه، فاته الفضل، وصح وضوؤه.
وقالت الشيعة: هو واجب، ولا اعتدادبخلاف الشيعة.
واعلم أن الابتداء باليسار، وإن كان مجزئا، فهو مكروه، نص عليه الشافعي في «الأم».
قلت: وهو الظاهر من مذهبنا، والله أعلم.
ثم قال: وهو ظاهر (١)، وقد ثبت في «سنن أبي داود»، و «الترمذي»، وغيرهما بأسانيد جيدة، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا لبستم أو توضأتم، فابدؤوا بميامنكم» (٢)، فهذا نص في الأمر بتقديم اليمين، فمخالفته مكروهة، أو محرمة، [وقد انعقد الإجماع على أنها ليست محرمة، فوجب أن تكون مكروهة] (٣).
стр. 232
قلت:.لم لا يقال: إن ذلك من باب ترك الأولى؟ فلا يتم استدلاله على الكراهة، والله أعلم.
ثم قال: ثم اعلم: أن من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان، والكفان، والخدان، بل يطهران دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك، كما (١) في حق الأقطع ونحوه، قُدم اليمين، والله أعلم، انتهى (٢).
وقول عائشة ﵂: و (٣) في شأنه كله، ليس على عمومه، بل هو مخصوص بما تقدم من دخول الخلاء، والخروج من المسجد، وخلع النعل، وأشباه ذلك، والله أعلم.
* * *
* التعريف:
نعيم المجمر (١): هو نعيم بن عبد الله المُجمر -بضم الميم وإسكان الجيم، وكسر الميم الثانية-، ويقال: المُجَمِّر -بفتح الجيم وتشديد الميم الثانية المكسورة (٢) -، القرشي، العدوي، المدني.
كنيته: أبو عبد الله، مولى عمر بن الخطاب ﵁، قال له عمر: تُحَسِّنُ تُجَمِّرُر المسجد، أي: تبخره (٣): قال: نعم، فكان (٤) يجمر المسجد، فعرف به (٥).
стр. 235
سمع أبا هريرة، وعلي بن يحيى (١) بن خالد، وسالماً مولى شداد، ومحمد بن عبد الله بن زيد.
روى عنه: مالك، وسعيد بن أبي هلال، وفليح بن سليمان، وعمارة بن غزية (٢)، وهو تابعيٌّ، أخرج حديثه في «الصحيحين»، ﵁ (٣).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قال الشيخ أبو بكر العزيزي (٤) ﵀: أمة على ثمانية أوجه:
أمة (٥): جماعة؛ كقوله تعالى: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ
стр. 236
يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣].
وأمة: أتباع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام؛ كما تقول: نحن أمة محمد ﵊.
وأمة: رجل جامع للخير يقتدى به؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠].
وأمة: دين وملة؛ كقوله (١) تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢].
وأمة: حين وزمان؛ كقوله تعالى: ﴿إلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]؛ أي: بعد حين، ومن قرأ: (بعد أمة): -بفتح الهمزة، وتخفيف الميم (٢)، فنسيان.
وأمة: قامة، يقال: فلان حسن الأمة، أي: القامة.
وأمة: رجل منفرد بدين لا يشركه فيه أحد، قال رسول الله (٣) ﷺ : «يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده» (٤).
стр. 237
وأمة: أُمٌّ، يقال: أمة زيد (١).
قلت: والمراد (٢) بالأمة إذا قلنا: أمة محمد ﷺ المؤمنون خاصة، هذا هو الحقيقة، وقد يطلق على غيرهم؛ بعلاقة كونه مرسلاً إلى الناس أجمعين، والله أعلم.
الثاني: قوله: «يوم القيامة»: (يوم) من الأسماء الشاذة؛ لوقوع الفاء والعين فيه حرفي (٣) علة، فهو من باب ويل، وويح.
و (٤) القيامة: فِعالة من قام يقوم، أصله: القوامة، فُقلبت الواو فيه ياء؛ لانكسار ما قبلها.
