стр. 2031
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 17350
رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام
تاج الدين الفاكهاني
Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2032
الحديث الثالث
٢٣١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ نبَيَّ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةَ، فَقَالَ: "ارْكبْهَا"، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنةٌ، قَالَ: "ارْكبْهَا"، فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ في الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ: "ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ، أَوْ: وَيْحَكَ! " (٢).
стр. 2033
البدنة هنا: من الإبل؛ لقرينة الركوب؛ إذ البقر لا تُركب غالبًا، ولا عادة.
ولتعلمْ: أن البدنة لا تُركب عند مالك إلا لضرورة؛ لقوله بعد هذا من طريق جابر: "ارْكَبْهَا بِالمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا" (١)، فَيُردُّ حديثُ أبي هريرة -وإن كان مطلَقًا- إلى هذا المقيَّد، ومن حيث المعنى: أنه شيء خرجَ للَّه، فلا يرجعُ فيهِ، ولو استبِيحتْ المنافعُ من غير ضرورةٍ، لجاز استئجارُها.
стр. 2034
قال المازري (١): ولا خلافَ في منع ذلك (٢).
ع: ذهب أحمدُ، وإسحاق، وأهلُ الظاهر: إلى جوازِ ذلكَ، يعني: جوازَ الركوب من غير ضرورة؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث، ولقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] الآية (٣).
وقد روى ابنُ نافعٍ عن مالك: لا بأسَ أن يركبَ الرجلُ بدنته ركوبًا غيرَ فادحٍ.
وأوجبَ ركوبَها بعضُهم لمطلَقِ الأمرِ به.
وقد علل بعضُهم جوازَ ذلك بمخالفة ما كانت عليه الجاهلية في البحيرة والسائبة والوَصيلة والحامي؛ من الحرجِ من الانتفاع بها.
واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [الحج: ٣٣] الآيةَ.
والعلة التي في الحديث تقضي عليهم لجمهور (٤) العلماء، لاسيما وقد ورد في غير كتاب (٥) مسلم: أنَّ النبيَّ ﷺ رأى رَجُلًا يسوقَ بدنةً، وقد جهد، فقال: "ارْكَبْهَا" (٦).
стр. 2035
وفيه: حجة لأحد قولي مالك: أنه إذا احتاج إليها، فركب واستراح، نزل.
قال إسماعيل القاضي: وهو الذي يدل على مذهب مالك.
وهذا خلاف ما ذكره ابن القاسم من (١) أنه لا يلزمه النزولُ، وحجته إباحةُ النبي ﷺ له الركوبَ، فجازَ له استصحابُه (٢).
وقال أبو حنيفة، والشافعيُّ: إن نَقَصَها هذا الركوبُ المباحُ له، فعليه قيمةُ ذلك، ويتصدَّقُ به (٣).
وقد تقدم الكلام على لفظةِ (ويل) مستوعَبًا في حديث: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" (٤).
وبالجملة: فإنها كلمة تُستعمل عندَ إِرادةِ التغليظِ على المخاطَبِ، فيجوزُ أن يكون ذلك تأديبًا له، لمراجعته النبيَّ ﷺ في فتواه، فيؤخذ منه تأديبُ العالم المتعلِّمَ.
ع: وعلى رواية: تقديمُ (ويلك)، يريد: أنه جاء في رواية: "وَيْلَكَ ارْكَبْهَا" (٥) لا يكون من باب الإغلاظ لأجل التأديب، وهو لفظ يُستعمل
стр. 2036
لمن وقع في هَلَكَة، وهذا يدل على ما جاء في الحديث: أنه رآه قد جهدَ.
قال: وقد تُستعمل [و] لا يراد بها هذا، وهي من الكلمات التي تدعم بها العربُ كلامها؛ كقولهم: لا أُمَّ له، ولا أَبَ له، وتَرِبَتْ يَداهُ، وشِبْهه (١)، وقد قال ﵊ لأبي بَصيرٍ: "وَيْلُ أُمِّهِ! مِسْعَرَ حَرْبٍ" (٢).
وقد قيل: إن (ويلك) هنا يكون إغراءً بما أمره به من ركوبها؛ إذ رآه قد تحرَّجَ منه (٣).
نكتة نحوية: إن قلت: علامَ انتصبَ (راكبَها) من قوله: "فرأيتُه راكبَها"؟
قلت: على الحال؛ إذ الرؤيةُ هنا رؤيةُ عين بلا إشكال.
