← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

* التعريف: عبدُ اللَّهِ بنُ مَعْقِل: -بفتح الميم وإسكان العين المهملة وكسر القاف- بنِ مُقَرِّنٍ -بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة بعدها نون- المزنيُّ، الكوفيُّ. كنيته: أبو الوليد، تابعيٌّ متفق عليه، وقال فيه أحمدُ بنُ عبد اللَّه: كوفي، تابعي، ثقةٌ من خيار التابعين. سمع عَدِيَّ بنَ حاتمٍ، وكعبَ بنَ عُجْرَةَ عند البخاري ومسلم، وثابت بن الضحاك، وأبا (١) إسحاق الهمداني، وعبد اللَّه ابن السائب. مات سنة اثنتين وخمسين بالمدينة، وله خمس وسبعون سنة (٢)،

стр. 1927

متفق عليه (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الفِدْيَةُ والفِدَى والفِدَاءُ، كلُّه بمعنى واحد (٢). قلت: وكأنهما بمعنى البدل، أو المبادلة عمَّا نقصَ من المناسك (٣). الثاني: فيه: الجلوس للمذاكرة في العلم ومدارسته، ومن ذلك الاعتناءُ بسبب النزول، وما يترتب عليه من الحكم. وقوله: "نزلت فيَّ" يعني: آيةَ الفدية، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية.

стр. 1928

وقوله: "خاصَّةً"؛ أي: اختصاصٌ لسبب (١) النزول بى؛ فإن لفظ (٢) الآية عام. وقوله: "والقملُ يتناثر على وجهي": جملة حالية من التاء في (حُمِلْتُ). الثالث: قوله ﵊: "ما كنت أُرى الوجعَ بلغَ"، هو بضم الهمزة؛ أي: أظنُّ. وقوله ﵊: "بلغَ بك ما أَرى" -بفتح الهمزة-؛ يعني: أُشاهد، فهو من رؤية العين، وحُذف مفعولُه للدلالة عليه؛ أي: أراه. والجهد -بفتح الجيم-: المشقة، وبضمها: الطاقة، ومعنى الحديث على الفتح لا غير؛ أي: المشقة اللاحقة بسبب الوجع (٣). الرابع: قوله ﵊: "أتجدُ شاةً؟ ": اعلمْ: أن هذه الشاة التي تجب عن إلقاء (٤) التَّفَث، وإزالة الشَّعَث، وطلبِ الرفاهية بالرخصة في فعل ما يُمنع المحرِمُ منه يُعتبر فيها السنُّ والسلامةُ

стр. 1929

ما يُعتبر في الأضحية، وليست كهَدْيٍ، ولا يلزم إيقافُه (١) بعرفة، وله أن يذبحها حيثُ شاء من البلاد، إلا أن يشاء أن يجعلها هَدْيًا، فيوقفها موقِفَه، وينحرُها بمنحَرِه، فذلك له، لا عليه، وله أن يُقَلِّدها ويُشْعِرَها إن جعلها بَدَنَةً أو بقرةً، والشاةُ تقع على الضأن والمعز، والذكر والأنثى؛ كالبَدَنَة تقع على الإبل والبقر، والبعير والناقة. الخامس: قوله ﵊: "أو أطعمْ ستةَ مساكين": نص في مراد الآية من عدد المساكين المصروفة إليهم الصدقةُ فيها؛ خلافًا لمن قال من المتقدمين: يطعم عشرة مساكين؛ قياسًا منه على كفارة اليمين، ولعل الحديث لم يبلُغْه؛ إذ لو بلغه؛ لم يخالفه، واللَّه أعلم. السادس: قوله: "لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاع": عامٌّ في الحنطة وغيرها، وبيانٌ لمقدارِ المُطْعَم. وقال الثوريُّ: إذا تصدَّق بالبُرِّ، فنصفُ صاعٍ، وإن أطعم تمرًا أو زَبيبًا، أطعمَ صاعًا صاعًا. قال الخطابي: قال أبو عثمان: هذا خلافُ السنَّة، وقد جاء في الحديث ذكرُ التمرِ مقدَّرًا بنصف صاعٍ؛ كما ترى، فلا معنى لخلافهِ، وقد جاءَ ذكرُ الزبيبِ أيضًا من غير هذا (٢) الطريق بنحو هذا التقدير،

стр. 1930

وذكره أبو داود (١). ق: وعن أحمد رواية: أنه لكل مسكين مُدُّ حنطة، أو نصفُ صاعٍ من غيرها (٢). السابع: الفَرَقُ: قال الخطابي: ستةَ عشرَ رِطلًا، وهو ثلاثةُ أَصْوُعٍ (٣). قلت: هو بفتح الراء، وقد تُسكَّن، وكلتا الروايتين دالة على كونه ثلاثةَ أَصْوُعٍ كما قيل، وهو بَيِّنٌ. الثامن: قوله ﵊: "أو تُهديَ (٤) شاة": بيانٌ للنُّسُكِ المجمَلِ في (٥) الآيةِ، وقد تقدمَ أن حكمَها حكمُ الأضحية؛ سِنًّا وسلامةً. وقوله ﵊: "أو صُمْ ثلاثةَ أيامٍ" تعيينٌ وتبيينٌ لمقدارِ الصَّومِ المجملَ في الآية. ق (٦): وأبعدَ مَنْ قالَ من المتقدمين: إن الصومَ عشرةُ أيام؛ لمخالفة هذا الحديث، ولفظ الآية والحديث كلاهما يقتضي التخيير

