стр. 2066
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 17350
رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام
تاج الدين الفاكهاني
Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2067
* الشرح:
هذا أيضًا يدلُّ على فسخ الحجِّ إلى العمرة، ويريد: أن التحلُّلَ بالعمرة تحلُّلٌ كاملٌ بالنسبة إلى جميع محظورات الإحرام؛ لقوله ﵊: "الحِلُّ كُلُّه"، وكان سبب سؤالهم عن ذلك: (١) استبعادَ بعض أنواع الحلِّ، وهو الجماعُ المفسِد للإحرام، فأزال ﵊ استبعادَهم ذلكَ بقوله: "الحِلُّ كُلُّه"، وقريبٌ من هذا الاستبعاد قولُهم: "ينطلقُ أحدُنا (٢) إلى مِنًى وذَكَرُ أحدِنا يَقْطُرُ" (٣)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 2068
الحديث الرابع
٢٣٨ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأناَ جَالِسٌ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيُر العَنَقَ، فِإذَا وَجَدَ فَجْوَةً، نَصَّ (١).
стр. 2069
العَنَقُ: انْبِسَاطُ السَّيْرِ، والنَّصُّ: فَوْقَ ذَلِكَ.
* * *
* التعريف:
عُرْوَةُ بنُ الزُّبير: ابنِ العَوَّامِ بنِ خُويلدِ بنِ أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى، القرشيُّ، الأسديُّ.
كنيته: أبو عبد اللَّه، أمه: أسماءُ بنتُ أبي بكر الصديق، من أهل المدينة، من أفاضل أهلها وعُقلائهم، تابعيٌّ مشهور ﵁.
سمع أبا أيوبَ الأنصاريَّ، وسُفيانَ بنَ عبدِ اللَّه الثقفيَّ، وأبا مراوحٍ الليثيَّ، وحكيمَ بنَ حزام، وأبا هريرةَ، وجماعة كثيرة غيرَهم.
قال عَمْرُو بنُ عليٍّ: مات سنة أربع وتسعين فيما حكاه عنه أبو الفضل بنُ طاهر.
وقال أبو نصر الكلاباذيُّ في كتابه "في رجال البخاري": قال البخاري: قال الفراوي: مات سنة تسع وتسعين، أو (١) مئة، أو إحدى ومئة، قال الذهلي: قال ابن بُكَير: مات سنة أربع أو خمس وتسعين (٢)،
стр. 2070
وقال الغلابي عن يحيى بن معين: عروةُ استُصغر يومَ الجَمَل.
أُخرج حديثه في "الصحيحين" (١).
* الشرح:
هذا الحديث أجنبيٌّ عن الباب، ليس له تعلُّق بفسخ الحج إلى العمرة، وإنما يتعلق بصفة سَيْره ﵊ عندَ دفعِه لا غير.
وقوله: "العَنَق" هو بفتح العين المهملة والنون بعدها قاف.
قال الجوهري: والعَنَقُ: ضَرْبٌ من سيرِ الدابَّة، وهو سيرٌ مُسْبَطِرٌّ (٢)؟ أي: مُمْتَدٌّ (٣)، وأنشدَ: [الرجز]
يَا نَاقُ سِيرِي عَنَقًا (٤) فَسِيحًا ... إِلَى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيحَا
стр. 2071
وقد أَعْنَقَ الفرسُ، وفرسٌ مِعْنَاقٌ؛ أي: جيدُ العَنَق، يريد: بفتح العين أيضًا (١).
و"النَّصُّ": بفتح النون وبالصاد المهملة المشددة.
قال الأصمعي: وهو السير الشديدُ حتى يستخرجَ أقصى ما عند الناقة، قال: ولهذا قيل: نَصَصْتُ الشيءَ: رفعتُه، ومنه مِنَصَّةُ العروس، ونَصَصْتُ الحديثَ إلى فلان؛ أي: رفعتُه إليه، وسيرٌ نَصٌّ ونَصيصٌ، ونَصُّ (٢) كُلِّ شيء: مُنْتَهاه (٣).
فائدة: قال الثعالبيُّ في كتابه "فقه اللغة وسر العربية": العَنَقُ من السير: المُسْبَطِرُّ (٤)، فإذا ارتفعَ عن ذلكَ، فهو الذَّميلُ، فإذا ارتفع عن ذلك، فهو الرَّسيمُ (٥)، فإذا داركَ (٦) المشيَ وفيه قرمطةٌ، فهو الحقد، فإذا ارتفعَ عن ذلك، وضربَ قوائمَه كلَّها، فذلك الارتباع (٧) والالتباط، فإذا لم يَدَعْ جُهدًا فذلك الازدهاق (٨).
