← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

رسولُ اللَّه ﷺ الزُّناة، وقطع السُّرَّاقَ (١)، وضرب شُرَّابَ الخمر، ولم يُنقل إلينا أنه ﷺ حجرَ عليهم، وهذا هو الأصحُّ؛ لهذا الذي قلناه، ولغيره. وأما قولنا: مطلَق الاختيار، فلأن المُكْرَهَ المقصورَ الاختيار لا يلزمه عقدُه؛ لأن اللَّه -تعالى- أباح إظهارَ كلمةِ الكفر للإكراه، فدلَّ على أن الإكراهَ يُصيِّر المكرَهَ كغير القاصد، ومن لا قصدَ له، لا يلزمُه بيعُه، وقد ألزمه المخالفُ طلاقَه وعتقَه، وهذا التعليل يردُّ قوله، ويرده -أيضًا- قولُه ﵊: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي (٢) الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ" (٣). وأما السكرانُ، فإن الحدود تلزمُه، وقد حكى بعض الناس الإجماعَ على أنه إذا قَتَلَ، قُتِلَ. وقال بعض الناس: فارق المجنونَ في ذلك؛ لأنه متعدٍّ في شربِ (٤) ما أزالَ عقلَه، ومكتسِبٌ لما أَدَّى إِلى ذلك، فكانت أفعالُه

стр. 2137

كأفعال المكتسبِ القاصدِ. وقال بعضُهم: فإنَّ رفعَ التكليف عن المجنون رخصةٌ وتخفيف، وهذا عاصٍ بشربه، والعاصي لا يترخَّص له (١)، وأما عقودُه، فإن كان طلاقًا، أو عتاقًا، فالمشهورُ عندنا: لزومه (٢)؛ لأن ذلك من ناحية الحدود، فأُلحق بها في الحكم، وقد رويت عندنا رواية شاذة في طلاقه: أنه لا يلزم (٣)؛ قياسًا على المجنون. وسلَّم بعضُ أصحابنا: أنه لو صُبَّ في حلقه الخمرُ حتى ذهب (٤) عقلُه: أن طلاقَه لا يلزم حينئذ؛ لأنه غير متعدٍّ في الشُّربِ. قلت: وهذا يفهمَ منه عدمُ النقل في مسألة المكرَه على الشرب (٥)، فهي منقولة (٦) فيما أظن، واللَّه أعلم. وأما بياعاتُه ففيها عندنا قولان: جمهورُ (٧) أصحابنا: على أنها لا تلزمُه؛ لأنه بسكره (٨) (٩) يقصر

стр. 2138

ميزُه في معرفته بالمصالح (١) عن (٢) السفيه، والسفيهُ لا يلزمه بيعُه، وإن كان يُقام الحدُّ عليه كما يُقام على السكران. وذهب بعضُ أصحابنا إلى أنه تلزمُه بياعاتُه، كما تلزمه الحدود، وأما هباته فتجرى على القولين (٣)، هذا حكمُ أحدِ الأركان، وهما المتعاقدان. وأما المعقودُ به، والمعقودُ عليه، فحكمهما واحد، وإنما تحسينُ التقسيم أدى إلى إفرادهما بالذكر، وإلا فكلُّ معقودٌ به، معقودٌ عليه، فيجب أن يُعلم: أن ما لا منفعةَ فيه أصلًا لا يجوز العقد به، ولا عليه؛ لأن ذلك يكون من أكل المال بالباطل، ولم يقصِدْ باذِلُ ما لا يُنتفع به إلى الهبة، فيجوز له، وهذا الذي لا منفعةَ فيه أصلًا لا يصحُّ ملكُه (٤)، إذا كان مما نهى الشرعُ عن تملُّكه (٥)؛ كالميتةِ، والدمِ، ولحمِ الخنزير، والخمرِ، إلا أن الخمرَ إذا أجزنا تَخْليلها، فقد سَهَّلَ في إمساكها للتخليل (٦) (٧) بعضُ أصحابنا.

стр. 2139

وأما ما فيه منفعةٌ مقصودة (١)، فلا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون سائرُ منافعه محرَّمَةً. والثاني: أن تكون سائرُ منافعه محلَّلَةً. والثالث: أن يكون بعضُها محللًا، وبعضها محرَّمًا. فإن كانت سائر منافعها (٢) محرمة، صار هو القسم الأول الذي لا منفعةَ فيه؛ كالخمر، والميتة. وإن كانت سائر منافعة محللة، جاز بيعه إجماعًا؛ كالثوب، والعبد، والعقار، والثمار، وغير ذلك من ضروب الأموال. وإن كانت منافعه مختلفة، فهذه المواضع المشكلات (٣) في الأفهام، ومزلَّة الأقدام، وفيه ترى العلماء يضطربون، وأنا أكشف عن سره (٤) -إن شاء اللَّه- ليهون (٥) عليك اختلافُهم فيه. فاعلمْ (٦): أنه قد تقدم لك أصلان: جوازُ البيع (٧) عند تحليل

