← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

ففي الركن الأسود فضيلتان: كونُه على قواعد إبراهيم ﵊، وكونُ الحجر الأسود فيه. وأما اليماني، ففيه فضيلة واحدة: وهو كونُه على قواعد إبراهيم ﵊. وأما الركنان الشاميان، فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلذلك خُصَّ الحجرُ الأسودُ بسُنَّتين (١): الاستلام، والتقبيل، وأما اليماني، فيستلمه، ولا يقبله؛ لأن فيه فضيلةً واحدة، ولذلك كان (٢) الركنان الآخران لا يُستلمان، ولا يُقَبلان (٣). ح (٤): وقد أجمعتِ الأمةُ على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفق الجماهيرُ على أنه لا يمسح الركنين الآخرين، واستحبَّه بعضُ السلف، وممن (٥) كان يقول باستلامهما: الحسن، والحسين ابنا عليٍّ ﵃ (٦)، وابن الزبير، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وعروة ابن الزبير، وأبو الشعثاء جابرُ بنُ زيد ﵃.

стр. 1997

قال القاضي أبو الطيب: أجمعت أئمةُ (١) الأمصار (٢) والفقهاء على أنهما لا يُستلمان. قال (٣): وإنما كان فيه خلافٌ لبعض الصحابة والتابعين، وانقرضَ الخلافُ، وأجمعوا على (٤) أنهما لا يُستلمان (٥). والمِحْجَن: عَصًا معقفة (٦) يتناولُ الراكبَ بها (٧) ما سقطَ له (٨)، ويحرِّكُ بطرفِها بعيرَه للمشي (٩)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1998

باب التمتع الحديث الأول (١) ٢٢٥ - عَنْ أَبي جَمْرَةَ، نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ المُتْعَةِ، فَأمَرَنِي (٢) بِهَا، وَسَأْلتُهُ (٣) عَنِ الهَدْيِ، فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أو شِرْكٌ في دَمٍ، قَالَ: وَكَأَنَّ ناسًا كَرِهُوهَا (٤)، فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ إِنْسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عبَّاسٍ، فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكبَرُ! سُنَّةُ أَبي القَاسِمِ ﷺ (٥).

стр. 1999

* التعريف: أبو جَمْرَة -بالجيم والراء المهملة-: واسمُه نصرُ بنُ عِمرانَ الضُّبَعِيُّ -بالضاد المعجمة المضمومة (١) والعين المهملة والباء الموحدة المفتوحة (٢) -، اليَزَنِيُّ -بالمثناة تحت والزاي وبعدها نون-، البصريُّ التابعيُّ (٣). سمع عبدَ اللَّه بنَ عباس، وأبا بكر بنَ أبي موسى زَهْدَمَ (٤) الجرميَّ. روى عنه: شُعبة، وقُرَّةُ بنُ خالد، وحَمَّادُ بنُ زيد، وعَبَّادُ بنُ سعد. أخرج حديثه في "الصحيحين". قال أبو عيسى: مات سنة ثمان وعشرين ومئة ﵁ (٥).

стр. 2000

قد تقرر أن الإحرام على ثلاثة أوجه: إفراد، وتمتع، وقِران. وقد اتفق العلماء على صحة الحج بكل واحدٍ منها (١)، إلا أبا حنيفة؛ فإنه استثنى المكيِّ، فقال: لا يصحُّ في حقه التمتعُ، ولا القِرانُ، ويكره له فعلُهما، فإن فعلَهما، لزمه دم. وأما النهي الوارد عن عمرَ وعثمانَ ﵄، فعلى التنزيه، لا على التحريم، على ما سيأتي. ثم اختلفوا في أولاها: فقال أبو حنيفة: القِرانُ أفضلُ، ثم التمتعُ، ثم الإفرادُ للآفاقي. وقال مالك، والشافعيُّ في أحد قوليه، وهو الصحيح عند أصحابه: الأفضلُ الإفراد، ثم التمتُّع، ثم القِران. وعن الشافعي قول آخر: أن التمتعَ أفضلُ. وقال (٢) أحمد: التمتعُ، ثم الإفرادُ، ثم القِران (٣). والقِران: اشتراكُ العمرة والحجِّ في إحرام واحد ابتداءً وإِردافًا (٤). وأما التمتُّع: فله شروط ستة: أحدها: الجمعُ بين العمرة والحج في عام واحد.