стр. 2072
وقال في موضع آخر عن النَّضْر بن شُمَيل: أولُ السير الدَّبيبُ، ثم التَّزيُّدُ، ثم الذَّميلُ، ثم الرَّسيمُ (١)، ثم الوَخْدُ، ثم العَجيسُ، ثم الوَجيفُ (٢)، ثم الرتكانُ، ثم الإجمارُ (٣)، ثم الإرْقالُ (٤).
والفجوة: للمكان المتسع (٥)، فكان ﵊ عند الازدحام يرفُق في سيره بعضَ الرفق، وعندَ وجود الاتساع يشتدُّ (٦) في السير مع اقتصاد؛ لما جاء (٧) في الحديث: "عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ" (٨).
* * *
стр. 2073
الحديث الخامس
٢٣٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ (١) رَجُلٌ، لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَقَالَ: "اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ"، وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: "ارْمِ وَلَا حَرَجَ"، فَمَا سُئِلَ يَومَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا (٢) أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ" (٣).
стр. 2074
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قد تقدم أنه ﵊ وقفَ راكبًا، والضميرُ في قوله: "فجعلوا يسألونه (١) " مما يفسره سياقُ الكلام؛ إذ لم يتقدم ما يعود عليه؛ كما تقدم بيانُه.
وقوله: "لم أشعر"، أي: لم أَفْطَن.
قال الجوهري: شَعَرْتُ بالشيء -بالفتح- أَشْعُرُ به شِعْرًا؛ أي: فَطِنْتُ له، ومنه قولهم: لَيْتَ شِعْري؛ أي: ليتني (٢) علمتُ.
قال سيبويه: أصله شِعْرَة (٣)؛ ولكنهم حذفوا الهاء كما حذفوها من قولهم: ذَهَبَ بعُذْرِها، وهو أبو عُذْرِها (٤).
стр. 2075
الثاني: الحَرَج هنا: الإثم، والحَرَج أيضًا: الضيق، والحرج: الناقة الضامرة، ويقال: الطويلة على وجه الأرض.
قال الجوهري: والحَرَجُ خشبٌ (١) يُشدُّ بعضُه إلى بعض يُحمل فيه الموتى، قيل: وربما وضع فوقَ نعش النساء، والحرج جمع حَرَجَة، وهي الجماعة من الإبل، والحَرَجَة -أيضًا-: مجتمع شجرٍ، والجمع حَرَج، وحَرَجَات، وحِراج (٢). فهي (٣) من الأسماء المشتركة.
الثالث: الذي يُفعل يوم النحر أربعة أشياء: رميُ جمرة العقبة، ثم الذبحُ (٤)، ثم الحلقُ، ثم طوافُ الإفاضة.
فالثلاثة (٥) الأُوَلُ (٦) محلُّها مِنى، فإن قدَّمَ من ذلك شيئًا (٧) على صاحبه، فلا فدية عليهِ، إلا في تقديم الحِلاقِ على الرمي؛ فإن عليه الفديةَ عندنا؛ لحلقه قبل حصول أحد التحللين، فأشبهَ مَنْ حلقَ عقبَ الإحرام، وبه قال أبو حنيفة، وهو قول الشافعي، وعند المخالف: لا فديةَ
стр. 2076
عليه؛ لما وقع في بعض طرق هذا الحديث أعني: تقديمَ الحِلاق (١) على الرمي.
قال الإمام المازري: ومحملُ هذا عندنا على نفي الإثم، لا الفدية، وحمله المخالف عليهما جميعًا، وهكذا حمل (٢) ابن الماجشون -أيضًا- قوله ﵊ في الحلق قبل النحر: "انْحَرْ وَلا حَرَجَ" على نفي الإثمِ، لا الفدية، لأنه يرى أن مَنْ حلقَ قبل الذبح فقد أخطأ، وعليه الفدية؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والمشهور عندنا: لا فدية عليه، ويحمل قوله ﵊: "وَلَا حَرَجَ" على نفي الإثمِ والفديةِ جميعًا، ويُحمل قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] على وصوله إلى منى، لا نحره (٣).
قلت: ومنشأ هذا الخلاف -أعني: وجوبَ الفدية في تقديم الحلق على الرمي، وعدمَ وجوبها- ينبني على الخلاف في مسألة، وهي: أن الحلق نسك، أو (٤) استباحة محظور؟ فإن قلنا: إنه نُسُك، جاز تقديمُه على الرمي؛ لكونه من أسباب التحلل، وإلا، لم يجز؛ لما تقدم من
стр. 2077
وقوع الخلاف (١) قبل أحد التحللين.