стр. 2140

سائر المنافع، وتحريمُه عند تحريم جميعِها، فإذا اختلفت (١) عليك، فانظر: فإن كان جلُّ المنافع والمقصودُ منها محرمًا، حتى (٢) صار المحلَّلُ من المنافع كالمُطَّرَح، فإن البيع ممنوع، وواضحٌ إلحاقُ هذا بأحدِ الأصلين المتفق عليهما؛ لأن المطَّرَحَ من المنافع كالعدم؛ فإذا (٣) كان كالعدم، صار كأنَّ الجميع محرم. وإن كان الأمر بعكس ذلك، كان الحكم بعكسه، وهو أن يكون المقصودُ من المنافع وجُلُّها مباحًا، والمحرَّمُ مُطَّرَحًا في المقصود، فواضحٌ إِلحاقُ هذا بالأصل (٤) الثاني، وهو ما جُلُّ سائر منافعه محللة، وأشكل من هذا القسم: أن يكون فيه منفعةٌ محرمةٌ (٥) مقصودةٌ (٦) مرادةٌ (٧)، وسائرُ منافعه سواها محلَّلٌ مقصودٌ، فإن هذا ينبغي أن يُلحق بالقسم (٨) الممنوع؛ لأن كونَ هذهِ المنفعة المحرمة مقصودةً مؤذِنٌ (٩)

стр. 2141

بأن لها حصةً من الثمن، وأن العقد اشتمل عليها؛ كما اشتملَ على سائرِ المنافعِ سواها، وهو عقدٌ واحدٌ على سبيلٍ (١) واحدٍ (٢)، لا سبيلَ إلى تبعيضه، والتعاوضُ (٣) على المحرَّم منه ممنوعٌ، فمنع (٤) الكلّ؛ لاستحالةِ التمييزِ، وأنَّ الباقيَ من المنافع المباحةِ يصير ثمنُه مجهولًا، لو (٥) قُدِّرَ جواز انفراده بالتعاوض. وربما وقعَ في هذا النوع مسائلُ تُشكل على العالِم، فيلحظ (٦) المسألةَ بعين فكرته، فيرى المنفعةَ المحرَّمَة ملتبِسًا أمرُها، هل هي مقصودة، أم لا؟ ويرى ما سواها منافعَ مقصودةً محللةً، فيمتنع من التحريم؛ لأجل كونِ المقصودِ من المنافعِ محلَّلًا، ولا ينبسط لإطلاق الإباحة؛ لأجل الإشكال في تلك المنفعة المحرمة، هل هي مقصودة، أم لا؟ (٧) فيقف هاهنا المتورِّعُ، ويتساهل آخَرُ، فيقولُ بالكراهة، ولا يمنعُ ولا يحرِّمُ، ولكنه يكره لأجل الالتباس. فاحتفظ بهذا الأصل؛ فإنه من مُذْهَبَات العلم، ومن تمثَّلَه علمًا،

стр. 2142

هان عليه جميعُ مسائل الخلاف الواردة في هذا الباب، وأفتى على بصيرة في دين اللَّه. فيكفيك من أمثلة هذا الباب -على اتساعها (١) وكثرتها-: ما وقع لأصحابنا من الاختلاف (٢) في بيع كلب الصيد؛ فإنه من لم يَسمع فيه حديثًا بالنهي (٣) عن بيعه، واستعمل هذا الأصل خرج له حكمه، فيقول: في الكلبِ منافعُ كذا وكذا، ويعدِّدُ سائرَ منافعه، ثم ينظر: هل جميعُها محرَّم؟ فيمنعُ (٤) البيعَ، أو محلَّل (٥)؟ فيُجيز البيع، أو مختلفة (٦)؟ فينظر هل المقصودُ المحرَّمُ (٧) أو المحلَّلُ، ويجعل الحكمَ للغالب -على ما بسطناه-، أو يكون (٨) منفعة واحدة محرمة خاصة، وهي مقصودةٌ، فيمتنع -على ما بيناه-، أو يلتبس كونُها مقصودةً، فيقف، أو يكره -على ما بيناه-، والعرض على هذا الأصل هو سببُ اضطراب أصحابنا فيه.

стр. 2143

وكذلك بيعُ النجاسات ليزبِّلَ (١) بها النباتَ، ما وقع فيه في (٢) "المدونة"، وفي "الموَّازية"، [و] لابن القاسم، ولأشهب (٣)، على هذا الأصل يُعْرَض، ومنه يُعْرَف الحقُّ فيه. وقد نبه ﷺ بأحسن عبارة، وأقربِ اختصارٍ على هذا المعنى الذي بسطناه بقوله ﷺ في (٤) الخمر: "إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا" (٥)، ومن كلامه هذا اقتضبنا هذا الذي هو الأصلُ العظيم (٦)، وذلك أنه أشار إلى أن المنفعة المقصودة من الخمر هي الشربُ لا أكثر، فإذا حُرِّمت، حُرِّمت المعاوضة؛ لأن المشتري منعه الشرعُ من الانتفاع بها، فإذا بذلَ مالَه وهو مطيعٌ للشرع في أن لا ينتفعَ بها، فقد سَفِهَ وضلَّ رُشْدُه، وصار من أكل (٧) المال بالباطل. وهكذا -أيضًا- نبه ﵊ في الحديث الآخر (٨) الذي لعنَ فيه اليهودَ لما حُرِّمَ عليهم الشحمُ، جَمَلُوه، فباعوه، وأكلوا

стр. 2144

ثمنَه؛ لأن الشحمَ المقصودُ منه الأكل، فإذا حُرِّمَ، حُرِّمَ الثمنُ، فهذا من وضوحه كاد (١) يُلحق بالعقليات، ولهذا قال: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوها، فَبَاعُوهَا" (٢). وقد نبه ﷺ على (٣) القسم الآخر المشكِل؛ لأنه لما قيل له في شحم الميتة: يا رسول اللَّه! إنها يُطلى بها السفن، فأوردَ ما دلَّ على المنع من البيع، ولم يعذرْهم بذلك، ولا أباحَ البيعَ؛ لاعتلالهم له بحاجتهم إليه في بعض المنافع، هذا على طريقة مَنْ يجيز استعمالَ ذلك في مثلِ هذهِ المواضع، فتكون بعضُ (٤) المواضع محللة، ولكن المقصود الذي هو الأكلُ محرم، فلم يرخص في البيع لذلك (٥). ويُلحق بهذا المعنى (٦) بياعاتُ الغَرَر؛ لأنه قد لا يحصلُ النفع، فتصير (٧) المعاوضَةُ على غير منتفَع به، ويُلحق بالقسم الأول الذي هو المعاوضة على ما لا منفعةَ فيه أصلًا، وقد تقدَّم، ولكن ذلك يكون عدمُ المنفعة فيه تحقيقًا، وهذا يكون عدمُ المنفعة فيه تقديرًا وتجويزًا.