فإن قلت: كيف جاز أن ينصب على الحال، واسمُ الفاعل إذا كان بمعنى المضي معرفة؟
قلت: هذا من باب قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ
стр. 2037
стр. 2038
الحديث الرابع
٢٣٢ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا، وَأَجَلَّتِهَا، وَأَلَّا أُعْطِيَ الجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: "نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا" (١).
стр. 2039
* الشرح:
اشتمل هذا الحديث على فوائد:
منها: ما تقدم من جواز استحباب سَوْق البُدْنِ من المكان البعيد.
ومنها: جوازُ الاستنابة في نحر الهدايا، والقيامِ عليها، وتفرقَتِها.
ومنها: أن حكم الجلود حكمُ اللحم في التصدُّق بها.
ومنها: منعُ إعطاء الجزار شيئًا من لحمها، أو جلدها، لا عوضًا، ولا تبرُّعًا؛ لأن ذلك بيعٌ، أو كالبيع، أما كونُه بمعاوَضَة، فبيعٌ بلا إشكال، وهو ممتنعٌ، وأما كونُه تبرعًا، فإنه وإن كان القياس جوازَه؛ لكنَّ القياسَ مع وجود النص باطلٌ، فإنه ﵊ قال: "نحنُ نُعطيه منْ عندِنا"، وأطلقَ (١) المنعَ من إعطائه البتةَ، ولم يُقيده بالمعاوضة.
وسر (٢) ذلك -واللَّه أعلم-: أنه ربما تسامح في الأجرة إذا علم أو ظنَّ أنه يُعطى من اللحم، فيرجع ذلك إلى المعاوضة معنًى، لاسيما إذا قلنا بسدِّ الذرائع، هذا (٣) مذهبنا، ومذهبُ الجمهور.
стр. 2040
ونقل الخطابي، وغيره عن الحسن البصري: أنه قال: لا بأس أن يُعطى الجزارُ الجلدَ (١).
ح: وهذا منابذ للسنة (٢).
وأما الأكلُ منها، فيؤكل عندنا من الهدايا كلِّها، إلا أربعةً: جزاء الصيد، ونسك الأذى، ونذر المساكين، وهدي التطوع إذا عطبَ قبل محلِّه.
وذكر محمدٌ قولًا: أنه لا يؤكلُ من هَدْي الفساد.
وذكر (٣) ابن نافع عن مالك في "المبسوط" في الجزاء والفدية: أنه قال: ينبغي أن لا يأكل (٤)، وإن فعل، فلا شيء عليه، هذا مذهبنا (٥).
وفي المسألة خلاف بين العلماء:
فالمنقولُ عن مذهب الشافعيِّ: أن ما كان منها واجبًا، لم يحلَّ أكلُ شيء منه.
قال الخطابي: وهو مثلُ الدم الذي يجب في جزاء الصيد، وإفسادِ
стр. 2041
الحج، ودمِ المتعة والقِرانِ، وكذلك ما كان نذرًا أوجَبَه المرءُ على نفسه، وما كان تطوُّعًا؛ كالضحايا، والهدايا، فله أن يأكل منه، ويُهدي، ويتصدَّق، قال: وهذا كلُّه على مذهب الشافعي.
وقال أحمدُ، وإسحاق: لا يؤكل من الفدية (١)، ولا من جزاء الصيد، ويؤكل ما (٢) سوى ذلك، وروي ذلك عن عمر ﵁.
قال أصحاب الرأي: يأكلُ من هَدْي المتعةِ، وهَدْي القِرانِ، وهديِ التطوُّع، ولا يأكل مما سواها (٣) (٤).
* * *
стр. 2042
الحديث الخامس
٢٣٣ - عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أتى عَلَى رَجُلٍ وقَدْ أَناَخَ بَدَنَتَهُ فَنَحَرَهَا، فَقَالَ: ابعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحمَّدٍ ﷺ (١).
* * *
* التعريف:
زِيادُ بنُ جُبَيْرٍ -بالجيم المضمومة بعدها الباء الموحدة المفتوحة
стр. 2043
بعدها المثناة تحت آخره راء مهملة -ابنِ حيَّة- بالحاء المهملة والياء المثناة تحت المشددة-، الثقفيُّ، البصريُّ، التابعيُّ.
سمع عمرَ، وابنَ عمر.
