← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

المحرمِ فيهما، ويخرج لحاجة الإنسان، ولشراء طعامه وشرابه إن احتاج إلى ذلك، ولم يجد مَنْ يكفيه، ولغُسْلِ جُمعته؛ بخلاف عيادة المرضى، وصلاة الجنائز، والحكومة، وأداء الشهادة، فإن كان ذلك في المسجد، وقلَّ الاشتغال به، ففي المذهب قولان: قال ابن بزيزة: وصح عن سعيد بن جبير، وقتادة والحسن بن حُيَيٍّ، والثوريِّ، وعطاءٍ، والنخعيِّ: أن المعتكف يشهد الجنائز، ويعودُ المرضى إذا اشترط ذلك حين عقد الاعتكاف. وقال مجاهد، وعطاء -أيضًا-، والزهريُّ، والليثُ، وغيرُهم: لا يعود المرضى، ولا يشهد الجنائز (١). وقال أبو حنيفة: إن خرج لعيادة المريض، أو للجنازة، بَطَلَ اعتكافُه. وقال صاحباه محمدٌ وأبو يوسفَ: له أن يخرج لشهود الجنازة، وعيادة المرضى، وغير ذلك، فإن كان مقدارُ لبثِه لذلك نصفَ يوم فأقلَّ، فاعتكافُه صحيح، وإن كان أكثرَ من ذلك، بَطَلَ اعتكافه. قلت: ليت شعري! من أين أخذ هذا التحديد الذي لا دليلَ عليه، ولا معنًى يرشد إليه؟! (٢)

стр. 1857

قال ابن بزيزة: اختلفوا: هل يخرجُ لرفع شهادةٍ حملها، أم لا؟ والصحيح: أنه إن تَعَيَّنَ وقتُها، واضطرَّ الأمر فيها، وجبَ رفعُها، ورجع إلى اعتكافه. ومن أهل العلم مَنْ أجاز له الخياطةَ، والعملَ القليل؟ كالنسخِ، والبيع والشراء، والخصام من الحق القريب، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وداود. مسألة: هل يبطل الاعتكاف بالقُبلة والمباشَرة؟ اختلف العلماء. فقال أبو حنيفة: لا يُبطل الاعتكافَ مباشرةٌ ولا قبلةٌ، إلا أن يُنْزِلَ. وقال مالك: يبطل الاعتكافُ بذلك. وللشافعيِّ في ذلك قولان. وقال بعضُ الظاهرية: يبطل الاعتكافُ بمباشرة أحدِ الزوجين صاحبَه، إلا في ترجيل الشعر؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، واختص ترجيل الشعر بحديث عائشة. وقال ابن لبابةَ من المالكية، وغيرُه: تحرم المباشرةُ في المسجد،

стр. 1858

وأما في غير المسجد، فلا. وهذا دليلٌ على أن المسجدَ ليس بشرطٍ عنده في الاعتكاف شرعًا. واستيعابُ أحكامِ الاعتكاف في كتب الفقه (١). * * *

стр. 1859

الحديث الثاني ٢٠٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ، وَهُوَ مُعْتكِفٌ فِي المَسْجدِ، وَهِيَ في حُجْرتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ (١). وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الإنْسَانِ (٢). وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: إنْ (٣) كُنْتُ لأَدْخُلُ البَيْتَ لِلْحَاجَةِ،

стр. 1860

وَالمَرِيضُ فيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلَّا وَأَنا مَارَّةٌ (١). * * * التَّرْجيل: تَسْرِيحُ الشعر. قال ابن السِّكِّيت: شَعْرٌ رَجَلٌ، ورَجِلٌ: إذا لم يكن شديدَ الجعودة، ولا سَبِطًا (٢)، تقول منه: رَجَّلَ شعرَه تَرْجيلًا (٣).

стр. 1861

والحُجْرَةُ معروفة، وجمعها حُجَر، مثل: غُرَف، وحُجُرات. قال ابن فارس: وحَجَرات، كجَمَرات، ويجوز حَجْر، كجَمْر (١). وقوله: "يناولها رأسه" كأنه من مجاز التشبيه، إذ المناولةُ نقلُ الشيء من شخص إلى غيره، يقال: ناولته الشيءَ، فتناوله: إذا أعطيته إياه. قال الشاعر: [الكامل] إِنَّ الَّتي ناولتنِي فرددتُها ... قُتِلَتْ قُتِلْتَ فَهَاتِهَا لَمْ تُقْتَلِ كِلْتَاهُمَا حَلَبُ العَصِيرِ فَعَاطِنِي ... بِزُجَاجَةٍ أَرْخَاهُمَا لِلْمِفْصَلِ والرأسُ: مذكَّرٌ بلا خلاف أعلمُه، وما أكثرَ تأنيثَ العامة له (٢) من المتفقهة وغيرهم! فيه: دليل على طهارة بدن الحائض، فيكون الجنب بالطهارة أولى. وفيه: دليل على أن خروج رأس المعتكف من المسجد لا يُفسد اعتكافَه. ق: وقد أخذ منه بعض الفقهاء: أن خروجَ بعضِ البدن من المكان الذي حلفَ الإنسان أن لا يخرجَ منه لا يوجب حِنْثَه، وكذلك دخول بعض بدنه إذا حلف أن لا يدخله؛ من حيث إن امتناع الخروج من