стр. 1931

بين هذه الخصال الثلاث -أعني: الصيام، والصدقة، والنسك-؛ لأن كلمة (أو) تقتضي التخيير (١). قلت: حقُّه أن يقول: هنا، وإلا، فـ "أَوْ" لها معانٍ أُخر غير التخيير، وكلامُه يوهم حصرَها في التخيير. التاسع: قوله -في إحدى الروايتين-: "أتجدُ شاة؟ " إلى آخره، ليس المراد به أن الصوم لا يجزىء إلَّا عندَ عدمِ الهَدْي، قيل (٢): بل هو محمولٌ على أنه سألَ عن النسك، فإن وجده، أخبره بأنه مخيرٌ بين الصيام والإطعام. العاشر: لا فرقَ عندنا، بين أن يحلِقَ رأسَه لِعُذرٍ، أو غيره، في تخييره بين الخصال الثلاث، وفرق الشافعيُّ وأبو حنيفةَ، فقالا: إنْ حَلَقَه لعذرٍ، كان مخيرًا بينها، وإن كان لغيرِ عذرٍ، فالدَّمُ ليس إلَّا، هكذا نقله عنهما أبو سليمان الخطابي في "شرح السنن" له (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1932

باب حرمة مكة الحديث الأول (١) ٢١٤ - عَنْ أَبِي شُرَيْحِ خُويلِدِ بْنِ عَمرٍو الخُزَاعِيِّ العَدَوِيِّ ﵁: أَنَّهُ قَالَ لِعُمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاص، وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: اِيْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أَنْ أُحَدِّثَكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، فَسَمِعَتْهُ أُذُناَيَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِه: إِنَّهُ حَمِدَ اللَّه، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِىءٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ (٢) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ﷺ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ؛ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ"، فَقِيلَ لأَبي شُرَيْحِ: مَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ

стр. 1933

يَا أَبَا شُريَحْ! إِنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ" (١) الخَرْبَةُ -بِالخَاءَ المُعْجَمَةِ، وَالرَّاءَ المُهْمَلَةِ- قِيلَ: الخِيانَةُ، وَقِيلَ: البَلِيَّةُ، وَقِيلَ: التَّهَمَةُ، وَأَصْلُها في سَرِقَةِ الإبِلِ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَالخَارِبُ اللِّصُّ يُحِبُّ الخَارِبَا * * *

стр. 1934

* التعريف: أبو شُرَيْح الخزاعيُّ: ويقال فيه: العَدَوِيُّ، ويقال: الكَعْبِيُّ، اسمه خُويلد، والأكثر يقولون: خويلدُ بنُ عمرِو بنِ صخرِ بنِ عبدِ العزَّى. أسلم يوم فتح مكة، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وستين ﵁ (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قولُه: "ائْذَنْ لي أَيُّها الأمير"، الأصل: يا أيُّها، فحُذف حرفُ النداء، قال أهل العربية: ولا يُحذف حرفُ النداء إلا في أربعة مواضع: العَلَم؛ نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. والمضاف؛ نحو: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وأي. ومَنْ؛ نحو: من لا يزالُ محسنًا أحسنْ (٢).

стр. 1935

فيه: حسنُ الأدبِ في مخاطبةِ الأكابر، لاسيما الملوك، لاسيما فيما يخالف مقصودَهم؛ لأن ذلك يكون أدعى لقبول الحقِ، لاسيما في حقِّ مَنْ يُعرف منه ارتكابُ غرضه، فإن الغِلْظَةَ عليه تكون سببًا لإثارَةِ نفسِه، ومعاندةِ مَنْ يُخاطبه. وفائدة قوله: "أُحدثكَ قولًا قامَ به رسولُ اللَّه ﷺ ، سمعتْه أُذناي، ووعاه قلبي": التحققُ (١) لما سيخبر (٢) به، والنفيُ لوهم أن يكون بواسطة غيره دونَ مشافهة منه، وأن قلبه قد فهم ذلك، وتحققه، وثبت في تعقل معناه. وقد يؤخذ من قوله: "ووعاه قلبي" دليلٌ لقول الجمهور: إن العقل محلُّه القلبُ، لا الدماغُ؛ إذ لم يقل: وعاه رأسي، ثم أكد ذلك بقوله: "وأبصرتْه عيناي حين تكلم به". الثاني: قوله: "حَمِدَ اللَّه، وأثنى عليه" إلى قوله: "الناس": فيه: استحبابُ الحمدِ والثناء بين يَدَي تعليم العلم وتبيينِ الأحكام. وقوله ﵊: "إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَها اللَّهُ، ولم يُحَرِّمها الناسُ": قيل: سُمِّيَتْ مكة، لأنها كانت تَمُكُّ مَنْ ظلم؛ أي: تستأصِلُه وتُهلكه. وقال آخرون: إنما سميت مكة؛ لقلة مائها؛ لقولهم: امْتَكَّ

стр. 1936

الفَصيلُ ما في ضَرْعِ أُمِّه: إذا شربَه. وقيل: سُميت مكة؛ لاجتذابها للناس من كلِ أُفُقٍ، لقولهم: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ الناقةِ: إذا اسْتَقْصى، فلم يدع فيه شيئًا. وأما بَكَّة: فقيل: هي اسم لبطنِ مكةَ خاصةً؛ لأنهم كانوا يتباكُّون فيها؛ أي: يَزْدَحمون. وقيل: بَكَّةُ: اسمٌ لمكان البيت، ومَكَّةُ -بالميم-: سائر البلد، قاله الشيخ أبو بكر العُزَيرِي (١). ومعنى قوله ﵊: "ولم يحرِّمْها الناسُ"؛ أي: لم يحرمها الناسُ من قِبَلِ أنفسِهم؛ كما حَرَّمَتِ الجاهليةُ أشياءَ من قِبَلِ أنفسِهم. الثالث: قوله ﵊: "فلا يحلّ لامرىءٍ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يَسفِكَ بها دمًا": قد تقدم الكلامُ على قوله: "اليوم الآخر" قريبًا، وتقدم أيضًا أنه يقال: امرؤ، ومَرْءٌ في (٢) حديث: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (٣). يقال: سَفَكَ يَسْفِكُ وَيَسْفُكُ -بكسر الفاء وضمها- والكسرُ قراءَةُ