ق: وفي هذا البناء نظر؛ لأنه لا يلزم من كون الشيء نسكًا أن يكون من أسباب التحلل، ومالكٌ ﵀ يرى أن الحلقَ نسكٌ، ويرى مع ذلك أنه لا يقدَّم على الرمي، إذ معنى كون الشيء نسكًا: أنه مطلوبٌ، مُثابٌ عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون سببًا للتحلل.
ونُقِلَ عن أحمدٍ ﵀ أنه إن (٢) قدم بعضَ هذه الأشياء على بعضٍ، فلا شيء عليه إن كان جاهلًا، وإن كان عامدًا، ففي وجوب الدم روايتان، وهذا القول في سقوط الدم عن الجاهل والناسي دون العامد قويٌّ من جهة أن الدليل على وجوب اتباع أفعال الرسول ﷺ بقوله: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" (٣)، وهذه الأحاديثُ المرخِّصَةُ بالتقديم لما وقع السؤال عنه إنما قُرِنَتْ بقول السائل: "لم أشعرْ"، فتخصَّصَ الحكمُ بهذهِ (٤) الحالَةِ، وتبقى حالةُ العمدِ على أصل وجوب اتباع الرسول ﵊ في الحج (٥).
قلت: وما قاله ظاهرٌ جليٌّ (٦).
стр. 2078
ع: واختَلف قولُ مالك إذا قدمَ الإفاضةَ على الرمي، فقيل: يُجزئه، وعليه الهديُ، وقيل: لا يُجزئه، وهو كمَنْ لم يُفِضْ، وقال (١): يعيدُها بعد الرمي والنحر، وكذلك إذا رمى، ثم أفاض قبل الحِلاق، فقال مرة: يُجزئه، وقال: لا (٢) يُعيد الإفاضةَ بعد الحِلاق، وقال في "الموطأ": أحبُّ إليَّ أن يُهريقَ دمًا، وإن قدَّمها (٣) على الذبح.
وقال الشافعيُّ، وفقهاءُ أصحاب (٤) الحديث في جماعة من السلف: لا شيء عليه في الجميع (٥)، قدَّم منها ما قدَّم، وأخَّر ما أخَّر؛ لظاهر الحديث.
قلت: قد تقدَّم (٦) أن ظاهر الحديث اختصاصُه بالجاهل و (٧) الناسي، فلا يكون فيه دليلٌ على جواز تقديمِ العامدِ أو تأخيرِه، واللَّه أعلم.
وقال أبو حنيفة: على مَنْ حلقَ قبل أن يرميَ أو ينحرَ دمٌ، وخالفه صاحباه، وقال: إن كان قارنًا، فحلق قبل النحر، فدمانِ، وقال
стр. 2079
زُفر (١): عليه ثلاثة.
وروي عن ابن عباس فيمن قدَّم شيئًا من النسك أو أخَّره: عليه دمٌ.
ع (٢): وليس بالثابت (٣) عنه، ونحوُه عن ابن جبير، وقتادة، والحسن، والنخعيِّ، ولم يختلفوا فيمن نحر قبل الرمي أنه لا شيء عليه (٤).
الرابع: قوله ﵊: " (٥) ولا حَرَجَ"، معناه: افعلْ ما بقيَ عليك، وقد أجزأَكَ ما فعلتَه، ولا حرجَ عليك في التقديم والتأخير، لا أنه أمره بالإعادة؛ كأنه قال: افعلْ ذلك كما فعلته، أو متى شئت، ولا حرجَ عليك؛ لأن السؤالَ إنما كان عمَّا مضى وتَمَّ (٦).
وقوله: "فما سُئل رسولُ اللَّه ﷺ عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر"؛ يعني: من هذه الأربعة، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 2080
الحديث السادس
٢٤٠ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَرَآهُ يَرْمِي الجَمْرَةَ الكُبْرَى بِسَبع حَصَيَاتٍ، فَيَجْعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنَى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ﷺ (١).
стр. 2081
* التعريف:
عبدُ الرحمن بنُ يزيدَ النخعيُّ: هو (١) أخو الأسودِ بنِ يزيدَ، الكوفيُّ.
يكنى: أبا بكر.
قال عمرُو بنُ عليٍّ: مات في الجماجم سنة ثلاث وثمانين.
سمع: سليمان، وعثمان بن عفان، وأبا مسعود الأنصاري، وعبدَ اللَّه ابن مسعود.
روى عنه: إبراهيمُ بنُ يزيدَ النخعيُّ، وعمارةُ بنُ عُمير، وإبراهيمُ ابنُ سعد، وابنُ إسحاق السَّبيعيُّ.
