← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

من غير أذى، فلا شيء عليه. وقال أشهب: إن قتلهما من غير ضرورة، وَدَاهُما (١). واختُلف -أيضًا- في قتل صغارهما، وفي وجوب الجزاء بقتلهما (٢). وأما غيرُهما من الطير، فإن لم يؤذ، فلا يُقتل، فإن قتل، ففيه الجزاء. وإن آذى، فهل يقتل، أم لا؟ قولان. وكذلك (٣) إذا قلنا: لا يقتل، فقتل، قولان أيضًا، المشهورُ: نفيُ وجوب (٤) الجزاء. وقال أشهب: عليه في الطير الفديةُ، وإن ابتدأتْ بالضرر. وقال أصبغ: من عدا عليه شيءٌ من سباع الطير، فقتلَه، وَداه بشاة. قال ابن حبيب: وهذا من أصبغ غلطٌ. وحمل بعضُ المتأخرين قولَ أصبغَ هذا على أنه كان قادرًا على الدفع بغير القتل، فأما لو تعين القتلُ في الدفع، فلا يختلف فيه. وأما العقرب والحية والفارة، فيقتلن، حتى الصغير، وما لم يؤذ

стр. 1962

منها؛ لأنه لا يؤمَنُ منها، إلا أن تكون من الصغر بحيث لا يمكن منها الأذى، فيختلف في حكمها. وهل يلحق صغارُ غيرها من الحيوان المباحِ القتلِ لأذيته بكبارها في جواز القتل ابتداءً؟ فيه خلاف. قلت (١): وأما الأسدُ والنمرُ والفهدُ، وما في معناها، فالمشهورُ: جوازُ قتلِ صغيرِها (٢)، وما لم يؤذِ من كبيرها (٣) (٤). ونقل الخطابي عن النخعي: أنه قال: لا يقتل المحرمُ الفأرةَ، قال: وأراه قال: فإن قتلها، فعليه الفديةُ، وقال: هذا مخالف للنص، خارجٌ عن أقاويل العلماء (٥). ع: وروي عن عليٍّ ومجاهدٍ: لا يُقتل الغراب، ولكن يُرمى، ولا يصحُّ عن علي ذلك (٦). وقالت طائفة أخرى: لا يقتل من الغربان (٧) إلا الأبقعُ، وهو

стр. 1963

الذي في بطنه وظهره (١) بياضٌ -على ما جاء في حديث سعيد عن (٢) عائشة. ع: وحكى الخطابي عن (٣) مالك: أنه (٤) لا يُقتل الغرابُ الصغير، وتُؤُوِّل أنه نوع من الغربان يأكل الحبَّ، وعندي أنه تحريف عن مالك (٥)، انتهى (٦). ق: واستُدل بالحديث على أنه يُقتل في الحرم (٧) من لجأ إليه بعدَ قتلِه لغيرِه مثلًا، على ما هو مذهبُ الشافعي، وعلل ذلك: بأن إباحة قتل هذه الأشياء في الحرم مُعلَّلٌ بفسق العُدْوان، فيعمُّ الحكمُ لعموم العلَّة، والقاتِلُ عدوانًا فاسقٌ بعدوانه، فتوجد العلَّة في قتله، فيُقتل، وبل أولى؛ لأنه مكلَّفٌ، وهذه الفواسقُ فسقُها طبعيٌّ (٨)، ولا تكليف عليها، والمكلَّفُ إذا ارتكب الفسقَ هاتكٌ لحرمةِ نفسه، فهو أولى

стр. 1964

بإقامة مقتضى الفسقِ (١) عليه. قال: وهذا عندي ليس بالهيِّن (٢)، وفيه (٣) عوزٌ (٤)، فليتنبه له (٥). فائدة: قال العبدي: وجملةُ ما يجوز للمحرم قتلُه، وفي الحرم (٦) أيضًا، ثلاثةَ عشرَ شيئًا (٧)؛ ستة تُذبح للأكل، وسبعة تُقتل للضررِ ودفعِ أذاها. فأما ما يذبح للأكل: فبهيمةُ الأنعامِ الثلاثُ: الإبل، والبقر، والغنم، وثلاثٌ من الطير، وهي (٨): البَطُّ، والإوَزُّ، والدجاجُ. وأما لدفع الضرر، فثلاثةٌ هوائيةٌ، وهي: الغراب، والحِدأة، والزُّنبور، على خلاف في الزُّنبور، وثلاثةٌ ترابيةٌ: الحية، والعقرب (٩)، والفأرة، وواحدٌ من الوحش، وهو الكلب العقور، واللَّه أعلم.