стр. 2001

الثاني (١): في سفر واحد. الثالث: تقديمُ العمرة على الحج. الرابع: أن يأتي بها أو ببعضِها في أشهر الحج. الخامس: أن يُحْرِم بعد الإحلال منها بالحج. السادس: أن يكون المتمتِّعُ مقيمًا بغير مكةَ. والإفراد: ما عَرِيَ (٢) عن صفة التمتُّع والقران. وقد (٣) اختلف في حجة النبيِّ ﷺ ، هل كان فيها مُفْرِدًا، أو متمتِّعًا، أو قارِنًا؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة، فكلُّ طائفة رَجَّحَتْ (٤) نوعًا، وادَّعت أن حجةَ النبيِّ ﷺ كانت كذلك. والصحيح: أنه ﷺ كان أولًا مفردًا، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلَها على الحج، فصار (٥) قارنًا. وقد اختلفت رواياتُ الصحابة ﵃ في صفة حجَّتِه ﵊ حجةِ الوداع، هل كان قارنًا، أو مفردًا (٦)، أو متمتعًا؟ وقد ذكر البخاري، ومسلم رواياتهم كذلك.

стр. 2002

وطريقُ الجمع بينها (١): أنه ﷺ كان أولًا مفردًا، ثم صار قارنًا، كما تقدم، فمن روى الإفراد، فهو الأصل، ومن روى القِرَان، اعتمد آخرَ الأمر (٢)، ومن روى التمتُّعَ، أراد: التمتع اللغوي، وهو الانتفاع والارتفاق، وقد ارتفق بالقِران كارتفاقِ المتمتع وزيادة، وهي (٣) الاقتصار على فعل واحد، وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث، واللَّه أعلم. سؤال وهمي: قال القاضي أبو بكر بن (٤) العربي في "قبسه": فإن قيل -وهو سؤال وجهه المُلحِدَةُ، واعترض به الطاعنون على الشريعة، قالوا-: كيف يثقون بالرواية، وهذا رسولُ اللَّه ﷺ في حجة واحدة (٥) قد اجتمع (٦) أصحابُه حولَه، وحدَّقوا إليه، وتشوَّفوا نحوه، يقتدون به، ويعملون بعمله، لم تنتظم (٧) روايتُهم، ولا انضبطَ بقولهم ما كان النبيُّ ﷺ عليه، فهذا (٨) حالهم فيما قصدوا إليه بالتحصيل، فكيف يكون فيما جاء عرضًا (٩)؟

стр. 2003

ثم قال بعد ذلك في موضع آخر: وقد أتقن (١) علماؤنا المتأخرون (٢) الجواب، فقالوا: إن النبي ﷺ لما (٣) أمره اللَّه بالحج، وأحرمَ، انتظر (٤) الوحيَ بكيفية الالتزام وصورة التلبية، فلم ينزل عليه شيء، فاعتمد ظاهرَ ما أُمر، فقال: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ، لَبَّيْكَ بِحَجَّةِ"، فسمعه جابرٌ، وعائشةُ، فسمعا (٥) الحقَّ، ونقلا الحقَّ، وانتظر النبيُّ ﷺ أن يُقَرَّ على ذلك، أو يتبين له فيه شيءٌ، فلم يكنْ، فقال: "لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ"، فسمعه أَنَسٌ، وهو تحتَ راحلته حين قال: "مَا تعدوننا (٦) إِلَّا صبيانًا (٧) "، لقد سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يصرِّح بهما (٨) جميعًا: "لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا (٩) " (١٠)، فسمع الحقَّ، ونقل الحقَّ، وسار (١١) النبي ﷺ على هذه الحالة حتى نزلَ بالعقيق، فنزل جبريلُ، وقال له: "صَلِّ في هَذَا الوَادِي

стр. 2004

المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ" (١)، فكشف له قناع البيان عن القرآن، فاستمر عليه، والتزمَ من ذلك ما لزمه، وخرج حتى دخلَ مكة، فأمر أصحابَه أن يفسخوا الحجَّ إلى العمرة، فقالوا له: كيف نفعل ذلك، وقد أَهْلَلْنا بالحج؟ فقال لهم: "افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ، فَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الهَدْيَ، لأَحْلَلْتُ كَمَا تُحِلُّونَ"، وقال: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتَ الهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً"، فارتفع التناقضُ، وزال التعارضُ، وانتظم القولُ من رسول اللَّه ﷺ ، والعملُ منه ومن أصحابه (٢)، انتهى. وقد تعلق أحمدُ بنُ حنبل ﵀ في أفضلية التمتُّع بقوله ﵊: "لَوِ استقبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ" الحديث، فتمنى النبيُّ ﷺ أن يكون متمتِّعًا، ولا يتمنَّى إلا الأفضلَ. وأجيب: بأنه ﵊ أيضًا بأنه لا يفعلُ إلا الأفضلَ، وكيف يفوِّتُه اللَّه -تعالى- الأفضلَ، وَيَرُدُّهُ إلى الأَدْوَن؟! وقيل: إنما قالَ هذا من أجل فسخ الحج إلى العمرة الذي هو خاصٌّ لهم تلك السنةَ خاصةً؛ لمخالفةِ الجاهلية، ولم يُرَدْ بذلك التمتع الذي فيه (٣) الخلاف.