تابعي مشهور أُخرج له في "الصحيحين" ﵁ (٢).
стр. 2082
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله: "الجمرةَ الكبرى" يريد: جمرة العقبة.
قالوا: وهي حدُّ مِنَى من الغرب، وليست من مِنَى، وهي التي بايع النبيُّ ﷺ الأنصارَ عندها على الإسلام والهجرة.
وانظر: لم سميت جمرةً هي وأختاها؟ وكأن ذلك -واللَّه أعلم- من حيث كانت تُرمى بالجمار، وهي الحصى، فكأنه من باب تسمية الشيء بلازمه؛ كالغائط، والراوِيَة، ويحتمل أن يكون لغير ذلك، واللَّه أعلم.
ع: وأجمع العلماء أن سُنَّةَ الحاجِّ أن يرمي جمرةَ العقبة يوم النحر، ثم يحلق بمنًى، ثم يطوف طواف الإفاضة (١).
قلت: واختلفوا في وجوبها وسُنِّيتها، فمشهورُ مذهبنا: أنها سُنَّةُ، والشاذُّ: أنها واجبة، وهو قولُ عبد الملك بنِ الماجشون من أصحابنا.
وحكى الطبري عن بعض الناس: أن الجمار إنما تُعمل حفظًا للتكبير، ولو ترك الرمي تاركٌ، وكَبَّرَ، أجزأه، ونحوه عن عائشة ﵂ (٢).
فائدة: جمرةُ العقبةِ تختصُّ عن غيرها بأربعةِ أشياء:
إحداها: أنها تُرمى قبل الزوال، ضحًى.
والثاني: أنها تُرمى من أسفلها استحبابًا، ويجزىء من أعلاها،
стр. 2083
وأوسطها، وما عداها، فمِنْ أعلاها.
والثالث: أنه لا يُرمى يومَ النحر غيرُها.
والرابع: أنه لا يوقَف عندها للدعاء، واللَّه أعلم.
الثاني: قوله: "بسبع حَصَيات": اختُلف فيمن رماها بأقلَّ، فجمهورُ العلماء: على أن على تارك ذلك دمًا إذا فاته جمرة (١) أيام التشريق؛ وهو قولُ مالك، والأوزاعي.
وذهب الشافعي، وأبو ثور: إلى أن على تارك حصاة، مُدًّا من طعام، وفي اثنتين مُدَّين، وفي ثلاثٍ فأكثرَ دمًا.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: لو ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث، ففي كل حصاة نصفُ صاع، وإن كان أكثرَ من نصفها، فعليه [دم، وقال مالك: إن نسي جمرة تامة، أو الجمار كلها عليه] (٢) بدنةٌ، فإن لم يجد، فبقرة، فإن لم يجد، فشاة.
وقال البصريون: على ناسي الجمرة والجمرتين دمٌ.
وقال عطاء فيمن رمى بخمس، ومجاهد بست: فلا شيء عليه.
واتفقوا أن بخروج أيام التشريق يفوت الرميُ إلا العقبةَ، إلا
стр. 2084
ما قاله أبو مصعب: أنه يرمي متى ما ذَكر؛ كمن نسيَ صلاةً يصليها (١) متى ذكرها.
والسنَّة أن يُكَبِّر مع كلِّ حصاةٍ رافعًا صوتَه بالتكبيرِ.
ع: وبه أخذ مالك، والشافعي، وبه عمل الأئمة، وأجمعوا على أن (٢) من لا يكبر لا شيء عليه (٣).
الثالث: قوله: "هذا مقامُ الذي أُنزلت عليه سورةُ البقرة ﷺ ":
مقام: مَفْعَلٌ من القيام؛ أي: المكان الذي قام فيه النبيُّ ﷺ ، فهو اسمٌ للمصدر الذي هو القيام.
والسورة: قيل: معناها في كلام العرب: الإبانةُ لها من سورة أخرى، وانفصالها عنها، وسميت بذلك؛ لأنه يرتفع فيها من منزلة إلى منزلة، قال النابغة: [الطويل]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً ... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونهَا يَتَذَبْذَبُ
أي: منزلةَ شرفٍ ارتفعتْ إليها عن منزلِ الملوك.
وقيل: سميت بذلك؛ لشرفها وارتفاعها؛ كما يقال لِمَا (٤) ارتفعَ من الأرض: سور.
стр. 2085
وقيل: سميت بذلك؛ لأن قارئها يُشرف على ما لم يكن عنده؛ كسور البناء، كلُّه بغير همز.