стр. 1965

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام تأليف الإمام تاج الدين الفاكهاني أبي حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري المالكي المولود بالإسكندرية سنة ٦٥٤ هـ المتوفى بها سنة ٧٣١ هـ - رحمه الله تعالى - يطبع لأول مرة كاملا محققا على ثلاث نسخ خطية [المجلد الرابع] تحقيق ودراسة نور الدين طالب بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين

стр. 1966

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1967

رِيَاضُ الأَفْهَامِ فِي شَرح عُمْدَةِ الأَحْكَامِ

стр. 1968

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٧ - ١٣ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها الْعَام نور الدّين طَالِب سوريا - دمِشق ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بِيروت ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ (٠٠٩٦٣١١) فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) www.daralnawader.com

стр. 1969

باب دخول مكة (١) الحديث الأول (٢) ٢١٧ - عَنْ أَنسَ بْنِ مَالكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ (٣) عَامَ الفَتْح (٤)، وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نزَعَهُ، جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ (٥) ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّق بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فقَالَ: "اقْتُلُوهُ" (٦).

стр. 1970

الرجل (١): قيل (٢): هو أَبو بَرْزَةَ الأسلميُّ ﵁ (٣). واسم ابن خَطَل: عبدُ العزى، وخَطَل: بفتح الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة (٤). وقد ثبت عن ابن شهاب الزهري: أن النبيَّ ﷺ لم يكن محرِمًا ذلكَ اليومَ (٥).

стр. 1971

ق: وظاهرُ كونِ المغفرِ على رأسه ﷺ يقتضى ذلك (١) (٢)، ولكنه محتملٌ لأن (٣) يكون لعذر. وأُخذ من هذا: أن المريدَ لدخول مكة إذا كان محارِبًا يُباح له دخولُها بغير إحرام؛ لحاجة المحارب (٤) إلى الستر بما يقيه وَقعَ السلاح. وإباحةُ النبيِّ ﷺ لقتله (٥) قد يتمسك به في إباحة قتل الملتجىء إلى الحرم، ويجاب عنه: بان ذلك محمولٌ على الخصوصية التي دلَّ عليها قولُه ﷺ : "وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا حَلَّتْ (٦) لي سَاعَةً مِنْ نهارٍ" (٧). قلت: ولا أَستبعد هذا الجواب، وقد تقدم نحوُ هذا في حديث شُريح بن خُويلد ﵁. وأما قوله ﷺ في ابن خطل: "اقتلوه"، فلعظم (٨) ذنبه، وهو أحدُ

стр. 1972

الستة الذين أمر ﵊ بقتلهم، ولو تعلَّقوا بأستار الكعبة، وكان منهم امرأتان. وقال محمدُ بنُ عمرَ الواقديُّ: كان معهم أربعُ نسوة، وكان ابنُ خطلٍ قد ارتدَّ بعد إسلامه، وقَتَلَ (١)، ولحق بدار الكفرِ بمكة، واتخذ قَينتين تُغنيان بسبِّ (٢) النبي ﷺ وهِجائه (٣)، فعهد فيه رسول اللَّه ﷺ (٤) بما عهد -نسأل (٥) اللَّه تعالى حسنَ الخاتمة بلا محنة- آمين يا (٦) ربَّ العالمين. * * *

стр. 1973

الحديث الثاني ٢١٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا الَّتِي بِالبَطْحَاءَ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى (١). * * *

стр. 1974

قد تقدم أن (دخل) يتعدى بنفسه إلى كل ظرفِ مكانٍ مختصٍّ. وتقدم أيضًا الكلامُ على مكةَ، واشتقاقها. وكَدَاء: -بفتح الكاف والمد-، ولم أسمعه إلا منونًا، ولا يبعد فيه منعُ الصرف إذا حُمل على البقعة؛ إذ هو عَلَمٌ على المكان المخصوص المعروف (١). والثَّنِيَّة: هي الطريقُ بين الجبلين، والثنيةُ السفلى المعروفُ فيها كُدًى -بالضم والقصر-. ق: وثَمَّ موضعٌ اَخَرُ يقال له: كُدَيٌّ -بضم الكاف وفتح الدال وتشديد الياء-، وليس هو السفلى على المعروف، والمشهورُ (٢) استحبابُ الدخول من كَدَاء، وإن لم تكن (٣) طريق الداخل إلى مكة، فيعرِّجُ إليها. وقيل: إنما دخل النبيُّ ﷺ منها؛ لأنها على طريقه، فلا يُستحبُّ لمن ليستْ على طريقه، وفيه نظر (٤)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1975

الحديث الثالث ٢١٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَيْتَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ (١) البَابَ، فَلَمَّا فتحُوا، كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا، فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نعمْ، بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ (٢).