стр. 1937

السبعة، وفي الشاذ بالضم في قوله تعالى: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]، والسفك في اللغة: صبُّ الدَّم. قال ابنُ عطية: هذا عُرْفُه، وقد يقال: سفكَ كلامَه في كذا، وسَرَدَه (١). وسياق الحديث ولفظه على تحريم القتالِ لأهلِ مكة، وبه قال القَفَّالُ من الشَّافعيَّةِ، قال: حتى لو تحصَّنَ جماعةٌ من الكفارِ فيها، لم يَجز قتالُهم فيها. وقال الماوردي: من خصائص الحرم: أن لا يُحارَبَ أهلُه إن بَغَوا على أهل العدل. وقد قال بعض الفقهاء: يحرمُ قتالُهم، بل يُضَيَّقُ عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا في أحكام أهل العدل. قال: وقال جمهورُ الفقهاءِ: يقاتَلُون على بَغْيهم إذا (٢) لم يكن رَدُّهم عن البغي إلَّا بالقتالِ؛ لأن قتالَ البُغاةِ من حقوقِ اللَّهِ تعالى التي لا يجوزُ إضاعَتُها، فحفظُها في الحَرَم أَوْلى من إضاعَتِها. وربما استدلَّ به أبو حنيفة ﵀ على أن الملتجىء إلى الحرم لا يُقتل به؛ لقوله ﵊: "لا يحلُّ لامرىءٍ أن يسفكَ بها دمًا"، وهذا عامٌّ يدخل فيه صورةُ النزاع.

стр. 1938

قال: بل يُلْجَأُ إلى أن يخرج من الحرم، فيُقتل خارجَه، وذلك بالتضييق عليهم (١). قلت: وقولُ أبي حنيفة هذا منقولٌ عن ابن عباس، ولفظه: مَنْ أَصَابَ حَدًّا، ثم دخلَ الحرمَ، لم يُجَالَسْ، ولم يُبايَعْ حتى يُضْطَرَّ إلى الخروج، فإذا خرجَ، أُقيم عليه الحَدَّ (٢). قال ابنُ بزيزة: وهو قولُ عمرَ بنِ الخطابِ، وسعيدِ بن المسيب، والحكمِ بنِ عتبة، وابنِ جُريجٍ، وابنِ الزبير. قال: وقال ابنُ عمر: لو وجدتُ فيه قاتلَ أبي، ما تعرضتُ إليه، وفي لفظ آخر: ما ندهته، قال ابنُ عباس أيضًا: لو وجدتُ فيه قاتلَ أبي، ما عَرَضْتُ له (٣). وقال أبو يوسف، ومالك، وجماعة من العلماء: يُخرج، فيُقامُ عليه الحدُّ؛ لقوله ﵊: "اقْتُلُوهُمْ وَلَوْ تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ". قلت: وقد أمر ﵊ بقتل ابن خَطَلٍ بعد أن قِيْلَ لَهُ: هو متعلقٌ بأستار الكعبة؛ كما سيأتي (٤).

стр. 1939

وإن كان لقائل أن يقول: إن ذلك كان خاصًا به ﵊؛ لقوله: "ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي، ولا لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهارٍ"، فيضعف الدليل، أو يبطل. ولم يخالف أبو حنيفة في إقامة الحدود في الحرم غيرَ حدِّ القتلِ خاصةً. وقد أخرج ابنُ الزبير قومًا من الحرم إلى الحِلِّ فصلبهم. وقال حماد بنُ أبي سليمان: مَنْ قَتَلَ، ثم لجأَ إلى الحرمِ، قال: يُخرج منه فيُقتل، وأما مَنْ تُعُدِّيَ عليه في الحرم، فليدفعْ عن نفسه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] الآية. الرابع: قوله ﵊: "ولا يُعْضَدُ شجرُه"؛ أي: يُقطع بالمِعْضَد؛ وهو سيفٌ يُمتهن في قطع الشجر، ويقال: المِعْضاد أيضًا، يقال منه: عَضَدَ يَعْضِد، كضَرب يضرِب، ويعضُد -بالضم-: إذا أعان، والمعاضَدَة: المعاونَةَ (١). فيه: دليل على تحريم قطع شجر الحرم، ولا خلاف فيه أعلمُه. تكميل: قال ابنُ بزيزةَ: ولا يُخرج شيئًا من تراب الحرم، ولا من حجارته إلى الحِلِّ. واختلفَ العلماءُ هل يُكره أن يُدخل ترابَ الحل إلى الحرام، أم لا؟

