* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: الأصلُ في الجواب المطابقةُ، والزيادةُ المفيدةُ عليها حسنةٌ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ [طه: ١٧ - ١٨]، فهذا الجواب المطابق، ثم زاد قوله: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه: ١٨] الآيةَ، افتراضًا للخطاب، واستعذابًا للجواب، حتى لو أمكنه زيادةٌ، لزادَ، وكيف لا، وهو في مقامِ الاقتراب، مكالمٌ ربَّ الأرباب؟!
وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤]؛ فقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] جاء بعدَ المطابقة مما تقدم، فجاءت الزيادةُ عليها في أعلى مقامات البلاغة؛ لأن المعنى: إن كان يرجى منكم الإيقانُ الذي يؤدي إليه النظرُ الصحيح، نفعكم هذا الجوابُ، وإلَّا، لم ينفع، أو إن كنتم موقنين بشيء قط، فهذا أولى ما توقنون به؛ لظهوره، وإنارة دليله، وأشباهُ ذلك كثيرة.
فأما إن عريتِ الزيادةُ عن الفائدة، كانت عِيًّا ورَكاكةً، وذلك نحو قولك (١) في جواب مَنْ قال: من جاءك؟ -مثلًا-: جاءني زيد، وانطلق عمرٌو، وسافر بكرٌ، وليس غرض السائل إلا معرفة من جاءك لا غير، فمثلُ هذا يَمُجُّه السمعُ، وينفِرُ عنه (٢) الطبع.
стр. 1892
فأما إن كان السائلُ لم يحرر السؤال، ولم يُحْسِنْه، فللمجيب تغييرُ سؤاله معنى، وإجابتُه بجواب صالح للسؤال الذي كان ينبغي الإتيانُ به؛ كما في هذا الحديث، فإن وَجْهَ السؤال فيه: يا رسول اللَّه! مالذي لا يلبسه المحرم؟، فإن ما لا يلبسه المحرمُ منحصرٌ، وما يلبسه غيرُ منحصر؛ إذ الأصلُ (١) الإباحةُ، فأجابه ﵊ بما يناسب السؤالَ المحرَّرَ الذي كان حقُّه أن يأتي به، فقال: لا يلبسُ كذا، ولا يلبس كذا، حتى كأن السائل قال: يا رسول اللَّه! ما الذي لا يلبسه المحرم؟ فتنبهْ لهذه القاعدة، تجدْ لها في كلِّ ما يَرِدُ عليك من مثل هذا أعظمَ فائدة، وأجزلَ عائدة، وباللَّه التوفيق والعصمة (٢).
стр. 1893
فائدة: اعلمْ: أن الإحرامَ يمنع من (١) عشرة أشياءَ: لبسِ المخيطِ كلِّه، وتغطيةِ رأسِه ووجهِه، ولبس الخفيْنِ وما في معناهما، والطيبِ كلِّه، وتقليمِ الأظفار، وحلقِ الشعر، وقتلِ القملِ وسائر الدوابِّ التي ليست بصيدٍ، إلا ما استثناه الحديثُ، وقتلِ الصيد، والنكاحِ، فلا يَعْقِدُ له، ولا لغيرِه، والوطءِ ودواعيه (٢).
الثاني: الألفُ واللام في (المحرِم) للجنس، ولذلك جمع ﵊ القُمُصَ وما بعدها، ولو أريد المحرمُ الواحد؛ لقيل: لا يلبس قميصًا، ولا عمامة، ونحو ذلك، فأفرد.
ع: أجمع المسلمون على أن ما ذُكر لا يلبسه المحرم، وأنه نبه بالقُمُص والسراويلات على كلِّ مخيط، وبالعمائم والبرانس على كلِّ ما يُغَطَّى به الرأسُ، مخيطًا، أو غيره، وبالخِفاف على كل ما ستر الرِّجْل، وأن لباس هذا جائز للرجال في غير الإحرام؛ لأن خطاب النبي ﷺ إنما كان لهم؛ ولأن النساء مأمورات بستر رؤوسهنَّ.
стр. 1894
قال: ومنع علماؤنا المحرم (١) من جميع (٢) ما نهى عنه من لباس؛ ليبعدَ (٣) عن الترفُّه، وليتَّسِمَ بسماتِ المتذللين الخاشعين الذي خروجُه لذلك الغرض؛ من تَذَلُّلِهِ لربه، وضراعته لغفر ذنبه، وكذلك امتناعه من الطيب والنساء من ذلك، ليبعدَ عن أعراض الدنيا (٤) في سفره، وزينةِ حياتها ولذَّاتها (٥) جهدَه، فتخلص نيتُه، وينفرد همُّه بما خرج له، فلعلَّ اللَّه أن يُنيله من عَوْنه ومن رحمته فيرحَمَهُ (٦).
تنبيه: البرانِس هنا: قَلانِسُ طِوالٌ.
قال الجوهري: كان يلبسها النُسَّاك (٧) -يعني: الزُّهَّادُ-، وليست على ما يفهمه الناسُ اليوم من حيثُ العُرف.
الثالث: قوله ﵊: "إلا أحدٌ لا يجد نعلين، فيقطعهما أسفلَ من الكعبين"، فإن لبسهما تامَّين (٨)، فعليه الفديةُ.
وقال عطاءٌ: لا يقطعُهما؛ لأن في قطعهما فسادًا؛ وكذلك
стр. 1895
قال أحمد بن حنبل، وبقول مالك قال الثوريُّ، والشافعيُّ، وإسحاق.