стр. 2145

أما العقد، فمن شروطه أَنْ يُخَلَّص عن المنهِيَّات كلِّها، وهي محصورة فيما تقدم، وفيما مثل منه مما (١) يرجع إلى أُصول أُخَرَ؛ كالنهيِ عن العقدِ عندَ صلاة الجُمُعَةِ، إلى غيرِ ذلكَ مما ننبه عليه -إن شاء اللَّه تعالى- في أحاديث هذا الكتاب (٢). انتهى كلامه رحمه اللَّه تعالى. فائدة: قال القاضي أبو بكر بنُ العربي ﵀: قال لنا القاضي الزنجاني ببيت (٣) المقدس: البيعُ والنكاحُ عَقْدان يتعلَّق بهما قوامُ عالمِ الإنس (٤)، وذلك أن اللَّه -تعالى- خَلَقَ الآدميَّ محتاجًا إلى الغذاءِ، مشتهيًا للنساءِ، وخلق له ما في الأرضِ جميعًا؛ كما (٥) أخبر (٦) في صادق كتابِهِ، ولم يتركه سُدًى فيتصرفُ في اقتضاء شهواته (٧)، ويستمتع بنفسه في اختياره؛ كما فعل بالبهائم؛ لأنه فَضَّلَه عليها بالعقل الذي جعلَه لأجله خليفةً في الأرض، ولتعارُضِ الشهوات والعقل، تَعَيَّنَ أن يكون هناك قانونٌ يَنْفصل به وجهُ المنازعة بين الأمرين،

стр. 2146

فتسترسل الشهوةُ بحكم الجِبِلَّة، ويقيدها القانون بُحكم الشريعة (١)، وجعلَ لكلِّ واحد من المكلَّفين اختصاصًا، يقال له: المِلْكُ بما يتهيأ به النفعُ، وجعل له شيئين: أحدهما: يُنْشِئُه ابتداءً، وهو الاصطيادُ، والاحتشاشُ، والاحتطابُ، والاقتطاعُ، على اختلاف وتفصيل. والثاني: نَقْلُه من يد إلى يد، وهو على وجهين: أحدهما: بغير عِوَض، وهو الهبة (٢). والثاني: بعِوَض، وهو البيعُ وما في معناه (٣). انتهى. عدنا إلى الكلام على الحديث. اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث بعدَ الاتفاق على العمل به. فذهب الشافعي، والثوري في أحد قوليه، والليثُ، والعنبريُّ، والأوزاعيُّ، وأهلُ الظاهر، وسُفيان بنُ عُيينةَ، وابنُ المبارك، وفقهاءُ أصحاب الحديث، (٤) وابنُ حبيب من أصحابنا: إلى الأخذ بظاهرِهِ، وأن (٥)

стр. 2147

المراد مِنهُ الافتراقُ بالأبدان، وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، والزهريِّ، وابنِ أبي ذئبٍ من المدنيين، وجماعةٍ من الصحابة والتابعين، وأن المتبايعين (١) إذا عقدا بينهما بالخيار ما داما في مجلسهما. وذهب مالك، وأبو حنيفة وصاحباه، والثوريُّ في رواية عنه، وربيعةُ، وروي (٢) عن النخعيِّ، وحُكي عن شُريح: إلى ترك العملِ بظاهره، وحملوا التفرقَ فيه على التفرُّق بالأقوال، وأنهما إذا عقدا البيع، لم يكن لأحدهما خيارٌ. و (٣) من هؤلاء من قال: هو على ظاهره، لكن على الندب والترغيب، لا على الوجوب. ع (٤): وهذا التأويل لا يساعده ظاهرُ الحديث، ويُبعده منه (٥). قلت: وهو كما قال: فإن الحديث نصُّ في إثبات خيار المجلس، والتأويلُ خلافُه، ولا حاجة بنا إلى التأويل إلا عندَ التعارض، ولم يجىء حديث آخرُ يُعارضه، فالأخذُ بالظاهر أو النصِّ أولى. وأما قول بعض أصحابنا: إنه مخالِفٌ للعملِ، فقال الإمام:

стр. 2148

لا يُعَوَّل عليه؛ لأن العملَ إذا لم يَرِدْ به عملُ الأمةِ بأسرِها، أو عَمَلُ مَنْ يجب الرجوعُ إلى عمله، فلا حجةَ فيه، لأن قُصارى (١) ما فيه أن يقول عالم لآخر (٢): اتركْ علمَك لعلمي، وهذا لا يلزم قبولُه إلا ممن تلزمُ (٣) طاعتُه في ذلك. قال: وكذلك حملُ هذا على الندبِ (٤) بعيدٌ؛ لأنه نصٌّ على إثبات الخيار في المجلس، من غير أن يذكر استقالة، ولا عَلَّق ذلك بشرط (٥) (٦) (٧). قلت: وقد استدلَّ أصحابُنا وموافقوهم بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فقال مالك، وأبو حنيفة: تمامُ التراضي: أن يُعقد البيعُ بالألسنةِ، فتنجزم العقدةُ (٨) بذلك، ويرتفع الخيار.