стр. 1862

المسجد يوازيه تعلُّق الحنث بالخروج؛ لأن الحكم في كلِّ واحد منهما معلَّقٌ بعدم الخروج، فخروجُ بعضِ البدن إن اقتضى مخالفةَ ما علق (١) [الحكم] عليه في أحد الموضعين، اقتضى مخالفته في الآخر، وحيث لم يقتض في أحدهما، لم يقتض في الآخر، لاتحاد المأخذ فيهما، وكذلك تنتقل (٢) هذه المادة في الدخول أيضًا، بأن (٣) نقول: لو كان دخولُ البعض مقتضيًا للحكم المعلق بدخول الكل، لكان خروجُ البعض مقتضيًا للحكم المعلق بخروج الجملة، لكنه لا يقتضيه ثَمَّ، فلا يقتضيه هنا. وبيان الملازمة: أن الحكم في الموضعين معلَّق بالجملة، فإما أن يكون البعضُ موجبًا لتركيب الحكم على الكل (٤)، إلى آخره. قلت: والظاهر: أن هذه ملازمة صحيحة لا يُرتاب في صحتها، إن شاء اللَّه تعالى. وقولها: "حاجة الإنسان" كنايةٌ عن الحدث، وظاهره: حصرُ الخروج في ذلك، وإن كان المعتكف يخرج لغيره -على ما تقدم بيانه

стр. 1863

في الحديث الأول-، وكأنها إنما أخبرت بصورة الواقع منه ﷺ ، فلا يدل ذلك على عدم الخروج لغيره، وسيأتي أنه ﵊ خرج ليَقْلِبَ أُمَّ المؤمنين صفيةَ بنتَ حُيَيٍّ ﵂ وهو معتكفٌ (١). وفي قولها في المريض: "فما أسأل عنه إلا وأنا مارّةٌ" إشارةٌ إلى أنه لا يجوز أن يُعاد حالَ الاعتكاف على غير هذه الحالة، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 1864

الحديث الثالث ٢٠٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيّهِ أَنْ أَعْتكِفَ لَيْلَةً، وَفِي رِوَايةٍ: فِي المَسْجدِ الحَرَامِ، قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ" (١).

стр. 1865

وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُ الرُّوَاةِ: يَوْمًا، وَلَا لَيْلَةً. * * * فيه: دليل لمن يقول بصحة نذر الكافر، وهو قولٌ أو وجهٌ في مذهب الشافعي، والجمهورُ على عدم صحته؛ لأنه قربة، والكافرُ ليس من أهلها، وقد اختلف في الجواب عن هذا الإشكال: فقال ابن العربي في "قبسه"؛ لما كان عمر ﵁ نذره في الجاهلية، فأسلم، أراد أن يُكَفِّر ذلك بمثله في الإسلام، فلما أراده، ونواه، وسأل النبيَّ ﷺ ، أعلمَهُ أنه لزمَه، وكلُّ عبادةٍ أو عملِ ينفرد به العبدُ عن غيره يلزمُه بمجرد النية العازمة الدائمة؛ كالنذر في العبادات، والطلاق في الأحكام، وإن لم يتلفظ بشيء من ذلك (١). قلت: وفي هذا التعليل نظر؛ فإن ظاهرَ كلام عمر ﵁ مجرَّدُ الإخبار بما وقعَ في حال الجاهلية، مع الاستخبار عن لزومِه وعدمِ

стр. 1866

لزومه، وليس فيه ما يدلُّ على نيةٍ في الإسلام، ولا إرادة ثَمَّ، ولو تنزلنا على أنه نواه، فلنا (١) أن نقول: بمجرد النية لا توجب اعتكافًا، ولا غيرَه من العبادات من غيرِ مقارنةِ فعلٍ لها، ألا ترى أنه لو نوى صلاة نافلة، أو صدقة، أو حجًا، أو عتقًا، أو غيرَ ذلك من القُرَب: أنه لا يلزمه شيء من ذلك بمجرد النية؟ وقد قال ابنُ بشير من أصحابنا: لم يختلف المذهبُ: أن العبادات لا تلزمُ (٢) إلا بالقول، أو بالنية والدخولِ فيها، وهو الشروعُ. فقد علمت أن هذا الجواب ليس فيه تحصيل، فلا تشغلْ ذهنَك به لحظة (٣). وقال ق: من يقول: إن الكافر لا تصح منه القُربة يحتاج إلى أن يؤوِّلَ الحديث بأنه أُمر بأن يأتي باعتكافِ يومٍ شبيهٍ بما نذرَ؛ لئلا يُخِلَّ بعبادة نوى فعلَها، فأطلق عليه أنه منذور، لشبهه بالمنذور، وقيامِه مقامَه في فعل ما نواه من الطاعة، وعلى هذا إنما يكون قوله ﵊: "أَوْفِ بنذرِكَ" من مجاز الحذف، أو من مجاز التشبيه، وظاهرُ الحديث خلافه (٤).