قال الخطابي: والعجبُ من أحمدَ في هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنةً تبلُغه، وقلَّت سنةٌ لم تبلُغْه، ويشبه أن يكون إنما ذهب إلى حديث ابن عباس، وليست هذه الزيادة فيه، وإنما رواها ابن عمر، إلا أن الزيادات مقبولة.
وقول عطاء: إنَّ قطعها فسادٌ، يشبه أن يكون لم يبلُغْه حديثُ ابن عمر، وإنما الفساد أن يفعل ما نهت عنه الشريعةُ، وأما ما أَذِنَ فيه الرسولُ ﷺ ، فليس بفساد (١).
قلت: وما أحسنَ جوابَ من قيل [له]: لا خيرَ في السَّرَف، فقال: لا سَرَفَ في الخير.
الرابع: اللبسُ هنا محمول عند الفقهاء على اللبس المعتاد في القميص، لا الارتداء، فلو ارتدى بقميص، أو جبة، فلا بأس، وكذلك لو التحفَ بأحدهما.
ولو لبس القباء، لزمته الفديةُ، وإن لم يُدخل اليَدَ في الكُمِّ، ولا زَرَّه؛ هذا مذهبنا.
وقال بعض الناس: لا فديةَ عليه.
ووجه ما ذهبنا إليه: أن ذلك من المعتاد فيه أحيانًا، فاكتفي في التحريم بذلك (٢).
стр. 1896
الخامس: قوله ﵊: "ولا يلبسُ من الثياب" إلى آخره، الزعفران: معروف، والوَرْسُ: نبتٌ باليمن (١) يُصْبَغ به، وقد قيس عليه ما في معناه من الطِّيب، وما اختلفوا فيه، فاختلافهم بناء على أنه من الطيب، أَوْ لا؟
ع: أجمعت الأمة أن المحرِمَ لا يلبس ما صُبغَ بزعفرانٍ، أو وَرْسٍ، وذلك لما فيها من الطيب الذي هو داعيةٌ للجِماع، ومن التجمُّل الذي يُنافي بذاذة الحاج.
والرجالُ والنساءُ في هذا سواء، وعلى لابسِ ذلك منهما الفديةُ عند مالك، وأبي حنيفة.
ولم ير الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأحمد عليه شيئًا إذا فعل ذلك ناسيًا.
واختلفوا في المُعَصْفَر، فرآه الثوريُّ، وأبو حنيفةَ طيبًا كالمزعفر، وفيه الفديةُ (٢)، ولم يره مالك، والشافعيُّ طيبًا، وكره مالكٌ المفَدَّمَ (٣) منه.
قلت: قال الجوهري: ثوبٌ مُفَدَّمٌ: إذا كان مصبوغًا بحُمرة مشبعًا (٤).
стр. 1897
قال: واختُلف عنه (١) هل على لابسه فدية؟ واختلف [فيه] أصحابُه، وأجاز مالكٌ سائرَ الثيابِ المصبغةِ بغير هذا، وكرهها بعضُهم لمن يُقتدى به، فيظن (٢) به جواز لباس كلِّ مصبوغ (٣).
وقال الخطابي: إن المحرِم منهيٌّ عن الطيب في بدنه وفي لباسه، وفي معناه: الطيبُ في طعامه؛ لأن بغيةَ الناس في تطييب الطعام كبغيتهم في تطييب اللباس (٤).
قلت: قال أصحابنا: لا شيء عليه في أكل الخبيص المزعْفَر، وقيل: إن صبغَ الفمَ، فعليه الفديةُ، وما خُلط بالطيب من غير طبخ، ففي إيجاب الفدية به روايتان.
قالوا: ولو بطلت رائحة الطيب، لم يُبح استعمالُه، ومعنى الاستعمال: إلصاقُ الطيب باليد، أو الثوب، فإن عبق به الريحُ دونَ العين؛ كجلوسه في حانوت عطار، أو في بيحت تَجَمَّرَ (٥) ساكنوه، فلا فديةَ عليه، مع كراهة تماديه على ذلك.
стр. 1898
ولو (١) مس جرمَ الطيب، فإن عبقت به رائحتُه، وأبقاه (٢)، افتدى، وإن لم يعبق، أو عبقَ ومسحَه في الحال، ففي وجوب الفدية الخلاف المتقدم.
ولو حمل مسكًا في قارورة مصمَّمَةِ الرأس، فلا فدية عليه.
وما تجب به من ذلك الفديةُ تجبُ بفعلِه عمدًا أو سهوًا، أو اضطرارًا أو جهلًا، فإن ألقت الريح عليه طيبًا، فليبادرْ إلى غسله، فإن تراخى، لزمته الفدية، وكذلك إن كان نائمًا، فطيبه غيرُه، فليغسلْه عند الانتباه، فإن أَخَّر، افتدى، وعلى فاعلِه به الفديةُ بنسك، أو طعام، لا بصيام، فإن كان عديمًا، فليفتد المحرِمُ، ويرجع على الفاعل إن أيسر بالأول من ثمن الطعام، أو ثمن (٣) النسك إن افتدى بأحدهما، وإن صامَ، فلا يرجع عليه بشيء، واللَّه أعلم (٤).
السادس: القُفَّازان: بضم القاف وتشديد الفاء.
قال الجوهري: شيء يُعمل لليدين، يُحشى بقطن، ويكون عليه أزرارٌ تُزَرُّ على الساعدين من البرد، تلبسه المرأةُ في يديها (٥).