стр. 1976

فيه: اختصاصُ المتبوع بعضَ (١) أتباعه ببعض (٢) الأمور المخصوصةِ بالعبادات. وفيه: العملُ بخبر الواحد. وفيه: جوازُ الصلاة في البيت. وقد اختلف أصحابنا في جواز ذلك، والمذهب: جواز النفل خاصةً دونَ الفرضِ، والسننِ؛ كالوتر، وركعتي الفجر، وركعتي الطواف. قال اللخمي: وأجازه أشهبُ في "مدونته" في الفرض، فقال: إن فعل، فلا إعادة عليه، وإن كان يُستحب له أن لا يفعل ذلك ابتداءً، فعلى المشهور: لو صلى الفرضَ فيها، قال في "الكتاب": يعيد في الوقت، وحُمل على الناسي؛ لقوله: كمن صلَّى لغير القبلة (٣). وقال ابن حبيب: يعيد أبدًا في العَمْد والجهل، وكأنه راجع إلى الأول، والحِجْر مثلُها، والصلاةُ على ظهرها أشدُّ، وقيل: مثلُها، وقيل: إن أقام قائمًا بقصده (٤)، فمثلُها، وإلَّا، لم يجز؛ للنهي عنه (٥)، والأكثرُ على الأول. وقال أشهب: إن كان بين يديه قطعةٌ من سطحها؛ بناء على أن

стр. 1977

الأمر ببنائها، أو بهوائها. وقال المازري: المشهورُ: منعُ الصلاة داخلَها، ووجوبُ الإعادة أبدًا، وعن ابن عبد الحكم: الإجزاء. مسألة: لو امتد صفٌّ مستطيل قريبًا (١) من البيت، فالخارجُ عن سمت البيت لا صلاةَ له، ولو فُرِضَ بعدُ هؤلاء عن مكة في أفق من الآفاق، لصحت صلاتهم، والواقفُ بمكةَ خارجَ المسجد يسوِّي محرابه بناءً على عِيان الكعبة، فإن لم يقدر، استدلَّ عليها بما يدلُّ عليها، فإن قدر على الاجتهاد بمشقة، فقد تردَّدَ بعضُ المتأخرين في جواز اقتصاره على الاجتهاد. وقال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري: يصلِّي فيها كلَّ شيء، وهو قولُ جماعة من السلف. وقال بعض الظاهرية: لا يصلِّي فيها نافلةً ولا فريضة، ونحوُه مذهبُ ابن عباس (٢). ق: (٣) في الحديث -أيضًا-: جوازُ الصلاة بين الأَساطين والأَعْمِدة، وإن كان يحتمل أن يكون صلَّى في الجهة التي بينهما، وإن لم يكن في مُسامَتَتِها (٤) حقيقة، وقد وردت في ذلك كراهةٌ، فان لم يصحَّ سندُها،

стр. 1978

قدم هذا الجواب (١)، وعمل بحقيقة (٢) قوله: "بينَ العمودين"، وإن (٣) صح سندُها، أُوِّل بما ذكرناه: أنه ﷺ صلَّى في سمت ما (٤) بينَهما، وإن كانت آثارًا فقط، قُدِّمَ المسندُ عليها (٥). قلت: وعُللت كراهةُ الصلاة بين الأساطين بأشياء: منها: أنها تُوقع خللًا في الصف. ومنها: أنها موضعُ الأقدام، فلا يخلو (٦) عن نجاسة في الغالب. ومنها: أنها محالٌّ الشياطين على ما قيل، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1979

الحديث الرابع ٢٢٠ - عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ، فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تنفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ، مَا قَبَّلْتُكَ (١).