стр. 1867

قلت: ولا يكونُ التأويل إلا (١) خلاف الظاهر، فلا اختصاصَ لهذا الحديث بذلك، وهذا الجواب -أيضًا- ليس بواضح كلَّ الوضوح؛ كما ترى. وقد تقدم أن الشافعيَّ احتجَّ بهذا الحديث على عدم اشتراط الصوم، وتقدم -أيضًا- الجواب عنه، واللَّه الموفق. * * *

стр. 1868

الحديث الرابع (١) ٢٠٦ - عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ﵂، قَاَلتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُهَا في دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ"، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَ (٢) إِنِّي خَشِيْتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَرًّا"، أَوْ قَالَ: "شَيْئًا" (٣).

стр. 1869

وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ فِي اعْتِكافِهِ فِي المَسْجدِ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضانَ، فتحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَة، وَ (١) ذَكَرَ بِمَعْنَاهُ (٢).

стр. 1870

* التعريف: صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بنِ أخطبَ بنِ سفينةَ (١) بنِ عبيدِ بنِ الخزرجِ بنِ حبيبِ بنِ النضيرِ (٢) بنِ النَّحَّام، النَّضِيريَّةُ، من بنات هارونَ بنِ عمران، أخي موسى بنِ عمران -عليهما الصلاة والسلام-، سباها رسولُ اللَّه ﷺ عامَ خيبرَ في شهر رمضان سنةَ سبع من الهجرة، ثم أعتقَها وتزوَّجَها، وجعل عتقَها صداقَها. روى عنها (٣): عليُّ بنُ الحسينِ بنِ عليٍّ. ماتت في رمضان في خلافة معاويةَ سنة خمسين من الهجرة. روى لها: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، ﵂ (٤).

стр. 1871

* الشرح: فيه: جوازُ خروج المرأة ليلًا، وزيارةُ المرأةِ المعتكفَ، وجوازُ التحدُّث معه. وفيه تأنيسُ الزائر بالمشي معه، ويتأكد ذلك في الضيف عند خروجه، لا سيما في الليل، وقد بين بالرواية الأخرى: أن النبي ﷺ إنما مشى معها إلى باب المسجد فقط، فعلى هذا يكون مرور الرجلين في المسجد دون الطريق (١) (٢). وفيه: التحرُّزُ مما يقع في الوهم من نسبة الإنسان إليه ما لا ينبغي. ق (٣): وقد قال بعض العلماء: إنه لو وقع ببالهما شيء، لكفرا. قلت: وهذا لا شكَّ فيه إذا اعتقدا ذلك، أو ظَنَّاه، وإلَّا، فمجردُ خطوره بالبال من غير استقرار فلا يكفران بذلك -إن شاء اللَّه تعالى-؛ لأن ذلك أمرٌ غيرُ مقدور على دفعه. قال: ولكن النبي ﷺ أرادَ تعليمَ أمته، وهذا متأكد في حق العلماء،

стр. 1872

ومن يُقتدى بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب ظنَّ السوء بهم، وإن كان فيه مخلصٌ؛ لأن ذلك سببٌ إلى إبطال الانتفاع بعلمهم. قلت: وقد بلغني عن بعض الفقهاء: أنه كان إذا وقع منه درهمٌ، أو دينار، أو غير ذلك، تركَه، ولم يأخذْه؛ خوفا أن يُتوهم أنه التقطه، وأنه يَستحلُّ مثلَ ذلك، فرحمه اللَّه، فلقد استبرأ لدينه وعِرْضه. قال: وقد قالوا: إنه ينبغي للحاكم أن يبين الحكمَ للمحكوم عليه إذا خفيَ عنه، وهو من باب نفي التهمة بالنسبة إلى الجَوْر (١) في الحكم. وفي الحديث: دليل على هجوم خواطر الشيطان على النفس، وما كان من ذلك غيرَ مقدور على دفعه، لا يؤاخذ به؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولقوله ﵊ في الوسوسة بالذي يتعاظم الإنسان أن يتكلم به: "ذَلِكَ (٢) مَحْضُ الإِيمَانِ" (٣)، وقد فسروه بأن التعاظمَ لذلك محضُ الإيمان، لا الوسوسة، وكيفما كان، ففيه دليل على أن تلك الوسوسةَ لا يؤاخذَ بها، نعم، في الفرق بين الوسوسة التي لا يؤاخذ بها، وبين ما يوقع شكًا إشكالٌ (٤).