واختلف أصحابنا إذا لبستهما المرأة في وجوب الفدية على
стр. 1899
قولين، والمعروفُ: وجوبها؛ لأن إحرام المرأة في وجهها وكَفَّيها، ولم يختلفوا في الرجل إن لبسهما أن عليه الفدية، وكذلك ليس لها لبس النقاب ولا البرقع ولا اللثام، فإن فعلت شيئًا، من ذلك افتدت (١)، واللَّه أعلم.
* * *
قوله: "بعرفات": قال الجوهري: عَرَفاتٌ موضعٌ بمنى، وهو اسمٌ في لفظ الجمع، فلا يُجمع، وهو مُنَوَّنٌ، وإن كان فيه العلميةُ والتأنيث؛ لأن التنوينَ فيه تنوينُ مقابلةٍ لجمع المذكر السالم، لا تنوينُ صرف؛ للعلَّتين المذكورتين. قال الفراء: ولا واحدَ له بصحة، وقول الناس: نزلنا عَرَفَةَ شبيهُ بمولِّدٍ، فليس بعربي، وهو معرفةٌ وإن كان جمعًا؛ لأن الأماكن لا تزول، فصار كالشيء الواحد، فخالف (١) الزَّيْدِين، ومثله أَذرِعات، وعانات، وعريتنات (٢).
وقوله ﵊: "مَنْ لَمْ يَجدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ": ظاهرُه: لبسُهما تامَّين، ولكن الحديث الذي قبلَه يفسِّرُه، وهو قوله ﵊: "إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ"، فيُرَدُّ المطلَق فيهما (٣) إلى المقيَّد.
قال ابنُ الجلاب: وإذا وجدَ النعلين غاليين، فله لبسُ الخفين
стр. 1902
المقطوعَيْن (١). فجعل غلاءَهما كعدمهما.
قلت: وهذا كما إذا وجدَ الماءَ غاليًا غلاءً فاحشًا، فإنه يجوز له التيممُ والحالةُ هذه.
وقوله ﵊: "وَمَنْ لَمْ يَجدْ إِزَارًا" إلى آخره، الإزارُ: معروف، وهو يذكَّر ويؤنَّث، ويُقَالُ -أيضًا-: إِزارة؛ كالوِساد والوِسادة، أنشد الجوهريُّ للأعشى:
كتَمَيُّلِ النَّشْوَانِ يَرْ ... فُلُ في البَقِيرِ وَفي الإِزَارَهْ
وجمعُ القلة آزِرَة، والكثرة أُزُر؛ مثل: حمار وأَحْمِرَة وحُمُر.
وقد يعبر عن المرأة بالإزار، قال الشاعر:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا حَفْصٍ رَسُولًا ... فِدًى لَكَ مِنْ أَخِي ثِقَةٍ زَارِي
قال أبو عمر الجرمي: يريد بالإزار هاهنا: المرأةَ، والمِئْزَرُ: الإزارُ، وهو كقولهم: لحاف ومِلْحَفٌ، وقِرَامٌ ومِقْرَمٌ (٢)، والإِزْرَة -بالكسر-: هيئةُ الاتِّزار؛ كالجِلْسة، والرِّكْبَة (٣).
وأما السَّراويل، فيُذَكَّرُ -أيضًا- ويؤنث، والجمعُ سَراويلات.
قال الجوهري: قال سيبويه: سراويلُ واحدة، وهي أعجمية
стр. 1903
عُرِّبت، وأشبهَتْ من كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، كما أشبه بِقُم الفعلَ، ولم يكن له نظير في الأسماء، فإن خص بها (١) اسمُ رجل، لم تصرفْها؛ كما لا يصرف (٢) عَناقِ اسمُ رجل، انتهى كلام سيبويه ﵀.
ومن النحويين من لا يصرفه -أيضًا- في النكرة، ويزعم أنه جمع سِرْوال وسِرْوالة، وينشد:
عليه من اللؤم سِرْوالة
ويَحتج في ترك صرفه بقول ابنِ مُقْبِل:
فَتًى فَارِسِيٌّ في سَرَاوِيلَ رَامِحُ
والعمل على القول الأول، والثاني أقوى عند بعضهم (٣)، واللَّه أعلم.
ولتعلمْ (٤): أن ظاهر الحديث: أنه إذا لم يجد إزارًا، جاز له لبسُ السراويل، ولا فديةَ عليه، وإلى هذا ذهب عطاءٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاق، وحُكي ذلك عن الثوري.
وقال مالك: ليس له أن يلبس السراويل؛ يعني: مع عدم المئزر.
стр. 1904
وقال ابن الجلاب: فإن فعل ذلك، فعليه الكفارةُ (١).
وهو خلاف ظاهر الحديث؛ أعني: قول مالك ﵀.
قال الإمام المازري: وإنما لم يأخذ مالك بهذا الحديث؛ لسقوطه من رواية ابن عمر (٢).
ع: وقد ذكره مسلم أيضًا من رواية جابر.
وقال مالك في "الموطأ": لم أسمع بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرمُ السراويل، واحتجَّ بأن النبي ﷺ منعَ لبسَه، ولم يستثنِ فيه كما استثنى في الخفين (٣).
وظاهر الكلام يدلُّ على أن هذه الزيادة لم تبلغ مالكًا، أو لم يبلغه لبسُها على حالها، وكذلك قولُه: ولا أرى أن يلبسها المحرم إلا على الوجه المعتاد دون تغيير؛ كما قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، أو (٤) لا يلبسها دون فدية (٥).