стр. 1980

فيه: حُسْنُ الاقتداء، وشدةُ المتابعة، وإن لم يعلم (١) العلَّة، ومثلُه ما تقدم (٢) من إدارة ابنِ عمرَ راحلَته في مكانٍ أدارَ فيه ﵊ راحلَتَه، ولم يذكر مُسْتَنَدًا في ذلك سوى الاقتداء حين سُئل عن ذلك، هذا وإن كان قد علم في الجملة أن تقبيلَ الحجرِ الأسودِ إكرامٌ له، وإعظامٌ لحقه، وتبرُّكٌ به. وقد قيل: إن اللَّه لما أَخَذَ على بني آدمَ الميثاقَ وهُمْ كالذَّرِّ في صُلْب آدمَ ﵊، كتبَ ذلكَ في رَقٍّ، ثم دعا هذا الحجرَ، فألقمَه إياه، فهو يشهدُ (٣) لمن وافاهُ إلى يومِ القيامةِ. قال الخطابي: وقد فَضَّلَ اللَّهُ بعضَ الأحجارِ على بعضٍ؛ كما فَضَّلَ بعضَ البِقَاعِ (٤) والبلدانِ، وكما فَضَّلَ بعضَ الليالي والأيامِ والشهورِ، وبابُ هذا كله التسليمُ، وهو أمرٌ سَائِغٌ (٥) في العقول، جائزٌ فيها غيرُ ممتنع ولا مستَنْكَر، وقد رُوي في بعض الأحاديث: "إِنَّ الحَجَرَ الأَسْوَدَ يَمِينُ اللَّهِ في الأَرْضِ" (٦)، فالمعنى: أَنَّ مَنْ صافَحَه في الأرض، كان

стр. 1981

له عندَ اللَّه عهدٌ، فكان (١) كالعهد يعقده الملكُ بالمصافحة لمن يريدُ موالاته والاختصاصَ به (٢)، وكما يصفق على أيدي الملوك بالبَيْعَة (٣)، وكذلك تقبيلُ الخدمِ أيديَ السادةِ (٤) والكبراء، فهذا كالتمثيل بذلك، والتشبيهِ به (٥). قلت: وكأن عمر ﵁ قال ذلك، لإزالةِ وهمٍ في بعض أذهانِ الناس من أيام الجاهلية، وما كانت تعتقدُه في أصنامها، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1982

الحديث الخامس ٢٢١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وقد وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَم يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا، إِلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ (١).

стр. 1983

* الشرح (١): قدومُه ﵊ كان في عُمرة القضاء، ولم يكن في الحجَّة. ق: وأُخذ (٢) من هذا: أنه نسُخ (٣) منه عدمُ الرمل فيما بين الركنين؛ فإنه ثبت أنه ﵊ رَمَلَ من (٤) الحجَرَ إلى الحجَر، وذكر أنه كان في الحجِّ، فيكون متأخِّرًا، فيقدَّم على المتقدِّم. وفيه: دليلٌ على استحباب الرَّمَل، والأكثرون على استحبابه مطلَقًا في طوافِ القدوم في زمن النبي ﷺ وبعده، وإن كانت العلَّة التي ذكرها ابنُ عباس قد زالت، فيكون استحبابهُ في ذلك الوقت لتلك العلَّة، وفيما بعد ذلك تأسيًا واقتداء بما فُعِلَ في زمن الرسول ﷺ . وفي ذلك من الحكمة تذكُّرُ الوقائع الماضية للسلف الكرام، وفي طَيِّ تذكُّرِها مصالحُ دينية؛ إذ تبين في أشياءَ كثيرة ما كانوا عليه من امتثالِ أمرِ اللَّه تعالى، والمبادرةِ إليه، وبذلِ الأنفس (٥) في ذلك، وبهذه النكتة (٦)