стр. 2149

وقال الشافعي: بل تمامُ التراضي وجزمُه بافتراق الأبدانِ بعدَ عقدِ البيع، أو بأن يقول أحدُهما لصاحبه: اخترْ، فيقولُ: (١) اخترتُ، وذلك بعد العقدة أيضًا، فيجزم حينئذ. احتجَّ أيضًا بعضُ أصحابنا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] فهذه فُرقةٌ بالقول؛ لأنها (٢) بالطلاق. وقالَ مَنِ احتجَ للشافعيِّ (٣): بل هي فرقة بالأبدانِ، بدليل تثنيةِ الضمير، والطلاقُ لا حظَّ للمرأةِ فيه (٤)، وإنما حظُّها في فرقةِ البدن الذي هو ثمرةُ الطلاق. وقال من (٥) احتج لمالك: إنما القصدُ في (٦) الحديثِ الإخبارُ عن وجوبِ ثبوتِ العقد في (٧) قوله: "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا" توطئة لذلك، وإن كانت التوطئة معلومة، فإنها تهيئ النفس لاستشعار ثبوت العقد ولزومه.

стр. 2150

استدلَّ (١) الشافعيُّ بقوله ﵊: "لَا يَسُمِ (٢) الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا يَبِعْ (٣) عَلَى بَيع أَخِيهِ" (٤)، فجعلهما (٥) مرتبتين (٦)؛ لأن حالة البيعين (٧) بعدَ العقد قبلَ التفرق تقتضي (٨) أن يفسده مفسدٌ بزيادة في السلعة، فيختار ربُّها (٩) حلَّ الصفقة الأولى، فنهى النبي ﷺ عن ذلك الإفساد. ألا ترى أنه ﵊ قال: "لا يَخْطُبِ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَّةِ أَخِيهِ" (١٠)، فهو (١١) في درجة لا يَسُمْ، ولم يقلْ: لا يَنْكِح على نكاح أخيه؛ لأنه درجة بعدَ عقد النكاح، لا تقتضي (١٢) تخييرًا بإجماع الأمة (١٣).

стр. 2151

قال من يحتج لمالك ﵀: قوله ﷺ : "لا يَسُمْ"، وَ"لَا يَبعْ" هي درجةٌ واحدةٌ، كلُّها قبلَ العقدِ، وقال: "لا يبعْ" (١) تجوزًا في لا يَسُمْ؛ إذ مآلُه إلى البيعِ، فهي جميعًا بمنزلة قوله: "لَا يَخْطُبْ"، والعقدُ جازمٌ فيهما (٢) جميعًا، واللَّه أعلم. قال الإمام: وأمثلُ ما وقع لأصحابنا في ذلك عندي (٣): اعتمادُهم على قوله ﷺ : "وَ (٤) لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ" (٥)؛ فإن الاستقالة فيما قالوه أظهرُ منها في الفسخ بالخبر الذي يقوله المخالف، وإنما يبقى النظرُ في طريق هذه الزيادة وثبوتها، ثم يُجمع بينَها وبين ما تقدم، ويُبنى بعضُها على بعض، أو يُستعمل الترجيحُ إن تعذَّرَ البناء، وجُهلت التواريخ، هذا هو الإنصاف (٦) والتحقيق في هذه المسألة (٧).

стр. 2152

قال: وقد يتعلق أصحابنا بحديث اختلافِ المتبايِعَيْنِ: أنهما حَكَمَ فيهما بالتحالف (١) والتفاسخ، ولم يفرقْ بين المجلس وغيره، فلو كان لهما الفسخُ، ما احتاجا إلى التحالف (٢)، ومحملُ هذا عند المخالف (٣) على التحالف في الثمن في بيع وجبَ واستقرَّ حتى لا يمكن فسخُه، وحديثُهم أخصُّ من هذا (٤)، فيكون بيانًا له، مع أن الغرض (٥) في حديث (٦) اختلاف المتبايعين تعليمُ حكمِ الاختلافِ في الثمن، والغرضُ في البيعتين (٧) بالخيار تعليمُ مواضعِ الخيار، وأخذُ الأحكام من المواضع المقصود فيها تعليمُها أَوْلى من أخذها (٨) مما لم يُقصد فيه ذلك (٩). ع: لا خفاءَ أن مقتضى قوله: "لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ" (١٠) ظاهرٌ في الوجوب على ما جاء في بعض الروايات،

стр. 2153

لكنَّ (١) تركَ معظمِ السلف، وأهلِ المدينة، ومَنْ روى الحديثَ وبلغَه (٢) العمل به، من أقوى ما يُتمسك به في أنه غير واجب، وهذا ابن عمر -وإن كان قد عملَ به- قد خالفَ مقتضى هذه الزيادة بما قد (٣) ذكره عنه مسلم بعدَ هذا، وبرجوعه القهقرى عند مبايعته لعثمان مخافةَ أن يَستقيله، ثم قال في حديثه ذلك: وكانت (٤) السنةُ يومئذٍ أن البيعين بالخيار ما لم يفترقا، فدل على أن السنة حين تحدث بهذا (٥)، لم تكن (٦) كذلك، ولا كان (٧) يعمل بها، ولو كان الأمر واجبًا، لأنكر هذا ابنُ عمر، ولو حُملت أولًا على الوجوب، لما تُركت (٨) (٩). قلت: وبالجملة: فالمسألة مستوعَبَة في كتبِ أصولِ (١٠) الفِقهِ، فلا حاجةَ إلى التطويلِ فيها هاهنا، غيرَ أن الذي عندي في المسأَلِةِ: أن ظواهر الأحاديثِ الصحيحةِ الثابتةِ مع الشافعية، وما تمسَّكَ (١١)