وبالجملة: فهذا الحديث مجمَل، وقد فُسِّر بغيره من الأحاديث في هذا الباب، وإن الزيادة التي (٦) حفظ ابنُ عمر ﵄ من ذلك تحكُم على حديث ابن عباس، وجابر، فلا دليل فيه لمن يرى لبسَ السراويلِ
стр. 1905
والخفين من غير قطع جمودًا على ظاهر هذا الحديث، واللَّه أعلم.
* * *
التلبية: مصدر لَبَّى، ثُنِّي للتكثير والمبالغة، ومعناه: إجابةً بعدَ إجابة، ولزومًا لطاعتك؛ لأنه يقال: أَلَّبَ بالمكان: إذا لزمَه، وأقامَ به.
ع: فتثنيتُه للتأكيد، لا تثنيةُ حقيقة، بمنزلة قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]؛ أي: نعمتاه (١)، على تأويل اليد بالنعمة، ونعمُ اللَّه لا تُحصى.
قال يونس: إنها اسم مفرد، وإن ألِفَه إنما انقلبت ياء، لاتصالها بالضمير على حد يدي، ومذهب سيبويه أنه مثنى؛ بدليل قلبها ياء مع المظهر، قال الشاعر:
دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَرًا ... فَلَبَّى فَلَبَّى يَدَيْ مِسْوَرُ
قال ابن الأنباري: ثنُّوا لَبَّيْكَ، كما ثَنَّوا حَنَانَيْكَ، أي: تَحَنُّنٌ بعدَ تَحَنُّنٍ، وأصلُ لَبَّيْكَ: لبببك، فاستثقلوا الجمعَ بين ثلاث باءات، فأبدلوا الثالثةَ ياء؛ كتَظَنَّيْت، وقَصَّيْت، والأصل: تَظَنَّنْت، وقَصَّصْت.
стр. 1908
ع: واختلفوا في معنى لَبَّيْكَ واشتقاقِها، كما اختلفوا في صيغتها، فقيل: معنى لبيك: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذٌ من قولهم: داري تلبُّ دارَك؛ أي: تواجهها.
وقيل: معناها: محبتي لك، مأخوذٌ من قولهم: امرأة لَبَّةٌ: إذا كانت محبةً لولدها، عاطفة عليه.
وقيل: معناه: إخلاصي لك، مأخوذ (١) من قولهم: حَسَبٌ (٢) لُباب: إذا كان خالصًا مَحْضًا، ومن ذلك لُبُّ الطعام، ولُبابه.
وقيل: معناه: أنا مقيم على طاعتك وإجابتك، مأخوذٌ من قولهم: قد لَبَّ الرجلُ بالمكان، وألَّبَ به (٣): إذا أقام فيه، ولزمه.
قال ابن الأنباري: وإلى هذا المعنى كان يذهب الخليل، والأحمر.
وقال الحربي في معنى لبيك؛ أي: قربًا منك وطاعة، والإلباب: القرب.
وقيل: معناه: أنا مُلِبٌّ بين يديك؛ أي: مختضع، واللَّه أعلم.
وهذه الإجابة لقوله -تعالى- لإبراهيم ﵊: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] (٤).
стр. 1909
روي أن إبراهيم ﵊ لما أُمر بالأذان بالحج، قال: يا رب! وإذا ناديتُ فمن يسمعني؟! فقيل له: نادِ يا إبراهيم، فعليكَ النداءُ، وعلينا البلاغُ، فصعِد على أبي قُبيس، وقيل: على حَجَر المقام، وقال: يا أيها الناس! إن اللَّه قد أمركم بحجِّ هذا البيت، فحُجُّوا.
قال ابن عطية: اختلفت الروايات في ألفاظه ﵊، واللازم أن يكون فيها ذكرُ البيت والحجِّ. وروي: أنه يوم نادى، أسمعَ كلَّ مَنْ يحجُّ إلى يوم القيامة في أصلاب الرجال، وأجابه كلُّ شيء في ذلك الوقت من جماد وغيره: لبيك اللهمَّ لبيك، فَجَرَتِ التلبيةُ على ذلك، قاله: ابن عباس، وابن جبير (١).
وقوله: "إن الحمد والنعمة": يروى بكسر الهمزة من (إن)، وفتحها.
قال الخطابي: الفتحُ روايةُ العامَّة (٢)، قال ثعلبٌ: الاختيارُ الكسرُ، وهو أجودُ معنى من الفتح، لأن الذي يكسِر يذهب إلى أن المعنى: إن الحمدَ والنعمة لك على كل حال، والذي يفتحها يذهب إلى معنى: لبيك لهذا (٣) السبب.
قلت: يريد: فمن كسر، عَمَّ، ومن فتح، خَصَّ، وليس كذلك إذا أُعطي من التأمل حَقَّه.
стр. 1910
ويجوز (والنعمةُ لك) [بالرفع] على الإبتداء (١)، والخبر محذوف تقديره: إن الحمدَ لك (٢)، والنعمة لك.
قال ابن الأنباري: وإن شئتَ جعلتَ خبر (إن) محذوفًا.
وقوله: "وسَعْدَيْك" إعرابها وتثنيتها كما تقدَّم في (لبيك)، ومعناه: ساعدت طاعتك يا ربِّ! مساعدةً بعدَ مساعدةٍ.
وقوله: "والخير بيديك"؛ أي: الخيرُ كلُّه بيد اللَّه (٣)، وهو في المعنى -واللَّه أعلم- كقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤].