стр. 1984

يظهر (١) الآن كثيرٌ من الأعمال التي وقعت في الحج، ويقال فيها: إنها تعبُّد؛ كما قيل: ألا ترى أنا إذا فعلناها، وتذكَّرنا أسبابها، حصلَ لنا من ذلك تعظيمُ الأولين، وما كانوا عليه من احتمال المشاقِّ في امتثال أمر اللَّه تعالى، وكان (٢) هذا التذكُّر باعثًا على مثلِ ذلك، ومقرِّرًا في أنفسنا تعظيمَ الأولين، وذلك (٣) معنًى معقول. مثالهُ: السعيُ بين الصفا والمروة، إذا فعلناه وتذكَّرْنا أن سببَه قصةُ هاجرَ مع ابنها، وتركُ (٤) الخليلِ ﵇ لهما في ذلك المكان الموحشِ منفردَيْن مُنقطِعَي (٥) أسبابِ الحياة بالكلية، مع ما أظهره اللَّه تعالى من الكرامة والآية في (٦) إخراج الماء لهما، كان في ذلك مصالحُ عظيمةٌ؛ أي: في التذكر لذلك الحال (٧). وكذا رميُ الجِمار، إذا فعلناه، فتذكرنا (٨) أن سببه رميُ إبليسَ بالجمار في هذه المواضع عندَ إرادةِ الخليلِ ذبحَ ولده، حصلَ من ذلك

стр. 1985

مصالحُ عظيمةُ النفعِ في الدين (١). (٢) الرَّمَلُ والرَّمَلانُ: -بفتح الميم-: الهَرْوَلَةُ، وهو من الألفاظ المشتركة، تقع (٣) أيضًا (٤) على جنس من العَرُوض، كأنه -واللَّه أعلم- من العَروض -بفتح العين (٥) - الذي استنبطَه الخليلُ شاهد (٦)، وعلى القليل من المطر، وعلى خُطوط تكون (٧) في قوائم البقرة الوحشية تُخالف سائرَ لونها (٨). والشوط في الأصل: الطَّلَق، يقال: عَدا شَوْطًا، أي: طَلَقًا -بفتح اللام-، والمراد به هنا: الطوافُ بالبيت مرة من الحَجَر إلى الحَجَر (٩). وقد كره الشافعيُّ وبعض المتقدمين (١٠) تسميتَه بذلك، والحديثُ

стр. 1986

على خلافه، وإنما لم يَرْمُلوا فيما بين الركنين؛ لأن المشركين لا يرونهم في هذا المكان؛ إذ العلةُ إنما كانت حينئذ إظهارَ الجَلَد، وإنكاءَ (١) المشركين (٢)، ومناقضتَهم (٣) بذلك، حيث قالوا عن الصحابة: وَهَنَتْهُم حُمَّى يثربَ؛ أي: أضعفَتْهم، يقال: وَهَنَ الإنسانُ، وَوَهَنَهُ غيرُه، يتعدَّى ولا يتعدَّى، ويقال -أيضًا-: وَهِن -بالكسر-، وَأَوْهَنَتْه، وَوَهَّنَتْه تَوْهينًا. ولتعلمْ: أن الرملَ مستحبٌّ، ولا شيء على مَنْ تركه جَهْلًا أو عمدًا. ونقل الخطابي عن سفيان الثوري: أنه يراه سنةً مؤكَّدَةً، ويوجب بتركه دمًا (٤). قلت: وقد نُقل ذلك عن مالك. قال الأبهري: لأنه ترك شيئًا مستحبًا، وذلك أحوطُ (٥)، ثم رجعَ فقالَ: لا دم عليه. قال الأبهري -أيضًا-: لأن ذلك هيئةُ العمل (٦)، فإذا تركه الإنسان،

стр. 1987

فلا شيء عليه؛ كما لو ترك رفعَ اليدين في الصلاة، والتبدئةَ بالميامن في الوضوء، وهو مختصٌّ بالرجال دون النساء؛ لأن إسراعَهن عورةٌ، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1988

الحديث السادس ٢٢٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ (١).

стр. 1989

يعني بالركن: الحَجَرَ الأسودَ؛ لأنه بعضُ الركن؛ كما أنه إذا قال: استلَم الركنَ، إنما يريد: بعضه. فيه: استحبابُ استلامِ (١) الحَجَر. وفيه: دليلٌ على الخَبَبِ (٢) في جميع الأشواط الثلاثة، والخَبَبُ (٣): الإسراعُ في المشي مع تقارُبِ الخُطا (٤). وفيه: الابتداءُ بالطواف أولَ القدوم، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1990

الحديث السابع ٢٢٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: طَافَ النَّبيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعيِرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ (١).