(١) روى عنه: يونسُ بنُ عُبيد، وعُبيدُ اللَّه بنُ عون، ومَعَدُّ بنُ عبدِ اللَّه الثقفيُّ.
روي عنه في "الصحيحين" ﵁ (٢).
قال الجوهري: بَعَثْتُ الناقَةَ: أثَرْتُهَا (٣).
فيه: سُنِّية نحرِ الإبلِ قائمة، ولذلك (٤) أيضًا أصلٌ (٥) في كتاب اللَّه ، وهو قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]، جمعُ صَافَّة؛ أي: مُصْطَفَّة في قيامِها، وقرأ ابن مسعود وغيره: (صَوَافِنَ) -بالنون-، جمع صافنة، وهي التي رفعت إحدى يديها بالعَقْل؛ لِئَلَّا
стр. 2044
تضطربَ، والصَّافِنُ من الخيل: الرافعُ إحدى يديه؛ لفراهيته (١)، وقيل: إحدى رِجليه، ومنه قوله تعالى: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١] (٢). وهذه القراءة يُسعدها أنه (٣) ورد في "صحيح مسلم" ما يدل على أنها تكون معقولةً حالَ (٤) نحرِها، وورد في حديث آخرَ صحيحٍ ما يدل على أنها معقولةُ اليدِ اليسرى (٥).
ومعنى (وَجَبَتْ): سقطت بعد نحرِها، ومنه: وَجَبَتِ الشمسُ.
ق: وبعضُهم سوَّى بين نحرِها قائمة، أو بارِكَةً، ونقل عن بعضهم: أنه قال: تُنحر باركةً، واتباعُ السنة أولى (٦)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 2045
باب الغسل للمحرم
٢٣٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ المِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، قَالَ: فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إِلى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنينِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَني إِلَيْكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، يَسْألكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبَو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأْ حَتَّى بَدَا لي (٢) رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ المَاءَ (٣): اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ (٤) بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ (٥) (٦).
стр. 2046
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ المِسْوَرُ لابْنِ عَبَّاس: لَا أُمَارِيكَ أَبَدًا (١).
القَرْنَانِ: العَمُودَانِ اللَّذَانِ تُشَدُّ فِيهِمَا الخَشَبَةُ الَّتِي تُعَلَّقُ عَلَيْهَا (٢) البَكَرَةُ.
* * *
* التعريف:
عبدُ اللَّه بنُ حُنَيْنٍ: هو مولى العباس بن عبد المطَّلب، ويقال: مولى عليِّ بن أبي طالبٍ، الهاشميُّ.
стр. 2047
حدَّث عن أبي أيوب، والمسوَرِ بن مَخْرَمَةَ، وابنِ عباس.
(١) روى عنه: ابنُه إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّه، ومحمدُ بنُ المُنْكَدِرِ، وأبو بكرِ بنُ حفصٍ.
قال الواقدي: مات قريبًا من خلافة يزيدَ بنِ عبدِ الملك.
قيل: ووُلِّيَ يزيدُ بنِ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ بعدَ عمرَ بنِ عبد العزيز، وكانت وفاةُ عمرَ سنة إحدى ومئة ﵁ (٢).
* الشرح:
الأبواء -بفتح الهمزة وسكون الباء (٣) الموحدة والمد-: موضعٌ معروفٌ بين مكةَ والمدينةِ (٤).
والحديث يشتمل على فوائد:
منها: جوازُ المناظَرَة في مسائل الاجتهادِ والاختلافِ؛ إذا غلبَ على ظنِّ المختلفين فيها حكمٌ.
ومنها: الرجوعُ إلى مَنْ يُظَنُّ به العلم.
ومنها: قبولُ خبرِ الواحد (٥).
стр. 2048
ومنها: الرجوعُ إلى النصِّ عند الاختلاف، وتركُ الاجتهاد والقياس.
ومنها: جوازُ غسلِ المحرمِ رأسَه بالماء القَراح.
قال أصحابنا: فإن غسل رأسَه بخطميٍّ ونحوه مما يُحَسِّنُ الشعرَ، افتدى، إلا (١) أن تكون له وَفْرَةٌ، فالأمر فيه خفيف.
وبذلك قال أبو حنيفة.
وأجاز ذلك الشافعيةُ بحيث لا ينتفُ شعرًا.