стр. 1873

وقوله ﵊: "على رِسْلِكما": هو بكسر الراء: على هِينَتِكُما؛ أي: اتَّئِدَا، ولا تُسْرِعا حتى أُخبرَكُما، ومنه الحديث: "إِلَّا مَنْ أَعْطَى في نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا" (١). قال الجوهري: يريد: الشدة والرخاء، يقول: يعطي وهو سِمانٌ حِسانٌ، يشتد على مالكها إخراجُها، فتلك نجدتُها، ويعطي في رِسْلِها وهي مَهازيلُ مقاربة. والرِّسْلُ -أيضًا-: اللبن، وأما الرَّسَل -بفتح الراء والسين-: فالقطيعُ من الإبل والغنم (٢). * * *

стр. 1874

كِتْابُ الْحَجِّ

стр. 1875

باب المواقيت الحديث الأول ٢٠٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ: ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأهْلِ الشَّامِ: الجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ المَنَازِلَ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ: يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلمِنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ أَوِ العُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ (١).

стр. 1876

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الحج -بالفتح- المصدر، وبالكسر والفتح: الاسم، و-بالكسر خاصة-: الحجاج، أنشد الفارسيُّ في "تكملته" شاهدًا على ذلك: وَكَأَنَّ عَافِيَةَ النُّسُورِ عَلَيْهِمُ ... حُجٌّ بِأَسْفَلِ ذِي المَجَازِ نُزُولُ هكذا ضبطناه عن الشيوخ، وهكذا هو في النسخ المعتمدة، وأنشده الجوهري بالضم. جعلَه جمعَ حاجّ؛ كبازِل وبُزْل. وأصله في اللغة: القصد (١). وقال الخطابي: قصدٌ فيه تكرار، ومنه قول الشاعر: يَحُجُّونَ بَيْتَ (٢) الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا يريد: أنهم يقصدونه في أمورهم، ويختلفون إليه في حاجاتهم مرةً بعدَ أُخرى.

стр. 1877

وقد استدلوا بهذا المعنى على إيجاب العمرة، وقالوا: إذا كان الحج قصدًا فيه تكرارٌ، فإن معناه لا يتحقق إلا بوجوب العمرة؛ لأن القصد في الحج إنما هو مرة واحدة لا يتكرر (١). قلت: وهذا ضعيف، أو غلط؛ فإن التكرار يمكن (٢) في الحج، ولا يلزم أن يكون التكرار واجبًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]؛ أي: يرجعون إليه، ويتقربون في كل عام، ولأن الحاج يكون ورودُه على البيت عندَ القدوم، وعندَ الإفاضة، وعندَ الوداع، وذلك غيرُ ما يُتنفل به من الطواف، فالتكرارُ حاصلٌ بلا إشكال. ع: والحجُّ -أيضًا-: العمل، وقيل: الإتيانُ مرةً بعد أخرى (٣). وهو في الشرع: عبارة عن أفعالٍ مخصوصة، في أماكنَ مخصوصة، في زمانٍ مخصوص. إذا ثبت هذا، فقد وقع الإجماعُ على أن الحج أحدُ أركان الإسلام الخمسة، الذي من جحدَه كفرَ، وهو فرضٌ على كل مسلم، عاقلٍ، بالغٍ، صحيحٍ، مستطيعٍ، في العمر مرةً واحدة، ذكرًا كان أو أنثى، هذا مع الأمنِ على النفس والمال، وإن كانوا قد اختلفوا في صفة الاستطاعة (٤).

стр. 1878

واختُلف فيمن حجَّ حجةَ الإسلام، ثم ارتدَّ، ثم عاد إلى الإسلام، فقال أبو حنيفة، وأحمد: تجب (١) عليه حجة الإسلام، ولا يُعتد له بالماضية. وقال الشافعي: لا تجب عليه حجةٌ أخرى. وعن مالك روايتان كالمذهبين، والمشهورُ: وجوبُها أيضًا. واختلفوا أيضًا: هل هو على الفور، أو على التراخي؟ واختلف فيه أصحاب مالك والشافعي، فالذي يحكيه العراقيون عن المذهب: أنه على الفور، وهو قولُ أبي يوسف، والمزني، وقال ابن خويزمنداد: تحصيلُ مذهبنا أنه على التراخي، وهو قول محمد بن الحسن (٢). قلت: وهو مذهب المغاربة. الثاني: قوله: "وقَّتَ لأهل المدينة ذا الحُلَيفة"؛ أي: حَدَّدَ، ومعنى التحديد في هذه المواقيت: أن لا يُتعدَّى ولا يتجاوزَ إلا بإحرام، وإن لم يكن في لفظ وقَّتَ من حيث هو تصريحٌ بالوجوب. وقد جاء في غير هذه الرواية: "يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ" (٣)، فهذه صيغةُ خبر، المرادُ بها الأمرُ. وورد -أيضًا- في بعض الروايات: لفظُ الأمر.