стр. 2154

به (١) المالكيةُ؛ من أن عملَ فقهاء المدينة على خلافها، فقد تقدَّم من قول الإمام المازري: أنه يُعَوَّل عليه على ما قرره، مع أن بعض فقهاء المدينة (٢) خالفَ في ذلك؛ كابن أبي ذئب، فأهلُ المدينة غيرُ متفقين على تركِ العملِ بظاهر (٣) الحديث، فلم يبق لأصحابنا في الحقيقة سوى التأويل، وهو -كما تقدم- إنما يكون عند التعارض المتساوي. وبالجملة: فاعتقادي في المسألة اعتقادُ الشافعية، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2155

الحديث الثاني ٢٤٩ - عَنْ حَكِيم بْنِ حِزَامٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفرَّقَا"، أَوْ قَالَ: "حَتَّى يَفْتَرِقَا، فَإِنْ صَدَقَا، وَبَيَّنَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا، وَكَذَبَا، مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا" (١).

стр. 2156

* التعريف: حَكِيمُ بنُ حِزَامِ: بنِ خُوَيْلِدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَيِّ بنِ كلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ (١) بنِ لؤيِّ بنِ غالبٍ، القرشيُّ، الأسديُّ. يكنى: أبا خالد، وهو ابنُ أخي خديجةَ بنتِ خويلدٍ زوجِ النبي ﷺ . ولد في جوف الكعبة، وذلك أن أمه كانت (٢) دخلتِ الكعبةَ في نسوة من قريش وهي حاملٌ، فضربها المخاض، فأُتيت بنَطْع، فولدت حكيمَ بن حزامٍ عليه، وكان من أشرف (٣) قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام. كان مولدُه قبل الفيل بثلاثَ عشرةَ سنة، أو اثنتي عشرة (٤)، على اختلاف في ذلك، وشهد بدرًا مشركًا، وكان إذا اجتهد في دعائه قال: والذي نجاني (٥) أن أكون قتيلًا يوم بدر (٦)!

стр. 2157

وتأخر إسلامه إلى (١) عام الفتح، وهو من مُسلمة (٢) الفتح هو وبنوه: عبدُ اللَّه، وخالدٌ، ويحيى، وهشام، وكلُّهم صَحِبَ النبيَّ ﷺ . وعاش حكيمُ بنُ حزامٍ مئةً وعشرين سنة؛ ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام. وتوفي بالمدينة في داره بها (٣) عند بلاط الفاكهة وزُقاقِ الصوَّاغين، في خلافة معاوية سنةَ أربعٍ وخمسين، وكان عاقلًا شريفًا، فاضلًا تقيًا (٤)، سيدًا غنيًا بماله. قال مصعبٌ: جاءَ الإسلامُ ودارُ الندوة بيدِ حكيمِ بنِ حزام، فباعَها بعدُ (٥) من معاويةَ ﵁ بمئة ألف درهم، فقال له (٦) الزبير: بعتَ مكرمةَ قريش، فقال حكيم: ذهبتِ المكارمُ إلا التقوى. وكان من المؤلَّفة قلوبُهم، وممن حَسُنَ إسلامُه منهم، أعتق في الجاهلية مئة رقبة، وحمل على مئة بعير، ثم أتى النبيَّ ﷺ بعد أن أسلم، فقال: يا رسول اللَّه! أرأيتَ (٧) أشياءَ كنتُ أفعلُها في الجاهلية أتحنَّث

стр. 2158

[بها]؛ أي: أتعبد (١)، ألي فيها أجرٌ؟ فقال (٢) رسول اللَّه ﷺ (٣): "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ" (٤)، وحج في الإسلام ومعه مئةُ بَدَنَةٍ قد جَلَّلها بالحِبَرَةِ، وكفَّها عن (٥) أعجازها، وأهداها، ووقف بمئة وصَيفٍ بعرفةَ في أعناقهم أطواقُ الفضة، منقوشٌ فيها: عُتَقاءُ اللَّه عن حكيمِ بنِ حزام، وأهدى ألفَ شاة. روي له عن رسول اللَّه ﷺ أربعون حديثًا، اتفقا منها على أربعة. روى عنه: سعيدُ بنُ المسيب، وعروة بن الزبير، وموسى بن طلحة بن عبد اللَّه. روى له الجماعة (٦) (٧).

стр. 2159

الكلام على الحديث كالكلام على الذي قبله، إلا ما فيه من الدلالة على ثبوت البركة للمتبايِعَين إذا صَدَقا وبَيَّنا، وكأن المرادَ بالتبيين هنا: تبيينُ عيبٍ إن كان بالسلعة، ونحو ذلك، وذلك (١) بالنسبة إلى كل واحد منهما: البائع، والمشتري. وقد قال أصحابنا: إنه يجب أن يذكر من أمر سلعته ما إذا ذكره (٢) للبائع قَلَّتْ (٣) رغبتُه فيها، والقصدُ: أن لا يَقدما (٤) في تبايعهما على غش ولا خديعة، فقد (٥) جاء: "مَنْ غَشّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا" (٦)؛ أي: ليس مُتَّبِعا لسُنَّتِنا، ولا مُهتديًا بهَدْينا، نسأل اللَّه تعالى العصمةَ في القول والعمل، إنه وليُّ ذلك، والقادرُ عليه. * * *

стр. 2160

باب ما نهي عنه من البيوع الحديث الأول ٢٥٠ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُنَابَذَةِ، وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالبَيعْ (١) إِلَى الرَّجُلِ -قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ أَوْ (٢) يَنْظُرَ إِلَيْهِ-، وَنَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ، وَالمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ (٣).