قال مالك: ولا يغمسُ رأسَه في الماء خشيةَ قتل الدواب. يريد فيمن كانت له وَفْرَةٌ، وإن لم تكن له وفرةٌ، أو علم أنه لا شيءَ برأسه، فلا بأس أن يغمس رأسَه فيه.
قال مالك في "كتاب ابن المواز": ولا يدخلُ المحرمُ الحمَّامَ، فإن فعل، فليفتدِ إذا أنقى وسخَه وتَدَلَّكَ، فإن لم يبالغْ في ذلك، فلا شيء عليه.
قال اللخمي: وأرى أن يفتدي، وإن لم يتدلَّكْ؛ لأن الشأن فيمن دخل الحمام، ثم اغتسلَ أن الشعثَ يزولُ عنه، وإن لم يتدلك.
قلت: ويقوي قولَ اللخميِّ قولُه ﵊: "المُحْرِمُ أَشْعَثُ أَغْبَرُ" (٢).
стр. 2049
قال الأبهري: وإنما كُره للمحرم دخولُ (١) الحمام؛ خيفةَ أن يقتل دوابَّ جسدِه أو رأسِه، وهو ممنوع من ذلك؛ لأنه لا يجوز له أن يُميط الأذى عنه، حتى يرميَ جمرةَ العقبة، فمتى فعل ذلك، كانت عليه الفديةُ، وإِن خافَ أن يكونَ قد فعل ذلك، فالاحتياط أن تكون عليه الفديةُ، وأما الواجبُ، فلا يلزمه إلا فيما يتيقَّن (٢). وقد تقدم شيء من هذا.
ومنها: السلامُ على المتطهِّرِ في وضوءٍ أو غُسْلٍ، بخلاف الجالسِ للحدثِ، والآكلِ، والمؤذّنِ والمُلَبِّي؛ هؤلاء الأربعةُ لا يُشرع السلامُ عليهم في تلكَ الأحوال.
ومنها: جوازُ الاستعانة في الطهارة، وإن كان الأَوْلى تركُها إلا (٣) لحاجة.
ق: وقد ورد في الاستعانة أحاديثُ صحيحة، وورد في تركها شيءٌ لا يقابلها.
ومنها: السترُ (٤) عندَ الغُسل.
стр. 2050
ومنها: تحريكُ المحرمِ رأسَه بيديه إذا لم يؤدِّ إلى نتف الشعر، وقتل الدوابِّ (١).
وأما غُسْلُ (٢) الجنابة، فمتفقٌ عليه، والجمهورُ على جوازِ غسلِه تبرُّدًا من غير كراهة.
وقوله: "أرسلني إليك ابنُ عباس يسألُكَ: كيف كان رسولُ اللَّه ﷺ يغسلُ رأسَه؟ " يعطي ثبوتَ علمِ ابن عباس بأصل الغسل؛ إذ لم يسألْ إلا عن الكيفية فقط.
ويعطي -أيضًا-: أن غسل البدن كان متقررًا عنده؛ إذ لم يسأل إلا عن كيفية غسل الرأس، ويحتمل أن يكون خصَّ (٣) الرأس بالسؤال؛ لأنه (٤) موضعُ الإشكال في المسألة؛ إذ الشعرُ عليه (٥)، وتحريكُ اليد عليه (٦) يُخاف منه نتفُ الشعر؛ بخلاف البدن (٧)، واللَّه أعلم.
وقوله: "لا أُماريكَ أَبدًا": أصلُ المِرَاءِ في اللغة: الاستخراجُ،
стр. 2051
مأخوذٌ من مَرَيْتَ الناقةَ: إذا ضربتَ ضَرْعَها لِتدرَّ، ومَرَيْتُ الفَرَسَ (١): إذا استخرجْتَ ما عندَه من الجري؛ بصوت، أو غيره (٢).
وقال ابنُ الأنباري: يقال: أَمْرَى فلانٌ فلانًا: إذا استخرجَ ما عنده من الكلام، فكأنَّ كلَّ واحد من المتمارِيَيْن، وهما المتجادِلان يُمْري ما عندَ صاحبِه؛ أي: يستخرجه (٣)، ويقال: مَرَيْتُه حقَّه: إذا جحدتُه، واللائقُ بالمراءِ في الحديث حملُه على المراء الجائز الذي قَصَدا به استخراجَ الحقِّ وظهورَه، لا قصدَ المغالبة وجحودِ الحقِّ بعد ظهوره؛ فإن ذلك هو اللائقُ بحال الصحابة ﵃؛ فإن المراء يكون بحق، وبغير حَقٍّ، ومنه قوله ﵊: "مَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ. . . " الحديث (٤).