وقيل: سميت بذلك؛ لأنها قطعة من القرآن على حِدَة، من قول العرب للبقية: سُؤْرُ، وجاء في أسآر (١) الناس؛ أي: بقاياهم، فعلى هذا يكون الأصل: سؤرة -بالهمز-، ثم خُففت، فأُبدلت واوًا؛ لانضمام ما قبلها.
وقيل: سميت بذلك؛ لتمامها وكمالها، من قول العرب للناقة التامة: سورة.
وجمعُ سُورة: سُوَر -بفتح الواو-، وقال الشاعر: [البسيط]
سودُ المحاجِرِ لا يقرأْنَ بالسورِ
ويجوز أن يجمع على سُورَات، وسُوَرَات (٢)، واللَّه أعلم.
وفي الحديث: دليل على جواز قول: سورة كذا؛ خلافًا للحَجَّاج ابنِ يوسفَ حيثُ قال: لا يقال إلا: السورة التي يذكر فيها البقرة، ونحو ذلك، والحديث يردُّ عليه.
وإنما خَصَّ سورةُ البقرةِ، وإن كان القرآن كلُّه منزَلًا (٣) عليه ﷺ ؛ لأنَّ مُعظَمَ مناسكِ الحجِ فيها؛ فكأنه قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه
стр. 2086
المناسكُ، وأُخذت عنه الأحكام ﷺ .
ولتعلمْ: أن جملةَ (١) ما يرميه الحاج غيرُ المتعجل (٢) سبعون حصاة: سبعٌ يوم النحر، وفي كل يوم بعدَه إحدى وعشرين حصاةً للجمار الثلاث، فإن تعجَّل، فتسع وأربعون: سبع يوم النحر، واثنتان وأربعون لليومين اللذين بعده.
وصفةُ الحصا المرمِيّ بها: أن تكون قدرَ حصى الخَذْف، بالخاء والذال المعجمتين.
قال الإمام: قال الليث: الخذف رَمْيَتُكَ حصاة أو نواة، تأخذُها (٣) بين سَبَّابَتَيْكَ، أو تجعل مخذفةً من خشب ترمي بها بين إبهامك والسبابة (٤).
ع: وهذا حدُّ حصى الرمي، وقد روي نهيُ النبي ﷺ عما سواه، وقال: "لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بعضًا" (٥).
وقيل: إن أصل مشروعية الرمي: أن إبراهيم ﵊
стр. 2087
حين هربَ منه الكبشُ المفدى به الذبيحُ ﵊ عندَ الجمرة، رماه بسبع حصيات حتى أخذه.
وروي (١) أنه رمى الشيطانَ حين تعرَّضَ له بالوسوسة عند ذبح ولده.
وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: اللَّه أكبرُ، اللَّه أكبرُ، فقال الذبيح: لا إلهَ إلا اللَّهُ واللَّهُ أكبر، فقال إبراهيم ﵊: اللَّهُ أكبرُ وللَّه الحمدُ، فبقي سنةً (٢)، واللَّه أعلم (٣).
* * *
стр. 2088
الحديث السابع
٢٤١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَم المُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: والمقصرين (١) يَا رسُولَ اللَّهِ! قالَ (٢): "اللَّهُمَّ ارْحَم المُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ (٣) يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالمُقَصِّرِينَ، قَالَ: "وَالمُقَصِّرِينَ" (٤).
стр. 2089
* الشرح:
لما استثقلوا مخالفةَ أفعالِه ﵊ من حيثُ أمرهم، فحلُّوا، ولم يحلَّ، فوقفوا عن الحِلاق، فلما عزمَ عليهم، مالوا إلى التقصير؛ لأنه أخفُّ عليهم، وأقربُ شبهًا به ﵊، إذ لم يحلَّ، أو لأنهم لم يكونوا معتادين للحِلاق، فحضَّ ﵊ على الحِلاق، بمظاهرته في الدعاءِ للمحلقين ثلاثًا؛ حَثًّا منه ﵊ لهم على فعل (١) الأفضل، وإنما كان الحِلاق أفضلَ من التقصير؛ لأنه أقربُ إلى التواضع والخضوع بين يدي ذي الجلال، وأبلغُ في العبادة، وأدلُّ على صدق النية؛ ولأن الشعرَ زينة، والمحرِمُ مأمور بترك الزينة، "الحاجُّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ" (٢).
قال الإمام: وقد اختُلف في الحلاق، فمذهبنا: أنه عند التحلُّلِ نُسُكٌ مشروع؛ لأجل ظاهر هذا الحديث، ولقوله سبحانه: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧]،
стр. 2090
ووصفُهم بذلك يقتضي كونَه مشروعًا.