стр. 2005

واحتج -أيضًا- بما جاء في الحديث من قولهم: تمتع رسول اللَّه ﷺ . وأجيب: بأن (١) المرادَ بالتمتُّع: التمتُّع اللغوي -كما تقدم-، ولم يُرد به المتعةُ المطلقة؛ لأنه ﵊ تمنَّاها، ولو كان فيها، ما تمناها. قال ابن العربي: وأما التمني، فلا حجة فيه؛ لأنه إنما تمنى المتعةَ رِفْقًا بأمته، وتَطييبًا لنفوسهم حين أَمرهم بها، فقالوا: كيف نفعلُها وأنت لم تفعلْها (٢)؟! واحتج مالك والشافعي -رحمهما اللَّه- على ما ذهبا إليه من أفضلية الإفراد: بأن الخلفاء الراشدين ﵃ واظَبوا على إِفراده، وإن كان قد اختلفَ فعلُ عليٍّ ﵁، ولو لم يكن الإفرادُ أفضلَ، وعلموا أن النبيَّ ﷺ حجَّ مُفْرِدًا، لم يواظبوا عليه، مع أنهم الأئمةُ الأعلام، وقادةُ الإسلام، ويُقتدى بهم في عصرهم وبعدَهم. قالوا: وكيف نظن فيهم (٣) المواظبةَ على خلافِ فعلِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وقد اتصلَ عملُ أهلِ المدينة بذلك، أعني: بالإفراد (٤)؟ وأما الخلاف عن عليٍّ ﵁، وعن غيره، فقيل: إنما فعلوه (٥) لبيان

стр. 2006

الجواز، وقد ثبت (١) في "الصحيحين" ما يوضِّح ذلك؛ ولأن الإفرادَ لا يوجب دمًا إجماعًا، وذلك لكماله، ويجب الدم في القران والتمتع (٢)، وهو دمُ جُبران؛ كفواتِ الميقاتِ، وغيره، فكان ما لا يحتاج إلى جبر (٣) أفضلَ. ح (٤): ولأن الأمة (٥) أجمعت على جواز الإفراد من غير كراهة، وكره عمرُ، وعثمانُ، وغيرهما التمتعَ، وبعضُهم التمتعَ (٦) والقِران، فكان الإفراد أفضلَ، واللَّه أعلم (٧). إذا (٨) ثبت هذا، فلنرجعْ إلى تتبع ألفاظ الحديث: قوله: "فأمرني بها" دليلٌ على جوازها عندَه من غير كراهة. وقوله: "وسألته عن الهَدْي" إلى آخره، أخذه من قول اللَّه (٩) تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].

стр. 2007

قال ابن عطية: وما استيسر عند جمهور (١) أهل العلم: شاةٌ، وقال عمر، وعروة بن الزبير (٢): ما استيسر: جملٌ (٣) دونَ جمل، وبقرةٌ دونَ بقرة، وقال الحسن: أعلى الهدي بدنةٌ، وأوسطُه بقرةٌ، وأَخَسُّه شاةٌ (٤). وقوله: "وكان ناسٌ يكرهونها" (٥) يعني بالناس: عمرَ، وعثمان، كما تقدم. ق: اختلفوا فيما كرهه عمرُ من ذلك، هل هذه المتعةُ، أو فسخُ الحج إلى العمرة؟ قال: والأقربُ (٦) أنها هذه، فقيل: إن هذه الكراهة والنهيَ (٧) من باب الحمل على الأولى، والمشورة به على وجه المبالغة. وقوله: "رأيت في المنام" إلى آخره، فيه: الاستئناسُ بالمرائي على طريق ترجيح (٨) الأحكام الشرعية بها، وقد شهد الشرعُ بِعِظَم قدرِها