стр. 2161

(١) لا خلاف أن هذا النهي عن (٢) التحريم، وأن هاتين البيعتين ممنوعتان (٣)، وهما من بياعات (٤) الجاهلية. والمنابذة، قد فسرها المصنف. وقال القاضي عبد الوهاب: هو أن ينبذ أحدُهما ثوبَه إلى الآخر، وينبذ الآخرُ ثوبَه إليه، فيجب (٥) البيعُ بذلك، وكأن علةَ المنع الجهلُ بصفة المبيع، فكان كبيع الأعيان الغائبة. وأما الملامسة، فقد فسرها -أيضًا- المصنف. وقال غيره: هو أن يلمس الرجل الثوبَ، فيلزمه (٦) البيعُ بلمسه، وإن لم يتبينْه.

стр. 2162

وفسرها الشافعي: بأنْ يأتيَ بثوبٍ مطوِيٍّ، أو في ظُلمة، فيلمسه (١) الراغبُ، ويقول صاحبُ الثوب: بِعْتُك كذا بشرط أن يقوم لَمْسُكَ (٢) مقامَ النظرِ، وكأنه راجعٌ إلى الأول، واللَّه أعلم. وقيل غيرُ ذلك. وعلةُ المنع: الجهلُ بصفة المبيع. وأيضًا: فيه العدولُ عن الصيغة الموضوعة للبيع شرعًا، وتعليقُه بالشرط، وكأن هذا الحديث أصلٌ في منعِ بيعِ الأعيانِ الغائبة، إذا قلنا: إن علة المنع فيها الجهلُ بصفات المبيع، واللَّه أعلم (٣). * * *

стр. 2163

الحديث الثاني ٢٥١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَلَقَّوُا الرُّكبَانَ، وَلَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيع بَعْضٍ، وَلَا تناجَشُوا، وَلَا يَبِعْ (١) حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا، أَمْسكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا، رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمرٍ" (٢). وَفِي لَفْظٍ: "فَهُوَ بِالخِيَارِ ثَلَاثًا" (٣).

стр. 2164

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله ﵊: "لا تلقوا الركبان": الأصل: (١) تَتَلَقَّوا (٢)، فحذف (٣) إحدى التاءين تخفيفًا، وقد تقدم أن شرطَ الحذف

стр. 2165

في مثل هذا (١) تجانُسُ الحركتين. والرُّكْبان: جمعُ رَكْب (٢). قال الجوهري: الركب (٣) أصحابُ الإبلِ في السفرِ دونَ الدوابِّ، وهم العشرةُ فما فوقها (٤)، والجمعُ: أَرْكُب، والرَّكَبَةُ -بالتحريك- أقلُّ من الرَّكْب، والأُركوب -بالضم- أكثرُ من الركب، والرُّكبان: الجماعة منهم (٥). قلت: وراكبُ البعير يقال فيه: راكب، وراكبُ الفرس: فارس، واختلف أهلُ اللغة في راكب الحمار، هل يقال له: فارسٌ على حمار، أو لا يقال له (٦) إلا حَمَّار؟ وصورةُ التلَقِّي: أن يتلقى الرجلُ طائفةً يحملون متاعًا، فيشتريه (٧) منهم قبلَ أن يقدَموا (٨) الأسواقَ، ويتعرفوا (٩) سعرَه.

стр. 2166

قال الإمام أبو عبد اللَّه: والنهيُ عنه معقولُ المعنى، وهو ما يلحق الغيرَ من الضرر، ولكن ينقدح هاهنا في نفس المتأمل (١) معارضة، فيقول (٢): المفهومُ من منعِ (٣) بيعِ الحاضرِ للبادِي (٤): أن لا يستقصيَ (٥) البادي (٦)، وأن يوجدَ السبيل لغَيْيه، والمفهومُ من النهي عن التلقي: أن لا يُغْبَنَ البادي، بدليل قوله هنا (٧): فإذا أتى سيدُه السوقَ، فهو بالخيار، والانفصالُ عن هذا أنَّا كنا قد (٨) قدمنا أن الشرع في هذه المسألة وأخواتها مبني (٩) على مصلحة (١٠) الناس، والمصلحةُ تقتضي أن يُنظر للجماعة على الواحد، ولا تقتضي أن يُنظر للواحد على الواحدِ، ولما كانَ البادي إذا باع بنفسه، انتفع سائرُ (١١) أهلِ السوقِ، فاشترُوا ما يشترونه رخيصًا، وانتفع (١٢) به سائرُ سكانِ البلد، نُظِر لأهلِ البلدِ عليه، ولما كان إنما

