← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

"المرأةِ الحائضِ"، وهو لا يكادُ يُستعمل؛ إذ المحيضُ محيضُ النساء (١)، ويقال: حائضة أيضًا، قال الشاعر: كَحَائِضَةٍ يُزْنى (٢) بِهَا غَيْرِ طَاهِرِ (٣) * * *

стр. 2102

الحديث العاشر ٢٤٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: استَأْذَنَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ (١) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَياليَ مِنَى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَاَذِنَ لَهُ (٢).

стр. 2103

الاستئذان: طلبُ الإِذْن، يقال: ائْذَنْ لي (١) على الأمير (٢)، والماضي: أَذِنَ -بالكسر-، وأَذِنَ أيضًا: بمعنى عَلِمَ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وأَذِنَ لَهُ أَذَنًا، بمعنى: استمعَ، قال قعنبُ بنُ أُمِّ صاحب: [البسيط] إِنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طَارُوا بِهَا فَرَحًا ... عنِّي (٣) وَمَا أَذِنُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا وفي الصحيح: "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ (٤) كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ" (٥). ومن فسر يتغنَّى هنا: يستغني، فقد أبعدَ من حيثُ اللفظُ والمعنى، وجانبَ من الصوابِ المغنى. ويبيت هنا تامَّةٌ. فيه: دليل على أن المبيت ليالي مِنًى من مناسك الحج وواجباته؛ فإن ظاهره تعليلُ الإذن بهذه العلَّة التي هي: الاشتغالُ بأمر السِقايَةِ،

стр. 2104

وإعدادِ الماء للشَّارِبِيْنَ، حتى لو لم يكن ذلك، لَما أَذِنَ له (١) ﵊ في المبيت بمكة والحالةُ هذه، وهو مذهبُنا، فإنْ تركَ المبيتَ (٢) بها لياليَها الثلاثَ، أو ليلةً منها، فعليه دمٌ. واختُلف في تركِ المبيتِ بالمزدلفةِ ليلةَ العيد، فإن دفعَ من عرفةَ إلى مِنًى، ولم ينزل بالمزدلفةِ، فقالَ مالكٌ: عليهِ الدَّمُ، وإن نزلَ بها، ثم دفعَ من أولِ الليلِ (٣)، أو وسطه، فلا دمَ عليه. وقال عبد الملك: لا دمَ عليه، وإن دفعَ من عرفةَ إلى منى. ق: ومدلولُ هذا الحديث تعليقُ هذا الحكم بوصف السقاية، وباسم العباس، فتكلم (٤) الفقهاء في أن هذا من الأوصافِ المعتبرةِ في هذا الحُكْمِ، فأما عينُ العباسِ، فلا يختصُّ (٥) به الحكمُ اتفاقًا، لكن اختلفوا فيما زاد على ذلك، فمنهم من قال: يختص هذا الحكمُ بآل العباسِ، ومنهم من عَمَّمَه في بني هاشم، ومنهم من عَمَّ (٦) وقال (٧): كلُّ مَنِ احتاجَ للسِقَايَةِ (٨)، فَلَهُ ذَلِكَ.

стр. 2105

الحديث الحادي عشر ٢٤٥ - وَعَنْهُ: -يَعْنِي: ابْنَ عُمَرَ- قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بَجَمْعٍ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا إِثْرَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (١). * * *

стр. 2106

* الشرح: فيه: دليل على الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدَلِفة، وأنه (١) السنَّة، وقد اختلف الفقهاء هل يجوز الجمعُ بغير المزدلفةِ في هذه الليلة، فيجمع في الطريق -مثلًا-، أو بعرفةَ على التقديم، ومنشأ الخلاف: هل هذا الجمعُ عذرهُ السفرُ، أو عذرُه النسك؟ على تفصيل لا نطول بذكره. وأما حديث الأذان والإقامة لكل صلاة، فقد تقدم في باب الجمع بين الصلاتين بما يغني عن الإعادة. وقوله: "لم يسبِّح بينَهما"؛ أي: لم يتنفَّل، وهو دليلٌ لمشهورِ مذهبِ مالك ﵀، وقد قال ﷺ : "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٢)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2107

باب المحرم يأكل من صيد الحلال الحديث الأول ٢٤٦ - عَنْ أَبي قتادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حَاجًّا، فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ، فِيهِمْ أَبُو قتادَةَ، وقَالَ: "خُذُ سَاحِلَ البَحْر حَتَّى نَلْتَقِيَ"، فَأَخَذُوا سَاحِلَ البَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا، أَحْرَمُوا كلُّهُمْ، إِلَّا أَبُو (١) قتادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ، إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الحُمُرِ، فَعَقَرَ مِنْهَا أتانًا، فَنَزَلْنَا، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟! فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا، فَأَدْركْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "فِيكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا" (٢).