стр. 1991

فيه: جواز قول: حجَّة الوداع، وقد كرهه بعضُ العلماء، وغُلِّط (١). وفيه: جوازُ الطواف راكبًا، وإنما طاف ﵊ راكبًا -وإن كان المشيُ في حقِّ غيرِه (٢) أفضلَ-؛ ليراه الناس، وليُشْرِفَ، وليسألوه، ولبيان الجواز أيضًا، فكان ذلك في حقِّه الأفضلَ، أو الأوجبَ، وقد قيل: إنه ﷺ كان في طوافه هذا مريضًا (٣)، وإلى هذا المعنى (٤) أشار البخاري، وترجم عليه: باب: المريض يطوف راكبًا، فيحتمل أن يكون ﵊ طاف لهذا كلِّه. وفيه: دليلٌ على طهارة بولِ ما يؤكل لحمُه وروثه؛ لأنه لا يؤمَنُ من البعير، فلو كان نجسًا، لما عرَّض المسجدَ له، وقد يُنزه المسجدُ عما هو أخفُّ من هذا؛ تعظيمًا له. وذهب أبو حنيفة، والشافعي إلى نجاسة ذلك (٥). وليس الهما -فيما علمت- على (٦) ذلك دليل واضح.

стр. 1992

وفيه: استحبابُ استلام الحجر، وأنه إذا عجزَ عن استلامه استلمَه بعُود، وهذا الاستلام مستحَبٌّ، وليس بواجب. قال مالك ﵀: لأنه ليس من فرائض الحج، ولا من سُننه، وإنما هو مستحبٌّ، فمن تركه، لم يكن عليه شيء. قال أصحابنا: الأولى أن يُقبله بفيه إن قَدَر، فإن لم يقدر، لمسه بيده. واختُلف هل يُقبل يدَه، أو يضعُها على فيه من غير تقبيل؟ فقال مالك مرةً: يضعُها على فيه من غير تقبيل؛ لأن ذلك عوضٌ عن (١) التقبيل، وقد فعله جماعة من الصحابة. وروي عن مالك أيضًا: أن له أن يُقبل يدَه. قلت: وجه هذا القول: أن في الرواية الأخرى زيادة؛ وهو قوله: "ثم يقبلُ المحجنَ". فإن لم يقدر أن يستلمه (٢) بعود (٣) و (٤) نحوِه، فإن (٥) لم يمكنه ذلك، كَبَّرَ، ومضى.

стр. 1993

نادرة: سمعت شيخَنا أبا عليٍّ النجائي (١) ﵁ يحكي: أن رجلًا من أهل العراق (٢) لم يصلْ إلى الحجر من زحام الناس، فرجعَ إلى بيته، فاستصحبَ معه ألفَ دينار، وأتى قربَ الحجر فنثرَها على الناس، فقعدوا يلتقطونها، وأسرع هو إلى الحجر فقبله حالَ اشتغالهم بالتقاط الذهِب، هذا أو معناه. وقد أنكر مالكٌ وضع الخدَّين (٣) عليه. نعم، يُسن الدعاءُ عنده؛ إذ هو من مواطن الإجابة، وليس الدعاءُ عنده بمحدود، وقال ابن حبيب: يقول: باسم اللَّه، واللَّه أكبر، اللهمَّ إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتِّباعًا لسنَّةِ نبيِّك محمدٍ ﷺ . وأنكره (٤) مالك؛ لكون العمل على خلافه. وهل تُكره التلبيةُ عنده، أو (٥) لا؟ في المذهب قولان (٦). * * *

стр. 1994

الحديث الثامن ٢٢٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ (١).

стр. 1995

* الشرح: الركنان اليمانيَان هما: الركنُ الأسود، والركنُ اليماني، فغُلِّب أحدُهما على الآخر؛ كالأَبَوين (١)، والعُمَرَين. فإن قلت: لم غُلب اليماني؟ قلت: يُحتمل أن يكون ذلك من باب استحباب لفظ التيمُّن الذي هو التبرُّك، واللَّه أعلم. واليمانيان -بتخفيف الياء- هذه (٢) اللغة الفصيحة (٣) المشهورة، وحكى سيبويه وغيرُه لغة أخرى بالتشديد (٤). فمن خفف (٥)، فللنسبة (٦) إلى اليمن، والألفُ عوض من إحدى ياءَي النسب، ولو شدد، لكان ذلك جمعًا بين العِوَض والمعوَّض عنه، وذلك ممتنعٌ، وكأن من شدَّدَ جعل الألف زائدة، وأصلُه اليمني، كما زادوا الألفَ في صنعاني، ورَقَباني، ونظائرهما (٧). وأما الركنان الآخران: فيقال لهما: الشامِيَّان.