* * *
стр. 2052
باب فسخ الحج إلى العمرة
الحديث الأول
٢٣٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ، وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا، وَيَحِلُّوا، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ، فَقَالُوا: ننطَلِقُ إِلى مِنَى، وَذَكَرُ أَحَدِناَ يَقْطُرُ؟! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ، لأَحْلَلْتُ"، وَحَاضَتْ عائِشَةُ ﵂، فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّها، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تنطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ (١) وَعُمْرَةٍ، وَأنْطَلِقُ بِحَجٍّ؟! فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحمنِ ابْنَ أَبي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيم، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ (٢).
стр. 2053
стр. 2054
قال الباجي: لأن النساء ليس من شأنهنَّ (١) الجهرُ؛ لأن صوتَ (٢) المرأة عورةٌ، فليس من حكمِها، والجهرُ في الصلاةِ كذلك.
قال مالك: ولا يرفع المحرِمُ صوتَه بالإهلال في مساجد الجماعات؛ ليُسْمعَ (٣) نفسَه ومَنْ يليه، إلا في مسجد مِنَى، والمسجدِ الحرام (٤).
قال الباجي: وقال القاضي أبو الحسن: روى ابنُ نافع عن مالكٍ: أنه قال: يرفعُ صوتَه بالتلبية في المساجد التي بمكةَ (٥) والمدينة.
قال أبو الحسن: وهذا وفاقٌ للشافعيِّ في أحدِ قوليه، وله قولٌ ثانٍ: أنه يستحبُّ رفعُ الصوت بالتلبية في سائر المساجد.
ووجهُ قولِ مالكٍ المشهور: أن المساجد إنما بُنيت للصلاة، وذكرِ اللَّه تعالى، وتلاوة القرآن، فلا يصلحُ رفعُ الصوت فيها بما ليس من مقصودِها؛ لأنه لا يتعلَّق شيء منها بالحجِّ، وأما المسجدُ الحرام، ومسجدُ الخيف، فللحجِّ (٦) اختصاصٌ بهما؛ من الطوافِ والصلاةِ أيام مِنَى، وبسبب (٧) الحجِّ بُنِيا، فلذلك يستحبُّ رفع الصوت فيهما
стр. 2055
بالتلبية، واللَّه أعلم (١).
الثاني: قوله: "أهلَّ النبيُّ ﷺ وأصحابُه": اختُلف (٢) فيمن يُطلق عليه صاحبٌ، أو صَحابِيٌّ:
فالمعروفُ عند (٣) المحدِّثين: أنه كلُّ مسلمٍ رأى رسولَ اللَّه ﷺ .
وعن أصحاب الأصول، أو بعضهم: أنه من طالت مجالستُه على طريق التَّبَع (٤).
وعن سعيد بن المسيب: أنه لا يُعد صحابيًا إلا مَنْ أقام مع رسول اللَّه ﷺ سنةً أو سنتين، وغزا معه غزوةً أو غزوتين.
ح: فإن صحَّ عنه، فضعيف؛ فإن مقتضاه: أن لا يُعد جريرٌ البجليُّ وشِبْهُه صحابيًا، ولا خلافَ أنهم صحابةٌ.
ثم تعرف صحبته بالتواتر، أو (٥) الاستفاضة، أو قولِ صحابي، أو قوله إذا كان عدلًا (٦). وقد تكرر (٧) هذا.
стр. 2056
الثالث: قوله: "بالحجِّ": ظاهرُه (١) يدل على الإفراد، وهي روايةُ جابر.
الرابع: قوله: "أهللتُ بما أهلَّ به النبيُّ ﷺ ":
ع: أخذ بظاهره الشافعي وجوَّز (٢) الإهلال بالنيَّة المبهَمَة.
قال: ثم له بعدُ أن ينقلها لما شاء من حَجٍّ أو عُمرة، وله عنده أن ينتقل من نسك إلى غيره، وخالفه سائرُ العلماء والأئمة؛ لقوله ﵊: "إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (٣)، ولقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، ولأن هذا كان لهؤلاء خصوصًا؛ إذ كان شرعُ الحجِّ بَعْدُ (٤)، وما فعله النبي ﷺ لم يستقرَّ ولم يكمُلْ بعدُ، فلم يمكنه الإقدامُ على أمرٍ بغير تحقيق (٥).