стр. 2108

وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: "هَلْ مَعَكُمْ [منه] شَيْءٌ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ، فَأَكَلَهَا (١).

стр. 2109

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: اختُلف في عِدَّة (١) الطائفة، فقيل: أقلُّها ثلاثةٌ، أو أربعة، وهي صفةٌ غالبة، فإنها الجماعة الحافة حولَ الشيء المطيفة به. وعن ابن عباس في تفسيرها: أربعةٌ إلى أربعين رجلًا. وعن الحسن: عشرة. وعن قتادة: ثلاثة فصاعدًا. وعن عكرمة: رجلان فصاعدًا. وعن مجاهد: الواحد فما فوقه. وأظهرُ هذه الأقوال قولُ ابن عباس، وأبعدُها قولُ مجاهد (٢). والساحل: شاطىء البحر. قال ابن دريد: هو مقلوب، وإنما الماء سحله. والبحر، قيل: يسمى بحرًا؛ لعمقه واتساعِه، ويُجمع على: أَبْحُر، وبِحار، ويُحور، وكلُّ نهرٍ عظيمٍ بحرٌ (٣)، قالوا: وكيف (٤) تقلَّبَتْ حروفُ

стр. 2110

ب ح ر، دلت على الاتساع؛ كبحر، ورحب، وحبر، ونحو (١) ذلك. وقوله: "فعقر منها أتانًا؛" أي: جرح منها حمارًا أنثى. الثاني: اعتُذر عن عدمِ إحرامِ أبي قتادة ﵁، مع كونهم خرجوا للحج، ومروا بالميقات، بوجوه (٢): أولها وأولاها: ما دلَّ عليه أولُ (٣) الحديث من أنه أُرسل (٤) إلى جهة أخرى ليكشفَها، فكان الالتقاءُ معه بعد مضيِّ مكان الميقات. وثانيها وأضعفُها: أنه لم يكن مريدًا للحج (٥). وثالثها: أن ذلِكَ كانَ قبلَ توقيتِ المواقيتِ، وفيه نظر. الثالث: فيه: الاجتهادُ في زمنه ﵊، وقد تقدم ما في ذلك، فإنهم إنما أكلوا بالاجتهادِ دون النصِّ. وفيه -أيضًا-: وجوبُ الرجوع إلى النصِّ عندَ تعارضِ الأشباهِ والاحتمالات. الرابع: قوله: ﵊: "فيكم (٦) أحدٌ أَمَرَه أن

стр. 2111

يحملَ عليها؟ "، إلى آخره يدلُّ على جواز أكل المحرِمِ الصيدَ الذي لم يأمرْ باصطياده، ولا شاركَ في اصطياده بإشارة ولا غيرِها، فإن كان في شيء من ذلك، امتنعَ أكلُه؛ فإن مفهوم الحديث: أنهم لو فعلوا ذلك، لكان سبباً للمنع. وقد اختُلف في أكل المحرِم لحمَ الصيد على مذاهب ثلاثة: فذهب بعض السلف: إلى منعه على الإطلاق؛ صِيَد (١) لأجله، أو لا، وكأنه تمسَّك بحديث الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ الآتي (٢). وذهب مالك، والشافعي: إلى أنه ممنوع، إن صاده، أو صيد لأجله، سواء كان بإذنه، أو بغير إذنه. والمذهب الثالث: التفرقةُ بين أن يكون اصطادَه بإذنه، أو بدلالته (٣)، فيحرُم، أو لا يكون كذلك، فيحِلُّ (٤). مسألة: قال أصحابنا: لا بأس بكل المحرم من لحمِ صيدٍ صاده حلالٌ لنفسه، أو لحلالٍ، ولا يكل من لحمِ صيدٍ صاده، أو صِيدَ من أجله، وما (٥) ذُبح من الصيد بيده، أو صاده بكلبه، فهو ميتةٌ، لا يحل

стр. 2112

أكلُه لحلال، ولا لحرام (١)، حتى لو وَداه، ثم أكل (٢) من لحمه، فلا جزاء عليه لما أكل؛ كما إذا أكل الميتةَ، وما ذُبح من أجل محرِمٍ بأمره، أو بغير أمره، أو ذبحه حلالٌ أو حرامٌ (٣)، فلا يأكله المحرِمُ، ولا غيرُه. وروي عن ابن القاسم: أنه إن كان عالمًا به (٤) أَنه صِيدَ من أجله، أو (٥) من أجل محرِمٍ سواه، فالجزاءُ عليه، وإن لم يعلم، فلا شيء عليه، وإن صِيَد من أجلِهِ. وروي عن مالك في "المختصر"، وكتاب "ابن المواز"، و"العتبية": أنه (٦) لا جزاء على من لم يُصَدْ من أجله من المحرِمين. وقال أصبغ: لا جزاء عليه، وإن صيد من أجله، وإن علم؛ كمن أكل ميتةً محرمةً، وغير هذا خطأ (٧). وأحكام الجزاء مبسوطة في كتب الفقه.