وقال الشافعي ﵀: ليس بنسكٍ، وهو مباح؛ كاللباس، والطيب؛ لأنه وردَ (١) بعدَ الحظر، فحُمل على الإباحة، ولأنه لو حلق في حال الحج، لافتدى؛ كما إذا لبسَ وتطيَّبَ، ولو كان من النسك، لم يلزمه (٢) فديةٌ؛ كما لو رمى الجمار قبلَ وقتها، فإنَّ أقصى ما عليه أن يُعيدها، ولا يلزمه دم.
قال: وما ذكرناه من الظاهر يردُّ قولَه هذا، وقد استقر في الشرع تحريمُ السلام في أثناء الصلاة المفروضة، وأُمر به في آخرها، ولم يكن ذلك على وجه الإباحة، بل حُمل على الوجوب.
واختلف الناس -أيضًا- في القدرِ الذي تتعلق به الفديةُ (٣) إذا حلق، والمشروع منه عند التحلل، فعند الشافعي: عليه (٤) ثلاثُ شعرات، وعند أبي حنيفة: ربعُ الرأسِ، وعند أبي يوسف: نصفُه، وعند مالك: كلُّه في التحلل، فتتعلق الفديةُ (٥) عنده بما يُماط به الأذى (٦).
стр. 2091
قلت: قال أصحابنا: فإن لم يكن على رأس المحرِم شعر، فليُمِرَّ الموسى على رأسه، وهذا عندي كعَرْض العود على الإناء، واللَّه أعلم.
تنبيه: قد يتعين الحِلاقُ، ولا يجزىء التقصير، وذلك حين لا يمكن الإتيانُ بالتقصير على وجهه، وذلك في صور:
منها: ما تقدم فيمن لا شعرَ على رأسه.
ومنها: من شعرهُ لطيفٌ لا يمكن تقصيره.
ومنها: من لبَّد شعره؛ مثل أن يجعل الصمغ في الغسول، ثم يلطخ به رأسه عند (١) الإحرام -كما تقدم-، وكذلك إذا عَقَصَه، أو ضفره، فإنه لا بدَّ من الحلق في جميع هذه الصور.
قالوا: ويفتقر في التقصير إلى الأخذ من جميع الشعر؛ كما يأخذ في الحِلاق جميعه، ولو زال الشعرُ عن رأسه بالنورَة، أجزأه، على المشهور.
واستحب مالك ﵀ إذا حلق أن ياخذ من لحيته وشاربه وأظفاره، وذكر: أن ابن عمر كان يفعله.
وأما النساء، فسنتهن التقصيرُ دونَ (٢) الحلق، إذ هو تشويهٌ في حقها.
قال مالك في المرأة إذا قصرت: تأخذ قَدْرَ الأنملة و (٣) فوقَه بقليل، أو دونَه بقليل.
стр. 2092
وقال في الرَّجل: ليس تقصيرُه أن يأخذ من أطراف شعره؛ ولكن يَجُزُّ ذلك جَزًّا، وليس مثل المرأة، فإن لم يجزَّهُ، وأخذ منه، فقد أخطأ، ويجزئه.
قال القاضي أبو الوليد: يبلغ به الحدَّ (١) الذي يقرُب من أُصول الشعر، واللَّه أعلم (٢).
ع: ذكر بعضُهم: أن قولَ النبي ﷺ إنما كان يومَ الحديبية؛ حين أمرهم بالحلق، فما قام أحد له؛ لِما وقع في نفوسهم (٣) من الصلح، وذكر ابنُ إسحاقَ وغيرُه الخبرَ بكماله.
وذكر عن ابن عباس، قال: حلقَ رجالٌ يوم الحديبية، وقَصَّر آخرون، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ، ثَلَاثًا"، قيل: يا رسول اللَّه! ما بالُ المحلقين (٤) ظاهَرْتَ (٥) لهم بالترحُّم (٦)؟! (٧) قال: "لأنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا" (٨).
стр. 2093
قال أبو عمر: وكونه في الحديبية هو المحفوظ (١).
ولعلَّه وقع فيهما -يعني: الحديبية، وحجة الوداع-، وهو الأقرب، وقد كان في كلا الوقتين توقفُ الصحابة في الحلق، أما في الحديبية، فإنه عَظُم عليهم الرجوعُ قبل تمام مقصودهم من الدخولِ إلى مكة، وكمالِ نسكهم، وأما في الحج، فلأنه شق عليهم فسخُ الحج إلى العمرة، واللَّه أعلم (٢).
* * *
стр. 2094
الحديث الثامن
٢٤٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا وَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهَا حَائِضٌ، قَالَ: "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قال: "اخْرُجُوا" (١).