стр. 1879

قال الخطابي: وقد أجمعوا على أنه لو أحرمَ دونها حتى وافى الميقاتَ محرمًا، أجزأه، وليس هذا كتحديد مواقيت الصلاة؛ فإنها إنما ضُربت حدًا لئلا تُقدَّمَ الصلاةُ عليها (١). قلت: إلا أنه يُكره عندنا تقديمُ الإحرام على الميقات زمانًا أو مكانًا، ويلزم إن فعل. وذو الحُلَيْفة: بضم الحاء المهملة وفتح اللام وبالفاء، وهي من مياه بني جُشم، وهي أبعدُ المواقيت من مكة، بينهما نحوٌ من عشرِ مراحلَ، أو تسعٍ، وهي قريبة من المدينة على نحوِ ستةِ أميال منها، وقيل: سبعة، وقيل: أربعة (٢). الثالث: قوله: "لأهل الشام الجحفة": قد تقدم أن الأفصح: الشَّأْم -بالهمز والقصر-، وأنه يذكر ويؤنث. والجُحْفَة: -بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة-، وهي ميقاتٌ لهم ولأهل مصرَ والمغربِ، قيل: سُميت بذلك؛ لأن السيل اجْتَحَفَها (٣) في وقتٍ، ويقال لها: مَهْيَعة -بفتح الميم وإسكان الهاء وفتح المثناة تحت-، وحكى ع عن بعضهم: -كسر الهاء- (٤). وهي على ثلاث مراحلَ ونحوِها من مكة على طريق المدينة، وعلى ثماني مراحل من المدينة.

стр. 1880

تنبيه: وهذا عَلَمٌ من أعلام النبوة، أعني: توقيتَه ﵊ لأهل الشام الجحفةَ قبل أن يُفتح (١) الشَّأْمُ، وقد أخبر ﵊ بفتح الشأم، واليمن، والعراق، وكان كما قال ﷺ . الرابع: قوله: "ولأهل اليمن يَلَمْلَمَ": هو بفتح المثناة تحت واللامين، ويقال أيضًا: أَلَمْلَم -بهمزة بدل الياء-، وهو جبل من جبال تِهامة على مرحلتين من مكة (٢). الخامس: قوله: "ولأهل نجد قَرْنَ المنازل": هو بفتح القاف وسكون (٣) الراء ليس إِلَّا، وهو تلقاء مكة على مرحلتين منها. قالوا: وهو أقرب المواقيت إلى مكة، وغلط الجوهري ﵀ في قوله: هو بفتح الراء، وزَعْمِه أُوَيْسًا القَرَنيَّ ﵀ منسوبٌ إليه (٤)، والصواب: إسكانُ الراء، وأن أُوَيْسًا منسوبٌ إلى قبيلةٍ معروفةٍ، يقال لهم: بنو قَرَن؛ وهم بطنٌ من مراد القبيلةِ المعروفة، ينسب إليها المرادي. ع: قال القاضي (٥): من قاله بالإسكان، أراد: الجبل المشرفَ

стр. 1881

على الموضع، ومن فتح: أراد: الطريق الذي يفترق منه، فإنه موضعٌ فيه طرق مختلفة (١). ولتعلمْ: أن هذا التوقيت متفقٌ عليه لأرباب هذه الأماكن. والجمهورُ على إيجابِ الدمِ على مجاوِزِها؛ خلافًا لعطاءٍ، والنخعيِّ؛ فإنهما قالا: لا شيء على تاركها، ودليلُهم على ذلك مأخوذ من غير هذا الحديث؛ إذ ليس في لفظه ما يشعر بإيجاب ذلك. وقال سعيد بن جبير ﵁: لا حجَّ لتاركها؛ أي: مَنْ جاوزَها دونَ إحرام (٢). السادس: قوله: "هُنَّ" يريد: المواقيت. وقوله: "لهنَّ" يريد: الأماكن التي هي: المدينة، والشأم، ونجد، واليمن، وإن كان المراد أهلها، فهو من وادي قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وكان الأصل أن يقال: هنَّ لهم؛ لأن المراد: الأهل، وقد جاء ذلك في بعض روايات "مسلم"، و"البخاري": "فَهُنَّ لَهُمْ"، وكذا رواه -أيضًا- أبو داود، وغيره، وهو الوجه، وكذا ذكره "مسلم" في رواية ابن أبي شيبة؛ لأنه ضميرُ أهلِ هذه المواضع المذكورة. ولتعلمْ: أن قوله: "هُنَّ لَهُنَّ" أكثرُ ما يستعمل العرب هذه