стр. 2113

الخامس (١): في قوله ﵊ في الرواية الأخرى: "هَلْ معكم منه شيءٌ" (٢) ثلاثة أمور: تبسُّطُ الإنسان إلى صاحبه في مثل هذا. والثاني: المبالغةُ في بيان الأحكام. والثالث: الزيادةُ في تطييب قلوبهم من حيث موافقتُهم في الأكل منه (٣)، وهذا آخذٌ بحُجْزَةِ قوله ﵊: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، ما سُقْتُ الهَدْيَ" على ما تقدمَ بيانه، وأن ذلك كان (٤) تطييبًا لقلوبهم، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوية: ١٢٨]، ﷺ . السادس (٥): العَضُد: الساعِدُ. قال الجوهرى: وهو عن المِرْفَقِ إلى الكَتِف (٦)، فيه (٧) أربعُ لغات:

стр. 2114

عَضُد مثل: رَجُل (١)، وعَضِد مثل: كَتِف، وعَضْد مثل: فَلْس، وعُضْد مثل: قُفْل (٢). قلت: وقد غلط الجوهري ﵀ في قوله: ساعدا الإنسان عضُداه (٣)، وقيل: إنما ساعداه ذِراعَاهُ، وهو الحقُّ إن شاء اللَّه. * * *

стр. 2115

الحديث الثاني ٢٤٧ - عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثيِّ ﵁: أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالأَبْوَاءَ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّه عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَىَ مَا فِي وَجْهِهِ، قَالَ: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ" (١). وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: رِجْلَ حِمَارٍ (٢).

стр. 2116

وَفِي لَفْظٍ: شِقَّ حِمَارِ (١). وَفِي لَفْظٍ: عَجُزَ حِمَارٍ (٢). وَجْهُ هَذَا الحَدِيثِ: أَنَّه ظَنَّ أَنَّهُ صِيدَ لأجْلِهِ، وَالمُحْرِمُ لا يَأْكُلُ مَا صِيدَ لأجْلِهِ. * * * * التعريف: الصَّعْبُ بنُ جَثَّامَةَ: -بالصادِ المهمَلةِ، والعين الساكنة المهملة

стр. 2117

أيضًا (١) -، وجثَّامة -بالجيم المهملة (٢) والثاء المثلثة المشددة- ابنِ قيسِ ابنِ ربيعةَ بنِ يعمرَ، وهو الشدَّاخُ بنُ عوفِ بنِ كعبِ بنِ عامرِ بنِ ليثٍ، الليثيُّ، المدنيُّ، وهو أخو محلِّم (٣) بنِ جثامة، وقد قيل في نسبه غيرُ هذا. هاجر إلى النبي ﷺ ، وعِداده في أهل الطائف. قيل: إنه روى عن رسول اللَّه ﷺ ستةَ عشرَ حديثًا، اتفقا منها على حديث (٤) واحد. روى عنه: عبدُ اللَّه بنُ عباس. وكان ينزل وَدَّانَ -بفتح الواو وتشديد الدال المهملة- من أرض الحجاز. روى عنه (٥) الجماعةُ. مات في خلافة أبي بكر ﵁ (٦).

стр. 2118

* ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: "حمارًا وحشيًا" ظاهرُه: إهداؤه بجملته (١) حَيًّا وعليه يدل تبويبُ البخاري، وقد قيل: إنه تأويلُ مالك ﵀، وعلى مقتضاه يستدلُّ (٢) بالحديث على منعِ وضعِ المحرمِ يدَه على الصيد بطريق التملُّكِ بالهدية، ويقاس عليها ما في معناها من البَيعْ والهِبَة. ق: ورُدَّ هذا التأويلُ بالروايات التي ذكرها المصنف عن مسلم، من قوله: عجز حمار، أو شق حمار، أو رجل حمار، فإنها قويةُ الدلالة على كون المُهْدَى بعضًا، فيحمل قوله: حمارًا وحشيًا على المجاز، وتسميةِ البعضِ باسم الكلِّ، أو فيه حذفُ مضافٍ، ولا يبقى فيه دلالةٌ على ما ذُكر من تملُّكِ الصيد بالهبة (٣). قلت: وفي بعض الروايات -أيضًا-: "عَجُزَ حِمَارٍ يَقْطُرُ دَمًا" (٤)، وفي بعضها -أيضًا- "لَحْمَ حِمَارٍ" (٥)؛ ولكن نقل ح في "شرح المهذب":

