← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

اشتره (١) لأشتريَه منكَ بأكثرَ. قال الإمام: وعلَّته (٢) ما يؤدِّي إليه من الضرر، وقد كره بعض أهل العلم بيع المزايدة في الحِلَق؛ خوفًا من الوقوع في ذلك، وإن قلنا: إنه منع (٣) من ذلك مع (٤) التراكن إلى البيع، خرج بيعُ الحلقِ من ذلك (٥). ع (٦): معنى لا يَبعْ (٧) هاهنا (٨) لا يشتري، وأما بيعُه سلعتَه على بيعِ أخيه، فغيرُ منهيٍّ عنه (٩)، والأَوْلى أن يكون على ظاهره، وهو أن يعرض سلعتَه على المشتري برُخْصٍ ليزهِّدَه في شراءِ تلكَ السلعة التي ركن إليها أولًا من عند الآخر، فيشتمل عليه النهي، فيكون على ظاهره. والشراءُ والبيعُ ينطلق على المتبايِعَيْن معًا، واختُلف في هذا، أعني: فيما وقع من الخِطْبة على الخِطْبة، أو السومِ على السومِ بعدَ التراكُن، هل يُفسخ العقد، أم لا؟

стр. 2172

فذهب الشافعي، والكوفيون، وجماعة من العلماء: إلى إمضاء العَقْد، وأن النهيَ (١) ليس على الوجوب. وقال داود: هو على الوجوب، ويُفسخ. ولمالك قولان؛ كالمذهبين، وفي النكاح قول ثالث: الفسخ قبل البناء، والمُضِيُّ بعده، ولا خلاف أن فاعل ذلك عاصٍ (٢). ق: وتَصرَّفَ بعض الفقهاء في هذا النهي (٣)، وخَصَّصَه بما إذا لم يكن في الصورة غَبْنٌ فاحش، فإن [كان] المشتري مغبونًا غبنًا فاحشًا، فله أن يُعلمه ليفسخَ (٤) ويبيعَ منه بأرخصِ، وفي معناه: أن يكون البائع مغبونًا، فيدعوه إلى الفسخ، فيشتريه منه بأكثر (٥). الثالث: قوله ﵊: "ولا تَناجَشُوا": هو كما تقدَّم في "تَلَقَّوا" من حذف إحدى التاءَين، وهو تَفاعَلُوا؛ من النَّجْش، وأصلُ النجش؟ الاستئارةُ (٦)، ومنه نَجَشْتُ الصيدَ، أَنْجُشُهُ -بضم الجيم- نَجْشًا: إذا استثرته (٧)، سُمي الناجِشُ في السلعة (٨) ناجشًا؛ لأنه

стр. 2173

يثُير (١) الرغبةَ فيها ويرفع ثمنها (٢). وقال ابن قتيبة: أصلُ النَّجْش: الخَتْلُ، وهو الخِدَاعُ، ومنه قيل للصائِدِ ناجشٌ؛ لأنه يَخْتِلُ الصيدَ، ويحتال عليه، وكلُّ من استثارَ شيئًا فهو ناجِشٌ. وقال الهروي: قال أبو بكر: النَّجْشُ: المدحُ والإطراء (٣)، و (٤) على هذا معنى الحديث، وعلى هذا يكون معنى الحديث: لا يمدحَ أحدُكم السلعةَ، ويزيد في ثمنِها بلا رغبة، والصحيح الأول (٥). قال الإمام: وصفتُه عند الفقهاء: أن يزيدَ في السلعة ليغترَّ به غيرُه، لا ليشتريَها، فإن وقع ذلك، وعلم أن الناجش من قبل البائع، كان المشتري بالخيار بين أن يُمضي البيع، أو يَرُدَّه. وحكى القزوينيُّ عن مالكٍ: أن بيع النجشِ مفسوخٌ، واعتلَّ بأنه منهيٌّ عنه. قال: وهكذا اعتلَّ ابنُ الجَهْمِ لمَّا ردَّ على الشافعي، فقال (٦): الناجشُ عاصٍ، فكيف يكون مَنْ عصى اللَّه -تعالى- يتمُّ بيعُه، ولو

стр. 2174

صحَّ هذا، نفذ النكاحُ في الإحرام والعِدَّة (١). الرابع: قوله ﵊: "ولا يبعْ (٢) حاضرٌ لبادٍ": هذا محمول عند مالك على أهلِ العمودِ ممن لا يعرفُ الأسعارَ، وأما من يقرُب من المدينة، ويعرفُ الأسعارَ (٣)، فلا يدخلُ (٤) في ذلك. قال الإمام: واختُلف عندنا في الشراءِ هل يمتنع كما امتنع البيعُ له؟ فقيل: هو بخلاف البيع؛ لأنه إذا صار الثمنُ في يديه أشبهَ أهلَ الحضر فيما يشترونه، فيجوز أن يشتري له الحاضرُ، فإن وقعَ البيعُ على الصفَةِ التي نُهي عنها، ففي فَسْخِهِ خلاف (٥). ع: وفي المذهب عندنا (٦) قولٌ آخر: إنه على العموم التامِّ في كل بادٍ، وكلِّ طارِىء على بلدٍ، وإن كان من أهل الحضر (٧)، وهو قولُ أصبغَ، وكأنه تأول التشبيه (٨) بالبدوي على الطارئ والجاهل. ومفهومُ العلَّة في الحديث يقويه قولُه ﵊:

стр. 2175

"دَعِ النَّاسَ في غَفَلَاتِهِمْ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْض" (١). قال: وذهب أبو حنيفة، وعطاء، ومجاهد، ومن قال بقولهم: [إلى] أن الحديث غيرُ معمول به، وأن ذلك مباح، ثم اختلفوا في تأويل الحديث وعلَّة ردَّه، فقال بعضهم: إنما كان ذلك (٢) مخصوصًا بزمن النبي ﷺ ، وأما اليوم، فلا، وظاهرُ قولِ هؤلاء: أنه منسوخ. وقال آخرون: بل يردُّه حديث: النَّصِيحَةُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ (٣)، وإلى هذا أشار البخاري في "كتابه"، وإدخاله في الترجمة: "لا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ"، وقول النبي ﷺ : وَإِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَنْصحْهُ" (٤)؛ لإدخاله داخلَ الباب مع الحديث المذكور، وحديث: "النَّصِيحَةُ (٥) للَّهِ وَرَسُولهِ وَلِعَامَّةِ المُسْلِمِينَ" (٦).