الثالث: قوله: «يدعون غرا محجلين»، (غرا ومحجلين)، منصوبان على الحال من الضمير في (يدعون)، وهو الواو، والأصل: يدعوون -بواوين- تحركت الأولى، وانفتح ما قبلها، فُقلبت (٥) ألفا، اجتمع ساكنان الألف والواو بعدها، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: يدعون.
ومعناه - والله أعلم -: يدعون إلى موقف الحساب، أو إلى (٦)
стр. 238
الميزان، أو إلى غير ذلك من المواطن (١).
وقد خلط بعض الناس في هذا الموضع في إعراب (غرا)، و (٢) (محجلين)، وليس من شأنه.
قال أهل اللغة: الغرة: بياض في جبهة الفرس، والتحجيل: بياض في يديها ورجليها.
قال العلماء: سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة: غرةً، وتحجيلاً؛ تشبيها بغرة الفرس، والله أعلم (٣).
الرابع: ظاهر الحديث يقتضي اختصاص أمة محمد ﷺ بالغرة والتحجيل دون سائر الأمم، بل قد جاء مصرحا به في الحديث الآخر الصحيح، وهو قوله ﵊: «لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تردون علي غرا محجلين من أثر الوضوء» (٤).
ح: استدل جماعة من أهل العلم بهذا الحديث؛ يعني (٥): حديث: «لكم سيما»، على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، زادها الله شرفًا.
стр. 239
وقال آخرون: ليس الوضوء مختصا بها، وإنما الذي اختصت (١) به هذه الأمة الغرة والتحجيل، واحتجوا بالحديث الآخر: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» (٢).
وأجاب الأولون عن هذا بجوابين:
أحدهما: أنه حديث ضعيف (٣)، معروف بالضعف.
والثاني: لو صح، احتمل أن يكون الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- اختصت بالوضوء دون أممهم، إلا هذه الأمة (٤).
الخامس: قوله ﵊: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، فليفعل»، حذف التحجيل؛ للعلم به، فكأنه من باب قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ولم يذكر البرد؛ للعلم به.
стр. 240
ق: كأن ذلك من باب التغليب لأحد الشيئين على الآخر (١).
قلت: وفي ذلك نظر؛ لأن القاعدة في التغليب: أن يغلّب المذكر على المؤنث، لا العكس، والأمر هاهنا بالعكس؛ لتأنيث الغرة، وتذكير التحجيل، وأيضا: فمثل هذا لا يسمى تغليبا: إذ لم يؤت فيه إلا بأحد الاسمين، والتغليب اجتماع الاسمين أو الأسماء، وتغليب أحدهما على الآخر، نحو: العمرين، والقمرين، والأبوين، وما أشبه ذلك، فهذا كما ترى.
وإطالة الغرة: بأخذ جزء من الرأس، وفي اليدين: غسل بعض العضدين، وفي الرجلين: غسل بعض الساقين، ولم أر لأصحابنا نصا على استحباب ذلك، بل نقل (٢) ابن بطال (٣)، وع (٤): اتفاق (٥) العلماء على أنه لا تستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين (٦)، واحتجا بقوله ﷺ : «من زاد على هذا أو نقص، فقد أساء وظلم» (٧).
стр. 241
ق: وقد استعمل أبو هريرة ﵁ هذا (١) الحديث على إطلاقه، وظاهره طلب إطالة الغرة، فغسل إلى قريب (٢) من المنكبين، ولم ينقل ذلك عن النبي ﷺ ، ولا كثر استعماله في الصحابة والتابعين ﵃، فلذلك لم يقل به الفقهاء (٣).
قلت: انظر قوله: ولم يقل به الفقهاء، مع نقل ح عدم اختلاف الشافعية في استحباب ذلك.
قال: واختلفوا في القدر المستحب على أوجه:
أحدها: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت (٤).
والثاني: إلى نصف العضد والساق.
والثالث: يستحب إلى المنكب والركبتين (٥).