стр. 1882

الصيغةَ فيما دون العشرة، وما جاوز العشرة (١)، استعملته بالهاء والألف، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]؛ أي: بين (٢) الاثني عشر. ثم قال تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]؛ أي: في هذه الأربعة، وقد قيل: في الاثني عشر (٣)؛ وهو ضعيف شاذّ، فاعلمْ هذه القاعدةَ؛ فإنها من النفائس. السابع: "ولمن أتى عليهنَّ من غيرهنَّ": قال الخطابي: معناه: أن المدني إذا جاء من الشام على طريق الجحفة، فإنه يُحرِم من الجحفة، ويصير كأنه شامي، وإذا أتى اليماني على ذي الحليفة، أحرمَ منه، وصارَ كأنه جاء من المدينة (٤). ح: وهذا لا خلاف فيه (٥). وقوله ﵊: "ممن أرادَ الحجَّ والعمرةَ": استنبط منه بعضهم: أن الحجَّ على التراخي، لقوله: "ممن أرادَ"، ورُدَّ بأنَّ الإرادة هنا معناها: النية، لا التخيير، وقد تأتي للوجوب. وقوله: "ومَنْ كان دونَ ذلك، فمن حيثُ أَنشأَ": يريد: أن مَنْ

стр. 1883

كان منزلُه بعدَ الميقات، فميقاته منزلُه، ولا يلزمُه الرجوع إلى الميقات الأصلي. وقوله: "حتى أهلُ مكةَ من مكةَ": يريد: أن أهل مكة يحرمون بالحج خاصةً من مكة، فإن أرادوا الإحرامَ بالعمرة، أو مَنْ كان بها من غير أهلها، لم يحرم بها، وخرجَ إلى أدنى الحِلِّ؛ كما أمر النبيُّ ﷺ عبدَ الرحمن بنَ أبي بكر أن يخرجَ بعائشةَ، فيُعْمِرها من التنعيم. تنبيه: لم يُذكر في هذا الحديث ذاتُ عرق، وقد روت عائشة ﵂: أن رسولَ اللَّه ﷺ وقَّتَ لأهل العراق ذاتَ عِرْقٍ (١)، وهو الصحيح عندَ بعضهم، ودليلُه حديث جابر. ح: لكنه غيرُ ثابت؛ لعدم جزمِه برفعِه (٢). قلت: قد ضعَّفه الدارقطني، وقيل: هو من توقيت عمر ﵁؛ لأن العراق فُتح في زمانه، وفي "صحيح البخاري": أن عمر وَقَّته (٣)، ورجَّحَه بعضُهم بما ذكرنا من فتحها في زمانه، وأنها كانت في زمن النبي ﷺ دارَ كفرٍ، وهذا احتجاجٌ باطل؛ لأن الشأم -أيضًا- كانت دارَ كفر بإجماع النقلَة، على ما حكاه ابن بزيزة. وإنَّما (٤) وقَّت النبيُّ ﷺ هذه المواقيت على حسب ما علمَه

стр. 1884

بالوحي من فتح المدائن والأقطار (١) لأمته، وقد قال ﵊: "زُوِيتْ لِيَ الأَرْضُ، فَأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا"، الحديث (٢)، وفي "الصحيح" عن سفيان بن أبي زهير، قال: سمعت رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "تُفْتَحُ اليَمَنُ (٣)، فَيَأْتِي قَوْمٌ يبَسُّونَ، فَيَحْتَمِلُونَ (٤) بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" الحديث (٥)، والبَسُّ: السَّوْقُ اللَّيِّنُ. وأخبر ﵊ بفتح مصرَ، فقال: "وَإنَّهُمْ سَيَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُذْكَرُ فِيهَا القِيرَاطُ" (٦)، و"إِنَّ عِيسَى ﵊ يَقُومُ عَلَى المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ" (٧)،

стр. 1885

وكلُّ ذلك في "الصحيح". وفي "الصحيح" من هذه الأحاديثُ ما يطول (١) ذكرَه. فثبت أَنْ لا دليلَ في ذلك، أعني: كونهَا في زمانه ﵊ دارَ كفرٍ. وبالجملة: فكل عراقي ومشرقي، أحرمَ من ذاتِ عرقٍ، فقد أجزأه عندَ (٢) الجميع. قال ابن عبد البر: والعَقيقُ أحوطُ، وأَوْلى عندَهم (٣). مسألة: قال بعضُ المتأخرين من أصحابنا: اختلف العلماء في الرجل يجاوزُ ميقاته إلى ميقات آخر أقربَ إلى مكة، فقيل: عليه دمٌ، وهو المنصوص عن مالك، ولأصحابه في ذلك قولان: فقال بعضهم بإيجاب الدم عليه، وهو قول الشافعي. وأسقطه بعضهم، وهو قول أبي حنيفة. واختَلف المذهبُ في المريض يكون من أهل المدينة، هل له أن يؤخِّر إحرامَه إلى الجحفة؛ لأنها أقربُ إلى مكة، أم ليس له ذلك؟ والصحيح: الجوازُ مع الضرورة. واختلفوا فيمن جاوز الميقات، وأحرمَ بعدَه، ثم رجع إلى