стр. 2119

أن الشافعيَّ رحمه اللَّه تعالى قال: وحديثُ مالك: أن الصعبَ أهدى النبيَّ ﷺ حمارًا أثبتُ من حديثِ مَنْ حدث: أنه أهدى من لحم حمار (١). الثاني: قد تقدم أن الأبواء موضعٌ بين مكة والمدينة، وودانُ كذلك، وهو غير منون؛ لكونه علما على مكان مخصوص مع زيادة الألف والنون. وقوله: "لما رأى ما (٢) في وجهه"، يعني: من الكراهة لردِّ (٣) هديته. الثالث: قوله ﵊: "إِنَّا لم نردَّهُ عليك إلا أنا حرم": (إنا) الأولى مكسورة لكونها مبتدأة (٤)، و (أنَّا) الثانية مفتوحة، أي: لأجل أَنَّا حرم، ففُتحت؛ لكونها معمولة لما قبلها في التقدير، وقوله: "لم نرده عليك" (٥) لا يكاد المحدِّثون يروونه بغير فتح (٦) الدال، والأكثر فيه عند النحويين الضمُّ؛ أعني: كل فعل أُدغمت عينُه في لامه، واتصل به (٧) ضميرُ المذكر في الجزم والوقف، نحو رُدَّه، ولم نَرُدَّه،

стр. 2120

وصُبَّه، ولم يَصُبَّه، وأشباه ذلك، ومن العرب من يكسر. وحكى ثعلب في "فصيحه": زُرُّ القميص، وزُرَّه، وزُرِّه، بالحركات الثلاث. وإنما اختير الضمُّ عند الجمهور؛ لأن الهاء خفية، فكان الواو التي كان حقُّها تثبت خطًا بعد الهاء، كما ثبتت الألفُ بعد الهاء في رُدَّهَا، وَلِيَتِ الدالَ، وما قبل هذه الواو لا يكون إلا مضمومًا، فكأنه قيل: رُدَّا ورُدُّوا. و (١) في عبارة بعضهم: أن الضم لإتباع (٢) ضمةِ ما قبلَه، وهذا إنما هو فيما (٣) لم يتصل به ضمير المذكر (٤)، فهذا وجه اختيار الضم. ومن كَسَرَ، فعلى أصل التقاء الساكنين. ومن فَتَحَ (٥)، فلمقابلته (٦) التثقيلَ بعذوبة الفتحة (٧)، فإن اتصل ذلك بضمير المؤنث، فالفتحُ ليس إلا، نحو رُدَّها، ولم يَرُدَّها؛ لما تقدم من أن الهاء حرف خفي، فكان الألف -أيضًا- وَلِيَتِ الدالَ،

стр. 2121

والألفُ لا يكون قبلها غيرَ مفتوح، فلنعلمْ هذا الأصل؛ فإنه أصلٌ مهمٌّ من أصول التصريف (١). الرابع: تمسَّكَ مَنْ منعَ من أكل لحم الصيد مطلقًا بقوله ﵊: "إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ"، قال: فإنه علل ذلك بمجرد الإحرام، ومن أباح أكلَه، لا يكون مجردُ الإحرام عنده علةً. ق: وقد قيل: إن النبي ﷺ إنما ردَّه لأنه صِيْدَ من أجله؛ جمعًا بينه وبين حديث أبي قتادة (٢). والحُرُم -بضم الحاء والراء-: جمعُ حَرام، وقيل: إنه كرضي، يقع على الواحد والجمع، والحرام: الذي يدخل الإحرامَ أو الحَرَمَ، ويقال أيضًا للمذكر والمؤنث. والأصل في عدم أكل المحرم الصيد قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، لكن هل (٣) المراد بالصيد المَصِيدُ، أو الاصطياد؟ فيه نظر، وبسطُه في كتب التفسير. فصلٌ مهمٌّ: في بيان حدود حرم مكة -شَرَّفَهَا اللَّه تعالى- الذي

стр. 2122

يحرُم فيه الصيد والنباتُ، ويُمنع أخذُ ترابِه أو أحجارِه. اعلمْ: أَنَّ الحَرَمَ هو مَكَّةُ، وما أحاطَ بها من جوانبها، جعل اللَّه تعالى له حكمَها في الحرمة تشريفًا لها: فحدُّ الحرَم من جهة المدينة: دونَ التَّنْعِيم عند بيوت نِفَارٍ، على ثلاثة أميال من مكة. ومن طريق اليمن: طرفُ أَضَاةِ (١) لِبْنٍ في ثنية لِبْنٍ، على سبعة أميال من مكة. ومن طريق الطائف على عرفات: من بطن نَمِرَة (٢)، على سبعة أميال. ومن طريق العراق: على ثنيةِ جبلٍ بالمقطع، على سبعة أميال. ومن طريق الجعرانة: على شعب آل عبد اللَّه بن خالد، على تسعة أميال. ومن طريق جُدَّة: من منقطع الأعشاش، على عشرة أميال من مكة. هكذا ذكر هذه الحدودَ أبو الوليد الأزرقيُّ في كتاب "مكة" (٣)، وأبو الوليد هذا من (٤) أصحاب الشافعي الآخذين عنه، الذي روى عنه الحديثَ والفقه.