стр. 2167

ينتفع بالرخيصِ المتلقِّي خاصة، وهو واحدٌ في قبالةِ الواحدِ الذي هو البادي، ولم يكن في إباحة المتلقى (١) مصلحة، لاسيما وتضاف (٢) إلى ذلك علَّة ثانية، وهي (٣) لحوقُ الضرر بأهل السوقِ في انفراد المتلقِّي عنهم بالرخيصِ، وقطعِ الموادِّ عنهم (٤)، وهم أكثرُ من المتلقِّي، فنظر لهم عليه، فعادت المسألة إلى المسألة الأولى، فصارا أصلًا واحدًا، وانقلب ما ظنَّه الظانُّ في هذا من التناقض بأن صارا (٥) مِثلين يؤكد (٦) بعضُهما بعضًا. وقد اختلف المذهبُ عندنا فيمن لم يَقْصِدِ التلقِّيَ، ولم يبرزْ إليه خارجَ المدينةِ، بل مَرَّ به (٧) على بابه بعضُ البُداة، هل يَشتري منه ما يحتاج إليه (٨) قبلَ وصوله إلى السوق؟ فقيل بالمنع؛ لعموم الحديث. وقيل: بالجواز؛ لأن هذا لم يقصِدِ الضررَ، ولا الاستبداد دونَ أهلِ السوق، فلم يمنع، وقد جُعل له في بعض هذه الطرق هاهنا الخيارُ

стр. 2168

إذا جاء السوق، ولم يفسخ البيع، لما كان النهي لحق الخلق، لا لحقِّ اللَّه سبحانه (١)، ومن لم تثبت (٢) عنده هذهِ الزيادةُ، ورأى أن النهيَ يدلُّ على فساد المنهيِّ عنه، فسخ البيع، قال: وفي ذلك اضطرابٌ في المذهب (٣). قلت: وانظر: إذا تلقى الركبانَ ليبيع منهم، لا ليشتريَ، هل يُشرع له ذلك، أم لا؟ (٤) ويلوح من هذا (٥) الحديث إثباتُ الخيارِ للمغبونِ؛ لأنه إذا ثبتَ أن النهيَ (٦) عن التلقِّي لكي لا يُغبنَ الجالبُ، لم يكن لإثباتِ الخيارِ له معنى إلا لأجلِ الغبن، و (٧) لأنه يرجو الزيادة في السوق (٨). ع: وخالف أبو حنيفة في هذا، فلم يأخذ بهذا الحديث، وأجاز التلقِّيَ، إلا أن يضرَّ بالناس، فيكره. وقال الأوزاعي مثلَه.

стр. 2169

واختُلف فيه إذا وقع، فعن مالك وبعضِ أصحابه: أنه ينهى، ولا ينتزع (١) منه، ورأى بعض أصحابنا (٢) فسخَ بيع المتلقِّي. والشافعي، وأحمد يَرَيان (٣) للباع الخيارَ، كما جاء في الحديث، ومال إليه بعضُ أصحابنا، والمشهور عن مالك وأكثرِ أصحابه: أن يعرض على أهل السوق، فإن لم يكن سوقٌ، فأهلُ المصر، يشترك فيها (٤) مَنْ شاء منهم. وقال الإِصطخري: إنما يكون البائع بالخيار إذا اشتُريت بأقلَّ من ثمنها (٥). قلت: وقال الخطابي: وهو قول قد يخرج على معاني الفقه (٦). وقال ح: إن كان الشراء بسعرِ البلد أو أكثرَ فوجهان: الأصحُّ: لا خيارَ له؛ لعدم الغبن. والثاني: ثبوتُه؛ لإطلاق الحديث (٧).

стр. 2170

ق: واذا قلنا بثبوت الخيار، فهل هو على الفور، أو يمتد إلى ثلاثة أيام؟ [فيه] خلافٌ للشافعية (١). ع (٢): واختُلف عندنا في حدِّ التلقِّي الممنوعِ، فعن مالك: كراهةُ ذلك على مسيرة يومين، وعن مالك تخفيفُه وإباحتُه على (٣) ستة أميال، ولا خلاف في منعه إذا كان قربَ المِصْرِ وأطرافه. وقال بعض المتأخرين: وكذلك يجوز تلقِّيها في أول السوق، لا في خارجه، وكذلك لو لم يكن للسلعة سوق، فشراؤها إذا دخلت البلدَ جائز، وإن لم تبلغْ أسواقَه (٤). انتهى. الثاني: قوله: ﵊: "وَلَا يَبِعْ (٥) بَعْضكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ": قال الإمام: معناه: لا يَسُمْ على سَوْمه، وقد صَرَّحَ بذلك في حديثٍ آخرَ من "كتاب مسلم" (٦). قلت: وقد فُسّرَ السَّومُ على السَّوم: بأن يأخذ شيئًا ليشتريَه، فيقول له إنسانٌ: رُدَّهُ لأبيعَ منك خيرًا منه وأرخصَ، أو يقول لصاحبه:

стр. 2171

اشتره (١) لأشتريَه منكَ بأكثرَ. قال الإمام: وعلَّته (٢) ما يؤدِّي إليه من الضرر، وقد كره بعض أهل العلم بيع المزايدة في الحِلَق؛ خوفًا من الوقوع في ذلك، وإن قلنا: إنه منع (٣) من ذلك مع (٤) التراكن إلى البيع، خرج بيعُ الحلقِ من ذلك (٥). ع (٦): معنى لا يَبعْ (٧) هاهنا (٨) لا يشتري، وأما بيعُه سلعتَه على بيعِ أخيه، فغيرُ منهيٍّ عنه (٩)، والأَوْلى أن يكون على ظاهره، وهو أن يعرض سلعتَه على المشتري برُخْصٍ ليزهِّدَه في شراءِ تلكَ السلعة التي ركن إليها أولًا من عند الآخر، فيشتمل عليه النهي، فيكون على ظاهره. والشراءُ والبيعُ ينطلق على المتبايِعَيْن معًا، واختُلف في هذا، أعني: فيما وقع من الخِطْبة على الخِطْبة، أو السومِ على السومِ بعدَ التراكُن، هل يُفسخ العقد، أم لا؟