стр. 1940

وأما ماءُ زمزم فإخراجُه جائزٌ، إذ لم يأتِ فيه أثر. مسألة: اختلف العلماء فيمن احتطبَ في الحرم، هل يحل أخذ سَلَبِه، أم لا؟ فالجمهورُ على أنه لا يحل؛ خلافًا لطائفة من أهل الحديث؛ فإنهم أجازوا تجريده، وأَخْذَ كلِّ ما معه، إلا ما يستر به عورته، محتجين بحديث إسماعيل بن محمد، وسعد بن أبي وقاص، عن عمه عامر بن سعد، قال: إن سعدًا ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدًا يقطع شجرًا ويَخْبِطُه (١)، فسلَبَه، فجاء أهلُ العبدِ فسألوه أن يردَّ على غلامِهم سَلَبَهُ، فقال: مَعاذ اللَّه! أن أردَّ شيئًا نَفَّلَنِيهِ رسولُ اللَّه ﷺ ، وأبى أن يردَّه عليهم، رواه مسلم عن إسحاق بن راهويه (٢). وعن عمر بن الخطاب: أنه قال لمولى عثمانَ بنِ مظعون: إني استعملتُك على ما هاهنا، فمن رأيته يحطب شجرًا، أو يعضِدُه، فخذ حبلَه وفأسه، قلت: آخذ رداءه؟ قال: لا (٣). قال ابن بزيزة: ولا مخالف له من الصحابة. وهل هذا الحكم عام في الحشيشِ والاحتطابِ، أم مخصوص بالاحتطابِ؛ لوروده؟ فيه نظر.

стр. 1941

ولتعلمْ: أنه قد اتُّفِق على ما لا يَسْتَنْبِتُه بنو آدم، دونَ ما يستنبتونه. قال الخطابي: وسمعتُ أصحابَ أبي حنيفةَ يفرِّقون بين ما ينبتُ من الشجِرِ في الحرمِ، وبين ما يُنبتُهُ الآدميون، ويجعلون النهيَ مصروفًا إلى ما يُنبِتُهُ اللَّهُ دونَ غيره. قلت: وكذلك مذهبُ مالك ﵀ في التفرقة المذكورة. قال: والشافعيُّ يرى فيه الفديةَ (١). قلت: وأما مذهبُنا في ذلك: فإنه لا فديةَ على مَنْ قطعَ شيئًا مما لم يستنبتْه الآدميون في الحرم؛ لكنه مأمورٌ بأن لا يفعلَ، رطبًا كان أو جافًا، فإن فعل، فليستغفر (٢) اللَّه، ولا شيء عليه. قال في "الكتاب": ولا بأس أن يقطع ما أنبته الناسُ في الحرم من الشجرِ؛ مثل: النخل، والرُّمانِ، والفاكهةِ كلِّها، والبقلِ كلِّهِ، والكُرَّاثِ، والحشيشِ، والشجرِ. قال: وأكَره أن يحتشَّ في الحرم حلالٌ أو حرامٌ؛ خيفةَ قتلِ الدوابِّ، وكذلكَ الحرام في الحِلِّ، فإن سلموا من قتل الدواب، فلا شيء عليهم، وأكره لهم ذلك. قال: ونهى النبيُّ ﷺ عن الخبط، يريد: -بإسكان الباء-، وقال:

стр. 1942

"هُشُّوا، وَارْعَوْا" (١)، قال مالك ﵀: الهَشُّ: تحريكُ الشجرِ بالمحجَن (٢) ليقع الورق، ولا يَخْبِط، ولا يَعْضِد (٣). ودليلُنا على عدم الفدية فيما قُطع من شجر الحرم: أن إتلاف الشجر الذي لا ملكَ عليه لآدميٍّ، لا غرمَ على متلِفه في الأصول، ولأن كونَه من شجر الحرم لا يقتضي ضمانَ الجزاء اعتبارًا بما فيه مَنْفَعة الناسِ، ولأنه نوعٌ من النبت؛ كالخشب، والثمار (٤)، ولأنه لم يتلف حيوانًا، ولا شيئًا من الحيوان، فلم يلزمه جزاءٌ كسائر الجامدات (٥)، وقياسًا على المحرِم بقطعِ الشجر في الحِلِّ، لأن ما لزم الحلالَ جزاؤه في الحرم لزمَ المحرِمَ مثلُه في الحِلِّ، فلو كان في قطع الشجر جزاءٌ، للزم (٦) المحرمَ ذلك في الحل، واللَّه أعلم، ولأن الجزاء لا يجب إلا بالشرع، والأصلُ براءةُ الذمة، ولم يرد شرعٌ بذلك. الخامس: قوله ﵊: "فإنْ أحدٌ ترخَّصَ

стр. 1943

بقتال رسول اللَّه ﷺ " (أحدٌ): فاعلٌ بفعل مضمَرٍ يفسره ما بعده؛ أي: فإن تَرَخَّصَ أحدٌ تَرَخَّصَ (١). فيه: دليل على أن مكة -شرفها اللَّه تعالى- فُتحت عَنْوَةً، وهو مذهبُ الأكثرين، وقال الشافعيُّ: فُتحت صلحًا، وقيل في تأويل الحديث: إن القتالَ كان جائزًا له ﷺ في مكةَ، ولو احتاج إليه: لفعله، ولكن ما احتاج إليه. ق: وهذا التأويل يضعفه قولهُ ﷺ : "فإنْ أحدٌ ترخَّص بقتالِ رسولِ اللَّه ﷺ "، فإنه يقتضي وجودَ قتالٍ منه ﷺ ظاهرًا، وأيضًا السِّير (٢) التي دلَّت على وقوع القتال، وقوله ﵊: "مَنْ (٣) دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ" (٤) إلى غيره من الأمان المعلَّقِ على أشياء بخصوصها يُبعد هذا التأويل (٥). قلت: وهذا ظاهرٌ مكشوف. قال الخطابي: وتأول غيرُهم قولَه ﵊: "إِنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً مِنْ نَهارٍ" على معنى دخوله إياها من غير إحرام؛