стр. 2123

وكذا ذكرها -أيضًا (١) - الماورديُّ صاحب "الحاوي" في كتابه (٢) "الأحكام السلطانية". وكذا ذكرها -أيضًا (٣) - الشيخُ أبو إسحاقَ الشيرازيُّ في "مهذبه"، وجماعة من مصنفي الشافعية غيره، إلا أن عبارة بعضهم أوضحُ من بعض. لكن الأزرقيَّ قال في حدِّه من طريق الطائف: أحد عشر ميلًا، والذي قاله الجمهور: سبعة فقط، بتقديم السين على الباء. واعلمْ: أن الحرم عليه علاماتٌ منصوبة في جميع جوانبه، ذكر الأزرقيُّ، وغيرُه بأسانيدهم: أن إبراهيم ﵊ عَلَّمَها، ونصبَ العلامات فيها، وكان جبريل ﵊ يُريه مواضعَها، ثم أمر نبينا ﷺ بتحديدها (٤)، ثم عمر، ثم عثمان، ثم معاوية ﵃، وهي إلى الآن بيِّنة والحمدُ للَّه، هذا معنى كلام ح، وأكثر لفظه (٥).

стр. 2124

فائدة: نقل الماورديُّ خلافًا للعلماء في أن مكة مع حرمها هل صارتْ حرمًا آمِنًا بسؤال إبراهيم ﵊، أم (١) كانت قبلَه كذلك؟ واحتج للأول (٢): بحديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال في جملة (٣) حديث طويل: "اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَجَعَلَهَا حَرَمًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ حَرَامًا ما بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا؛ أَنْ لا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا يُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ (٤) إِلَّا لِعَلَفٍ (٥) "، رواه مسلم في آخر كتاب الحج (٦)، وبغيره من الأحاديث الصحيحة مما في معناه. واحتج للثاني: بحديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال يومَ فتح مكة: "فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بحُرمَةِ (٧) اللَّهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" رواه البخاري، ومسلم (٨).

стр. 2125

وبقوله ﵊: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ" متفق عليه (١). ومن قال بهذا (٢)، أجاب عن الحديث السابق، وما في معناه من الأحاديث: بأن إبراهيم ﵊ أظهرَ تحريمَها بعد أن كان خَفِيًا مهجورًا لا يُعلم، لا أنه ابتدأَهُ. ومن قال بالمذهب الأول، أجابَ عن حديث ابن عباس، وما في معناه: بان المراد: أن اللَّه -تعالى- كتبَ في اللوح المحفوظِ أو غيرِه: أن مكةَ سيحَرِّمُها إبراهيم ﵊، أو (٣) أظهرَ ذلك لملائكته. ح: والأصحُّ من القولين: أنها ما زالت محرَّمَةً من حين خلقَ اللَّه السمواتِ والأرضَ، واللَّه أعلم (٤). فائدة أخرى: ذكر العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-: أن الكعبة الكريمة بُنيت خمسَ مرات: إحداها: بَنَتْها الملائكةُ قبلَ آدمَ، وحجَّها (٥) آدمُ فمَنْ بعدَه من الأنبياء، صلوات اللَّه وسلامه عليهم.

стр. 2126

الثانية: بناها إبراهيم ﵊. الثالثة: بنتها قريشٌ في الجاهلية، وحضر النبيُّ ﷺ هذا البناءَ قبلَ النبوةِ، ثبتَ ذلك في "الصحيحين"، وكان له ﷺ خمسٌ وعشرون سنة، وقيل: خمس وثلاثون. الرابعة: بناها ابنُ الزبير، ثبت ذلك في "الصحيح". الخامسة: بناها الحجَّاجُ بنُ يوسفَ في خلافة عبدِ الملك بنِ مروانَ، ثبت ذلك في "الصحيح". واستقر بناؤها الذي بناه الحجاج إلى الآن. وقيل: إنها بُنيت مرتين أُخريين قبلَ بناء قريش، واللَّه تعالى أعلم (١). تكميل: قال ابنُ بزيزة من أصحابنا: اختلف الفقهاء في حَرَم المدينة، هل هو كحرمِ مكة، أم لا؟ وفيه قولان في المذهب المشهور: نفي الجزاء في قتل صيده (٢). وأوجب ابنُ أبي ذئب، ومحمدُ بنُ إبراهيمَ النيسابوريُّ في صيده الجزاء، إذا قتل؛ قياسًا على حرم مكة. وهو قول بعض أصحاب مالك، واختيارُ أبي محمدِ بنِ حزم. وبناءُ المسألة على جريانِ (٣) القياسِ في الحدودِ والكفارات.