стр. 2176

وقيل: بل كان هذا النهيُ عن تربُّصِ الحاضرِ سلعةَ البادي، والزيادةِ في السوق إلى أن يبيعَها بسعرِ يومِئِذٍ (١)؛ لأن الباديَ غيرُ مقيم، فيبيع بسعرِ يومه، فيرتفق بذلك الناسُ، فإذا قال له الحضري: أنا أتربَّصُ لك بها، وأبيعُها لك، حرمَ الناسَ ذلكَ الرفقَ. وقيل: إنما ذلك في البلاد الضيقة التي يَستبين فيها الضررُ، وغلاءُ السعر إذا لم يبع الجالبُ متاعه، فأما البلادُ الواسعة التي لا تظهر (٢) في ذلك فيها، فلا بأسَ. وقيل: ذلك على الندب، ليس على الوجوب. ثم اختلف من أوجبه إذا وقع، فعند الشافعي، وابن وهب، وسحنون من أصحابنا: يُمضى، وعن ابن القاسم: يُفسخ ما لم يَفتْ (٣). قلت: وفيما إذا استشار البدويُّ البلديَّ (٤) في ادِّخاره وبيعِه على التدريج وجهانِ لأصحاب الشافعي. ق: واعلمْ: أن أكثر هذه الأحكام تدور بين اعتبار المعنى، واتِّباع معنى اللفظ، ولكن ينبغي أن يُنظر (٥) في المعنى إلى الظهور والخفاء،

стр. 2177

فحيثُ يظهر ظهورًا كثيرًا، فلا بأس باتباعه، وتخصيصِ النصِّ به، أو تعميمِه على قواعد القياسيين، وحيث يخفى، ولا يظهرُ ظهورًا قويًا (١)، فاتباعُ اللفظ أولى (٢). الخامس: قوله ﵊: "ولا تُصَرُّوا الغنَم": هو بضم التاء وفتح الصاد المهملة وبعد الراء واو وألف؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]. ع: وهو الصوابُ على مذهب العلماء كافةً في شرح المُصَرَّاة واشتقاقها. قال: وقد رويناه عن بعضهم في غير مسلم: "تَصُرُّوا الإِبِلَ" -بفتح التاء وضم الصاد-؛ من الصَّرِّ، وعن بعضهم: بضم الأول بغير واو بعد الراء، على ما لم يُسمَّ فاعلُه، من الصَّرِّ -أيضًا-، وهو الربط، على تفسير الشافعيِّ ومَن اتبعه (٣) (٤). قال الإمام: معناه: لا تجمعوا اللبنَ في ضَرْعِها حتى يعظُمَ، ومنه: صَرَيْتُ الماءَ في الحوض؛ أي: جمعتُه، والصراةُ: المياهُ المجتمعة (٥).

стр. 2178

قال الجوهري: وصَرى الماءَ في ظهره (١) زمانًا؛ أي: احْتَبَسَه، وصرى بولَه صَرْيًا؛ أي (٢): قطعه، وصَرَّيْتُ الشاةَ تَصْرِيَةً: إذا لم تحلُبْها أيامًا حتى يجتمعَ اللبنُ في ضرعها، والشاةُ مُصَرَّاةٌ (٣). قال الخطابي: اختلف أهل العلم في تفسير (٤) المُصَرَّاة، ومن أين أُخذت واشتُقَّت: فقال الشافعي: التصرية: أن تُربط أخلافُ الناقة أو الشاة، وتُترك من الحلب اليومين والثلاثة حتى يجتمعَ فيها لبن، فيراه مشتريها كثيرًا، فيزيد في ثمنها؛ لما يراه من كثرة لبنها، فإذا حلبها بعدَ تلك (٥) الحلبة حلبةً أو اثنتين، عرفَ أن ذلك ليس بلبنها، وهذا غررٌ للمشتري. قلت: إن كان هذا تفسيرًا للتصرية، فهو صحيح، وإن كان حدًّا، فحدُّه عند قوله: أو الثلاثة، والباقي ليس من الحدِّ في شيء، إنما هو تعليلٌ للتصرية، لا التصريةُ. وقال أبو عبيدة (٦): المُصَرَّاةُ: الناقة أو البقرة أو الشاة التي صُرِّيَ

стр. 2179

اللبنُ في ضَرْعها؛ يعني (١): حُقن فيه، وجُمع أيامًا، فلا يحلب، وأصلُ التصرية: حبسُ الماء وجمعُه، يقال منه: صَرَيْتُ الماءَ، ويقال: إنما سُميت المُصَرَّاة؛ لأنها مياهٌ اجتمعت. قال أبو عبيد: ولو كان من الربط، لكانَ مَصْرورَةً، أو مُصَرَّرَةً. قال الخطابي -كأنه يريد ردًّا على الشافعي-: وقولُ أبي عُبيد حسن، وقولُ الشافعي صحيحٌ، والعربُ تَصُرُّ ضُروعَ الحَلُوباتِ إذا أرسلَتْها تسرحُ، ويُسمون ذلك الرباطَ: الصِّرارَ، فإذا راحت، حُلَّتْ تلك الأَصِرَّةُ، وحُلبت. ومن هذا حديثُ أبي سعيد الخدري: "لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَحُلَّ صِرَارَ ناَقَةٍ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا؛ فَإِنَّهُ خَاتَمُ أَهْلِهَا عَلَيْهَا" (٢)، ومن هذا قول عنترة: العبدُ لا يُحسِن الكرَّ، إنما يُحسن الحَلْبَ والصَّرَّ. قال: ويحتمل أن تكون المُصَرَّاة: المُصَرَّرَة (٣)، أُبدلت إحدى الراءين ألفًا؛ كقولهم تَقَضَّى البازي، وأصلهُ: تَقَضَّضَ، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة، فأبدلوا حرفًا منها بحرف