الخامس: قوله: "وأمر النبي ﷺ أصحابه أن يجعلوها عُمرةً": يريد ممن لا هَدْيَ معه، فهو عمومٌ أُريد به الخصوص.
قال الإمام المازري: جمهور الفقهاء على أن فسخ الحج في العمرة إنما كان خاصة للصحابة، وأنه ﵊ إنما
стр. 2057
أمرهم [بذلك] لمخالفة (١) ما كانت (٢) عليه الجاهلية؛ من أنها لا تَستبيح العمرةَ في أشهر الحج، ويقولون: إذا بَرَأَ الدَّبَر، وعَفَا الأَثَر، وانْسَلَخَ صَفَر، حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ (٣)؛ أي: برىء الدَّبَر الذي في ظهر الإبل عندَ انصرافها من الحجِّ من كثرة السير عليها، وعفا الأثر معناه: امَّحَى ودَرَسَ (٤)، ويكون عفا -أيضًا- بمعنى: كَثُرَ، قال اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا﴾ [الأعراف: ٩٥]؛ أي: كَثُروا، وهو من الأضداد، ويروى: عَفَا الوَبَر.
وقال بعض (٥) أصحاب الظاهر: ذلك جائزٌ إلى الآن، واحتجوا بقوله ﵊ لسراقَةَ: "بَلْ لِلأَبَدِ (٦) " (٧).
ويحتمل عندنا أن يريد بقوله ﵊: "بَلْ لأَبَد (٨) ": الاعتمارَ في أشهر الحج، لا فسخَ الحجِّ في العُمرة.
стр. 2058
وقد ذكر مسلم في حديث أبي ذر: "كانَتْ لَنَا رُخْصَةً" (١)؛ يعني: المتعةَ في الحج (٢)، وفي الحديث الآخر: "لأَصْحَابِ محمدٍ خاصَّةً" (٣).
وذكر النسائي حديثَ سرُاقة، وفيه: تمتعنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فقلتُ: لنا خاصةً أم للأبد؟ فقال: "بَلْ للأَبَد"، وذكر حديثَ الحارثِ ابنِ بلالٍ عن أبيه، وفيه: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه! فسخُ الحجِّ لنا خاصةً، أم للناس عامةً؟ فقال: "بَلْ لَنَا خَاصَّةً" (٤).
فقد تبين بمجموع هذه الأحاديث، وتفسير ما فُسِّر منها في رواية، وبيانه لما أجمل في غيرها: أن الخصوص لفسخ الحج في العمرة، وعموم الإباحة فعل العمرة في أشهر الحج، قاله المازري (٥).
السادس: قوله: "فيطوفوا": يريد: ويَسْعَوْا؛ لما عُلم أنه لابدَّ من السَّعْي في العمرة، وإنما ترك ذلك؛ للعلم به، ويجوز أن (٦) يكون عبر بالطواف عن مجموع الطواف والسعي، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا
стр. 2059
وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، ولم يذكر السعيَ، وإن كان مرادًا.
السابع: قوله: "فقالوا: ننطلق إلى منى، وذكرُ أحدِنا يقطُر": منى: مذَكَّر مصروفٌ، وقد تقدم الكلامُ عليه في صدر الكتاب.
قال ابنُ الأنباري: وإنما سُميت (١) مِنى (٢) من مَنَيْتُ الدَّمَ: إذا صَبَبْتُه، وذلك لما يُمنى بها من الدماء، وقال غيره: بل لأن آدمَ تمنَّى بها الجنةَ (٣).
ق: فيه: دليل على استعمال المبالغة في الكلام، فإنهم إذا (٤) حَلَّوا من العمرة، وواقعوا النساءَ، كان إحرامُهم للحجِّ قريبًا من زمن المواقعة والإنزال، فجعلت المبالغة في قرب (٥) الزمان؛ بأن قيل: "ذكرُ أحدِنا يقطُر"، وكأنه إشارة إلى اعتبار المعنى في الحج، وهو الشعثُ، وعدمُ الترفُّهِ، فإذا طال الزمانُ في الإحرام، حصلَ هذا المقصودُ، وإذا قَرُبَ زمنُ الإحرام من زمنِ التحلُّل، ضعف هذا المقصود (٦)، أو عدِمَ، وكأنهم
стр. 2060
استنكروا زوالَ هذا المقصود، أو ضعفَه؛ لقرب إحرامهم من تحللهم (١).