стр. 2008

وجعلَها جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (١). قالوا: والسرُّ في كونها على هذا (٢) المقدار: أنه (٣) ﷺ أقام يُوحَى إليه (٤) ثلاثة وعشرون عامًا، عشرةً (٥) بالمدينة، وثلاثةَ عشرَ (٦) بمكة، وكان قبلَ ذلك بستة أشهر يرى في المنام ما يُلقيه إليه المَلَكُ -عليهما الصلاة والسلام-، وذلك نصفَ (٧) سنة، ونصفُ سنة من ثلاثة وعشرين سنة؛ جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا. قلت: وقد قيل في ذلك وجهٌ آخر، تلخيص معناه (٨): أن النبي ﷺ خُصَّ بضُروب من العلم دون الخليقة، فيكون المراد: أن المنامات نسبتُها مما حصل له، ومُيِّزَ به جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2009

الحديث الثاني ٢٢٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر ﵄، قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّه ﷺ في حَجَّة الوَداعِ (١) بِالعُمْرَةِ إِلى الحَجِّ، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالحَجِّ، فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، فَسَاقَ (٢) الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ ، قَالَ للنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا (٣) وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحِلَّ (٤)، ثُمَّ يُهِلُّ (٥) بِالحَجِّ، وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ في الحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ". فَطَافَ (٦)

стр. 2010

رَسُولُ اللَّه ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، وَرَكعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ (١) مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْه (٢) حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأفاضَ، فَطَافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى، فَسَاقَ الهَدْيَ مِنَ النَّاسِ (٣). * * *

стр. 2011

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قد تقدم قريبًا: أن التمتع في هذه الأحاديث محمولٌ عند العلماء (١) على التمتع اللُّغوي، وهو القِرانُ (٢)، إجراءً على ما تقرَّرَ في الحديث الذي قبلَ هذا، ويليه (٣). الثاني: قالوا: سُميت حجةَ الوداع؛ لأنه ﵊ ودَّعَ الناسَ فيها، ووَعَظَهم، وقد تقدَّمَ تغليطُ (٤) مَنْ كرهَ تسميتَها حجةَ الوداع، ومخالفتُه للحديث (٥). الثالث: قوله: "فساقَ معه الهَدْيَ من ذي الحُلَيفة" دليلٌ على سَوْق الهدايا، وإن بَعُدَ مكانُها (٦). الرابع: قوله: "و (٧) بدأَ رسولُ اللَّه ﷺ ، فأهلَّ بالعُمْرة، ثم أهلَّ (٨) بالحجِّ (٩) ":

стр. 2012

ح (١): هو محمول على التلبية في أثناء الإحرام، وليس المراد أنه أحرمَ في أول مرةٍ بعمرة، ثم أحرم بحجةٍ (٢)؛ لأنه يؤدي إلى المخالفة في أحاديث الإفراد، ويؤيد هذا التأويلَ قولُه: "وتمتع الناسُ مع رسول اللَّه ﷺ بالعمرة إلى الحج"، ومعلوم أن كثيرًا منهم أو أكثرَهم أحرموا أولًا (٣) بالحجِّ مفردًا، وإنما فسخوه إلى العمرة آخِرًا، فصاروا متمتعين. وقوله: "وتمتع (٤) الناس" (٥) [يعني] في آخرِ الأمرِ، واللَّه أعلم (٦). قلت: قولُه: محمولٌ على التلبية في أثناء الإحرام، يريد: أن المعنى: أنه ﵊ بدأَ بلفظ الإحرام بالعُمرة، ثم أتى (٧) بلفظ الإحرام في الحج بعدَ ذلك في إحرامٍ واحد. الخامس: قوله ﵊: "مَنْ كان منكم أهدى، فإنه لا يحلُّ من شيء حَرُمَ منه حتى يقضيَ حجَّه" موافقٌ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].

стр. 2013

وقوله ﵊: "ومَنْ لم يكن أَهْدَى، فليطُفْ بالبيت وبالصفا والمروةِ" دليلٌ على طلب هذا الطواف في الابتداء. وقوله: "وليقصِّرْ": قيل: إنما أمر به، وإن كان الحِلاقُ أفضلَ (١)، ليبقى له شعر يحلقه في الحج؛ لأن الحلاقَ في الحجِّ أفضلُ منه في تحلُّل العُمرة (٢). واستدل بالأمر من (٣) قوله: "فليحلِقْ" (٤) على أن الحِلاق نُسُكٌ، وهو مذهبُنا، ومذهبُ الجمهور؛ خلافًا لمن قال: إنه استباحةُ محظور، وليس بنسُك، وأظنه قولًا عندنا، واللَّه أعلم. وقوله ﵊: "وليحلل"، أمرٌ معناه الخبرُ؛ أي: قد صار حلالًا، فله فعلُ كلِّ ما كان محظورًا عليه في الإحرام؛ من الطيب، والنساء، والصيد (٥)، وغير ذلك.