стр. 2180

آخرَ من غير جنسها، قال العجاج: [الرجز] تَقَضِّيَ البَازِي إِذَا البَازِي كسر ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي: أَخْمَلَها بمنع الخير، وأصلُه: دَسَّسَها، ومثلُ هذا كثير في الكلام (١). وقد أجمعت (٢) الأمة -فيما علمت- على تحريم التصرية؛ لما اشتملت عليه من الغِشِّ والخديعة المحرَّمَين قطعًا في الشرع. قال الإمام: وهي أصلٌ (٣) في تحريم الغش -يعني: التصرية-، وفي الردِّ بالعيب. وقد كان شيخنا أبو محمد [بن] عبد الحميد ﵀ يجعلها أصلًا في أن النهي إذا [كان] لحقِّ الخلق، لا يوجب فسادَ البيع؛ لأن الأمَّةَ أجمعت على تحريمِ الغِش في البيعِ، ووقع النهيُ عنه (٤) هاهنا، ثم خَيَّره رسولُ اللَّه ﷺ بعدَ ذلكَ في أن يتماسَكَ بالبيعِ، والفاسِدُ لا يصحُّ التماسُكُ به (٥). وفي هذا الحديث: دلالة على أن التدليس محرم، ويوجب الخيار

стр. 2181

للمشتري، وإن كان بتحسين المبيع الذي يؤدي إلى الخدع والغرور، وأن الفعل يقوم مقام النطق في مثل (١) هذا؛ لأن قصارى ما فيه: أن المشتريَ رأى ضَرْعًا مملوْءًا، فقدَّرَ بأن ذلك من (٢) عادتها، فحلَّ ذلك محلَّ قول البائع: إن ذلك عادتُها، فجاء الأمرُ بخلافه، وصار البائع لما دلَّس كالقائل (٣) لذلك الحكم (٤) (٥). والحكمُ عندنا في الإبل والبقر حكمُ الغنم في التصرية، إذا كان المقصودُ منها اللبنَ. قال (٦) أصحابنا: وفي معنى التصرية تلطيخُ ثوبِ العبدِ بالمِداد؛ ليخيل بذلك أنه كاتب، وكذلك ما أشبهه من التغرير بالفعل (٧). ومن الشافعية من عدَّى التصريةَ (٨) إلى كل حيوانٍ مأكولِ اللحم، وكان هذا نظرٌ إلى المعنى؛ فإن المأكولَ اللحمِ يُقصد لبنُه.

стр. 2182

وكذلك عندهم خلافٌ (١) فيما إذا حَفَّلَ (٢) أتانًا؛ لأن المقصود منها تربيةُ الجحش. واختلفوا -أيضًا- في الجارية لو حَفَّلَها (٣). ق: وإذا ثبت الخيارُ في الأتان، فالظاهر أنه لا يَرُدُّ لأجل لبنها شيئًا، ومن هذا يتبينُ لكَ أن الأتَانَ لا تقاس على المنصوص عليه في الحديث -؛ أعني: الإبل والغنم-؛ لأن شرط القياس اتحادُ الحكم، فينبغي أن يكون إثباتُ الخيار فيها من القياس على قاعدة أخرى. وفي ردِّ شيء لأجل لبنِ الآدمية خلافٌ أيضًا (٤). فلو كان الضرعُ مملوءًا لحمًا، وظنه المشتري لبنًا، لم يثبت له بذلك خيارٌ (٥) عندنا. وبين الشافعية في ذلك خلافٌ، فمن نظر إلى المعنى، أثبتَ؛ إذ العيبُ مثبتٌ للخيار، وإن لم يدلِّسْ به البائع، ومن نظر إلى أن هذا الحكمَ خارجٌ عن القياس، خَصَّه بموردِهِ، وهو حالة العمد؛ إذ النهيُ إنما يتناول العمدَ خاصة. وقوله ﵊: "بعد أن يحلُبَها"، وإن كان مطلقًا،

стр. 2183

فقد تقيد في الرواية الأخرى بثلاثة أيام. وتحصيل المسألة عندنا: أن نقول: إن عَلِمَ المشتري بالتصرية قبلَ الحلبِ، كان له أن يودَّها قبلَ الحِلاب، وأن يمسكها ويحلبها، ثم يختبرها، وينظرُ كيفَ عادتها، ومقدار ما ينقص عن (١) التصرية، وكذلك (٢) لو لم يعلم بالتصرية إلا بعدَ الحلب، لكان (٣) له الخيارُ بين أن يردَّ، أو يُمْهَلَ حتى يحلبَ ثانيةً، ويعلمَ عادتَها، فإن احتلبها الثالثةَ، قال ابن المواز: ذلك رِضًا. وفي "الكتاب" من رأي ابن القاسم: أنه إذا جاء من ذلك ما يعرف أنه كان قد (٤) اختبرها قبلَ ذلك، فما حلبَ بعدَ ذلك فهو رضًا منه بالشاة، ولا يكون له ردُّها. وقال مالك في "كتاب محمد": له أن يود ولو حلب الثالثةَ، وهو مقتضى الحديث، ولأن التصرية لا تتحقق إلا بثلاث حلبات؛ فإن الحلبة الثانية إذا انفصلت (٥) عن الأولى، جوز المشتري أن يكون ذلك لاختلاف المرعى، أو لأمر غير التصرية، فإذا حلبها الثالثةَ (٦)، تحقق التصريةَ،

стр. 2184

وإذا كانت لفظة: (حلبها) مطلقة، فلا دلالةَ له فيها على الحلبة الثانية والثالثة، وإنما يؤخذ ذلك من حديث آخر، واللَّه أعلم (١). وقوله: ﵊: "وصاعًا من تمر"، وقد تقدَّم تفسيرُ الصَّاعِ في كتابِ الزكاةِ، والواو يجوز (٢) أن تكونَ عاطفةً للصَّاعِ على الضميرِ (٣) في (ردَّها)، ويجوزُ أن تكون واوَ (مع)، فعلى الأول: لا تقتضي فورية الصاع مع الرد، وعلى الثاني: تقتضيها -أعني: الفورية-، واللَّه أعلم. مسألة: اختُلف إذا كانت الغنم التي صُرَّتْ (٤) كثيرةً، هل يردُّ لجميعها صاعًا واحدًا، أو لكلِّ شاة صاعًا؟ قال الإمام: والأصوبُ: أن يكون حكمُ الكثير منها غيرَ حكم الواحد؛ لأنه من المستشنع (٥) في القولِ، على خلافِ مقتضى الأصولِ، أن يغرم متلفُ لبنِ ألفٍ شاة؛ كما يغرمُ متلفُ لبنِ شاةٍ واحدةٍ، وإن احتج علينا: بأنه ﵊ ساوى بين لبنِ الناقة، ولبنِ الشاة (٦)، مع كونِ لبنِ الناقةِ أكثر.