стр. 2127

وتعلق ابنُ حزم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، وحرَّمَ رسولُ اللَّه ﷺ ما بين لابَتَي المدينة، فهما حرامانِ بحرمة اللَّه (١). * * *

стр. 2128

كِتْابُ الْبُيُوعِ

стр. 2129

(١) الحديث الأول ٢٤٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا (٢) جَمِيعًا، أو يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فتبايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" (٣).

стр. 2130

مقدمة: البيوع: جمع بيع، وهو مصدر باعَ، وإنما جُمع؛ لاختلاف أنواعه؛ كالعلوم، والحلوم (١) والأشغال. والبيع يستعمل بمعنى: الشراءِ أيضًا. قال الأزهري: تقول العرب: بِعْتُ، بمعنى: بعتُ ما كنت أملِكُه، وبعتُ، بمعنى: اشتريتُ، قال: وكذلك شَرَيْت بالمعنيين (٢)، قال: وكل واحد بَيِّعٌ وبائع، لأن الثمنَ والمثمَّن (٣) كلُّ واحدٍ منهما مبيعٌ (٤). وكذا قاله ابن قتيبة وآخرون، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ

стр. 2131

بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٥]، قال (١) المفسرون: أي: باعوه (٢). فصل: قال الإمام المازري في "معلمه": الأحاديثُ الواردة (٣) في البيوع هاهنا (٤) كثيرة، ونحن نقدِّم فصلًا حسنًا يشتمل على عقد جيد، وتَطَّلعُ (٥) منه على أسرار في البيوع: فاعلمْ (٦): أن العرب لبلاغتها، وحكمتها، وحرصها على تأدية المعاني إلى الأفهام بأدنى ضُروب الكلام، تخصُّ كلَّ معنًى بعبارة، وإن كان مُشارِكًا للآخَر في أكثرِ وجوهِه، فلما كانت الأملاكُ تنتقل عن أيدي مالكيها بعِوَض وبغيرِ عِوَضٍ، سموا (٧) المنتقلَ بعوضٍ بيعًا، فحقيقةُ البيع: نقلُ الملك بعِوَض، ولكن المعاوَضَة إن كانت على الرقاب، سموها بتسمية البيع، وإن كانت على المنافع، سموها (٨) بتسمية

стр. 2132

الإجارة، إلا أن تكون المنافعُ منافعَ الفروج (١)، فخصوها (٢) -أيضًا- بتسميتها نكاحًا. وإذا علمتَ حقيقةَ البيعِ ومعانيَ هذه التسميات، فاعلمْ: أن البيع يفتقر إلى أربعة أركان: أحدها: متعاقدان، أو مَنْ في معناهما، وقولنا: مَنْ في معناهما احترازٌ من عقد الأبِ على ولديه (٣)، أو وَصِيٍّ على يتيمه. والثاني: معقودٌ به. والثالث: معقودٌ عليه. والرابع: العقدُ في نفسه. فأما المتعاقدان (٤)، فمن حقهما أن يكونا مطلَقَي اليد والاختيار، فقولنا: مطلقي اليد: احترازٌ ممن يُحْجَر عليه، وهم أربعة أصناف: أحدها: مَنْ يُحجر عليه لحقِّ نفسِه، وهو السفيه، ويدخل فيه المجنونُ، والصغيرُ، والعاقلُ البالغُ الذي لا يميز أمورَ (٥) دنياه. والثاني: مَنْ يُحجر عليه لحقِّ غيره ممن يملك (٦) أعيانَ ما في

стр. 2133

يديه (١)؛ كالسيد مع عبده. والثالث: مَنْ يُحجر عليه لمن يخاف أن يملك عينَ ما في يديه؛ كالمريض مع ورثته، وقد تُلحق (٢) به الزوجةُ مع زوجها، والمرتدُّ مع المسلمين. والرابع: مَنْ يُحجر عليه لحقِّ من يملك ما في ذمته؛ كالمِدْيانِ مع غرمائه، ولكن طرق (٣) الحجر تختلف (٤) مع هؤلاء، ونستقصي (٥) كلَّ فصل في موضعه إن شاء اللَّه تعالى. فالسفيهُ يُمنع من البيع رأسًا (٦)، وكذلك العبدُ إذا شاء سيدُه، وكذلك المرتدُّ والمِدْيانُ إذا ضُرب على أيديهما، والمريضُ والزوجةُ يمنعان إذا حابيا محاباةً تزيدُ على ثلثهما. وعندنا اختلافٌ في السفيه، إذا كان مهملًا، فقيل: تُمْضَى بِياعاتُه (٧)، وقيل: تُرَدُّ إن كان ظاهرَ السفه، وتُمضى إن كان خَفِيَّه (٨)،