وَفِي لَفْظٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَقْرَى حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "،
стр. 2095
قِيلَ: نعمْ، قال: "فَانْفِرِي" (١).
* * *
فيه: دليل ظاهرٌ على وجوب طواف الإفاضة، وأن حيضَ المرأة موجِبٌ لحبسِها حتى تطوفَ؛ لقوله ﵊: "أَحَابِسَتُنَا؟ ".
ع: ويؤخذ منه أن الكَرِيَّ يُحْبَس لها إذا لم تَطُفْ طواف الإفاضة؛ كما قال مالك ﵀: حتى تطهر، أو تمضي أيامها، وأقصى ما تمسك
стр. 2096
النساء الدم، والاستطهار؛ على اختلاف قوله في هذا الأصل.
وقال الشافعي: لا يُحبس لها كريٌّ، ولتكر جملها، أو يحمل مكانها غيرها.
ع: وهذا كله في الأمنِ ووجودِ المحرم، وأما مع خوف الطرق، أو عدم ذي المحرم فلا يُحبس؛ باتفاق؛ إذ لا يمكن أن يسير بها وحدَه، ويفسخ الكِراءُ، و (١) لا تُحبس عليها الرفقةُ، إلا أن يبقى لطهرها كاليوم واليومين، قاله مالك رحمه اللَّه تعالى (٢).
وفيه: سقوطُ طوافِ الوداع عن الحائض حينئذ.
وأما قوله ﵊: "عَقْرَى حَلْقَى" -فبفتح أولهما وإسكان ثانيهما وآخرهما ألف التأنيث المقصورة-، فلا يكاد المحدِّثون يعرفون غيره (٣)، وبعضُهم نَوَّنهما، فأجراهما (٤) مجرى سَقْيًا ورَعْيًا وجَدْعًا، وأفةً ونَفَةً، وما أشبهَ ذلك من المصادر التي يُدعى بها، ولا أَستبعدُه؛ فإن الموضعَ موضعُ دعاء، وإن كان ما قاله المحدِّثون صحيحًا (٥).
стр. 2097
واختُلف في معناهما (١)، فقيل: عقرى بمعنى: عَقَرَها اللَّه؛ أي: جَرَحَها، وقيل: عقر قومَها، وقيل: جعلها عاقرًا لا تلد.
وحَلْقى؛ أي: أصابها بوجع في حَلْقها، أو بمعنى: تحلقُ قومَها بشؤمها، وإما بمعنى: حلق شعرها، وهذا من الكلام الذي لم يُقصد به أصلُ وضعه (٢)، وإنما هو كلامٌ جرى على ألسنة العرب، لا يقصدون به الدعاءَ ولابدَّ (٣)؛ نحو قولهم (٤): تَرِبَتْ يَداكَ، وتَرِبَتْ جبينُك، وقاتَلَه اللَّهُ ما أَشْعَرَهُ! وأشباهِ ذلك، واللَّه أعلم (٥).
* * *
стр. 2098
الحديث التاسع
٢٤٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاس ﵄، قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِم بِالبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ المَرْأَةِ الحَائِضِ (١).
* * *
стр. 2099
* الشرح:
هذا الطوافُ المختَتَمُ به يسمَّى: طوافَ الوداع، وطوافَ الصَّدَر، وهو مشروع إذا لم يبقَ (١) شغلٌ، وتم التحلُّلُ، وعَزَمَ على الانصراف، فإن عَرَّجَ بعدَه على شغل خفيف؛ كما لو باع أو اشترى بعضَ حوائجه، لم يُعِدْه، ولو أقام بعدَه يومًا، أو جزءًا منه معتبرًا، أعاد، ومن خرجَ ولم يودِّعْ، رجعَ ما لم يخشَ فواتَ أصحابه، ولا يجبُ عندَنا بتركه دمٌ، خلافًا للشافعيِّ، وهو ظاهر الحديث، وهذا بعدَ تقرير أن إخبارَ الصحابي عن صيغةِ الأمرِ بحكايته لها، وقد تَقدمَ الكلامُ على ذلك مستوعَبًا.
واستدل الإمام المازري على عدم وجوب طواف الوداع بحديث صفيةَ المتقدِّمِ آنفًا؛ لَمَّا أُخبر ﵊ أنها حاضت، فقال: "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ "، ثم أُخبر أنها أفاضت، فقال: "فَلَا إِذَنْ"، فلو كان طوافُ الوداع واجبًا، لاحتبس من أجله (٢)؛ كما يحتبس من طواف الإفاضة (٣).