стр. 1996

ففي الركن الأسود فضيلتان: كونُه على قواعد إبراهيم ﵊، وكونُ الحجر الأسود فيه. وأما اليماني، ففيه فضيلة واحدة: وهو كونُه على قواعد إبراهيم ﵊. وأما الركنان الشاميان، فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلذلك خُصَّ الحجرُ الأسودُ بسُنَّتين (١): الاستلام، والتقبيل، وأما اليماني، فيستلمه، ولا يقبله؛ لأن فيه فضيلةً واحدة، ولذلك كان (٢) الركنان الآخران لا يُستلمان، ولا يُقَبلان (٣). ح (٤): وقد أجمعتِ الأمةُ على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفق الجماهيرُ على أنه لا يمسح الركنين الآخرين، واستحبَّه بعضُ السلف، وممن (٥) كان يقول باستلامهما: الحسن، والحسين ابنا عليٍّ ﵃ (٦)، وابن الزبير، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وعروة ابن الزبير، وأبو الشعثاء جابرُ بنُ زيد ﵃.

стр. 1997

قال القاضي أبو الطيب: أجمعت أئمةُ (١) الأمصار (٢) والفقهاء على أنهما لا يُستلمان. قال (٣): وإنما كان فيه خلافٌ لبعض الصحابة والتابعين، وانقرضَ الخلافُ، وأجمعوا على (٤) أنهما لا يُستلمان (٥). والمِحْجَن: عَصًا معقفة (٦) يتناولُ الراكبَ بها (٧) ما سقطَ له (٨)، ويحرِّكُ بطرفِها بعيرَه للمشي (٩)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1998

باب التمتع الحديث الأول (١) ٢٢٥ - عَنْ أَبي جَمْرَةَ، نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ المُتْعَةِ، فَأمَرَنِي (٢) بِهَا، وَسَأْلتُهُ (٣) عَنِ الهَدْيِ، فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أو شِرْكٌ في دَمٍ، قَالَ: وَكَأَنَّ ناسًا كَرِهُوهَا (٤)، فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ إِنْسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عبَّاسٍ، فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكبَرُ! سُنَّةُ أَبي القَاسِمِ ﷺ (٥).

стр. 1999

* التعريف: أبو جَمْرَة -بالجيم والراء المهملة-: واسمُه نصرُ بنُ عِمرانَ الضُّبَعِيُّ -بالضاد المعجمة المضمومة (١) والعين المهملة والباء الموحدة المفتوحة (٢) -، اليَزَنِيُّ -بالمثناة تحت والزاي وبعدها نون-، البصريُّ التابعيُّ (٣). سمع عبدَ اللَّه بنَ عباس، وأبا بكر بنَ أبي موسى زَهْدَمَ (٤) الجرميَّ. روى عنه: شُعبة، وقُرَّةُ بنُ خالد، وحَمَّادُ بنُ زيد، وعَبَّادُ بنُ سعد. أخرج حديثه في "الصحيحين". قال أبو عيسى: مات سنة ثمان وعشرين ومئة ﵁ (٥).

стр. 2000

قد تقرر أن الإحرام على ثلاثة أوجه: إفراد، وتمتع، وقِران. وقد اتفق العلماء على صحة الحج بكل واحدٍ منها (١)، إلا أبا حنيفة؛ فإنه استثنى المكيِّ، فقال: لا يصحُّ في حقه التمتعُ، ولا القِرانُ، ويكره له فعلُهما، فإن فعلَهما، لزمه دم. وأما النهي الوارد عن عمرَ وعثمانَ ﵄، فعلى التنزيه، لا على التحريم، على ما سيأتي. ثم اختلفوا في أولاها: فقال أبو حنيفة: القِرانُ أفضلُ، ثم التمتعُ، ثم الإفرادُ للآفاقي. وقال مالك، والشافعيُّ في أحد قوليه، وهو الصحيح عند أصحابه: الأفضلُ الإفراد، ثم التمتُّع، ثم القِران. وعن الشافعي قول آخر: أن التمتعَ أفضلُ. وقال (٢) أحمد: التمتعُ، ثم الإفرادُ، ثم القِران (٣). والقِران: اشتراكُ العمرة والحجِّ في إحرام واحد ابتداءً وإِردافًا (٤). وأما التمتُّع: فله شروط ستة: أحدها: الجمعُ بين العمرة والحج في عام واحد.
следующие страницы →