فائدة كلامية (٤): قال ابن فورك في "كتاب المقدمات" له: اعلم أنا نقول: إن ما وصف اللَّه -تعالى- به نفسَه؛ من أن له يَدَين بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] هما صفتان له، طريقُ إثباتهما الخبرُ، ولا يجوزُ أن يُقَالَ: هما بَعْضان، أو عضْوان، أو غيران، كما يوصف بذلك غيرُهما من الأيدي، وليس هما بمعنى الملك والقدرة، ولا بمعنى النعمة والصلة، بل هما بمعنى الصفة، والدليلُ على ذلك
стр. 1911
قوله -تعالى- مخبرًا عن اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، فكذَّبهم، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، فأثبت اليدَ لنفسه، ونفى الغلَّ عنها؛ كما ادعته اليهود، وتواترت الأخبارُ عن الرسول ﵊: أنه قال: "كَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وَغَرَسَ شَجَرَةَ طُوْبَى بِيَدِهِ، وَخَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ" (١)، وقال -أيضًا-: "كِلْتَا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يمَيِن" (٢)، فوجب قبولُ ذلك، والتسليمُ له، ونفيُ التشبيه عنه.
فإن قيل: كيف يعقل يدٌ ليست بجارحةٍ ولا نعمةٍ، ولا قدرةٍ ولا ملكٍ؟ قيل: ليس المعوَّلُ (٣) في إثباتِ الحقائقِ على معقولِ الشَّاهِدِ، ولو كان كذلك، لَبَطُلَ التوحيدُ من جهة أن الموجود إذا لم يكن جسمًا ولا عَرَضًا ولا جوهرًا غيرُ معقول في الشاهد، والحيّ إذا لم يكن حَسّاسًا وجائيًا يتحرك ويسكن غيرُ معقول في الشاهد، والمتكلِّم إذا لم يكن ذا لسان وشفتين، ولَهاة وأسنانٍ ومخارج غيرُ معقول، ومع ذلك، فلم يمنع إثبات موجود حيٍّ متكلِّمٍ (٤) على خلاف معقول الشاهد؛ من جهة إيجاب الدليل لذلك، كذلك وردَ
стр. 1912
خبرُ الصادق الذي خبرُه حجَّةٌ، فوجب إثباتُ اليدين على الوجه الذي قلنا، واللَّه أعلم.
وقوله: والرغباء إليك": روي بضم الراء مع القصر، وبفتحها مع المد؛ كالنُّعْمى والنَّعْماء سواء.
وحكى أبو عليٍّ القالي في ذلك أيضًا: الفتحَ والقَصْرَ؛ مثل سَكْرَى، ومعناه: الطلبُ والمسألة؛ أي: الرغبةُ إلى مَنْ بيده الخيرُ، وهو المقصودُ بالعمل، الحقيقُ بالعبادة (١).
وانظر اختيارَ ابنِ عمرَ لهذه الزيادة على تلبيةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وهو من أتبع الصحابة لرسول اللَّه ﷺ ، وأرعاهم لما يصدُرُ عنه من قولٍ أو فعلٍ، حتى أدارَ راحلَتُهُ حيثُ أدارها النبي ﷺ ؛ اقتداءً به من غير تعليل؛ كما هو في الأثر المشهور عنه.
إذا ثبت هذا، فقد اختُلف في حكم التلبية، فقال أبو حنيفة: هي واجبة، وقال مالك، والشافعيُّ: هي سُنَّة.
واختُلف إذا لم يأت بها، فعند مالك: يلزمه دم، ولم يلزمه ذلك عند الشافعي.
فأما إن أتى بها -ولو مرة واحدة-، فلا دم عليه عند مالك أيضًا (٢).
стр. 1913
فإن أهلَّ بما في معناها من التسبيح والتهليل، لم يكن عليه لذلك دم، بخلاف تارك ذلك كلِّه عندنا، وابنُ حبيب من أصحابنا ينزلها منزلة تكبيرة الإحرام في الصلاة.
قال ابن شاس: فعلى حقيقة تشبيهه لو نوى وتوجَّه نحوَ البيت من غير تلبية، لم ينعقد إحرامه، أما لو تجرَّدَت النيةُ عنهما -يعني: التلبيةَ والتوجُّهَ-، فالمنصوص: أنه لا ينعقد.
قال: ورأى اللخميُّ إجراء الخلاف في هذه الصورة من الخلاف في مسألة انعقاد اليمين بمجرد النية، وأنكر الشيخ أبو الطاهر هذا الاستقراء، وقال: لم يختلف المذهب أن العبادات لا تلزم إلا بالقولِ، أو بالنيةِ، والدخولِ فيها، وهو الشروع.
قلت: والذي نقله ع عن المذهب يخالف هذا؛ فإنه قال: وعند مالك، والشافعي: أن الحج يصحُّ الدخولُ فيه بالنية خاصَّة، وأنه ينعقد بالقلب؛ كما ينعقد الصومُ، وعند أبي حنيفة: لا ينعقد إلا بمقارنة التلبية، أو سَوْقِ الهدي؛ إلى (١): عقد القلب (٢).
فهذان النقلان متعارضان كما ترى، فانظر -إن أمكن- وجهَ الجمع بينهما.
стр. 1914
إشكال: قال الشيخ شهابُ الدين القرافي ﵀: كان الشيخ عزُّ الدين بنُ عبد السلام ﵀ يستشكل معرفةَ حقيقة الإحرام بالحجِّ، فإذا قيل له: إنه النية، اعترض عليه بأن النية شرطُ في الحجِّ الذي الإحرامُ ركنُه، وشرطُ الشيء غيرُه، ويعترض على أنه التلبية: بأنها ليست بركن، والإحرامُ ركنٌ، وكان يحوم على تعيين فعلٍ تتعلق به النيةُ في الابتداء (١). والإشكال قوي جدًا، واللَّه أعلم (٢).