стр. 1944

لأنه ﷺ دخلها وعليه عِمامةٌ سوداءُ. وقيل: إنما أُحِلَّ له في تلك الساعة إراقةُ الدم، دونَ الصيدِ وقطعِ الشجرِ وسائر ما حرم على الناس منه (١). فائدة نحوية: قوله ﵊: "بالأمس" اعلم أن أَمْسِ إذا أَدخلتَ (٢) عليه الألفَ، واللامَ، أو أضفته، أو نَكَّرته، كان معربًا، وسببُ ذلك أن بناء (أَمْسِ) إنما كان لتضمنه معنى الألف واللام، فإذا دخلتْ عليه الألفُ واللام، أو نكَّرته فقد زال التضمُّنُ، وكذلك -أيضًا- إذا أضفتَه، لم يكن متضمِّنًا الألف واللام؛ لامتناع نية الإضافة مع الألف واللام، كما امتنعت الإضافة معهما، فإن عَرِيَ من الألف واللام والإضافة، ولم ينكر، فإما أن تستعمله ظرفًا، أو غير ظرف. ففي الأول: لا يجوز فيه غيرُ البناء على الكسر، نحو قولك: ذَهَبَ أَمْسِ بما فيه. وفي الثاني: يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مبنيًا على الكسر، نحو قولك -أيضًا-: ذهب أَمْسِ بما فيه (٣).

стр. 1945

والأخرى: أن يُعرب إعرابَ ما لا ينصرف؛ فيقال: ذهبَ أمسُ بما فيه، أنشد سيبويه: لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَبًا مُذْ أَمْسَا عَجَائزًا مِثْلَ السَّعَالِي خَمْسَا يَأْكُلْنَ مَا في رَحْلِهِنَّ هَمْسَا لَا تَرَكَ اللَّهُ لَهُنَّ ضِرْسَا لأن (مذ) حرفُ جر، وحروف الجر إذا دخلت على الظروف، تقلبُها عن حكم الظروف (١) إلى حكم الأسماء. قال سيبويه: ولا يصغَّرُ أَمْس، كما لا يصغر غدًا، والبارحة، وكيف، وأين، ومتى، وأنى (٢)، وما، وعندَ، وأسماءُ الشهور كلُّها، والأسبوع غيرَ الجمعة (٣). السادس: قوله ﵊: "فليبلِّغِ الشاهدُ الغائبَ": حَثٌّ وتحريضٌ على نقلِ العلم ونشرِه، وإشاعةِ الأحكامِ والسُّننِ، وفي الحديث الآخر: "رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمعَ مَقَالَتِي، فَبَلَّغَهَا

стр. 1946

كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ" (١)، أو كما قال ﵊. وقد أشبعنا القولَ في فضل العلمِ في أولِ شرح رسالة ابن أبي زيد (٢)، أعان اللَّه على إكماله. ق: وقولُ عمرٍو: أنا أعلمُ بذلك إلى آخره، هو كلامُه، لم يسنده إلى رواية (٣). قلت (٤): وذكر ابنُ بزيزة رحمه اللَّه تعالى في تفسيره: أنه حديثٌ عن النبي ﷺ ، عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، واللَّه أعلم (٥).

стр. 1947

وقوله: "لا يعيذ عاصمًا": الاستعاذةُ: الاستجارةُ بالشيء، والتحصُّنُ، والاعتصامُ به، يقال منه: عاذَ يعوذُ عَوْذًا ومَعاذًا وعِياذًا، وأعاذَه غيرُه يُعيذه (١). وقوله: "ولا فارًّا بخربة": الفارُّ: الهاربُ، والخربةُ قد فسرها المصنف ﵀. وفيها أيضًا: خُرْبَة، بضم الخاء. قال (٢) ابن بزيزة: ورواه بعضهم: بخزية -بالياء المعجمة باثنتين تحتها-، والأول أصح، وأصلُها سرقةُ الإبل؛ كما قال، وتطلق (٣) على كل خيانة. وقال الخليل: هي الفسادُ في الدين، من الخارِبِ، وهو اللصُّ المفسِدُ في الأرض. وقيل: هي العيب. ق: وفي "البخاري": أنها البَلِيَّةُ (٤).

стр. 1948

الحديث الثاني ٢١٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا". وَقَالَ يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ: "إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأِحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ (١) لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، ولا تُلْتَقَطُ لُقْطَتُهُ، إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ"، فَقَالَ العبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَّا الإذْخِرَ؛ فَإِنَّهُ لِقَيْيهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، فقال: "إِلَّا الإذْخِرَ" (٢).

стр. 1949

القَيْنُ: الحَدَّادُ. * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله ﵊: "لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ"، قد تقدم ذكرُ الهجرات السِّتّ واشتقاقُها في حديث: "الأعمالُ بِالنياتِ"، ومعنى: "لَا هِجْرَةَ"؛ أي: لا تجب من مكة إلى المدينة؛ لصيرورة مكةَ دارَ إسلام، وأما الهجرةُ من دار الكفر إلى دار الإسلام، فواجبة في كلِّ زمانٍ مع الإمكان؛ إجماعًا. وفي الحديث: إشارةٌ قوية تكادُ تكونُ نَصًّا إلى أنَّ مكةَ -شَرَّفَهَا اللَّهُ- تكونُ دارَ إسلامٍ إلى يومِ القيامةِ.