ويبعد أن يريد (٦) ق بالفقهاء الأئمة الأربعة، ويكون الشافعية كلهم خالفوا الشافعي في ذلك (٧)، فتأمل هذا.
стр. 242
السادس: المنكب: مجمع عظم العضد والكتف، قاله الجوهري (١).
وقال غيره: المنكب: مجمع رأس العضد والكتف وطرف الترقوة (٢).
السابع: انظر إلى قول أبي هريرة ﵁: سمعت خليلي ﷺ ، مع قوله ﷺ : «لو كنت متخذًا خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً» (٣) الحديث، فقد نفى ﵊ أن يكون له خليل.
فإن قلت: نفى ﷺ (٤) أن يتخذ هو خليلاً، وما نفى أن يتخذه غيره خليلاً.
قلت: المخاللة مفاعلة، وهي لا تكون إلا من اثنين -غالبا-، والذي يظهر لي: أن أبا هريرة ﵁ إنما أراد مجرد الصحبة فقط، فعبر عنها بالخلة مجازا (٥)، والله أعلم.
وقد اختلف الناس في الخليل (٦)، فقيل: هو الصاحب، وقيل: هو
стр. 243
الخالص في الصحبة، وهو أخص من الصاحب.
واختلفوا - أيضا - في اشتقاقه، فقيل: من الخلة - بفتح الخاء -، وهي الحاجة، وقيل: من الخُلة - بضم الخاء -، وهي تخلل المودة في القلب، وقيل: من الخلة، وهو نبت تستحليه الإبل، ومن أمثالهم: الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها.
وقيل: الخليل: هو المختص بشيء دون غيره، ولا يجوز أن يختص النبي ﷺ أحدا بشيء من (١) الديانات دون غيره، قاله النحاس (٢).
ولذلك قال ﷺ : «إني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت متخذًا خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن» يعني: نفسه (٣)، فهذا (٤) الحديث الصحيح قطع المخالَّة بين النبي ﷺ وغيره، والله أعلم.
* * *
стр. 244
باب الاستطابة
الحديث الأول
١١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رسول الله ﷺ كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلاءَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» (١).
стр. 245
[الْخُبُثُ -بضم الخاء والباء-، وهو جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة، استعاذة من ذكران الشياطين وإناثهم].
* التعريف:
أنس بن مالك: بن النضر -بالضاد المعجمة الساكنة (١) - ابن ضمضم -بضادين- ابن زيد بن حرام -بفتح الحاء (٢) والراء المهملتين- ابن جندب بن عامر ابن غنم بن عدي بن النجار، الأنصاري، النجاري، خادم رسول الله ﷺ ، يكنى: أبا حمزة، كناه رسول الله ﷺ ببقلة كان يجتنيها (٣).
قدم رسول الله ﷺ المدينة (٤) وهو ابن عشر سنين، فأتت به أمه،
стр. 246
أم سليم الأنصارية، امرأة أبي طلحة اسمها الرميصاء - بالراء المهملة المضمومة والميم المفتوحة، وبعدها ياء ساكنة باثنتين تحتها بعدها صاد مهملة وهمزة ممدودة - ويقال: الغميصاء بنت ملحان، فعرضت عليه خدمته، فقبلها، قالت: يا رسول الله! أنس غلام (١) كاتب لبيب، يخدمك، فخرج معه في خدمته إلى بدر، وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن عشرين سنة، وبقي بعده نحوا من ثمانين سنة (٢).
وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين (٣)، وقيل: سنة ثلاث وتسعين، وهو ابن مئة وثلاث سنين، وقد قيل: ابن مئة وعشر سنين، ومات في قصره بالطَّفِّ (٤) على فرسخين من البصرة، وصلى عليه قطن بن مدرك الكلابي، وهو آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان يقول: لم يبق على وجه الأرض من صلى القبلتين غيري (٥).