стр. 2014

السادس: قوله ﵊: "ثُمَّ ليُهلَّ بالحجِّ"؛ أي: يحرم به وقت الخروج إلى عرفات؛ لا أنه (١) يهلُّ به عقبَ (٢) تحلُّلِ العمرة، ولهذا قال: "ثم ليهلَّ"، فأتى بـ (ثُمَّ) التي هي للتراخي والمهلة (٣). وقوله ﵊: "فمن لم يجد هديًا"؛ أي: لم يجده هناك؛ إما لعدم الهَدي، أو لعدم ثمنه، أو (٤) لكونه يُباع بأكثرَ من ثمنِ المِثْلِ، وإما لكونه موجودًا لا يبيعه صاحبُه، ففي كل هذه الصور يكون عادِمًا للهَدْي، فينتقل إلى الصوم، سواء كانَ واجدًا لثمنه (٥) في بلده، أم لا (٦). وقوله ﵊: "فليصمْ ثلاثةَ أيامٍ في الحجِّ، وسبعةً إذا رجع إلى أهله" موافق لنصّ كتاب اللَّه بصيام (٧) ثلاثة أيام في الحج، وذلك من حينِ يُحْرِمُ بالحج إلى يوم النحر، فإن أَخَّرَها إليه، فأيام التشريق.

стр. 2015

وقيل: ما بعدها. ويصوم سبعةَ أيام إذا رجع من منى إلى مكةَ، أو غيرِها. وقيل: إذا رجع إلى أهله، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو ظاهرُ الحديث، أو نصُّه، فإن أخرها، صامَ متى شاء، والتتابعُ فيهما ليس بلازمٍ على المشهور من مذهبنا، لكن إذا لم يصم العشرةَ حتى رجعَ إلى وطنه، ولزمَه صومُها فيه صيام عشرة أيام متصلات أو متفرقات، وإن (١) شاء، وصلَ الثلاثةَ بالسبعة، وإن شاءَ، فَرَّقَها (٢). واختلفت الشافعية هل يُشترط في ذلك التفريقُ بين الثلاثة والسبعة، أو لا (٣)؟ فقيل: لا يجب، كما نقول، وقيل: يجب التفريق الواقع في الأداء؛ وهو بأربعة أيام، ومسافة الطريق بين مكة ووطنه. ح: وهو الصحيح (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: إذا فاته صومُ ثلاثة الأيام في الحج، سقطَ صومُها، واستقرَّ الهديُ في ذمته، واحتجَّ على ذلك بأن اللَّه -تعالى- شَرَطَها في الحج، فلا يُجزىء في غيره (٥)، ودليلنا: أنه صومٌ واجب،

стр. 2016

فلم يسقط القضاء (١) بفوات وقته (٢)؛ كصوم رمضان. السابع (٣): قوله: "ثم ليحللْ" إلى آخره: امتثالٌ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وفيه: دليلٌ على أن ذلك حكمُ القارن. قال ابن عطية: ومحلُّ الهدي حيث يَحِلُّ نحرُه، وذلك لمن لم يُحْصَرْ بمنى، ولمن أُحْصِرَ بَعْدُوٍّ حيثُ أُحصر إذا لم يمكن (٤) إرساله وأما المريض، فإن كان له هَدْيٌ، فيرسلُه إلى محلِّه، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 2017

الحديث الثالث ٢٢٧ - عَنْ حَفْصَةَ (١) زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّه! مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنَ العُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فقَالَ: "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ" (٢).

стр. 2018

الشأن هنا: الأَمْرُ والحالُ، والفعلُ منه: شَأَنَ؛ كضَرب (١)، يقال: لأَشْأَنَنَّ شَأْنَهُم؛ أي: لأُفسدنَّ أمرَهم، ويقال، اشْأَنْ شَأْنَكَ؛ أي: اعملِ الحسنةَ، وشَأَنْتُ شَأْنَهُ: قصدتُ قَصْدَهُ، وما شَأَنْتُ شَأْنَهُ؛ أي: لم أَكْتَرِثْ به (٢). والتلبيد: أن يجعل المحرِمُ في رأسه شيئًا من صَمْغ أو عسلٍ (٣) ليتلبد شعرُه، بُقْيا عليه أن لا يتشعَّثَ في الإحرام، وقد يقومُ الصَّبِرُ وما أشبهَه مقامَ الصَّمْغ (٤). والتقليد: أن يُعَلَّق في عنق البَدَنَةِ شيءٌ ليُعلم أنها هديٌ. وقولها: "ما شأنُ الناسِ قد حلُّوا": ق: هذا الإحلالُ (٥) هو الذي وقع للصحابة في فسخ الحج إلى