стр. 2185

قلنا: قد قال بعضُ أهلِ العلم: إنما ذلك؛ لأنه ﷺ أرادَ أن يكونَ ذلك حدًّا يُرْجَع إليه ليرتفعَ الخصام، ويزولَ النزاعُ (١) والتشاجُرُ، وقد كان ﷺ حريصًا على رفع التشاجُر عن أمتهِ، وهذا كما قضى في الجنين بالغُرَّة، ولم يفصل بين الذكر والأنثى (٢)، مع اختلافهما في الدِّياتِ؛ لأن هذه المواضع لما كان يتعذر ضبطُها عندَ البيناتِ، كثر التنازعُ فيها، فرفعه (٣) ﷺ بأن جعلَ القضاءَ في ذلك لواحد (٤). انتهى. فإن قلت: لم لا يكونُ جودةُ لبن الشَّاةِ- وإن قلَّ- مقابلًا لكثرةِ لبنِ الناقةِ، فيكونان كالمتساويين من حيث المعنى، ويكون هذا الجوابُ أسدَّ مما (٥) حكاه الإمام؛ لكونه غيرَ خارج عن الأصل، ولا مفتقرٍ إلى التعليل بقطع النزاع؛ بخلاف الأول؟ قلت: لو لم يعارضْه اختلافُ الإبل نفسِها في كثرة الحلب وقِلَّته، لكان كما قلتَ، ولا يخلو عندي من نظر. إذا ثبتَ هذا، فلتعلمْ: أن الحديثَ نصٌّ في رد الصاع مع الشاة، ويلزم منه عدمُ ردِّ اللبن؛ إذ لو أراد أن يردَّ اللبنَ بعينه عوضًا عن الصاعِ

стр. 2186

المأمورِ به، لم يكن له ذلك؛ لأن الصاع لم يجبْ لفواتِ اللبنِ، بل لما ذكرناه؛ بدليلِ أنه لم يضمن بالمثل، قاله ابن القاسم، ثم قال: ولو وافق البائعُ المشتريَ على ذلك، لم يصحَّ، إذ يدخلُه (١) بيعُ الطعامِ قبل قبضه. وقال سحنون: إذا ردَّهُ بعينه، فهو إقالةٌ، والإقالةُ في الطعامِ جائِزَةٌ. قلت: ولأن المعنى فيه قطعُ التنازع، وقد حصلَ. ثم إن الحديث يقتضي تعيينَ الثمن (٢)، وقد اختلفوا في ذلك، فقال القاضي أبو الوليد: روى ابن القاسم: أنه يكون من غالب قوت البلد، ووَجْهُهُ: أنه ورد في بعضِ ألفاظِ هذا الحديثِ في رواية ابن سيرين: "صَاعًا مِنْ طَعَامٍ"، فيُحمل تعيينُ صاعِ التمرِ (٣) في الرواية المشهورة على أنه كانَ غالبَ قوتِ ذلك البلد (٤). ومنهم من اقتصر على التمر ولابدَّ (٥)، مراعاة للفظ (٦) الحديث، واستصوبه بعضُ شيوخنا المحققين. ومنهم من عدَّاه (٧) إلى سائر الأقوات، وهذا ضعيف؛ لما جاء في

стр. 2187

الرواية الأخرى: "صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، لَا سَمْرَاءَ" (١) (٢)، وهو أيضًا (٣) يضعِّفُ اعتبارَ قوت البلد؛ لأن السمراء كانت (٤) غالبَ قوتِ أهل المدينة. ثم لتعلمْ: أن قدر الصاع متعين (٥)، فلا يُزاد عليه لكثرةِ اللبنِ وغزارته، ولا يُنقص منه لقلته ونزارته، ولا يُلتفت إلى غلائه ورخصه، بل قال بعض المتأخرين: بل إن كانت قيمتُه تساوي قيمةَ الشاة، أو تزيدُ عليها، فظاهرُ المذهب: أن عليه الإتيان به. واختُلف عندنا لو رضي التصريةَ، ثم رَدَّ بعيبٍ آخرَ غيرِها، فقال: محمد: لا يردُّ عوضَ ما حلب، ورأى قَصْرَ الحديث على ما ورد. وذكر عن أشهب: أنه يردُّ الصاعَ، ومال إليه بعضُ المتأخرين. السادس: قوله ﵊: "وهو بخيرِ النَّظَرَين بعد أن يحلُبها": إن قلت: كيف خَصَّ ﵊ الخيارَ ببعدِيَّةِ الحلبِ، والخيارُ ثابتٌ قبلَه (٦)، إذا عُلمت التصرية؟ قلت: كأن الحديث خرجَ مخرجَ الغالب، وذلك أن الغالبَ توقُّفُ

стр. 2188

العلم بالتصرية على الحلب، والنادرُ أن يعلمه ربُّها بالتصرية قبلَ أن يحلبها؛ إذ لا غرضَ له في ذلك؛ إذ هو قاصد للتدليس، فإن وقع هذا النادر بإخبار البائع، أو بقرينةٍ ما، كان ذلك مردودًا إلى قاعدة الردِّ بالعيب، واللَّه أعلم. السابع: قوله: ﵊: "فَهُو بالخيارِ ثلاثًا" دليلٌ على ما تقدَّمَ من أن الحلبةَ الثالثةَ لا تقطع الردَّ، وهو قول مالك، وظاهرُ "المدونة" على ما تقدم؛ لكن مالكًا لم يأخذ بثلاثة أيام (١)؛ إذ لم تكن في روايته، لكن في (٢) معناها ثلاثُ الحلبات (٣) -على ما تقدم تقريره-، وجعل المخالفون هذا أصلًا في ضرب أَجَل الخيار، وأنه لا زيادة فيه على ثلاثة أيام، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي. وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن: قليلُ الخيار وكثيرُه جائز، ومالك لا يرى للخيار أجلًا محدودًا، لا يُتَعَدَّى، بل قدرَ ما يختبر فيه المشتري، ويختلف ذلك باختلافه، فليس اختيار الثوب؛ كاختيار العبد، وسكنى الدار. وبيعُ الخيار عندنا جائز، ضربَ له أَجَلًا، أم لا، ويضربُ الحاكمُ للبيع من الأجل قدرَ ما يختبر فيه مثلَه؛ خلافًا لأبي حنيفة، والشافعي،