стр. 2172

فذهب الشافعي، والكوفيون، وجماعة من العلماء: إلى إمضاء العَقْد، وأن النهيَ (١) ليس على الوجوب. وقال داود: هو على الوجوب، ويُفسخ. ولمالك قولان؛ كالمذهبين، وفي النكاح قول ثالث: الفسخ قبل البناء، والمُضِيُّ بعده، ولا خلاف أن فاعل ذلك عاصٍ (٢). ق: وتَصرَّفَ بعض الفقهاء في هذا النهي (٣)، وخَصَّصَه بما إذا لم يكن في الصورة غَبْنٌ فاحش، فإن [كان] المشتري مغبونًا غبنًا فاحشًا، فله أن يُعلمه ليفسخَ (٤) ويبيعَ منه بأرخصِ، وفي معناه: أن يكون البائع مغبونًا، فيدعوه إلى الفسخ، فيشتريه منه بأكثر (٥). الثالث: قوله ﵊: "ولا تَناجَشُوا": هو كما تقدَّم في "تَلَقَّوا" من حذف إحدى التاءَين، وهو تَفاعَلُوا؛ من النَّجْش، وأصلُ النجش؟ الاستئارةُ (٦)، ومنه نَجَشْتُ الصيدَ، أَنْجُشُهُ -بضم الجيم- نَجْشًا: إذا استثرته (٧)، سُمي الناجِشُ في السلعة (٨) ناجشًا؛ لأنه

стр. 2173

يثُير (١) الرغبةَ فيها ويرفع ثمنها (٢). وقال ابن قتيبة: أصلُ النَّجْش: الخَتْلُ، وهو الخِدَاعُ، ومنه قيل للصائِدِ ناجشٌ؛ لأنه يَخْتِلُ الصيدَ، ويحتال عليه، وكلُّ من استثارَ شيئًا فهو ناجِشٌ. وقال الهروي: قال أبو بكر: النَّجْشُ: المدحُ والإطراء (٣)، و (٤) على هذا معنى الحديث، وعلى هذا يكون معنى الحديث: لا يمدحَ أحدُكم السلعةَ، ويزيد في ثمنِها بلا رغبة، والصحيح الأول (٥). قال الإمام: وصفتُه عند الفقهاء: أن يزيدَ في السلعة ليغترَّ به غيرُه، لا ليشتريَها، فإن وقع ذلك، وعلم أن الناجش من قبل البائع، كان المشتري بالخيار بين أن يُمضي البيع، أو يَرُدَّه. وحكى القزوينيُّ عن مالكٍ: أن بيع النجشِ مفسوخٌ، واعتلَّ بأنه منهيٌّ عنه. قال: وهكذا اعتلَّ ابنُ الجَهْمِ لمَّا ردَّ على الشافعي، فقال (٦): الناجشُ عاصٍ، فكيف يكون مَنْ عصى اللَّه -تعالى- يتمُّ بيعُه، ولو

стр. 2174

صحَّ هذا، نفذ النكاحُ في الإحرام والعِدَّة (١). الرابع: قوله ﵊: "ولا يبعْ (٢) حاضرٌ لبادٍ": هذا محمول عند مالك على أهلِ العمودِ ممن لا يعرفُ الأسعارَ، وأما من يقرُب من المدينة، ويعرفُ الأسعارَ (٣)، فلا يدخلُ (٤) في ذلك. قال الإمام: واختُلف عندنا في الشراءِ هل يمتنع كما امتنع البيعُ له؟ فقيل: هو بخلاف البيع؛ لأنه إذا صار الثمنُ في يديه أشبهَ أهلَ الحضر فيما يشترونه، فيجوز أن يشتري له الحاضرُ، فإن وقعَ البيعُ على الصفَةِ التي نُهي عنها، ففي فَسْخِهِ خلاف (٥). ع: وفي المذهب عندنا (٦) قولٌ آخر: إنه على العموم التامِّ في كل بادٍ، وكلِّ طارِىء على بلدٍ، وإن كان من أهل الحضر (٧)، وهو قولُ أصبغَ، وكأنه تأول التشبيه (٨) بالبدوي على الطارئ والجاهل. ومفهومُ العلَّة في الحديث يقويه قولُه ﵊:

стр. 2175

"دَعِ النَّاسَ في غَفَلَاتِهِمْ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْض" (١). قال: وذهب أبو حنيفة، وعطاء، ومجاهد، ومن قال بقولهم: [إلى] أن الحديث غيرُ معمول به، وأن ذلك مباح، ثم اختلفوا في تأويل الحديث وعلَّة ردَّه، فقال بعضهم: إنما كان ذلك (٢) مخصوصًا بزمن النبي ﷺ ، وأما اليوم، فلا، وظاهرُ قولِ هؤلاء: أنه منسوخ. وقال آخرون: بل يردُّه حديث: النَّصِيحَةُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ (٣)، وإلى هذا أشار البخاري في "كتابه"، وإدخاله في الترجمة: "لا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ"، وقول النبي ﷺ : وَإِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَنْصحْهُ" (٤)؛ لإدخاله داخلَ الباب مع الحديث المذكور، وحديث: "النَّصِيحَةُ (٥) للَّهِ وَرَسُولهِ وَلِعَامَّةِ المُسْلِمِينَ" (٦).
следующие страницы →