стр. 1886

الميقات، هل يسقط عنه الدم، أم لا؟ فقال مالك، وأبو حنيفة: لا ينفعُه رجوعُه، وعليه دمٌ. وقال زُفَرُ: عليه دمٌ، رجعَ، أو لم يرجع. وقال الشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف: إن رجع إلى الميقات، سقط عنه الدمُ، وإن تمادى ولم يرجع، فعليه الدم. وقد تقدم أن سعيد بن جبير يقول ببطلان حجه. وقال عطاءٌ: لا شيءَ عليه، لا من دم، ولا غيره. واختلفوا -أيضًا- فيمن جاوزَ الميقاتَ لا يريد حجًا ولا عمرة، ثم بدا له، وعزمَ على أحدهما، هل يُحرم من موضعه ذلك، ولا دمَ عليه، أو يرجعُ إلى الميقات؟ وهو قول أحمد، وإسحاق. والأولُ قولُ الفقهاء الثلاثة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة. واختلفوا -أيضًا- فيمن أفسدَ حجَّه، من أين يَقضيه، هل من حيثُ أفسدَه، أم من الميقات، أو هو بالخيار في ذلك؟ فبالأول قالَ الشافعي، وبالثاني قال الحسينُ بنُ حيي، والثوري، وبالثالث قال أبو حنيفةَ وأصحابُه (١)، واللَّه الموفق. * * *

стр. 1887

الحديث الثاني ٢٠٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَبَلَغَنِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَمُهَلُّ (١) أَهْلِ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ" (٢).

стр. 1888

قد تقدم أن قوله ﵊: "يهلُّ [أهلُ] المدينة من ذي الحليفةِ" إلى آخره، صيغةٌ خبر يُرادُ بها الأمرُ، وقدَّمَ المصنفُ حديثَ ابن عباس على هذا الحديث؛ لاشتماله على زيادة عَرِيَ عنها حديثُ ابنِ عمر هذا، وهي سماعُ ابنِ عباس منه ﵊ لميقات أهل اليمن، فلذلك حَسُنَ تقديمُه عليه (١)، واللَّه أعلم.

стр. 1889

باب ما يلبس المحرم من الثياب الحديث الأول ٢٠٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّراوِيلَاتِ، وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ" (١).

стр. 1890

وَلِلْبُخَارِيِّ: "وَلَا تنتقِبُ المَرْأَةُ، وَلَا تَلْبَسُ القُفَّازينِ" (١).

стр. 1891

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الأصلُ في الجواب المطابقةُ، والزيادةُ المفيدةُ عليها حسنةٌ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ [طه: ١٧ - ١٨]، فهذا الجواب المطابق، ثم زاد قوله: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه: ١٨] الآيةَ، افتراضًا للخطاب، واستعذابًا للجواب، حتى لو أمكنه زيادةٌ، لزادَ، وكيف لا، وهو في مقامِ الاقتراب، مكالمٌ ربَّ الأرباب؟! وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤]؛ فقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] جاء بعدَ المطابقة مما تقدم، فجاءت الزيادةُ عليها في أعلى مقامات البلاغة؛ لأن المعنى: إن كان يرجى منكم الإيقانُ الذي يؤدي إليه النظرُ الصحيح، نفعكم هذا الجوابُ، وإلَّا، لم ينفع، أو إن كنتم موقنين بشيء قط، فهذا أولى ما توقنون به؛ لظهوره، وإنارة دليله، وأشباهُ ذلك كثيرة. فأما إن عريتِ الزيادةُ عن الفائدة، كانت عِيًّا ورَكاكةً، وذلك نحو قولك (١) في جواب مَنْ قال: من جاءك؟ -مثلًا-: جاءني زيد، وانطلق عمرٌو، وسافر بكرٌ، وليس غرض السائل إلا معرفة من جاءك لا غير، فمثلُ هذا يَمُجُّه السمعُ، وينفِرُ عنه (٢) الطبع.

стр. 1892

فأما إن كان السائلُ لم يحرر السؤال، ولم يُحْسِنْه، فللمجيب تغييرُ سؤاله معنى، وإجابتُه بجواب صالح للسؤال الذي كان ينبغي الإتيانُ به؛ كما في هذا الحديث، فإن وَجْهَ السؤال فيه: يا رسول اللَّه! مالذي لا يلبسه المحرم؟، فإن ما لا يلبسه المحرمُ منحصرٌ، وما يلبسه غيرُ منحصر؛ إذ الأصلُ (١) الإباحةُ، فأجابه ﵊ بما يناسب السؤالَ المحرَّرَ الذي كان حقُّه أن يأتي به، فقال: لا يلبسُ كذا، ولا يلبس كذا، حتى كأن السائل قال: يا رسول اللَّه! ما الذي لا يلبسه المحرم؟ فتنبهْ لهذه القاعدة، تجدْ لها في كلِّ ما يَرِدُ عليك من مثل هذا أعظمَ فائدة، وأجزلَ عائدة، وباللَّه التوفيق والعصمة (٢).