ولتعلمْ: أن طواف الوداع يخاطَب به كلُّ حاجٍّ أو معتمِر، صغيرًا كانَ أو كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، حُرًّا أو عبدًا، إلا المكيَّ خاصة، وأما
стр. 2100
من خرجَ إلى العمرة، فإن خرجَ إلى الجعرانة (١) أو التنعيم، لم يلزمه عندَنا وعندَ الشافعي، ويلزمه عندَ الثوري، وعليه دمٌ إن تركَهُ، وهو مذهبه، ومذهبُ أبي حنيفةَ في تاركِ طوافِ الوداعِ، واختَلفَ قولُ الشافعيِّ في وجوبِ الدمِ عليه.
وحكمُه الاتصالُ بالخروج.
واختلف أصحابنا إن خرج إلى المواقيت.
واختلف قولُ الشافعيِّ في وجوب الدَّمِ على تارِكِهِ، ولا دمَ عليه عندنا (٢).
وقوله: "إلا أنه خُفِّفَ عن المرأة الحائضِ": (٣) قد مر مفسَّرًا في حديث صفيةَ ﵂، وقد روي عن بعض السَلفِ: أنها لا تنفرُ حتى تودِّعَ، وجماعةُ الفقهاءِ على خلافِه، وكذلك من أَخَّرَ طوافَ الإفاضة إلى أيام مِنَى، فإنه يُجزِئُهُ إذا طافه أن يصدُرَ به، وكذلك لو كان خروجه بأثر طوافِ تطوُّع، أو بحجِّ، أو عمرةٍ، أجزَأَهُ عن الوداع (٤).
مناقشة لفظية: انظر: ما فائدةُ ذِكرِ ابن عباس ﵁ المرأةَ، في قوله:
стр. 2101
стр. 2102
стр. 2103
الاستئذان: طلبُ الإِذْن، يقال: ائْذَنْ لي (١) على الأمير (٢)، والماضي: أَذِنَ -بالكسر-، وأَذِنَ أيضًا: بمعنى عَلِمَ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وأَذِنَ لَهُ أَذَنًا، بمعنى: استمعَ، قال قعنبُ بنُ أُمِّ صاحب: [البسيط]
إِنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طَارُوا بِهَا فَرَحًا ... عنِّي (٣) وَمَا أَذِنُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا
وفي الصحيح: "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ (٤) كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ" (٥). ومن فسر يتغنَّى هنا: يستغني، فقد أبعدَ من حيثُ اللفظُ والمعنى، وجانبَ من الصوابِ المغنى.
ويبيت هنا تامَّةٌ.
فيه: دليل على أن المبيت ليالي مِنًى من مناسك الحج وواجباته؛ فإن ظاهره تعليلُ الإذن بهذه العلَّة التي هي: الاشتغالُ بأمر السِقايَةِ،
стр. 2104
وإعدادِ الماء للشَّارِبِيْنَ، حتى لو لم يكن ذلك، لَما أَذِنَ له (١) ﵊ في المبيت بمكة والحالةُ هذه، وهو مذهبُنا، فإنْ تركَ المبيتَ (٢) بها لياليَها الثلاثَ، أو ليلةً منها، فعليه دمٌ.
واختُلف في تركِ المبيتِ بالمزدلفةِ ليلةَ العيد، فإن دفعَ من عرفةَ إلى مِنًى، ولم ينزل بالمزدلفةِ، فقالَ مالكٌ: عليهِ الدَّمُ، وإن نزلَ بها، ثم دفعَ من أولِ الليلِ (٣)، أو وسطه، فلا دمَ عليه.
وقال عبد الملك: لا دمَ عليه، وإن دفعَ من عرفةَ إلى منى.
ق: ومدلولُ هذا الحديث تعليقُ هذا الحكم بوصف السقاية، وباسم العباس، فتكلم (٤) الفقهاء في أن هذا من الأوصافِ المعتبرةِ في هذا الحُكْمِ، فأما عينُ العباسِ، فلا يختصُّ (٥) به الحكمُ اتفاقًا، لكن اختلفوا فيما زاد على ذلك، فمنهم من قال: يختص هذا الحكمُ بآل العباسِ، ومنهم من عَمَّمَه في بني هاشم، ومنهم من عَمَّ (٦) وقال (٧): كلُّ مَنِ احتاجَ للسِقَايَةِ (٨)، فَلَهُ ذَلِكَ.
стр. 2105
الحديث الحادي عشر
٢٤٥ - وَعَنْهُ: -يَعْنِي: ابْنَ عُمَرَ- قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بَجَمْعٍ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا إِثْرَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (١).
* * *