стр. 2019

العمرة، وقد كان النبي ﷺ (١) أمرَهم بذلك ليحلُّوا بالتحلُّل من العمرة، ولم يَحِلَّ هو ﷺ ؛ لأنه كان ساقَ الهَدْيَ (٢). وقولها: "من عُمرتك" دليلٌ واضح على أنه ﵊ كان قارنًا في حجة الوداع هذه؛ أي: من عُمرتك المضمومةِ إلى الحج. وفيه: أن القارن لا يتحلل (٣) بالطواف والسعي، ولابدَّ له في تحلُّلِه من الوقوف بعرفاتٍ، والرميِ، والحلقِ، والطوافِ؛ كما في الحاجِّ (٤) المُفْرِد. ح: وقد تأوله مَنْ يقول بالإفراد تأويلاتٍ ضعيفةً (٥)، منها: أنها أرادت بالعمرة الحَجَّ؛ لأنهما يشتركان في كونهما قصدًا (٦). قال غيره: بناءً على النظر إلى الوضع (٧) اللغوي، وهو أن العموم (٨) الزيادة، والزيادة موجودة في الحج، أي: موجودة المعنى فيه، وهو

стр. 2020

ضعيف؛ لأن الاسم إذا انتقل إلى حقيقة عُرْفية، كانت اللغوية مهجورةً في الاستعمال. وقيل: المراد بها: الإحرام. وقيل: إنها ظنت أنه ﵊ معتمرٌ. وقيل: معنى "من عمرتك"، بعمرتك: بأن تفسخَ حجَّك إلى عمرة كما فعل غيرُك (١). قلت: وهذا ضعيف جدًا، أو باطل؛ لأنه لا يعلم في لسان العرب استعمالُ (مِنْ) بمعنى الباء، وقد حصر النحويون معاني (مِنْ) في سبعة أقسام، ليس فيها أن تكون بمعنى الباء، على ما هو معلوم في كتب العربية، فإن شذَّ عن ذلك شيء، لم يُلْتفت إليه (٢) و (٣) بالجملة: فهذه التأويلاتُ كلُّها ضعيفة كما ترى. وفيه: استحبابُ التلبيد لشعرِ الرأس عند الإحرام. وفيه: أن للتلبيد أثرًا في الإحلال إلى النحر. وفيه: أن من ساق هديًا لم يحل حتى يوم النحر، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، واللَّه أعلم.

стр. 2021

الحديث الرابع ٢٢٨ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: أُنْزِلَتِ آية (١) المُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآن يُحَرِّمُهُ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيهِ مَا شَاءَ (٢). قَالَ البُخَارِيُّ: يُقَالُ: إِنَّهُ (٣) عُمَرُ (٤). ولِمُسْلِمٍ: نَزَلَتْ آيَةُ المُتْعَةِ -يَعْني: مُتْعَةَ الحَجِّ-، وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ لَمْ تنزِلْ آيَة تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ

стр. 2022

رَسُولُ اللَّه ﷺ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ (١) وَلَهُمَا: بمعْنَاه (٢) (٣). * * * * الشرح: آيةُ المتعة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ

стр. 2023

الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، [وقد تقدم الكلام على صفة المتعة، وبيان شروطها الستة، وتقدم أيضًا الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾] (١). ق: وفي الحديث إشارةٌ إلى جواز نسخ القرآن بالسنة؛ لأن قوله: "ولم يَنْهَ عنها" نفيٌ منه لما يقتضي رفع الحكم بالجواز الثابتِ بالقرآن، فلو لم يكن هذا الرفعُ ممكنًا، لما احتاج إلى قوله: "وَلَمْ يَنْهَ عَنْها"، ومرادُه بنفي نسخ القرآن: الجوازُ، وبنفي (٢) ورود السنة بالنهي: تَقَرُّرُ الحكمِ ودوامُه؛ إذ لا طريقَ لرفعه إلا أحدُ هذين الأمرين. وقد يؤخذ منه: أن الإجماع لا يُنسخ به؛ إذ لو نُسخ به، لقال: ولم يُتفق على المنع؛ لأن الاتفاق حينئذ يكون سببًا لرفع الحكم، فكان يحتاج إلى نفيه؛ كما نفى نزولَ القرآنِ بالنسخ، وورود السُّنَّةِ بالنهي (٣). والرجلُ المشارُ إليه هنا هو عمرُ ﵁؛ كما ذكره المصنف عن البخاري. وهذا الحديث يدلُّ لقولِ مَنْ قال: إِن المرادَ بالمتعة التي نهى عنها عمرُ ﵁: متعةُ الحج، لا فسخ الحجِّ إلى العمرةِ، ويُبطل -أيضًا- قولَ من قال: إن (٤) المرادُ بها: متعةُ النساءِ؛ إذ لم ينزل قرآنٌ بجواز