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: الجملة التي هي: "تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ" في موضعِ خفضٍ، صِفَة لامرأة، قال: وسُمي يومُ القيامة اليومَ الآخِر (١)؛ لأنه لا ليلَ بعدَه، ولا يقال يومٌ إلا لما تقدمه ليلٌ (٢).
ولا يتوهم منه عدمُ خطاب الكفار بالفروع؛ لأن مثل هذا يأتي في كلام الشارع على معنى: أن (٣) المؤمن هو الذي ينقاد لأحكامنا، وينزجر عن مُحَرَّمات شرعنا، ويستثمر (٤) أحكامه، ويكون ذلك من
стр. 1917
باب التهييج والإلهاب، وأن مقتضاه: أن استحلال هذا المنهيِّ عنه لا يليق بمن يؤمن باللَّه واليوم الآخر، بل ينافيه (١)، حتى لو قيل: لا يحلُّ لأحد مطلقًا، لم يحصل هذا المعنى، وخطابُ التهييج معلومٌ عند علماء البيان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وتقول العرب: أَطِعْني إِنْ كنتَ ابني.
الثاني: قوله ﵊: "مسيرةَ يوم وليلة" جاء أيضًا: "فَوْقَ ثَلَاثٍ" (٢)، وروي: "ثَلَاثَ لَيالٍ" (٣)، وروي: "لا تُسَافِرُ المَرْأَةُ يَوْمَيْنِ" (٤)، وروي: "مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ" (٥)، وروي: "مَسِيرَةَ يَوْمٍ" (٦)، وروي: "يَومًا وَلَيْلَة" (٧)، وروي: "بَرِيدًا" (٨)، وحُمل هذا الاختلافُ على حسب اختلافِ السائلين، واختلافِ المواطن، وأن ذلك معلَّق
стр. 1918
بأقلِّ ما يقع عليه اسمُ السفر، واللَّه أعلم (١).
الثالث: قوله ﵊: "إلا مع ذي محرم": اختلف العلماء هل من شرط وجوب الحجِّ عليها الزوجُ، أو ذو المحرم يُطاوعها، أم لا؟
فقال مالكٌ، والشافعيُّ: ليس ذلك بشرط في الوجوب، ولها أن تخرجَ إِذا وَجَدَتْ رُفْقَةً مأمونةً.
قال ابن بزيزة: وقد وقع لمالكٍ: أنها إن لم تجد سبيلًا إلا في البحر، فلا يلزمها جملةً من غير تفصيل، قال: لأنها عورة.
وقال ابن القاسم: إذا لم تجد ما تركبه، وقدَرَتْ على المشي لم (٢) يلزمها الحجُّ، إلا أن يكون الموضع قريبًا جدًا؛ كأهل مكة، ومَنْ في عملِهم.
وقد قيل: إن الحج لازمٌ لها إذا قدرتْ على المشي، أو على ركوب البحر، مع أمانٍ غالبٍ.
وقال طاوسٌ، والنخعيُّ، والشعبيُّ، والحسنُ البصريُّ، والحسنُ ابنُ حُيَيٍّ، وأبو حنيفةَ، وأحمدَ: وجودُ ذي المحرم ومطاوعتُه شرطٌ في وجوب الحج عليها، ورأوا أنها لا تحجُّ إلا مع زوج، أو ذي محرم.
стр. 1919
وقال كثير من أهل العلم: إن كان لها زوجٌ، ففرضٌ عليه أن يحجَّ معها، فإن لم يفعل، فهو عاصٍ، وعليها الحجُّ دونه، وليس له منعُها من حجة الفريضة، وله منعُها من التطوع، وأما من لا زوجَ لها، ولا ذو محرم، فالحجُّ واجب عليها.
وقال سفيانُ: إن كانت من مكة على أقلَّ من ثلاث ليالٍ، فلها أن تحجَّ مع غير ذي محرم أو زوجٍ، وإن كانت على ثلاث ليال فصاعدًا، فليس لها أن تحج إلا مع زوج أو ذي محرم.
قال: والذي عليه الجمهور من أهل العلم: أن الرُّفْقَة المأمونة من المسلمين (١) تتنزل (٢) منزلةَ الزوج أو ذي المحرم، وذُكر عن عائشة ﵂: أن المرأة لا تسافر إلا مع ذي محرم، وقالت عائشة ﵂: ليس كل النساء تجد محرمًا (٣).
تحصيل: أجمع العلماء على أن الحج لازم للمرأة مع ذي المحرم أو الزوج، واختلفوا إذا لم يكن لها ولي، وفي مذهب مالك فيه ثلاثة أقوال:
قيل: إنها تسافر مع الرفقة المأمونة؛ تقديمًا لفريضة الحج.
стр. 1920
وقيل: لا تسافر إلا مع ذي وليٍّ.
والقول الثالث: أنها تسافر لحجة الفريضة مع غير ولي، ولا تسافر للتطوُّع إلا مع الوليِّ (١).
وفرق سفيانُ بين المسافة القريبة والبعيدة، فلا تسافر في المسافة البعيدة إلا مع الولي، أو ذي المحرم، وتخرج بالمسافة (٢) القريبة مع المأمون من الرفاق، وإن لم يكن وليٌّ.
قال: والصحيح عندنا: أن فريضة اللَّه في الحج لازمةٌ، والمؤمنون إخوة، وطاعةُ اللَّه -سبحانه- واجبة، وقد قال ﵊ "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ" (٣)، والمسجدُ الحرام أجلُّ المساجد، فكان داخلًا تحت مقتضى هذا الخبر، واللَّه أعلم.