стр. 2134

وكان (١) (٢) المحققون من شيوخنا يختارون الردَّ؛ لأن السفيهَ المحجور عليه يُرد بيعُه اتفاقًا (٣)، فكأن المحققين رأوا أن الردَّ من مقتضى السفهَ، فردوا أفعال المهمل. ورأى بعض أصحاب مالك الردَّ من مقتضى الحَجْر، فأجازوا أفعالَه إذ لا حَجْرَ عليه (٤)، والأصحُّ عند شيوخنا: أنه من مقتضى السفَه؛ لأن الحجر كان عن (٥) السفَه، ولم يكن السفَهُ عن (٦) الحجرُ، وإذا كان الحجرُ عن السفَه (٧)، ومن مقتضاه، وجب أن يكون الردُّ في السفيه المحجور عليه لأجل السفَه، لا لأجل الحَجْر. وكان شيخي ﵀ يقول: السفَهُ علَّة في ردِّ الأفعال؛ بدليل الاتفاق على ردِّ أفعال الصغير والمجنون، ومَنْ بلغَ سفيهًا، وإن لم يبلغ الخمسةَ والعشرين (٨) عامًا، فإن الاتفاق على ردِّ فعل هؤلاء، إذا كانوا في الحَجْر، وإذا ثبت رشدُ السفيه، وجبَ تسليمُ مالِه إليه، فدلَّ

стр. 2135

ذلك على أن (١) العلة وجودُ السفه، والعلةُ حيث ما وجدت، اقتضت (٢) حكمَها (٣)، هذا المعنى الذي كان يشير إليه. وكذلك اختلف المذهب في المحجور عليه إذا رَشَدَ، ولم يُفَكَّ الحجرُ عنه، هل تُمضى أفعاله؟ وهي عكس السفيه المهمل، والنظر عند شيخنا يقتضي جوازَ أفعاله؛ لوجود علة الجواز، وهي الرشدُ، وارتفاعُ علة الردِّ، وهي السفه، وهكذا أجرى الخلاف في المرتدِّ إذا باع قبل الحجرِ عليه؛ قياسًا على السفيه المهمل. والرشدُ عندنا المطلوب هاهنا: في تدبير الدنيا وإصلاحها، لا في إصلاح (٤) الدِّين، وقال بعض أصحابنا (٥): الرشدُ (٦) إصلاحُهما جميعًا، والأولُ أولى إذا كان الفاسقُ ممسكًا لمالِه، منمِّيًا له (٧)، لا يُتلفه في المعاصي؛ ولا أعظمُ فسقًا من الكافر وفسقُه لم يوجب ردَّ بِياعاته (٨)، إذا تحاكم إلينا، وقد باعَ على الصحة من مسلمٍ، وقد حدَّ

стр. 2136

رسولُ اللَّه ﷺ الزُّناة، وقطع السُّرَّاقَ (١)، وضرب شُرَّابَ الخمر، ولم يُنقل إلينا أنه ﷺ حجرَ عليهم، وهذا هو الأصحُّ؛ لهذا الذي قلناه، ولغيره. وأما قولنا: مطلَق الاختيار، فلأن المُكْرَهَ المقصورَ الاختيار لا يلزمه عقدُه؛ لأن اللَّه -تعالى- أباح إظهارَ كلمةِ الكفر للإكراه، فدلَّ على أن الإكراهَ يُصيِّر المكرَهَ كغير القاصد، ومن لا قصدَ له، لا يلزمُه بيعُه، وقد ألزمه المخالفُ طلاقَه وعتقَه، وهذا التعليل يردُّ قوله، ويرده -أيضًا- قولُه ﵊: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي (٢) الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ" (٣). وأما السكرانُ، فإن الحدود تلزمُه، وقد حكى بعض الناس الإجماعَ على أنه إذا قَتَلَ، قُتِلَ. وقال بعض الناس: فارق المجنونَ في ذلك؛ لأنه متعدٍّ في شربِ (٤) ما أزالَ عقلَه، ومكتسِبٌ لما أَدَّى إِلى ذلك، فكانت أفعالُه