стр. 1950

وقوله ﵊: "وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ" يحتمل وجهين: أحدهما: ولكنْ جهادٌ لمن أمكَنَه الجهادُ، ونيةٌ لمن لم يمكنه، ويقويه الحديث: "مَنْ تَمَنَّى الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ" الحديث (١)، وقوله ﵊: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ" (٢). والثاني: أن يُراد: جهادٌ بنيةٍ خالصةٍ، وهي أن يكون جهادُه لتكون كلمةُ اللَّه هي العليا، لا (٣) لصيتٍ وسمعةٍ، ولا اكتسابِ الحطام، "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ" الحديث (٤). الثاني: قوله: ﵊: "وإذا استُنْفرتم، فانْفِروا". فيه: حجةٌ لبقاءِ الجهاد، وكونِه فرضًا، وقد اختلف العلماءُ في هذا، هل سقط فرضُه على الجملة، إلا أن تقدح قادحة، أو يطرق عدوٌّ قومًا، أو هو باقٍ؟ والقولان عندنا، وسنبسطه في الجهاد إن شاء اللَّه تعالى. الثالث: قوله ﵊: "إن هذا البلدَ حَرَّمَه اللَّهُ يومَ خلقَ السمواتِ والأرضَ"، وقد جاء -أيضًا- أن إبراهيمَ -عليه

стр. 1951

الصلاة والسلام- حَرَّمَ مكةَ، وأُجيب عن هذا التعارض: بأن إبراهيم ﵊ أظهرَ حرمتَها بعدَما نسُيت، والحرمةُ ثابتةٌ من يومِ خلقَ اللَّهُ السمواتِ والأرض. وقيل: إن التحريم في زمن إبراهيم ﵊، وحرمتُها يومَ خلق السموات والأرض: كتابتُها في اللوحِ المحفوظِ، أو غيره حرامًا، وأما الظهورُ للناس، ففي زمن إبراهيم ﵊ (١). الرابع: قوله ﵊: "فهي حرامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلى يومِ القيامة" يشتمل على أمرين: تحريم القتال، والثاني: أن ذلك ثابتٌ لا يدخله نسخ. وقد تقدم الكلام على اختلافهم في القتال. الخامس: قوله ﵊: "لا يُعْضَد شوكُه": كأنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا مُنع من قطع الشوك المؤذي، فأحرى أن يُمنع من قطع ما يُنتفع به، وهو يقارب قولَه تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وإن كانوا قد اختلفوا في قطع الشوك، فذهب بعضُ الشافعية إلى منعه، كما هو ظاهر الحديث، وأباحه غيره، لأذاه، وخالف ظاهر الحديث (٢).

стр. 1952

السادس: قوله ﵊: "ولا يُنَفَّرُ صيدُه": هو -أيضًا- من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأن معنى "لا يُنفر صيده": لا يُزعج من مكانه، فأن لا يُقتل أولى؛ إذ المراد بالصيد هنا: المَصِيدُ. مسألة: مذهبُ مالكٍ ﵀: أن صيدَ الحلالِ في الحرم يوجِبُ عليه الجزاءَ؛ خلافًا لداود. وحجةُ مالك ﵀ قولُه تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، ويعبر عَمَّنْ حَلَّ بالحرم أنه مُحْرِم؛ كما يُقَالُ: مُنْجِد فيمن حَلَّ بنجد، وبتهامةَ: مُتْهِم، ومنه قول الشاعر: [الكامل] قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ... وَدَعَا فَلَمْ يُرَ مِثْلُهُ مَخْذُولَا يعني: ساكنًا بالحرم. قيل: ولأن حرمة الحرم متأبدةٌ، والإحرام مؤقتٌ، فكان المؤبَّدُ آكَدَ. واختُلف -أيضًا- في الحلال إذا صادَ صيدًا في الحِلِّ، ثم أتى به الحرَمَ، فاراد ذَبْحَه به، فأجاز ذلك مالكٌ، ومنعه أبو حنيفةَ، وقال: يرسلُه، وقولُ مالك أظهرُ؛ لأن ما كان في اليد وتحتَ القهر لا يُسمى صيدًا، فلم يكن داخلًا في قوله: "لا يُنَفَّرُ صَيْدُه". قال المازري: واختلف مالكٌ وأبو حنيفةَ فيمن صادَ في الحرم، هل يدخل في جزائه الصيامُ؟ فأثبته مالك، ونفاه أبو حنيفة، ولمالكٍ

стр. 1953

عمومُ الآية، وفيها الصيام (١). ع: ولا خلافَ أنه إذا نَفَّره، فسلمَ: أنه لا جزاء عليه إلا أن يَهْلِك؛ لكنْ عليه الإثمُ؛ لمخالفة نهيِ النبيِّ ﷺ إلا شيئًا، رُوي عن عطاء: أنه يُطْعِم (٢). السابع: قوله ﵊: "ولا يلتقطُ لُقطته إلا مَنْ عَرَّفها": اللُّقَطَةُ -بإسكان القاف وبفتحها (٣) (٤) -: الشيءُ الملتَقَط. ولتعلم: أنه لا فرق عندنا بين لُقطة الحرمِ وغيره. وذهب الشافعي: إلى أن لقطةَ الحرم لا تؤخذ إلا للتعريف، ولا تُتملك أصلًا بظاهر هذا الحديث. قال الإمام: وتحتمل اللفظة على أصلها على المبالغة في التعريف بها؛ بخلاف غير مكة (٥). الثامن: قوله ﵊: "ولا يُخْتَلَى خَلَاهَا":