الثامن: قوله ﵊: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ": فيه: جواز قول: (لو)، وإن كان قد ورد النهيُ عنها، وهو قولُه ﵊: "فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ" (٢)، وقد جُمع بينهما بأن قيل: إن كراهةَ استعمالها (٣) مخصوصٌ (٤) بالتلهُّفِ على أمور الدنيا؛ إما طلبًا؛ كما يقال: لو فعلتُ كذا، حصلَ لي كذا، وإما هربًا؛ كقولك: لو كان كذا وكذا، لما وقع كذا وكذا (٥)؛ لما في ذلك من صورة عدم التوكُّل، ونسبة الأفعال إلى القضاء والقدر، وأما إذا استُعملت في تمني القُرُبات؛ كما جاء في هذا (٦) الحديث، فلا كراهة في (٧) هذا أو (٨) نحوه (٩).
وقد تقدم أنه قد استُدل به مَنْ يرى أن التمتع أفضلُ من القِران
стр. 2061
والإفراد، والجواب عنه في باب: التمتع بما يُغني عن الإعادة.
التاسع: قوله: "وحاضتْ عائشةُ ﵂" إلى آخره، دليلٌ على امتناع الحائض من الطواف، إما لنفسِه، وإما لملازمتِه لدخول المسجد والحالة هذه؛ بخلاف سائر أعمال الحج، وأنه لا تُشترط (١) الطهارةُ في بقية أعماله.
العاشر: قوله: "غيرَ أنها لم تطفْ بالبيت": يريد: ولم تَسْعَ؛ إذ السعيُ إنما يكون عقب طواف (٢)، و (٣) اتفق مالكٌ وأصحاب الشافعيِّ على ذلك، بل قد اشترط بعضُ أصحابنا أن يكون السعي عقبَ (٤) طوافٍ واجب، وإنما صحَّ بعد طواف القدوم عندَه؛ لاعتقاده وجوبَ طواف القدوم، فخالف في أمرين: الشرطية المذكورة، ووجوب طواف القدوم (٥).
الحادي عشر: قولها: "تنطلقون بحجٍّ وعمرة"؛ أي: العمرة التي فسخوا الحجَّ إليها، والحج الذي أنشؤوه من مكة.
وقولها: "وأَنطلقُ بحجٍّ": ظاهره: عدمُ حصول العمرة لها، وأنها لم تفسخ الحج الأول إلى العمرة، لكن يعارضُه روايات أُخر
стр. 2062
تقتضي أنها اعتمرتْ، وذلك أنه ﵊ أمرها بتركِ العمرة، ونقضِ رأسِها وامتشاطها، والإهلالِ بالحج لمَّا حاضتْ؛ لامتناع التحلل من العمرة؛ لوجود الحيض، ومزاحمة وقت الحج، وحملوا أمره ﵊ بترك العمرة على ترك المضيِّ في أعمالها، لا على رفضِها بالخروج منها، وأهلَّتْ بالحج مع بقاء العمرة، فكانت قارنةً، اقتضى ذلك أن يكون قد حصل لها حجٍّ وعمرةٌ؛ لما تقرر من كونها صارت قارنةً، فاحتاجوا إلى تأويل هذا اللفظ، فأولوا قولها: "تنطلقون بحجٍّ وعمرة، وأَنطلقُ بحجٍّ" على أن المراد: إذ (١) تنطلقون بحجٍّ مفردٍ عن عمرة، وعمرةٍ مفردة عن حج، وأَنطلق أنا (٢) بحج غير منفرد عن عمرة، فأمرها النبيُّ ﷺ بالعمرة (٣) ليحصل لها قصدُها في عمرة منفردةٍ عن حج، وحج مفردٍ عن عمرة، هذا معنى كلام ق، وأكثرُ لفظه.
قال: هذا حاصل ما قيل في هذا، مع أن الظاهر خلافُه بالنسبة إلى هذا الحديث؛ لكن الجمعَ بين الروايات ألجأهم إلى مثل هذا (٤).
الثاني عشر: قوله: "فأمرَ عبدَ الرحمن بنَ أبي بكر" إلى آخر الحديث.
فيه: دليلٌ على الخلوة بذات المحرم، ولا خلافَ فيه.