стр. 2024

هاتين المتعتين، ولا إحداهما (١). وقد تقدم أن نهي عمر ﵁ هنا نهيُ تنزيه، وحَمْلٌ على الأَوْلى؛ حذرًا (٢) من أن يترك الناسُ الأفضلَ (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2025

باب الهدي الحديث الأول (١) ٢٢٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَشْعَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ (٢)، وَقَلَّدَهَا، أَوْ قَلَّدْتُهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى البَيْتِ، وَأقامَ بِالمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلًا (٣) (٤).

стр. 2026

* الشرح: يقال: هَدْيٌ؛ كفَلْسٍ، وهَدِيٌّ (١)؛ كعَلِيٍّ، والأشهرُ الأولُ (٢)، وقد قُرىء (٣) بهما قولُه تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال الجوهري: الواحدة هَدْيَةٌ، وهَدِيَّهٌ (٤). قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون الهديُ مصدرًا سُمِّي به (٥)؛ كالرَّهْنِ (٦) ونحوِه، فيقع للإفراد (٧) والجمع. وقال أبو عمرو بنُ العلاء: لا أعرفُ لهذه اللفظة نظيرًا (٨). قال (٩) بعضُ متأخري أصحابنا: والهَدْيُ: ما خرج عن فدية الأذى

стр. 2027

من دماء الحج؛ كدم القِران، والتمتُّع، والفساد (١)، و (٢) الفَوَات، وجزاءِ الصيد، وغيرِه (٣). قال الأستاذ أبو بكر: الهديُ في نحو أربعين خصلة. والقَلَائِدُ: حبالٌ تكون في حلق البعير أو (٤) البقرة، وتعلق فيه نعلان، وإن اقتصر على نعل واحدة، أجزَأَ، والأولُ أفضلُ، وقد كرِه بعضُ أصحابنا تقليدَ النعال والأوتار. قال ابن حبيب: اجعلِ التقليدَ مما شئتَ. وإذا قَلَّدَ الهديَ، أشعرهُ. وصفة الإشعار عندنا: أن يشق في الجانب الأيسر. وقال مالك في "المبسوط": أَستحِبُّ الأيسرَ، ولا بأسَ بالأيمن، فيشق شقًا آخِذًا من نحو الرقبة إلى المؤخَّر. واستحبَّ الشافعي وغيرُه الإشعارَ في الجانب الأيمن، ويُسمِّي اللَّه -سبحانه- عند الإشعار. وقال في "المختصر": يقول: باسم اللَّه، واللَّه اكبر. قال في "الكتاب": ثم يجللها إن شاء، وكلُّ ذلك واسع.

стр. 2028

ولا يختلف أصحابنا أن ذلك يُفعل في الإبل المسنَّمَة (١)، فإن لم تكن مسنَّمَةً (٢)، فأطلق في "الكتاب" أنها تُشعر. وقال في "كتاب محمد": لا تُشعر. ولا يختلفون -أيضًا- في أن الغنم لا تُشعر، والمشهور: أنها لا تُقَلَّد أيضًا (٣). وقال ابنُ حبيب: تقلَّد. وقال الشافعيُّ والجمهور بتقليد الغنم، واتفقوا على عدم إشعارها؛ لضعفها عن الجرح، ولأنه يستره (٤) الصوف. وأما البقر (٥)، فإن كانت مسنَّمة، قُلِّدَت، وأُشعرت، وإن لم يكن لها أَسْنِمَة، لم تُشعر. وأصلُ الإشعار والشُّعور: الإعلام والعلامة، فالإشعارُ للهدي علامة على كونه هَدْيًا، فإن ضلَّ (٦)، رَدَّهُ واجدُه (٧)، وإن اختلطَ بغيره (٨)،