ق: وهذه المسألة تتعلق بالنصين إذا تعارضا، وكان كلُّ واحد منهما عامًا من وجه، خاصًا من وجه.
بيانه: أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] يدخل تحته الرجال والنساء، فيقتصي ذلك أنها إذا وجدَتِ الاستطاعةَ المتفقَ عليها، أن يجب عليها الحج، وقوله ﵊: "لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ" الحديث، خاصٌّ بالنساء،
стр. 1921
عامٌّ في الأسفار، فإذا قيل به، وأخرج عنه سفر الحج، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، قال المخالف: بل يُعمل بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فتدخل المرأةُ فيه، ويخرجُ (١) سفرُ الحجِّ عن النهي، فيقوم في كل واحد من النصين عمومٌ وخصوص، ويحتاج إلى الترجيح من خارج، وذكر عن بعض الظاهرية: أنه ذهب إلى دليل من خارج، وهو قوله ﵊: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ" (٢)، ولا يتجه ذلك؛ فإنه عام في المساجد، فيمكن أن يخرج عنه المسجدُ الذي يُحْتَاجُ إلى السفرِ في الخروجِ إليه بحديث النهي (٣).
الرابع: لفظُ المرأة عامٌّ في الشابَّة والمتجالَّة، وخصَّهُ بعضُ أصحابنا بالشَّابَةِ، وقال في المتُجَالَّة التي لا تُشتهى: تسافر كيف شاءَت في الحجِّ وغيره، كان معها محرم، أم لا، وهو من باب تخصيصُ العمومِ بالمعنى (٤).
ولِقائلٍ أن يقولَ له: إن المرأة مَظِنَّة الطمعِ والشَّهوةِ، وإن كانت كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطةٍ لاقِطَةٌ، فلا فرق إذًا بين الشابة والمتجالَّة، وإن كانت النفسُ إلى الشابة أميلَ غالبًا.
стр. 1922
الخامس: لا فرقَ بين المَحْرَم من النسب؛ كالابن والأخ، أو مَحْرَم الرضاع، أو مَحْرَم الصِّهر؛ كأبي الزوج وابنه.
ق (١): واستثنى بعضُهم ابنَ زوجها، فقال: يُكره سفرُها معه؛ لغلبة الفساد في الناس بعد العصر الأول، ولأن كثيرًا من الناس لا يُنزل زوجة الأب في النفرة عنها منزلةَ محارم النسب، والمرأةُ فتنة، إلا فيما جبل اللَّه عليه النفوسَ من النفرة عن محارم النسب، والحديث عامٌّ، فإن (٢) كانت هذه الكراهة للتحريم مع محرمية ابن الزوج، فهو مخالفٌ لظاهرِ الحديثِ، وإن كانت كراهيةَ تنزيهٍ للمعنى المذكور، وهو أقرب تشوفًا إلى المعنى، وقد فعلوا ذلك في غير هذا الموضع، ومما يقويه هاهنا: أن قوله: "لا يَحِلُّ" استُثني منه السفرُ مع المحرم، فيصير التقدير: إلَّا مع ذي محرم، فيحلُّ.
ويبقى النظر في قولنا: (يحلُّ) هل يتناولُ المكروهَ أو (٣) لا؟ بناء على أن لفظة (يحلُّ) تقتضي (٤) الإباحةَ المتساويةَ الطرفين، فإن قلنا: لا يتناول المكروهَ، فالأمر قريبٌ فيما قاله، إلا أنه تخصيصٌ يحتاج إلى دليل شرعيٍّ عليه، وإن قلنا: يتناول، فهو أقربُ؛ لأن ما قاله لا يكون حينئذ منافيًا لما دل عليه اللفظ.
стр. 1923
قلت: وهذا تفصيلٌ حسن لا نزاعَ فيه، وتحريرٌ لا شكَّ أن القواعد تقتضيه.
وقد ذكر الشافعية ضابطًا للمحْرَم، فقالوا: المحرَمُ الذي يجوز معه السفرُ والخلوةُ: كُلُّ مَنْ حَرُم نكاحُ المرأةِ عليه، لحرمتها على التأبيد بسبب مباح.
فقولهم: على التأبيد، احترازًا من أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها.
وقولهم: بسبب مباح، احترازًا من أم الموطوءة بشُبْهَة، فإنها ليست محرمًا، فإن وطءَ الشُّبهة لا يوصف بالإباحة.
وقولهم: لحرمتها، احترازًا من الملَاعَنة؛ فإن تحريمها ليس لحرمتها، بل تغليظًا.
قلت: ولا أعلم ما يخالف ذلك عندنا، واللَّه أعلم.
تنبيه: قد تقدم أن الزوج يتنزلُ منزلةَ المحرَم عند الفقهاء في جوازِ السفرِ معه، وليس مذكورًا في هاتين الروايتين، وهو مذكور في رواية أخرى، فيُحتمل أن يكون مستندهم في إِلحاقه بالمحرم تلك الرواية، ويجوز أن تُستعمل لفظةُ الحرمة في إحدى الروايتين في غير معنى المَحْرمية استعمالًا لغويًا فيما يقتضي الاحترام، فيدخل فيه الزوج لفظًا، ويكون ذلك وجهَ العدول في إحدى الروايتين عن قوله: "ذِي مَحْرَمٍ" إلى قوله: "وَمَعَهَا حُرْمَةٌ"؛ لعموم هذه، وخصوص تلك، واللَّه الموفق (١).