стр. 1954

الخَلَى -بالقصر-: الرَّطْبُ من الحشيش، الواحدةُ خلَاةٌ، واخْتلاؤهُ (١): قَطْعُه. وأما الحشيشُ؛ فاليابسُ خاصة، وأظن أن الكَلأَ يُطلق على الرطب واليابس (٢). والإذخِرُ: نبتٌ طيبُ الرائحة، يشبه الحَلْفاء. وقد فسر القَيْن بأنه الحداد، ومعنى قوله: "فإنه لِقَيْنِهم"؛ أي: إنه يُحتاج لوقوده، ولعمله في تسقيف البيوت وغيرِها. وقوله: "إلا الإذخر" على الفور تَعَلَّقَ به مَنْ يرى اجتهادَ النبيِّ ﷺ ، أو تفويضَ الحكمِ إليه من أهل الأصول. وقيل: يجوز أن يكون بوحي إليه في زمن يسير؛ فإن الوحي إلقاءٌ في خفية، وقد تظهر أمارتُه، وقد لا، قاله ق (٣). فائدة نحوية: إن قلت: الأحسنُ في صناعة العربية في الاستثناء من النفي البدلُ من المستثنى منه، فما بالُه جاء في هذا الحديث منصوبًا على الاستثناء، وكان حقُّه الرفع على البدل من قوله: "لا يُعْضَدُ شوكُه" وما بعدَه؟

стр. 1955

قلت: قال بعض المتأخرين: إنما رُجِّحَ الإِتباعُ في غير الإيجاب على النصب؛ لأن معناه ومعنى النصب واحدٌ، وفي الإِتباع تشاكُلُ اللفظين، فإن تباعدا تباعدًا بيِّنًا، رُجِّحَ النصبُ؛ كقولك: ما ثبتَ أحدٌ في الحرب ثباتًا نفعَ الناسَ إلا زيدًا، ولا تنزلْ على أحدٍ من بني تميمٍ إن وافَيْتَهم إلا قَيْسًا؛ لأن سببَ ترجيح الإتباع طلبُ التشاكل، وقد ضعف داعيه بالتباعد، والأصل في هذا قول النبي ﷺ : "لا يُختلى خَلاها، ولا يُعْضَدُ شوكُها"، فذكر الحديث. * * *

стр. 1956

باب ما يجوز قتله ٢١٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالحِدَأة، وَالعَقْرَبُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ" (١). وَلِمُسْلِم: "يُقْتَلُ خَمْسٌ فَوَاسِقُ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ" (٢).

стр. 1957

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الدَّوَابُّ: جمعُ دَابّه، وأصلُها دَابِبَة؛ كقائِمة، فأُدغمت الباء الأولى في الثانية، وكلُّ ماشٍ على الأرض دابَّةٌ (١). والفسق في اللغة: الخروجُ؛ من قولهم: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ: إذا خرجَتْ من قشرها، فقالوا: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]: إذا (٢) خرجَ عنه، يَفْسِق ويَفْسُق -بالكسر والضم-، وكأن الضم أكثرُ، فِسْقًا وفُسُوقًا.

стр. 1958

قال ابن الأعرابي: لم يُسمع قَطُّ في كلام الجاهلية، ولا في شعرِهم، فاسِقٌ، قال: وهذا عجيبٌ (١)، وهو كلام (٢) عربيٌّ، والفسيق: الدائمُ الفِسْق (٣). والغراب: معروفٌ، وجمعُه في القِلَّة: أَغْرِبَةٌ، وفي الكَثْرة: غِرْبانٌ (٤). والحِدَأة: -بكسر الحاء وفتح الدال- مقصورٌ (٥) مهموزٌ، وجمعها حِدَأٌ؛ كعِنَبَةٍ وعِنَبٍ (٦). والعَقْرَبُ: أنثى العَقارب، ويقال -أيضًا-: عَقْرَبَةٌ، وعَقْرَباءُ -بالمدِّ غيرَ مصروف-، والذَّكر (٧) عُقْرُبان، بالضم (٨). والفأرة: مهموزةٌ، وفارة المسك: النافِجَةُ. وأما الكلب العقور: فاختُلف فيه، فقيل: هو الإنسيُّ المتخذُ، وقيل: كلُّ ما يعدو؛ كالأسد والنَّمِر، واستدلَّ لهذا: بأن الرسول

стр. 1959

-﵊ لما دعا على عُتبةَ بن أبي لهبٍ بأن يُسلط عليه كلبًا من كلابه، افترسَهُ (١) الأسدُ (٢)، فدلَّ على تسميته بالكلب، وهذا هو المشهور من مذهبنا، فيدخل فيه السَّبُعُ، والكلبُ، والفَهْد، والنمر، وأشباهها مما يعدو. وترجح (٣) القولُ الأولُ، أو رُجِّحَ (٤) بان إطلاق اسم الكلب على غير الإنسي المتخذ خلافُ العرف، واللفظة إذا نقلها أهل العرف إلى معنى، كان حملُها عليه أَوْلى من حملها على المعنى اللغوي. وفائدةُ هذا الخلاف: ما تقدم من التعدية إلى غير الكلب الإنسي المتخذ، وكلِّ ما يعدو، وعدمِها. كما اختُلف أيضًا في الأربع البواقي، هل يقتصر عليها، أو تُعَدَّى (٥) إلى ما هو أكثرُ منها بالمعنى؟ فقيل بالاقتصار عليها، وهو المذكور في كتب الحنفية. ق: ونقل غيرُ واحد من المصنفين المخالفين لأبي حنيفة: أن

стр. 1960

أبا حنيفة ألحقَ الذئبَ بها، وعدُّوا ذلك من مناقضاته (١). قال الخطابي: وقاس الشافعيُّ على هذه الخمس كلَّ سَبُعٍ ضارٍ، وكلَّ شيء من الحيوان الذي لا يؤكل لحمُه (٢). قلت: واعتبر مالك ﵀ في ذلك الأذى، فكلُّ مؤذٍ يجوز عنده (٣) للمحرِم قتلُه بغير معنى الصيد. قال القاضي عبد الوهاب: وليس من ذلك الصقرُ والبازي، ولا القردُ والخنزيرُ، إلا أن يبتدىء بشيء من ذلك بالضرر. قال: وقَتْلُ: صغارِ ما يجوز قتلُ كبيره من الصيد؛ كالسباع والطير، مكروهٌ، ولا جزاء فيه، فأما صغارُ الحيات والعقارب والزنابير، فغير مكروه. قال ابن شاس: والمشهورُ: أن الغرابَ والحدأة يُقتلان، وإن لم يبتدئا بالأذى. وروى أشهب المنعَ من ذلك. وقال ابنُ القاسم (٤): إلا أن يؤذي، فيُقتل (٥)، إلا أنه إن قتلهما (٦)