стр. 1893

فائدة: اعلمْ: أن الإحرامَ يمنع من (١) عشرة أشياءَ: لبسِ المخيطِ كلِّه، وتغطيةِ رأسِه ووجهِه، ولبس الخفيْنِ وما في معناهما، والطيبِ كلِّه، وتقليمِ الأظفار، وحلقِ الشعر، وقتلِ القملِ وسائر الدوابِّ التي ليست بصيدٍ، إلا ما استثناه الحديثُ، وقتلِ الصيد، والنكاحِ، فلا يَعْقِدُ له، ولا لغيرِه، والوطءِ ودواعيه (٢). الثاني: الألفُ واللام في (المحرِم) للجنس، ولذلك جمع ﵊ القُمُصَ وما بعدها، ولو أريد المحرمُ الواحد؛ لقيل: لا يلبس قميصًا، ولا عمامة، ونحو ذلك، فأفرد. ع: أجمع المسلمون على أن ما ذُكر لا يلبسه المحرم، وأنه نبه بالقُمُص والسراويلات على كلِّ مخيط، وبالعمائم والبرانس على كلِّ ما يُغَطَّى به الرأسُ، مخيطًا، أو غيره، وبالخِفاف على كل ما ستر الرِّجْل، وأن لباس هذا جائز للرجال في غير الإحرام؛ لأن خطاب النبي ﷺ إنما كان لهم؛ ولأن النساء مأمورات بستر رؤوسهنَّ.

стр. 1894

قال: ومنع علماؤنا المحرم (١) من جميع (٢) ما نهى عنه من لباس؛ ليبعدَ (٣) عن الترفُّه، وليتَّسِمَ بسماتِ المتذللين الخاشعين الذي خروجُه لذلك الغرض؛ من تَذَلُّلِهِ لربه، وضراعته لغفر ذنبه، وكذلك امتناعه من الطيب والنساء من ذلك، ليبعدَ عن أعراض الدنيا (٤) في سفره، وزينةِ حياتها ولذَّاتها (٥) جهدَه، فتخلص نيتُه، وينفرد همُّه بما خرج له، فلعلَّ اللَّه أن يُنيله من عَوْنه ومن رحمته فيرحَمَهُ (٦). تنبيه: البرانِس هنا: قَلانِسُ طِوالٌ. قال الجوهري: كان يلبسها النُسَّاك (٧) -يعني: الزُّهَّادُ-، وليست على ما يفهمه الناسُ اليوم من حيثُ العُرف. الثالث: قوله ﵊: "إلا أحدٌ لا يجد نعلين، فيقطعهما أسفلَ من الكعبين"، فإن لبسهما تامَّين (٨)، فعليه الفديةُ. وقال عطاءٌ: لا يقطعُهما؛ لأن في قطعهما فسادًا؛ وكذلك

стр. 1895

قال أحمد بن حنبل، وبقول مالك قال الثوريُّ، والشافعيُّ، وإسحاق. قال الخطابي: والعجبُ من أحمدَ في هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنةً تبلُغه، وقلَّت سنةٌ لم تبلُغْه، ويشبه أن يكون إنما ذهب إلى حديث ابن عباس، وليست هذه الزيادة فيه، وإنما رواها ابن عمر، إلا أن الزيادات مقبولة. وقول عطاء: إنَّ قطعها فسادٌ، يشبه أن يكون لم يبلُغْه حديثُ ابن عمر، وإنما الفساد أن يفعل ما نهت عنه الشريعةُ، وأما ما أَذِنَ فيه الرسولُ ﷺ ، فليس بفساد (١). قلت: وما أحسنَ جوابَ من قيل [له]: لا خيرَ في السَّرَف، فقال: لا سَرَفَ في الخير. الرابع: اللبسُ هنا محمول عند الفقهاء على اللبس المعتاد في القميص، لا الارتداء، فلو ارتدى بقميص، أو جبة، فلا بأس، وكذلك لو التحفَ بأحدهما. ولو لبس القباء، لزمته الفديةُ، وإن لم يُدخل اليَدَ في الكُمِّ، ولا زَرَّه؛ هذا مذهبنا. وقال بعض الناس: لا فديةَ عليه. ووجه ما ذهبنا إليه: أن ذلك من المعتاد فيه أحيانًا، فاكتفي في التحريم بذلك (٢).
следующие страницы →