стр. 2029

تَمَيَّزَ، ولأن فيه إظهارَ (١) الشعائر، وفيه تنبيهُ غيرِ صاحبه على فعل مثله، هذا مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: إنها مُثْلَة (٢). [وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة المشهورة في الإشعار. ح: وأما قوله: إنها مثلة] (٣)، فليس (٤) كذلك، بل هذا كالفصد، والحجامة، والختان، والكيِّ، والوَسْم (٥). وفي الحديث: دليل على استحباب المقليد والإشعار في الهدايا. وفيه: دليل على الاستعانة بالغير على (٦) العبادة. وفيه: دليل على أن مَنْ بعثَ بهديه، لا يحرُمُ عليه شيء من محذورات الإحرام، وخالف في ذلك ابنُ عباس وغيرُه من المتقدمين (٧). * * *

стр. 2030

الحديث الثاني ٢٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مَرَةً غَنَمًا (١).

стр. 2031

* الشرح: الغنم: اسمٌ مؤنثٌ، موضوعٌ للجنس، يقع على الذكور والإناث (١)، وعليهما جميعًا، وتصغيرُها: غُنَيْمة (٢). فيه: دليل على إهداء الغنم (٣). واللَّه أعلم. * * *

стр. 2032

الحديث الثالث ٢٣١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ نبَيَّ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةَ، فَقَالَ: "ارْكبْهَا"، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنةٌ، قَالَ: "ارْكبْهَا"، فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ (١). وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ في الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ: "ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ، أَوْ: وَيْحَكَ! " (٢).

стр. 2033

البدنة هنا: من الإبل؛ لقرينة الركوب؛ إذ البقر لا تُركب غالبًا، ولا عادة. ولتعلمْ: أن البدنة لا تُركب عند مالك إلا لضرورة؛ لقوله بعد هذا من طريق جابر: "ارْكَبْهَا بِالمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا" (١)، فَيُردُّ حديثُ أبي هريرة -وإن كان مطلَقًا- إلى هذا المقيَّد، ومن حيث المعنى: أنه شيء خرجَ للَّه، فلا يرجعُ فيهِ، ولو استبِيحتْ المنافعُ من غير ضرورةٍ، لجاز استئجارُها.

стр. 2034

قال المازري (١): ولا خلافَ في منع ذلك (٢). ع: ذهب أحمدُ، وإسحاق، وأهلُ الظاهر: إلى جوازِ ذلكَ، يعني: جوازَ الركوب من غير ضرورة؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث، ولقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] الآية (٣). وقد روى ابنُ نافعٍ عن مالك: لا بأسَ أن يركبَ الرجلُ بدنته ركوبًا غيرَ فادحٍ. وأوجبَ ركوبَها بعضُهم لمطلَقِ الأمرِ به. وقد علل بعضُهم جوازَ ذلك بمخالفة ما كانت عليه الجاهلية في البحيرة والسائبة والوَصيلة والحامي؛ من الحرجِ من الانتفاع بها. واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [الحج: ٣٣] الآيةَ. والعلة التي في الحديث تقضي عليهم لجمهور (٤) العلماء، لاسيما وقد ورد في غير كتاب (٥) مسلم: أنَّ النبيَّ ﷺ رأى رَجُلًا يسوقَ بدنةً، وقد جهد، فقال: "ارْكَبْهَا" (٦).

стр. 2035

وفيه: حجة لأحد قولي مالك: أنه إذا احتاج إليها، فركب واستراح، نزل. قال إسماعيل القاضي: وهو الذي يدل على مذهب مالك. وهذا خلاف ما ذكره ابن القاسم من (١) أنه لا يلزمه النزولُ، وحجته إباحةُ النبي ﷺ له الركوبَ، فجازَ له استصحابُه (٢). وقال أبو حنيفة، والشافعيُّ: إن نَقَصَها هذا الركوبُ المباحُ له، فعليه قيمةُ ذلك، ويتصدَّقُ به (٣). وقد تقدم الكلام على لفظةِ (ويل) مستوعَبًا في حديث: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" (٤). وبالجملة: فإنها كلمة تُستعمل عندَ إِرادةِ التغليظِ على المخاطَبِ، فيجوزُ أن يكون ذلك تأديبًا له، لمراجعته النبيَّ ﷺ في فتواه، فيؤخذ منه تأديبُ العالم المتعلِّمَ. ع: وعلى رواية: تقديمُ (ويلك)، يريد: أنه جاء في رواية: "وَيْلَكَ ارْكَبْهَا" (٥) لا يكون من باب الإغلاظ لأجل التأديب، وهو لفظ يُستعمل
следующие страницы →