стр. 1961

من غير أذى، فلا شيء عليه. وقال أشهب: إن قتلهما من غير ضرورة، وَدَاهُما (١). واختُلف -أيضًا- في قتل صغارهما، وفي وجوب الجزاء بقتلهما (٢). وأما غيرُهما من الطير، فإن لم يؤذ، فلا يُقتل، فإن قتل، ففيه الجزاء. وإن آذى، فهل يقتل، أم لا؟ قولان. وكذلك (٣) إذا قلنا: لا يقتل، فقتل، قولان أيضًا، المشهورُ: نفيُ وجوب (٤) الجزاء. وقال أشهب: عليه في الطير الفديةُ، وإن ابتدأتْ بالضرر. وقال أصبغ: من عدا عليه شيءٌ من سباع الطير، فقتلَه، وَداه بشاة. قال ابن حبيب: وهذا من أصبغ غلطٌ. وحمل بعضُ المتأخرين قولَ أصبغَ هذا على أنه كان قادرًا على الدفع بغير القتل، فأما لو تعين القتلُ في الدفع، فلا يختلف فيه. وأما العقرب والحية والفارة، فيقتلن، حتى الصغير، وما لم يؤذ

стр. 1962

منها؛ لأنه لا يؤمَنُ منها، إلا أن تكون من الصغر بحيث لا يمكن منها الأذى، فيختلف في حكمها. وهل يلحق صغارُ غيرها من الحيوان المباحِ القتلِ لأذيته بكبارها في جواز القتل ابتداءً؟ فيه خلاف. قلت (١): وأما الأسدُ والنمرُ والفهدُ، وما في معناها، فالمشهورُ: جوازُ قتلِ صغيرِها (٢)، وما لم يؤذِ من كبيرها (٣) (٤). ونقل الخطابي عن النخعي: أنه قال: لا يقتل المحرمُ الفأرةَ، قال: وأراه قال: فإن قتلها، فعليه الفديةُ، وقال: هذا مخالف للنص، خارجٌ عن أقاويل العلماء (٥). ع: وروي عن عليٍّ ومجاهدٍ: لا يُقتل الغراب، ولكن يُرمى، ولا يصحُّ عن علي ذلك (٦). وقالت طائفة أخرى: لا يقتل من الغربان (٧) إلا الأبقعُ، وهو

стр. 1963

الذي في بطنه وظهره (١) بياضٌ -على ما جاء في حديث سعيد عن (٢) عائشة. ع: وحكى الخطابي عن (٣) مالك: أنه (٤) لا يُقتل الغرابُ الصغير، وتُؤُوِّل أنه نوع من الغربان يأكل الحبَّ، وعندي أنه تحريف عن مالك (٥)، انتهى (٦). ق: واستُدل بالحديث على أنه يُقتل في الحرم (٧) من لجأ إليه بعدَ قتلِه لغيرِه مثلًا، على ما هو مذهبُ الشافعي، وعلل ذلك: بأن إباحة قتل هذه الأشياء في الحرم مُعلَّلٌ بفسق العُدْوان، فيعمُّ الحكمُ لعموم العلَّة، والقاتِلُ عدوانًا فاسقٌ بعدوانه، فتوجد العلَّة في قتله، فيُقتل، وبل أولى؛ لأنه مكلَّفٌ، وهذه الفواسقُ فسقُها طبعيٌّ (٨)، ولا تكليف عليها، والمكلَّفُ إذا ارتكب الفسقَ هاتكٌ لحرمةِ نفسه، فهو أولى

стр. 1964

بإقامة مقتضى الفسقِ (١) عليه. قال: وهذا عندي ليس بالهيِّن (٢)، وفيه (٣) عوزٌ (٤)، فليتنبه له (٥). فائدة: قال العبدي: وجملةُ ما يجوز للمحرم قتلُه، وفي الحرم (٦) أيضًا، ثلاثةَ عشرَ شيئًا (٧)؛ ستة تُذبح للأكل، وسبعة تُقتل للضررِ ودفعِ أذاها. فأما ما يذبح للأكل: فبهيمةُ الأنعامِ الثلاثُ: الإبل، والبقر، والغنم، وثلاثٌ من الطير، وهي (٨): البَطُّ، والإوَزُّ، والدجاجُ. وأما لدفع الضرر، فثلاثةٌ هوائيةٌ، وهي: الغراب، والحِدأة، والزُّنبور، على خلاف في الزُّنبور، وثلاثةٌ ترابيةٌ: الحية، والعقرب (٩)، والفأرة، وواحدٌ من الوحش، وهو الكلب العقور، واللَّه أعلم.

стр. 1965

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام تأليف الإمام تاج الدين الفاكهاني أبي حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري المالكي المولود بالإسكندرية سنة ٦٥٤ هـ المتوفى بها سنة ٧٣١ هـ - رحمه الله تعالى - يطبع لأول مرة كاملا محققا على ثلاث نسخ خطية [المجلد الرابع] تحقيق ودراسة نور الدين طالب بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين
следующие страницы →