стр. 2137

كأفعال المكتسبِ القاصدِ. وقال بعضُهم: فإنَّ رفعَ التكليف عن المجنون رخصةٌ وتخفيف، وهذا عاصٍ بشربه، والعاصي لا يترخَّص له (١)، وأما عقودُه، فإن كان طلاقًا، أو عتاقًا، فالمشهورُ عندنا: لزومه (٢)؛ لأن ذلك من ناحية الحدود، فأُلحق بها في الحكم، وقد رويت عندنا رواية شاذة في طلاقه: أنه لا يلزم (٣)؛ قياسًا على المجنون. وسلَّم بعضُ أصحابنا: أنه لو صُبَّ في حلقه الخمرُ حتى ذهب (٤) عقلُه: أن طلاقَه لا يلزم حينئذ؛ لأنه غير متعدٍّ في الشُّربِ. قلت: وهذا يفهمَ منه عدمُ النقل في مسألة المكرَه على الشرب (٥)، فهي منقولة (٦) فيما أظن، واللَّه أعلم. وأما بياعاتُه ففيها عندنا قولان: جمهورُ (٧) أصحابنا: على أنها لا تلزمُه؛ لأنه بسكره (٨) (٩) يقصر

стр. 2138

ميزُه في معرفته بالمصالح (١) عن (٢) السفيه، والسفيهُ لا يلزمه بيعُه، وإن كان يُقام الحدُّ عليه كما يُقام على السكران. وذهب بعضُ أصحابنا إلى أنه تلزمُه بياعاتُه، كما تلزمه الحدود، وأما هباته فتجرى على القولين (٣)، هذا حكمُ أحدِ الأركان، وهما المتعاقدان. وأما المعقودُ به، والمعقودُ عليه، فحكمهما واحد، وإنما تحسينُ التقسيم أدى إلى إفرادهما بالذكر، وإلا فكلُّ معقودٌ به، معقودٌ عليه، فيجب أن يُعلم: أن ما لا منفعةَ فيه أصلًا لا يجوز العقد به، ولا عليه؛ لأن ذلك يكون من أكل المال بالباطل، ولم يقصِدْ باذِلُ ما لا يُنتفع به إلى الهبة، فيجوز له، وهذا الذي لا منفعةَ فيه أصلًا لا يصحُّ ملكُه (٤)، إذا كان مما نهى الشرعُ عن تملُّكه (٥)؛ كالميتةِ، والدمِ، ولحمِ الخنزير، والخمرِ، إلا أن الخمرَ إذا أجزنا تَخْليلها، فقد سَهَّلَ في إمساكها للتخليل (٦) (٧) بعضُ أصحابنا.

стр. 2139

وأما ما فيه منفعةٌ مقصودة (١)، فلا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون سائرُ منافعه محرَّمَةً. والثاني: أن تكون سائرُ منافعه محلَّلَةً. والثالث: أن يكون بعضُها محللًا، وبعضها محرَّمًا. فإن كانت سائر منافعها (٢) محرمة، صار هو القسم الأول الذي لا منفعةَ فيه؛ كالخمر، والميتة. وإن كانت سائر منافعة محللة، جاز بيعه إجماعًا؛ كالثوب، والعبد، والعقار، والثمار، وغير ذلك من ضروب الأموال. وإن كانت منافعه مختلفة، فهذه المواضع المشكلات (٣) في الأفهام، ومزلَّة الأقدام، وفيه ترى العلماء يضطربون، وأنا أكشف عن سره (٤) -إن شاء اللَّه- ليهون (٥) عليك اختلافُهم فيه. فاعلمْ (٦): أنه قد تقدم لك أصلان: جوازُ البيع (٧) عند تحليل

стр. 2140

سائر المنافع، وتحريمُه عند تحريم جميعِها، فإذا اختلفت (١) عليك، فانظر: فإن كان جلُّ المنافع والمقصودُ منها محرمًا، حتى (٢) صار المحلَّلُ من المنافع كالمُطَّرَح، فإن البيع ممنوع، وواضحٌ إلحاقُ هذا بأحدِ الأصلين المتفق عليهما؛ لأن المطَّرَحَ من المنافع كالعدم؛ فإذا (٣) كان كالعدم، صار كأنَّ الجميع محرم. وإن كان الأمر بعكس ذلك، كان الحكم بعكسه، وهو أن يكون المقصودُ من المنافع وجُلُّها مباحًا، والمحرَّمُ مُطَّرَحًا في المقصود، فواضحٌ إِلحاقُ هذا بالأصل (٤) الثاني، وهو ما جُلُّ سائر منافعه محللة، وأشكل من هذا القسم: أن يكون فيه منفعةٌ محرمةٌ (٥) مقصودةٌ (٦) مرادةٌ (٧)، وسائرُ منافعه سواها محلَّلٌ مقصودٌ، فإن هذا ينبغي أن يُلحق بالقسم (٨) الممنوع؛ لأن كونَ هذهِ المنفعة المحرمة مقصودةً مؤذِنٌ (٩)
следующие страницы →