ولم يبق بعده (٦) ممن رأى النبي ﷺ سوى أبي الطفيل عامر بن
стр. 247
واثلة الليثي من بني كنانة، وهو الذي يقول:
وَبُقِّيتُ سَهْمًا فِي الْكِنَانَةِ وَاحِدًا ... سَيُرْمَى بِهِ أَوْ يَكْسِرِ السَّهْمَ نَاضِلُهْ (١)
وكانت وفاته سنة مائة، وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثمانية أعوام، ولد عام أُحُد.
وكان رسول الله ﷺ قد دعا لأنس بالبركة في ماله وولده، فكان يقول: إني لمن أكثر الأنصار مالاً وولدا (٢).
ويقال: إنه ولد له ثمانون ولدا ليس فيهم أنثى سوى (٣) اثنتين: حفصة، وأم عمرو، وثمانية وسبعون ذكرا، وتوفي في حياته من ولده وولد ولده نحو مائة (٤).
روي لأنس بن مالك ألفا حديث، ومائتا حديث، اتفقا منها على مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاث وثمانين، وانفرد مسلم بأحد وسبعين حديثًا (٥).
стр. 248
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله: «كان رسول الله ﷺ »: (كان) هنا هي التي تدل على الملازمة والمداومة.
وقوله: «إذا دخل الخلاء»؛ أي: إذا أراد الدخول، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، هذا أولى من حمله على ظاهره؛ لأنه لا خلاف فيه؛ أعني: جواز الذكر قبل الوصول إلى المكان المعد لقضاء الحاجة.
وأما فيه نفسه: فقد اختلف فيه المذهب على قولين، وحمله على المجمع عليه أولى من المختلف فيه؛ لأن الخلاء المذكور في الحديث هو المعد لقضاء الحاجة بلا (١) إشكال، أما لو كان غير معد؛ كالصحارى، فلا خلاف في جواز الذكر فيه نفسه (٢).
الثاني: (الخلاء) -بالمد-، وهو المتوضأ، وأصله: الموضع
стр. 249
الخالي، كانوا ينتابونه لقضاء الحاجة، ثم كثر حتى تجوز به عن ذلك (١).
وأما الخلا -مقصورا-، فهو الرطب من الحشيش، وحسن الكلام - أيضا -، ومنه قولهم: هو حلو الخلا؛ أي: حَسَن الكلام، وقد يكون خلا مستعملاً (٢) في باب الاستثناء.
وللعرب فيه حينئذ مذهبان: منهم من يجعله حرفًا، ومنهم من يجعله فعلاً.
فإن كسرت الخاء مع المد، فهو عيب في الإبل، كالحران في الخيل (٣)، وفي
الصحيح: «ما خلأت القصواء، ولكن حبسها حابس الفيل» (٤)، وفي حديث أم زرع: أن النبي ﷺ قال لعائشة: «كنت لك كأبي زرع في الألفة والوفاء، لا في الفرقة والخلاء» (٥).
وسمي موضع الحاجة خلاءً -بالفتح والمد-؛ لخلائه في غير
стр. 250
أوقات الحاجة، وهو أيضا: الكنيف، والمرحاض، والحُش. قال الشعبي: ما حدثوك (١) عن رسول الله ﷺ ، فاقبله، وما حدثوك (٢) عن آرائهم، فاجعله في (٣) الحُش (٤). يعني: المرحاض.
قال ابن بزيزة: إشارة إلى بطلان الرأي والقياس في الدين. وانتصابه على أنه مفعول به، لا على (٥) الظرف؛ لأن (دخل) عدته العرب بنفسه إلى كل ظرف مكان مختص، تقول: دخلت الدار، ودخلت المسجد، ونحو ذلك، كما عدت ذهب إلى الشام خاصة، فقالوا: ذهبت الشام، ولا يقولون: ذهبت العراق، ولا ذهبت اليمن، فاعرفه.
الثالث: قوله: «اللهم»: فيه لغتان: أفصحهما (٦) أن تستعمل بالألف واللام، والثانية (لاهم) - بحذف الألف واللام، والثانية (لاهم) - بحذف الألف واللام-، والميم في آخره زائدة على حد زيادتها في: زرقم، وجلكم (٧)، وزيدت لأن تجعل