стр. 2189

في إبطاله (١) إذا لم يُضرب له أجلٌ، وهو رخصة خارجة عن الأصل؛ للضرورة الداعية للبحث عن المشترى، وتقصِّي (٢) معرفته، وأخذِ رأي من يريد (٣) مشورته فيه (٤). الثامن: لم يقل أبو حنيفة بهذا الحديث، وقال: هو منسوخ. وروي عن مالك قولٌ بعدم القول به، وقال: ليس بالموطأ، ولا الثابت -يريد: العملَ به-، ورأى أن الأصول تخالفه من وجوه: الأول: أن الأصل في ضمان المِثْلِيَّات: ضمانُها بالمثل، وفي المتقومات (٥): ضمانُها بالقيمة من النقدين، وهاهنا إن كان اللبن مثليًا، فالمثل -وإن كان متقومًا- فالقيمة من النقدين، وقد وقع هاهنا (٦) مضمونًا بالثمن، فهو خارج عن الأصلين جميعًا. وأجيب عنه بأن قيل: لا نسلِّم أن جميع الأصول تقتضي الضمانَ بأحد الأمرين، كما قلتم، بدليل أن الحرَّ يضمَّن بالإبل، وليست بمثلٍ، ولا قيمةٍ، والجنين يُضَمَّن بالغُرَّة، وليست بمثلٍ، ولا قيمةٍ، وأيضًا: قد

стр. 2190

يُضَمَّنُ المثليُّ بالقيمة إذا تَعَذَّرَتِ المماثلةُ، وهاهنا تعذرَتْ (١). أما الأول: فمن أتلف شاةً لبونًا (٢)، كان عليه قيمتُها مع اللبن، ولا يجعل (٣) بإزاء لبنِها لبنٌ آخرُ؛ لتعذر المماثلة. وأما الثاني: وهو تعذُّرُ المماثلة هاهنا، فلأن ما يردُّه من اللبن عوضًا عن (٤) اللَّبَنِ التالِفِ، لو جازَ، لتحقق مماثلتُه له في المقدار، ويجوزُ أن يكونَ أكثرَ من اللَّبَنِ الموجودِ حالةَ العقد، أو أقلَّ. الاعتراض الثاني: أن القواعد الكلية تقتضي أن يكون المضمونُ مقدَّرَ الضَّمان (٥) بقدر التالفِ، وذلك مختلفٌ، [فقدر الضمان مختلف] لكنه قُدِّر هاهنا بمقدار واحد، وهو الصاعُ مطلقًا، فخرج عن القياس الكلي في اختلاف ضمانِ المتلَفات، باختلاف قدرِها وصفتها. وأجيب عنه: بأن بعض الأصول لا تتقدر (٦) بما ذكرتموه؛ كالموضِحَة؛ فإن أَرْشَها مقدَّرٌ مع اختلافها بالكِبَرِ والصِّغر، والجنين (٧) مقدَّرٌ أَرْشُه، ولا يختلف بالذكورة والأنوثة واختلاف الصفات، والحرُّ

стр. 2191

ديتهُ مقدرة، وإن اختلفت (١) بالصغرِ والكِبَرِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ، والحكمة فيه: أن ما يقع فيه التنازعُ والتشاجرُ يُقْصَدُ قطعُ النزاعِ فيه بتقديرهِ بشيءٍ معلومٍ، وتُقَدَّمُ هذه المصلحةُ في مثل هذا المكانِ على تلكَ القاعدةِ؛ لما ذكر (٢). الاعتراض الثالث: أن اللبن التالفَ إن كان موجودًا عندَ العقد، فقد ذهب جزءٌ من المعقود عليه من أصل الخِلْقَة، وذلك مانعٌ من الردِّ؛ كما لو ذهب بعضُ أعضاء المبيع، ثم ظهر على عيب، فإنه يمتنع الردُّ، وإن كان هذا اللبن حادثًا بعدَ الشراءِ، فقد حدث على ملك المشتري، فلا يضمنه، وإن كان مختلطًا، فما كان فيه موجودًا عند العقد (٣)، منع الردّ، وما كان حادثًا، لم يجب ضمانُه. وأجيبَ عنه بأن قيل: متى يمتنع الردُّ بالنقص إذا كان النقصُ لاستعلام العيب، أو (٤) إذا لم يكن؟ الأولُ ممنوع، والثاني مُسَلَّمٌ، وهذا النقص لاستعلام العيب، فلا يمنع الرد. الاعتراض الرابع: إثباتُ الخيار ثلاثًا مخالفٌ للأصول؛ فإن الخياراتِ الثابتةَ بأصل الشرع من غير شرط لا تتقدَّرُ بالثلاث (٥)؛ كخيار

стр. 2192

العيب، وخيار الرؤية عند مَنْ يثبته، وخيارِ المجلس عند من يقول به (١). وأجيب عنه بأن قيل: إنما يكون الشيء مخالفًا لغيره إذا كان مماثِلًا له، وخولف في حكمه، وهاهنا هذه الصورةُ انفردتْ عن غيرها؛ بأن الغالبَ أن هذه المدةَ هي التي يتبين بها لبنُ الحلبة المجتمعُ (٢) بأصلِ الخلقة، واللبنُ المجتمع بالتدليس، وهي (٣) مدةٌ يتوقف العيبُ (٤) عليها غالبًا؛ بخلاف خيار الرؤية، والعيب؛ فإنه يحصُل من غير هذه المدة فيهما، وخيارُ المجلس ليس لاستعلام عيب. الاعتراض الخامس: يلزم من القول بظاهره الجمعُ بين الثمن والمثمَّن للبائع في بعض الصور (٥)، وهو ما إذا كانت قيمةُ الشاة صاعًا من تمر، فإنه يرجعُ إليه مع الصاع الذي هو مقدار ثمنها. وأجيب عنه: بأن الخبر وارد على العادةُ، والعادة أَلَّا تُباع شاةٌ بصاع. ق: وفي هذا ضعف. وقيل: بأنَّ (٦) صاعَ التمر بدلٌ على اللبن، لا عن الشاة، فلا يلزم

стр. 2193

الجمعُ بين العِوض والمعوِّض. قلت: وفيه نظر. الاعتراض السادس: أنه مخالف لقاعدة الربا في بعضِ الصور، وهو ما إذا اشترى شاة بصاع، فإذا استردَّ معها صاعًا من تمرٍ، فقد استرجعَ الصاع، الذي هو الثمنُ، فيكون قد باعَ صاعًا وشاةً بصاعٍ، وذلك خلافُ قاعدة الربا عندَكم، فإنكم تمنعون (١) مثلَ ذلك. وأجيب عنه بأن قيل: إن الربا إنما يعتبر في العقود، لا في الفسوخ؛ بدليل أنهما لو تبايعا ذهبًا بفضة، لم يجز أن يفترقا قبل القبض، ولو تقايلا في هذا العقد، لجاز أن يفترقا قبل القبض. الاعتراض السابع: قالوا: إذا كان اللبن باقيًا، لم يكلف بردِّه (٢) عندكم، فإذا (٣) أمسكَهُ، فالحكم كما لو تلف، فيرد الصاع، وفي ذلك ضمانُ الأعيان مع بقائها، والأعيانُ لا تضمن بالبدل إلا مع فواتها؛ كالمغصوبِ وسائرِ المضمونات. وأجيب عنه: بأن اللبن الذي كان في الضَّرع حالَ العقد يتعذَّر ردُّه؛ لاختلاطه باللبن الحادثِ بعدَ العقد، وأحدُهما للبائع، والآخرُ للمشتري، وتعذُّرُ الردِّ لا يمنع من الضمان مع بقاء العين؛ كما لو

стр. 2194

غصب عبدًا، فأَبَق، فإنه يضمن قيمتَه مع بقاء عينه؛ لتعذُّر الردِّ. الاعتراض الثامن: قال بعضُهم: إنه (١) ثبت الردُّ من غير عيب ولا شرط؛ لأن نقصان اللبن لو كان عيبًا، لثبت به الردُّ من غير تصرية، ولا يثبت الردُّ في الشرع إلا بعيبٍ أو شرط. وأجيب عنه: بأن الخيار ثبتَ بالتدليس؛ كما لو باع رحًى دائرةً بماء قد جمعَه لها، ولم يعلمْ به (٢). قلت: بل أقولُ: إن هاهنا شرطًا معنويًا، والشرط كما يكون لفظيًا يكون معنويًا (٣)، وذلك أن المشتريَ رأى ضَرْعًا مملوءًا، فظن أن ذلك عادتُها (٤)، وكأنه اشترط له ذلك من حيث المعنى، فجاء الأمرُ بخلافه، فوجب الردُّ لفقدان الشرط المعنوي، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2195

الحديث الثالث ٢٥٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ نهَى عَنْ بَيْع حَبَلِ الحَبَلَةِ؛ وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايعُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ؛ كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا (١).

стр. 2196

قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الشَّارِفَ -وَهِيَ الكَبِيرَةُ المُسِنَّةُ- بِنتَاجِ الْجَنِينِ الَّذِي فِي بَطْنِ نَاقَتِهِ. * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: حَبَل الحَبَلَة -بفتح الباء الموحدة- فيهما لا غيرُ. وما حكاه ع عن بعضهم: أنه أسكنَ الباءَ في حبل، فغلط من المحكيِّ عنه، بل الصوابُ الفتح ليس إلَّا. قالوا: والحبلة هنا: جمع حابِل؛ ككاتِب وكَتَبَة، وقاتِل وقَتَلَة. قال الأخفش: يقال: حَبِلَتِ المرأةُ فهي حابِلٌ، والجمعُ: نسوةٌ حَبَلَةٌ. وقال ابن الأعرابي وغيرُه: الهاء في (حبلة) للمبالغة (١). ولا خلاف بين أهل اللغة أن الحبل من خصائص الآدميات، ويقال

стр. 2197

فيهن: الحَمْلُ أيضًا، ولا يقال في غيرهن: الحبلُ، فالآدمياتُ تختص وتشارك، ويقال: حَمَلَت المرأةُ ولدًا، وحَبِلَت بولدٍ، وحَمَلَتِ الشاةُ سخلةً، ولا يقال: حَبِلَتْ. قال أبو عبيد: لا يُقال لشيء من الحيوان: حَبِل، إلا ما جاءَ في هذا (١) الحديث. وأما تفسير حَبَل الحَبَلة، فقال جماعة: هو البيعُ بثمنٍ مؤجَّلٍ إلى أن تَلِدَ الناقةُ، ويلدَ ولدُها، وبذلك فسره ابنُ عمر فيما رواه مسلم، وبه قال مالك، والشافعي، ومن تابعهم. وقال آخرون: هو بيعُ ولدِ ولدِ الناقةِ الحابلِ في الحال، وهذا تفسير أبي عبيدة مَعْمَرِ بنِ المثنى، وصاحبِه أبي عبيدٍ القاسمِ (٢) بنِ سَلَّام، وآخرين من أهل اللغة، وبه قال أحمدُ، وإسحاق. ح: وهذا أقربُ إلى اللغة، لكن (٣) الراوي هو ابنُ عمر، و (٤) قد فسره بالتفسير الأول، وهو أعرفُ (٥)، ومذهبُ الشافعي ومحققي الأصوليين أن تفسير الراوي مقدَّم (٦) إذا لم يخالف الظاهرَ.

стр. 2198

وهذا البيعُ باطل على التفسيرين: أما الأول: فلأنه (١) يقع بثمن مجهول، والأجلُ يأخذ قسطًا من الثمن. وأما الثاني: فلأنه بيعُ معدومٍ ومجهولٍ، وغيرِ مملوك للبائعِ، وغيرِ مقدورٍ على تسلِيمِهِ (٢). قال الإمام: ويصير هذا أصلًا في النهي عن البيع بثمن إلى أجَلٍ مجهول (٣)، وقد اختلف المذهبُ عندنا في مسائل: كالبيع إلى العطاءِ، وهو خلافٌ في حال، لا خلاف في فقه، فمن أجاز البيع إلى العطاءِ، رآه معلومًا في العادة، ومن أباه، رآه يختلف في العادة. والتأويل الثاني: أن يكون المراد: بيعَ نتاجِ نتاجِ الناقة، فيكون ذلك جَهْلًا بالمبيع وصفته، وفيه أيضًا: الجهالةُ بزمن تسليمه، وكلُّ ذلك ممنوع (٤). الثاني: الجزورُ من الإبل يقع على الذكر والأنثى، وهي تؤنث، والجمع الجُزُر، قاله الجوهري (٥) (٦). الثالث: النتاج: الولادة، يقال: نتُجَتِ الناقةُ؛ على ما لم يُسم

стр. 2199

فاعله، تُنْتَجُ نِتاجًا، وقد نتَجَها أهلُها نَتْجًا، وأَنْتَجَتِ الفرسُ: إذا حانَ نتَاجُها، وقال يعقوب: إذا استبانَ حملُها، وكذلك الناقة، فهي نتَوج، ولا يقال: منتج (١)، وأتت الناقةُ على مَنْتِجِها؛ أي: الوقتِ الذي تُنْتَج فيه، وهو مَفْعِلٌ -بكسر العين-، ويقال للشاتين إذا كانتا سِنًّا واحدة (٢): نتَيجة، وغنمُ فلانٍ نتائجُ؛ أي (٣): في سن واحدة، قاله الجوهري أيضًا (٤). * * *

стр. 2200

الحديث الرابع ٢٥٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى عَنْ ذَلِكَ (١) البَائِعَ وَالمُشْتَرِيَ (٢).

стр. 2201

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: اختُلف في هذا النهي، هل هو على التحريم، أو على الكراهة؟ والأكثرون: على التحريم، لكن الفقهاء أخرجوا من هذا العموم بيعَها بشرطِ القطع؛ اعتبارًا للمعنى الذي لأجلِه نهي عن بيعها قبلَ بُدُوِّ صلاحها؛ فإنها قبل ذلك مُعَرَّضة للآفات والعاهات، فإذا بدا صلاحُها، أمنت الآفة (١) فيها غالبا، وقَلَّ غَرَرُها، وكَثُرَ الانتفاعُ بها؛ لأكلِ الناس إياها رُطَبًا، فلا يقصدون بشرائها الغَرَرَ، فإذا اشتُريت على القطع، لم يكن بذلك بأس؛ لزوال الغَرَر بالقطع.

стр. 2202

واختلفوا إذا باعها مطلقًا (١) من غير اشتراطِ قطعٍ، ولا إبقاءٍ (٢)، فمنع ذلك مالكٌ، والشافعي، ودليلُهما ظاهر الحديث؛ فإنه إذا خرج من عمومه جوازُ البيع على القطع، دخل باقي صور البيع تحت النهي (٣)، ومن جملة صور البيع: البيعُ على الإطلاق، أعني: من غير اشتراط قطعٍ ولا إبقاءٍ. و (٤) قال ابن القاسم: إن جذَّها (٥) مكانَه، فالبيعُ جائز. وقال ابن القصار: البيعُ فاسد حتى يشترط الجذاذ، وبه قال القاضي عبد الوهاب، والأبهري. قال اللخمي: وقولُ (٦) ابن القاسم أحسنُ عند عدم الفائدة (٧)، لأنَّ محل (٨) البياعات على التقابض (٩) في الثمن (١٠) والمثمن (١١).

стр. 2203

وقال ابن الجلاب: فإن شرطَ قطعَها، فبقَّاها (١) مشتريها، ضمنَ مكيلتَها (٢) إن كانت معلومة، أو قيمتَها إن كانت مجهولة (٣)، وإنما قال ذلك؛ لأنهما يتَّهمان أن يكونا دخلا على التبقية، ومالك ﵀ ينظر لفعلهما، لا إلى قولهما، والمسألةُ مستوعبةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. الثاني: قوله: "حتى يبدوَ صلاحُها"؛ أي: يظهر، وهو غير مهموز، يقال: بدا: إذا ظهرَ -من غير همز-، وبدأ في الشيء: إذا شرع فيه، بالهمز (٤). ح: ومما ينبغي أن ينبه عليه: أنه (٥) يقعُ في كثيرٍ من كُتُبِ المحدثين وغيرهم: حتى يبدوا -بالألف- في الخط، وهو خطأ، والصوابُ حذفها في مثل هذا للناصب، وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصبٌ؛ مثل زيدٌ يبدو، والاختيارُ حذفُها أيضًا، ويقع مثله في: حتى تزهو، وصوابُه حذفُ الألف كما ذكرناه (٦). قلت: تخصيصُه بـ: يبدو ويزهو بمفردهما عجيبٌ؛ فإن ذلك يقع كثيرًا في غيرهما في كتب المحدثين وغيرِهم (٧)، نحو: يغزو،

стр. 2204

ويلهو، ويدعو، وأشباهها (١). وقوله: والصوابُ حذفُها للناصب، أعجبُ وأغربُ من الذي قبلَه؛ إذ ليس في العربية ألف يحذفها الناصب، وإنما يحذف الناصبُ النونَ، من الأمثلةِ الخمسةِ لا غيرُ. ثم إن (٢) قوله: والصوابُ حذفُها للناصب، هذا (٣) يُشعر بأنها كانت موجودة قبلَ دخول الناصب، وليس الأمرُ كذلك قطعًا. وقوله: إن إثباتها (٤) في ذلك خطأ، ليس متفقًا عليه، بل أجاز الكسائي لحاقَ هذه الألف في حالِ النصب؛ فرقًا بين الاتصال (٥) والانفصال. قال ابن عصفور: فيكتب عنده: لن يغزوَا زيدٌ عمرًا -بألف بعد الواو-، ولن يغزوك -بغير ألف-؛ لانفصال الفعل من الظاهر في المسألة الأولى، واتصاله بالضمير في المسألة الثانية؛ كما كتبوا (٦): ضربوا زيدًا -بألف بعد الواو-، ولم يثبتوا الألف في ضربوك، فكان اللائق أن يقول: لا يجوزُ إثباتُها عند الجمهور، أو نحو ذلك مما يُشعر بالخلاف، وإلا،

стр. 2205

أوهمَ كلامهُ عدمَه، لاسيما على اصطلاحه (١) في تصحيح التنبيه (٢). وقوله: و (٣) إنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصبٌ، ليس كذلك؛ لما تقدَّم آنفًا (٤) من خلاف الكسائي ﵀ ومَنْ قال بقوله، فكان عدمُ هذا التنبيه خيرًا من وجوده، فلتعلمْ (٥) ذلك، وباللَّه التوفيق (٦). الثالث: قوله: "نهى البائعَ والمشتريَ" تأكيدٌ للمنع، وإيذانٌ بأن المنعَ -وإن كان احتياطًا لحق الإنسان-، فليس له تركُه مع ارتكاب النهي، فيقول: أسقطتُ حقي من الاحتياط؛ فإن الاحتياط هنا لمصلحة مشتري الثمار، وهي قبلَ بدوِّ الصلاح معرضةٌ للآفات والعاهات -كما تقدم-، فإذا أُجيحَتْ، حصل الإجحافُ لمشتريها، ومع هذا، فقد منعه الشرعُ ونهاه؛ كما نهى البائع؛ فإن ذلك من إضاعة المال المنهيِّ عنها، ولما يترتب على ذلك من التنازع والتخاصم، هذا في حقِّ المشتري، وأما البائع، فقيل: لأنه (٧) يريد أكلَ المالِ بالباطل؛ أي: على تقدير

стр. 2206

إِجاحة الثمرة، وذلك ممنوعٌ أيضًا، فاستويا في المنع؛ لهذه المعاني (١)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2207

الحديث الخامس ٢٥٤ - عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْع الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: "حَتَّى تَحْمَرُّ"، قَالَ: "أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ " (١).

стр. 2208

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: "حَتَّى تُزْهِيَ": هو بضم التاء لا غير. قال ابنُ الأعرابي (١): يقال: زَهَا النخلُ، يَزْهُو: إذا ظهرتْ ثمرتُه، وأَزْهَى يُزْهِي: إذا احمرَّ أو (٢) اصفرَّ. وقال الأصمعي: لا يقال في النخل: أزهى (٣)، إنما يُقال: زها، وحكاهما أبو زيدٍ لغتين. وقال الخليل: أَزْهَى النخلُ: بدا صلاحُه. قال الخطابي: هكذا (٤) يُروى حتى يَزْهُو (٥)، والصواب في العربية: حتى تُزْهِيَ. قلت (٦): ووجهُه (٧): أن الأصل: حتى تَزْهُوَ؛ لأنه من الزَّهْو،

стр. 2209

فكان لقلب الواو ياءً موجبان: أحدهما: وقوعُها رابعة (١)، والثاني: كسرُ ما قبلها، فهي كيُدعي ويُغْزي، وأشباههما، إذا عُدِّيَتْ بهمزة النقل، فلما قُلبت الواو ياء، صار تُزْهي، واللَّه أعلم. قال الخطابي: والإزهاء في العربية (٢): أن تحمرَّ أو تصفرَّ، وذلك علامةُ الصلاح فيها، ودليلُ خلاصِها من الآفة (٣). قال ابن الأثير: منهم من أَنْكَر تُزْهي، كما أن منهم من أنكر تَزْهُو. وقال الجوهري: الزَّهْوُ: -بفتح الزاي-، وأهل الحجاز يقولون بضمها، وهو البُسْرُ الملوَّنُ، يقال: إذا ظهرت الحمرةُ أو الصفرةُ في النخل، فقد ظهر فيه الزَّهْوُ، وقد زَهَا النخلُ زَهْوًا، وأَزْهى لغةٌ. فهذه أقوالُ أهل العلم فيه، ويحصلُ (٤) من مجموعِها جواز ذلك كلِّه، فالزيادةُ (٥) من الثقة مقبولة (٦)، ومن نقل شيئًا لم يعرفه غيرُه، قبلناه إذا كان ثقةً (٧).

стр. 2210

الثاني: في هذه الرواية إشارةٌ لما تقدَّمَ من كون الثمار قبلَ بدوِّ صلاحها عُرضَةً للآفاتِ والعاهاتِ، وهي قولُه ﵊: "أرأيتَ إن منعَ اللَّهُ الثمرةَ بم يستحلُّ أحدُكم مالَ أَخيه؟ "، وإن كان قد اختُلف في ذلك، هل هو من كلام النبي ﷺ ، أو من كلام أنس؟ فائدة نحوية: اعلمْ: أن (ما) (١) الاستفهامية إذا كانت مخفوضة بالإضافة، أو بحرف الجر، حُذفت ألفُها، مثال الإضافة: قولُهم: مجيءَ مَ جئتَ؟ ومثلَ مَ أنت؟ ومثالُ حرف الجر: قوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، ومنه في هذا الحديث: "فَبِمَ يستحلُّ أحدُكم مالَ أخيه؟ "، وأشباه ذلك كثيرة. وهذا بخلاف (ما) الخبرية، نحو قولك: رغبتُ فيما رغبتُ فيه، وجئتُ لما جئتَ إليه، فالألف ثابتة على حالها. قالوا: والفرق بينهما من وجهين. أحدهما: أن الاستفهام أكثرُ من الخبر، وما كَثُرَ استعمالُه، التُمِسَ تخفيفُه، ولا فرقَ في ذلك بين عمل اللسان وعمل البدن (٢)، فلما حُذفت لفظًا، حذفت خَطًّا. والثاني: أن (ما) الاستفهامية اسمٌ تامٌّ غيرُ مفتقرٍ إلى صلةٍ ولا صفةٍ، و (ما) الخبرية موصولةٌ، والموصولُ والصلةُ كالشيء الواحد،
следующие страницы →