* التعريف:
عبدُ اللَّهِ بنُ مَعْقِل: -بفتح الميم وإسكان العين المهملة وكسر القاف- بنِ مُقَرِّنٍ -بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة بعدها نون- المزنيُّ، الكوفيُّ.
كنيته: أبو الوليد، تابعيٌّ متفق عليه، وقال فيه أحمدُ بنُ عبد اللَّه: كوفي، تابعي، ثقةٌ من خيار التابعين.
سمع عَدِيَّ بنَ حاتمٍ، وكعبَ بنَ عُجْرَةَ عند البخاري ومسلم، وثابت بن الضحاك، وأبا (١) إسحاق الهمداني، وعبد اللَّه ابن السائب.
مات سنة اثنتين وخمسين بالمدينة، وله خمس وسبعون سنة (٢)،
стр. 1927
متفق عليه (١).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: الفِدْيَةُ والفِدَى والفِدَاءُ، كلُّه بمعنى واحد (٢).
قلت: وكأنهما بمعنى البدل، أو المبادلة عمَّا نقصَ من المناسك (٣).
الثاني: فيه: الجلوس للمذاكرة في العلم ومدارسته، ومن ذلك الاعتناءُ بسبب النزول، وما يترتب عليه من الحكم.
وقوله: "نزلت فيَّ" يعني: آيةَ الفدية، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية.
стр. 1928
وقوله: "خاصَّةً"؛ أي: اختصاصٌ لسبب (١) النزول بى؛ فإن لفظ (٢) الآية عام.
وقوله: "والقملُ يتناثر على وجهي": جملة حالية من التاء في (حُمِلْتُ).
الثالث: قوله ﵊: "ما كنت أُرى الوجعَ بلغَ"، هو بضم الهمزة؛ أي: أظنُّ.
وقوله ﵊: "بلغَ بك ما أَرى" -بفتح الهمزة-؛ يعني: أُشاهد، فهو من رؤية العين، وحُذف مفعولُه للدلالة عليه؛ أي: أراه.
والجهد -بفتح الجيم-: المشقة، وبضمها: الطاقة، ومعنى الحديث على الفتح لا غير؛ أي: المشقة اللاحقة بسبب الوجع (٣).
الرابع: قوله ﵊: "أتجدُ شاةً؟ ": اعلمْ: أن هذه الشاة التي تجب عن إلقاء (٤) التَّفَث، وإزالة الشَّعَث، وطلبِ الرفاهية بالرخصة في فعل ما يُمنع المحرِمُ منه يُعتبر فيها السنُّ والسلامةُ
стр. 1929
ما يُعتبر في الأضحية، وليست كهَدْيٍ، ولا يلزم إيقافُه (١) بعرفة، وله أن يذبحها حيثُ شاء من البلاد، إلا أن يشاء أن يجعلها هَدْيًا، فيوقفها موقِفَه، وينحرُها بمنحَرِه، فذلك له، لا عليه، وله أن يُقَلِّدها ويُشْعِرَها إن جعلها بَدَنَةً أو بقرةً، والشاةُ تقع على الضأن والمعز، والذكر والأنثى؛ كالبَدَنَة تقع على الإبل والبقر، والبعير والناقة.
الخامس: قوله ﵊: "أو أطعمْ ستةَ مساكين": نص في مراد الآية من عدد المساكين المصروفة إليهم الصدقةُ فيها؛ خلافًا لمن قال من المتقدمين: يطعم عشرة مساكين؛ قياسًا منه على كفارة اليمين، ولعل الحديث لم يبلُغْه؛ إذ لو بلغه؛ لم يخالفه، واللَّه أعلم.
السادس: قوله: "لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاع": عامٌّ في الحنطة وغيرها، وبيانٌ لمقدارِ المُطْعَم.
وقال الثوريُّ: إذا تصدَّق بالبُرِّ، فنصفُ صاعٍ، وإن أطعم تمرًا أو زَبيبًا، أطعمَ صاعًا صاعًا.
قال الخطابي: قال أبو عثمان: هذا خلافُ السنَّة، وقد جاء في الحديث ذكرُ التمرِ مقدَّرًا بنصف صاعٍ؛ كما ترى، فلا معنى لخلافهِ، وقد جاءَ ذكرُ الزبيبِ أيضًا من غير هذا (٢) الطريق بنحو هذا التقدير،
стр. 1930
وذكره أبو داود (١).
ق: وعن أحمد رواية: أنه لكل مسكين مُدُّ حنطة، أو نصفُ صاعٍ من غيرها (٢).
السابع: الفَرَقُ: قال الخطابي: ستةَ عشرَ رِطلًا، وهو ثلاثةُ أَصْوُعٍ (٣).
قلت: هو بفتح الراء، وقد تُسكَّن، وكلتا الروايتين دالة على كونه ثلاثةَ أَصْوُعٍ كما قيل، وهو بَيِّنٌ.
الثامن: قوله ﵊: "أو تُهديَ (٤) شاة": بيانٌ للنُّسُكِ المجمَلِ في (٥) الآيةِ، وقد تقدمَ أن حكمَها حكمُ الأضحية؛ سِنًّا وسلامةً.
وقوله ﵊: "أو صُمْ ثلاثةَ أيامٍ" تعيينٌ وتبيينٌ لمقدارِ الصَّومِ المجملَ في الآية.
ق (٦): وأبعدَ مَنْ قالَ من المتقدمين: إن الصومَ عشرةُ أيام؛ لمخالفة هذا الحديث، ولفظ الآية والحديث كلاهما يقتضي التخيير