стр. 2063
وفيه: أن من أحرمَ بالعمرة من مكة لا يُحرم بها من جوفها، بل يخرج إلى الحل؛ فإن التنعيم أدنى الحِلِّ، وعلَّله العلماء بالجمع بين الحلِّ والحرَمِ في العمرة؛ كما كان ذلك في الحج؛ فإن عرفةَ حِلٌّ، وهي أحدُ أركان الحج.
وهل ذلك واجب، أو مندوب؟ مذهبُنا وجوبه، وعند الشافعية خلاف.
ق: وجمد بعضُ الناس، فشرطَ (١) الخروجَ إلى التنعيم بعينِه، ولم يكتفِ إلى مطلق الحل، واللَّه أعلم (٢).
* * *
стр. 2064
الحديث الثاني
٢٣٦ - عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَناَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً (١).
* * *
* الشرح:
قد تقدم الكلامُ على التلبية في باب: ما يلبس المحرم، وهذا الحديث يدلُّ على أنهم أحرموا بالحجّ أولًا، وقد تقدَّم أن مذهبَ بعض الظاهرية جوازُه مطلقًا، أعني: فسخَ الحجِّ إلى العمرة.
стр. 2065
стр. 2066
стр. 2067
* الشرح:
هذا أيضًا يدلُّ على فسخ الحجِّ إلى العمرة، ويريد: أن التحلُّلَ بالعمرة تحلُّلٌ كاملٌ بالنسبة إلى جميع محظورات الإحرام؛ لقوله ﵊: "الحِلُّ كُلُّه"، وكان سبب سؤالهم عن ذلك: (١) استبعادَ بعض أنواع الحلِّ، وهو الجماعُ المفسِد للإحرام، فأزال ﵊ استبعادَهم ذلكَ بقوله: "الحِلُّ كُلُّه"، وقريبٌ من هذا الاستبعاد قولُهم: "ينطلقُ أحدُنا (٢) إلى مِنًى وذَكَرُ أحدِنا يَقْطُرُ" (٣)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 2068
الحديث الرابع
٢٣٨ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأناَ جَالِسٌ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيُر العَنَقَ، فِإذَا وَجَدَ فَجْوَةً، نَصَّ (١).
стр. 2069
العَنَقُ: انْبِسَاطُ السَّيْرِ، والنَّصُّ: فَوْقَ ذَلِكَ.
* * *
* التعريف:
عُرْوَةُ بنُ الزُّبير: ابنِ العَوَّامِ بنِ خُويلدِ بنِ أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى، القرشيُّ، الأسديُّ.
كنيته: أبو عبد اللَّه، أمه: أسماءُ بنتُ أبي بكر الصديق، من أهل المدينة، من أفاضل أهلها وعُقلائهم، تابعيٌّ مشهور ﵁.
سمع أبا أيوبَ الأنصاريَّ، وسُفيانَ بنَ عبدِ اللَّه الثقفيَّ، وأبا مراوحٍ الليثيَّ، وحكيمَ بنَ حزام، وأبا هريرةَ، وجماعة كثيرة غيرَهم.
قال عَمْرُو بنُ عليٍّ: مات سنة أربع وتسعين فيما حكاه عنه أبو الفضل بنُ طاهر.
وقال أبو نصر الكلاباذيُّ في كتابه "في رجال البخاري": قال البخاري: قال الفراوي: مات سنة تسع وتسعين، أو (١) مئة، أو إحدى ومئة، قال الذهلي: قال ابن بُكَير: مات سنة أربع أو خمس وتسعين (٢)،
стр. 2070
وقال الغلابي عن يحيى بن معين: عروةُ استُصغر يومَ الجَمَل.
أُخرج حديثه في "الصحيحين" (١).
* الشرح:
هذا الحديث أجنبيٌّ عن الباب، ليس له تعلُّق بفسخ الحج إلى العمرة، وإنما يتعلق بصفة سَيْره ﵊ عندَ دفعِه لا غير.
وقوله: "العَنَق" هو بفتح العين المهملة والنون بعدها قاف.
قال الجوهري: والعَنَقُ: ضَرْبٌ من سيرِ الدابَّة، وهو سيرٌ مُسْبَطِرٌّ (٢)؟ أي: مُمْتَدٌّ (٣)، وأنشدَ: [الرجز]
يَا نَاقُ سِيرِي عَنَقًا (٤) فَسِيحًا ... إِلَى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيحَا