← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أم سليم الأنصارية، امرأة أبي طلحة اسمها الرميصاء - بالراء المهملة المضمومة والميم المفتوحة، وبعدها ياء ساكنة باثنتين تحتها بعدها صاد مهملة وهمزة ممدودة - ويقال: الغميصاء بنت ملحان، فعرضت عليه خدمته، فقبلها، قالت: يا رسول الله! أنس غلام (١) كاتب لبيب، يخدمك، فخرج معه في خدمته إلى بدر، وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن عشرين سنة، وبقي بعده نحوا من ثمانين سنة (٢). وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين (٣)، وقيل: سنة ثلاث وتسعين، وهو ابن مئة وثلاث سنين، وقد قيل: ابن مئة وعشر سنين، ومات في قصره بالطَّفِّ (٤) على فرسخين من البصرة، وصلى عليه قطن بن مدرك الكلابي، وهو آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان يقول: لم يبق على وجه الأرض من صلى القبلتين غيري (٥). ولم يبق بعده (٦) ممن رأى النبي ﷺ سوى أبي الطفيل عامر بن

стр. 247

واثلة الليثي من بني كنانة، وهو الذي يقول: وَبُقِّيتُ سَهْمًا فِي الْكِنَانَةِ وَاحِدًا ... سَيُرْمَى بِهِ أَوْ يَكْسِرِ السَّهْمَ نَاضِلُهْ (١) وكانت وفاته سنة مائة، وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثمانية أعوام، ولد عام أُحُد. وكان رسول الله ﷺ قد دعا لأنس بالبركة في ماله وولده، فكان يقول: إني لمن أكثر الأنصار مالاً وولدا (٢). ويقال: إنه ولد له ثمانون ولدا ليس فيهم أنثى سوى (٣) اثنتين: حفصة، وأم عمرو، وثمانية وسبعون ذكرا، وتوفي في حياته من ولده وولد ولده نحو مائة (٤). روي لأنس بن مالك ألفا حديث، ومائتا حديث، اتفقا منها على مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاث وثمانين، وانفرد مسلم بأحد وسبعين حديثًا (٥).

стр. 248

* ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: «كان رسول الله ﷺ »: (كان) هنا هي التي تدل على الملازمة والمداومة. وقوله: «إذا دخل الخلاء»؛ أي: إذا أراد الدخول، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، هذا أولى من حمله على ظاهره؛ لأنه لا خلاف فيه؛ أعني: جواز الذكر قبل الوصول إلى المكان المعد لقضاء الحاجة. وأما فيه نفسه: فقد اختلف فيه المذهب على قولين، وحمله على المجمع عليه أولى من المختلف فيه؛ لأن الخلاء المذكور في الحديث هو المعد لقضاء الحاجة بلا (١) إشكال، أما لو كان غير معد؛ كالصحارى، فلا خلاف في جواز الذكر فيه نفسه (٢). الثاني: (الخلاء) -بالمد-، وهو المتوضأ، وأصله: الموضع

стр. 249

الخالي، كانوا ينتابونه لقضاء الحاجة، ثم كثر حتى تجوز به عن ذلك (١). وأما الخلا -مقصورا-، فهو الرطب من الحشيش، وحسن الكلام - أيضا -، ومنه قولهم: هو حلو الخلا؛ أي: حَسَن الكلام، وقد يكون خلا مستعملاً (٢) في باب الاستثناء. وللعرب فيه حينئذ مذهبان: منهم من يجعله حرفًا، ومنهم من يجعله فعلاً. فإن كسرت الخاء مع المد، فهو عيب في الإبل، كالحران في الخيل (٣)، وفي الصحيح: «ما خلأت القصواء، ولكن حبسها حابس الفيل» (٤)، وفي حديث أم زرع: أن النبي ﷺ قال لعائشة: «كنت لك كأبي زرع في الألفة والوفاء، لا في الفرقة والخلاء» (٥). وسمي موضع الحاجة خلاءً -بالفتح والمد-؛ لخلائه في غير

стр. 250

أوقات الحاجة، وهو أيضا: الكنيف، والمرحاض، والحُش. قال الشعبي: ما حدثوك (١) عن رسول الله ﷺ ، فاقبله، وما حدثوك (٢) عن آرائهم، فاجعله في (٣) الحُش (٤). يعني: المرحاض. قال ابن بزيزة: إشارة إلى بطلان الرأي والقياس في الدين. وانتصابه على أنه مفعول به، لا على (٥) الظرف؛ لأن (دخل) عدته العرب بنفسه إلى كل ظرف مكان مختص، تقول: دخلت الدار، ودخلت المسجد، ونحو ذلك، كما عدت ذهب إلى الشام خاصة، فقالوا: ذهبت الشام، ولا يقولون: ذهبت العراق، ولا ذهبت اليمن، فاعرفه. الثالث: قوله: «اللهم»: فيه لغتان: أفصحهما (٦) أن تستعمل بالألف واللام، والثانية (لاهم) - بحذف الألف واللام، والثانية (لاهم) - بحذف الألف واللام-، والميم في آخره زائدة على حد زيادتها في: زرقم، وجلكم (٧)، وزيدت لأن تجعل

стр. 251

كالمعوض منه، ولما (١) كانت الميم المشددة عوضا من (يا)، لم يجز الجمع بينهما، فلا يقال: يا اللهم في فصيح الكلام، فأما قوله: [الرجز] وَمَا عَلَيْكِ أَنْ تَقُولِي كُلَّمَا ... سَبَّحْتِ أَوْ هَلَّلْتِ يَا اللَّهُمَّا اُرْدُدْ عَلَيَّ شَيْخَنَا مُسَلَّمَا (٢) فضرورة، كما جمع الآخر بين العوض والمعوض منه في قوله: [الطويل] هُمَا نَفَثَا فِي فِيَّ مَنْ (٣) فَمَويهما ... على النابح العاوي أشد الرجام (٤) فجمع بين الميم والواو في قوله: فمويهما، مع (٥) أنها عوض عنها (٦)، هذا هو الصحيح عند البصريين، وللكوفيين خلاف مذكور في كتب العربية (٧)، لا نطول بذكره. الرابع: «أعوذ»: أصله أعوُذ -بسكون العين وضم الواو-،

стр. 252

استثقلت الضمة على الواو، فنقلت (١) إلى العين، فبقيت الواو ساكنة، ومصدره: عوذ، وعِياذ، ومَعاذ (٢). ومعنى الاستعاذة: الاستجارة، والاعتصام (٣)، فمعنى أعوذ بالله: أستجير بالله، وأعتصم به (٤) (٥). الخامس: «الخبث»: -بضم الخاء والباء-، كما ذكره المصنف ﵀، وذكر الخطابي في «أغاليط المحدثين» روايتهم له بإسكان الباء (٦).

стр. 253

ق: ولا ينبغي أن يعد هذا غلطًا؛ لأن فُعلاً -بضم الفاء والعين - تخّفف عينه قياسا. قلت: وكذلك فعل، بالكسر. قال: ولا يتعين أن يكون المراد بالخبث -بسكون الباء - ما لا يناسب المعنى، بل يجوز أن يكون وهو ساكن الباء بمعناه وهو مضموم الباء، نعم، من حمله وهو ساكن الباء على ما لا يناسب، فهو غالط في الحمل على هذا المعنى، لا في اللفظ (١). السادس: ظاهر الحديث: أنه ﷺ كان يجهر بهذه الاستعاذة ضرورة؛ كونها لولم تسمع، لم تنقل، ويبعد أن يكون ذلك جاء على طريق إخباره ﷺ عن نفسه. السابع: الظاهر أنه ﷺ قال ذلك إظهارا للعبودية، وتعليما للأمة، وإلا، فهو ﷺ محفوظ من الجن والإنس، وقد ربط عفريتا في سارية من سواري المسجد، الحديث إلى آخره (٢). فائدة: قال الشيخ زكي الدين عبد العظيم: قال ابن الأعرابي: أصل الخبث في كلام العرب: هو المكروه، فإن كان من الكلام، فهو

стр. 254

الشتم، وإن كان من الملل، فهو الكفر، وإن كان من الطعام، فهو الحرام، وإن كان من الشراب، فهو الضار (١). * * *

стр. 255

الحديث الثاني ١٢ - عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ , فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ , وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا , وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا». قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ , فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ , فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا , وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ (١).

стр. 256

الغائط: المطمئن من الأرض، كانوا ينتابونه للحاجة، فكنوا به عن نفس الحدث كراهية لذكره بخاص اسمه. والمراحيض: جمع المرحاض، وهو المغتسل، وهو -أيضا- كناية عن موضع التخلي. * * * * التعريف: أبو أيوب ﵁: اسمه: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم، وقيل: ابن عبد عوف، وقيل: حسم بن غنم بن مالك بن النجار بن عمرو بن الخزرج. شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وهو أحد السبعين الذين بايعوا رسول الله ﷺ بالعقبة الثانية، ونزل عليه رسول الله ﷺ حين قدم المدينة حتى بنى مسجده ومساكنه.

стр. 257

وروي عن أبي أيوب: أنه قال: إن رسول الله ﷺ نزل في بيتنا الأسفل، فكنت في الغرفة، فأهريق في الغرفة ماء، فقمت أنا وأم أيوب لقطيفة لنا نتتبع الماء ننشفه؛ أي: نخلص الماء إلى رسول الله ﷺ ، وأنا مشفق، فنزلت إلى النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! ليس ينبغي أن نكون فوقك، انتقل إلى الغرفة، فأمر بمتاعه، فنقل، ومتاعه قليل (١). وروي عنه: أنه قال: قدم علينا رسول الله ﷺ ، فنزل في دارنا، فقلنا: العلو يا رسول الله! فقال: «السُّفْلُ أهون علينا، وعلى من يغشانا»، فقالت أم أيوب حين أمسينا: يا أبا أيوب! تنام ورسول الله ﷺ أسفل منا؟! فلم ننم حتى أصبحنا، فنزلت إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت له الذي قالت أم أيوب. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين مصعب بن عمير، وشهد مع علي بن أبي طالب ﵁ الجمل، وصفين، ثم سكن دمشق، ولم يزل يغزو الروم حتى قُبض في غزوة غزاها يزيد بن معاوية. وروى ابن السكن في كتاب «الصحابة» له بإسناده إلى أبي أيوب: أنه مرض في الغزوة، فقال لأصحابه: إذا أنا مت، فخذوني فاحملوني، فإذا صاففتم العدو، فادفنوني تحت أقدامكم، انتهى. وكانت تلك الغزوة غزوة قسطنطينة، ودفن أبوا أيوب في أصل سور القسطنطينة في تلك الغزوة، سنة إحدى وخمسين، وقيل: اثنتين

стр. 258

وخمسين، وقيل: سنة خمسين، والمشهور الثاني، وقيل: إن الروم إذا أجدبوا، استسقوا بقبره، وبنوا الروم على قبره بناءً، وعّلقوا عليه أربعة قناديل تسرج (١). وكان قد نزل على عبد الله بن عباس البصرة، فأنزله ابن عباس منزله، وقاسمه ماله. روي له عن رسول الله ﷺ مائة وخمسون حديثًا، اتفقا منها على سبعة، وانفرد البخاري بحديث واحد، ومسلم بخمسة. روى عنه البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، والمقداد بن معدي كرب، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن يزيد الخطمي. ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعطاء بن يزيد، وعبد الله بن حنين، وخلق سواهم. روى له الجماعة (٢).

стр. 259

* ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: اختلفوا في هذا النهي، هل هو على عمومه في الصحراء والبنيان، أو هو مختص بالصحراء؟ فذهب مالك، والشافعي، (وإسحاق بن راهويه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه ﵃: إلى أن ذلك لا يجوز في الصحارى، ويجوز في البنيان، وروي ذلك عن العباس بن عبد المطلب، وابن عمر ﵄ وجعل مالك المراحيض إذا ألجأت إلى ذلك، وإن لم يكن ساتر، كما لو كان ثم ساتر. وفي جواز الاستقبال والاستدبار مع وجود الساتر، وإن لم يكن ثم مراحيض روايتان عنه. وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وأبو ثور، وأحمد في رواية: لا يجوز، لا في البنيان، ولا في الصحارى؛ وهو مذهب أبي أيوب راوي الحديث ﵁. وقال عروة بن الزبير، وربيعة، وداود الظاهري: يجوز ذلك في الصحارى والبنيان.

стр. 260

وفي رواية عن أبي حنيفة، وأحمد: منع الاستقبال في الصحارى والبنيان، وجواز الاستدبار فيهما، فهذه أربعة مذاهب. احتج المانعون مطلقًا بهذا الحديث، وغيره من الصحيح؛ كحديث سلمان: قال المشركون: لقد علمكم نبيكم كل شيء، حتى الخراءة!! قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو عظم، رواه مسلم، والترمذي، وأبو داود، والنسائي (١)، وبحديث أبي هريرة: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد، فإذا أتى أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه»، وكان يأمرنا بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث، والرمة (٢)، وغير ذلك من الصحيح، وأبقوا العموم على ظاهره، قالوا: ولأنه إنما مُنع لحرمة القبلة، وهذا المعنى موجود، كان البنيان، أو لم يكن، قالوا: ولأنه لو كان الحائل كافيا، لجاز في الصحراء؛ لأن بيننا وبين الكعبة جبالاً وأودية، وغير ذلك من أنواع الحائل.

стр. 261

وتعّلق من أجاز ذلك مطلقًا بحديث ابن عمر الآتي: أنه رأى النبي ﷺ مستقبلاً بيت المقدس، مستدبرا الكعبة (١)، وبحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بلغه أن ناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال النبي: أوقد فعلوها؟! استقبلوا بمقعدتي للقبلة» (٢) رواه أحمد بن حنبل في «مسنده»، وابن ماجه، وإسناده حسن. قال صاحب «البيان والتقريب»: فحمله ربيعة وداود على الإطلاق، وليس بمستقيم؛ فإن في الحديث ما يدل على أن ذلك في البنيان. قلت: وهو ظاهر مكشوف، واحتج مالك ﵀ ومن وافقه بحديث ابن عمر المذكور آنفًا؛ وهو في البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، فأخذوا منه جواز ذلك في البنيان، وبحديث جابر، قال: نهى نبي الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها. رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، وإسناده حسن (٣). وبحديث مروان الأصفر، قال: رأيت ابن عمر أناخ

стр. 262

راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: بلى! إنما نُهِيَ عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك، فلا بأس. رواه أبو داود وغيره (١). فهذه أحاديث صحيحة صريحة بالجواز في البنيان، وحديث أبي موسى، وسلمان، وأبي هريرة، وغيرهما وردت بالنهي، فتحمل على الصحراء للجمع بين الأحاديث. ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث: أنه لا يصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها، والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه، فوجب المصير إليه. وفرقوا بين الصحراء والبنيان من حيث المعنى؛ بأنه تلحقه المشقة في البنيان في تكليفه ترك القبلة، بخلاف الصحراء. وأما من أباح الاستدبار، ومنع الاستقبال، فحجته: أن حديث سلمان ليس فيه إلا الاستقبال، فبقي جواز الاستدبار على أصل الإباحة. قال صاحب «البيان والتقريب»: وهو ضعيف، فإنه إن سكت

стр. 263

عنه في حديث، فقد صرح به في حديث آخر، فإن قالوا في حديث ابن عمر: إنه استدبر، قلنا: كان ذلك في البنيان، فأصح الأقوال ما قاله (١) مالك. إلا أني أقول: في تخصيص عمومات هذه الأخبار الواردة بالمنع مطلقًا بحديث ابن عمر نظر؛ فإنه إنما يخصص العموم بأمر (٢) يغلب على الظن أن الرسول ﷺ قصد به أن يكون بيانا لتخصيص اللفظ (٣) العام، ويبعد -في المعروف من عادته- أن يكون قصد أن يطلع عليه ابن عمر لينقل عنه ذلك للأمة، حتى يخصص لفظ (٤) العام بذلك؛ فإنه ﵊ كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، فكيف يقصد أن يرى في مثل هذه الحال؟! وقد كان إذا أراد الخلاء، أبعد في المذهب. لكن الجواب عن ذلك أن نقول: لعله ﵊ كان عازما على أن يبين لهم تخصيص لفظه بغير هذا الفعل، فلما جلس ظانا أنه لا يراه أحد (٥)، ثم رأى ابن عمر قد رآه، علم أنه يروي ذلك للناس، فيخصصون به عموم لفظه، فاكتفى بذلك، انتهى.

стр. 264

قلت: وتعين أن يعتقد أن ابن عمر ﵁ (١) لم يقصد الاطلاع على النبي ﷺ في تلك الحال، وإنما كان ذلك منه على سبيل الاتفاق، وأنه لم ير إلا أعاليه ﷺ دون أسافله. الثاني: اختلف أصحابنا في تعليله: فقيل: حرمة القبلة، وقيل: حرمة المصلين من الملائكة، والصحيح الأول؛ لقوله ﵊: «إذا أتى أحدكم البَراز، فليكرم قبلة الله، فلا يستقبلها، ولا يستدبرها» رواه الدارقطني (٢). وينبني على ذلك مسألة: وهي ما إذا كان في الصحراء، وثمّ ساتر لا يلجئ (٣)؛ فإن عللنا باحترام القبلة، فالمنع، وإن عللناه برؤية المصلين، فالإباحة (٤). الثالث: هل الجماع كقضاء الحاجة أو لا، ينبني على محل العلة - أيضا -، هل (٥): هو الخارج، فيجوز الجماع؛ إذ لا خارج، أو كشف

стр. 265

العورة، فيمتنع إذا كشف. الرابع: قوله ﵊: «ولكن شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا»: قال الخطابي، وغيره: هو محمول على محل يكون التشريق والتغريب مخالفًا لاستقبال القبلة واستدبارها؛ كالمدينة، والشام، والمغرب، وما في معناها من البلاد (١). الخامس: الشأم: -مهموز مقصور-، ويجوز: تخفيف الهمزة، ويجوز: الشآم - بفتح الشين والمد -، وهي ضعيفة، وإن كانت مشهورة. قال صاحب «المطالع»: وأنكرها أكثرهم (٢)، وهو من العريش إلى الفرات طولاً، وقيل: إلى نابلس (٣). وانتصابه على الظرفية، لا على المفعولية، أعني قوله: «فقدمنا الشام». السادس: قوله: «فننحرف عنها»: قيل: معناه: نحرص على اجتنابها بالميل عنها قدرتنا. السابع: قوله: «ونستغفر الله »: قال صاحب «المفهم»: هذا دليل على أنه لم يبلغه حديث ابن عمر، أو لم يره مخصصا،

стр. 266

وحمل (١) ما رواه على العموم (٢). قلت: إن صح هذا الثاني، فهو يضعف قول بعض المتأخرين من أهل الأصول: إن العموم في الذوات مطلق في الزمان والمكان، والأحوال والمتعلقات، والراجح عند جماعة من المحققين خلافه. وقوله: «نستغفر الله»، قيل: لباني الكنف على هذه الصفة الممنوعة عنده، وإنما حملهم على هذا التأويل: أنه إذا انحرف (٣) عنها، لم يفعل ممنوعا، فلا يحتاج إلى الاستغفار. ق: والأقرب أنه استغفار لنفسه، ولعل ذلك لأنه استقبل واستدبر (٤) بسبب موافقته لمقتضى البناء غلطًا، أو سَهْوًا، فيتذكر، فينحرف، ويستغفر الله. قال: فإن قلت: فالغالط والساهي لم يفعل إثمًا، فلا حاجة للاستغفار. قلت: أهل الورع والمناصب العلية في التقوى، قد يفعلون مثل هذا، بناءً على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في التحفظ ابتداءً، والله أعلم، انتهى كلامه (٥).

стр. 267

* ولنذكر من آداب الاستنجاء ما تمس الحاجة إليه في حق كل مكلف: فمنها: الإبعاد عن أعين الناظرين بحيث لا يرى شخصه، ولا يسمع صوت خارجه. ومنها: أن يرتاد موضعا دمثًا؛ لئلا يتطاير عليه. ومنها: الستر بحيث لا يكشف عن عورته حتى يدنو من الأرض. ومنها: اتقاء المواضع المنهي عن ذلك فيها، وهي طرق المسلمين، وظلالهم، ومواردهم، والحجرة، والماء الراكد، والشجرة المثمرة. ومنها: أن يستعد ما يزيل به النجاسة. ومنها: أن يستعيذ بالله قبل التلبس، على ما تقرر. ومنها: أن يعتمد في جلوسه على يساره. ومنها: أن ينزع خاتمه، إذا كان فيه اسم الله تعالى. قال اللخمي: واختلف إذا كان في شماله خاتم فيه اسم الله تعالى، هل يستنجي وهو في يده؟ قال: وأن لا يفعل ذلك (١) أحسن؛ للحديث، وقد ثبت في «الصحيحين»: أنه نهى أن يمس الذكر (٢) بيمينه (٣)، فإذا نزهت اليد اليمنى

стр. 268

عن ذلك، فذكر الله أولى وأعظم، وقد كره مالك أنتدفع الدراهم التي فيها اسم الله لكافر، فهذا أولى. قال ابن بزيزة من أصحابنا في «شرح الأحكام» لعبد الحق: وقعت في «العتبية» رواية منكرة مستهجنة، قال مالك: لا بأس أن يستنجي بالخاتم، وفيه (١) اسم الله تعالى، وهذه رواية لا يحل سماعها، فكيف العمل عليها؟! وقد كان الواجب أن تطرح «العتبية» كلها لأجل هذه الرواية وأمثالها؛ مما حوته من شواذ الأقوال التي لم تلف في غيرها، ولذلك أعرض عنها المحققون من علماء المذهب، حتى قال أبو بكر بن العربي حين حكى أن من العلماء من كره بيع كتب الفقه، وإن كان ففي (٢) «العتبية». قال أبو بكر بن العربي - أيضا -: وقد كان لي خاتم فيه منقوش: محمد بن العربي، فتركت الاستنجاء به؛ إجلالاً لاسم محمد ﷺ . قلت: وروى الأوزاعي مثل ما وقع في «العتبية»، وقال الحسن: لا بأس أن يدخل (٣) الخلاء، وفي إصبعه الخاتم (٤).

стр. 269

وقال إبراهيم النخعي: يدخل الناس الخلاء بالدراهم للضرورة (١)، وكره ذلك مجاهد في الدراهم والخاتم (٢). وهذا الذي وقع في «العتبية» إنما هو (٣) بناءً على أن الخاتم يحبس في الشمال، وقد اختلفت (٤) الآثار في ذلك: فصح عن جماعة من العلماء أنهم كانوا يرون حبسه في اليمين. وروى بعض أصحاب قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ تختم في يساره، ولا يصح، والصحيح أنه كان يتختم في يمينه، وهي رواية أنس، وعبد الله بن جعفر، وابن عباس، عن النبي ﷺ . وصح عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، والقاسم بن محمد: أنهم كانوا يتختمون في اليسار. وصح ذلك - أيضا - عن أبي بكر، وعمر، والحسن، والحسين (٥). وخرج قاسم بن أصبغ عن علي، قال: نهاني (٦) رسول الله ﷺ

стр. 270

أن أتختم في هاتين؛ يعني: السبابة، والوسطى (١). وروى ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يجعل فص خاتمه في باطن كفه في يمينه، رواه ابن وهب (٢)،. والآثار فيه مختلفة (٣). وفي مذهب مالك في المستحب من ذلك قولان: والصحيح: أنه يحبس في الشمال، ولا يستنجى به، وقد صح عن مالك: أنه كان لا يقرئ الحديث إلا على طهارة، فهذا يناقض ما وقع في «العتبية». قال بعض أصحاب مالك: كنا نأتي إلى باب داره، فنضرب عليه الباب، فيقول خادمه: يقول لكم الشيخ: الحديث تريدون أم المسائل؟ فإن قالوا: نريد (٤) الحديث، دخل إلى مغتسله، واغتسل، ولبس أحسن

стр. 271

ثيابه، وخرج، وإن قالوا: نريد المسائل، لا يبالي كيف يخرج، انتهى كلامه. ومنها: أن لا يتكلم في تلك الحال، ولا يرد سلاما، ولا يشمت عاطسا، ولا بأس أن يحمد الله إن عطس هو، هكذا نقله ابن رشد في «بيانه» عن ابن القاسم، ولا يحكي المؤذن. ومنها: أن لا يمس ذكره بيمينه، فإن فعل، فقد اختلف العلماء في ذلك، فقال أكثر الفقهاء: بئس ما صنع، واستنجاؤه مجزئ. قال ابن بزيزة: وقال بعض الشافعية، وأهل الظاهر: لا يجزئه الاستنجاء باليمنى؛ للنهي الثابت، قالوا: وهو ضعيف في النظر؛ لأن النهي تأديب، والمقصود حاصل. قلت: وهو كما قال. ومنها: أن لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها؛ لما تقرر، والله أعلم. * * *

стр. 272

الحديث الثالث ١٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄، قَالَ: رَقِيْتُ يَوْماً عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ , فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ , مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ». (١).

стр. 273

* التعريف: عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، القرشي، العدوي. كنيته: أبو عبد الرحمن، كان من فقهاء الصحابة ومفتيهم، وزهادهم، ومتورعيهم (١)، وممن اعتزل الفتنة، فلم (٢) يقاتل مع أحد من (٣) الفريقين تورعا لما أشكل عليه الأمر، ثم ندم على ترك القتال مع علي ﵁ لما تبينت له الفئة الباغية، وقال لمن سأله: عففت يدي فلم أقاتل، والمقاتل على الحق أفضل (٤). وقال عند موته: لا آسى على شيء من الدنيا إلا تركي لقتال الفئة الباغية (٥).

стр. 274

ولم يكن يتخلف عن سرية من سرايا رسول الله ﷺ ، ثم أولع بالحج في الفتنة، وبعدها، وكان من أعلم الناس بالمناسك. وهو شقيق حفصة زوج النبي ﷺ ، أمهما زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة الجمحية. وقيل: إنه أسلم قبل أبيه، قالوا: ولا يصح، بل كان ينكر ذلك، والصحيح أنه هاجر قبل أبيه، وقيل: بل هاجر معه، ولم يكن حينئذ بالغا، واستصغره النبي ﷺ عام أُحُد، وهو ابن أربع عشرة، وأجازه في الخندق، وهو ابن خمس عشرة سنة. وقال الواقدي: استصغر (١) عام بدر، وأجازه عام أحد. والأول أصح. وُفتحت مكة وله عشرون سنة، وقيل: إنه أول من بايع بالحديبية بيعة الرضوان تحت الشجرة، ولم يصح. وقال النبي ﷺ لأخته حفصة: «إن أخاك رجل صالح لو أنه يقوم من الليل»، فلم يترك قيام الليل بعدها (٢). قال جابر: ما منا إلا من نال من الدنيا، ونالت منه، إلا عمر وابنه (٣).

стр. 275

روي أنه رئي ساجدا في الكعبة، وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنه لا يمنعني من مزاحمة قريش على هذه الدنيا إلا خوفك (١). وكان كثير الصدقة، ومن عادته إذا استحسن شيئًا من ماله، تصدق به، وكان رقيقه قد عرفوا منه ذلك، فكانوا يقبلون على الطاعة (٢)، ويلازمون المسجد فيعتقهم، فقيل: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله، انخدعنا له (٣).قال نافع: ما مات ابن عمر حتى أعتق (٤) ألف إنسان، أو أزيد. روى ابن وهب عن مالك: أنه قال: بلغ ابن عمر ستا وثمانين سنة، وأفتى (٥) في الإسلام ستين سنة، وروى عنه نافع علما جما. وروى ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: اجتمع في الحجر مصعب، وعروة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، فقالوا: تمنوا، فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا، فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا، فأتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أما أنا، فأتمنى إمرة العراق،

стр. 276

والجمع بين عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين، وقال ابن عمر: أما أنا، فأتمنى المغفرة، فنالوا كلهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غُفر له (١). وذكر غير واحد منالعلماء: أنه توفي بمكة سنة ثلاث وسبعين بعد ابن الزبير بثلاثة أشهر، وقيل: بستة (٢) أشهر، وأوصى أن يدفن في الحل، فلم يقدر على ذلك من أجل الحجاج، فدفن بذي طوى. وكان ابن عمر يتقدم الحَجاج في المواقف وغيرها، وقال له -وقد خطب فأخر الصلاة-: إن الشمس لا تنتظرك، فقال: لقد هممت أن أضرب الذي فيه عيناك، فقال: إن تفعل، فإنك سفيه مسلط، فعز ذلك عليه، فأمر رجلاً فسم زج رمحه وزحمه، في الطواف، فوضع الزج على قدمه، فمرض منها أياما، فدخل عليه الحجاج، فقال: من فعل بك يا أبا عبد الرحمن؟! فقال (٣): وما تصنع به؟ قال: قتلني الله إن لم أقتله، قال: لست بفاعل، قال: ولم؟ قال: لأنك الذي أمرت به (٤). وروي عنه أنه قال: قتلني الذي أمر بإدخال السلاح الحرم، ولم يكن يدخل به. ومات، فصلى عليه الحجاج.

стр. 277

روى عنه: أولاده: سالم، وحمزة، وعبد الله، وبلال، وابن ابنه محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وابن أخي حفص بن عاصم بن عمر، ونافع مولاه، وعبد الله بن دينار، وزيد بن أسلم، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وطاوس بن كيسان اليماني، ومجاهد بن جبر - بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة وراء مهملة -، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار، وخلْق سواهم. روي له عن رسول الله ﷺ ألف حديث، وست مئة وثلاثون حديثًا، اتفقا على مئة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بثمانين حديثًا، ومسلم بأحد وثلاثين حديثًا (١)، والله أعلم. * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: (رقي) - بكسر القاف- يرقى- بفتحها-: إذا صعد منبرا، أو سُلَّمًا، ونحو ذلك، وعكسه من الرقية، يقال: رقيت

стр. 278

الرجل أرقيه (١). الثاني: قد تقدم الكلام في حديث أبي أيوب ﵁ على الجمع بينه وبين هذا الحديث، وقد تقدم أيضا ذكر اختلاف مذاهب العلماء في ذلك بما يغني عن الإعادة، وتقدم أيضا الكلام على الشام. وأما الكعبة - شرفها الله تعال -، فهي البيت الحرام. قال الجوهري: سمي بذلك؛ لتربيعه (٢). قلت: وأصل التكعب في اللغة: الارتفاع، ومنه الكاعب، وهي الجارية التي بدا ثديها للنهود، وكعوب الرمح: النواشر في أطراف الأنابيب، ومنه أيضا: الكعبان، وهما الناتئان عند ملتقى الساق والقدم. وأنكر الأصمعي قول الناس: إنه في ظهر القدم (٣)، وقد أوضحت ذلك في شرح «الرسالة»، أعان الله على إكماله. * * *

стр. 279

الحديث الرابع ١٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلاءَ , فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ، وَعَنَزَةً , فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ (١). * * *

стр. 280

الْعَنَزَةَ: الْحَرْبَةُ. * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: «كان يدخل الخلاء»؛ أي: يريد دخول الخلاء، وقد تقدم أن الخلاء ممدود، وأنه الغائط، وظاهره هنا: البراح دون البنيان؛ لقرينة حمل العنزة للصلاة؛ فإن السترة إنما تكون في البراح؛ حيث يخشى المرور بين يديه؛ ولأنه لو كان المراد البنيان، لكان الذي يناسب ذلك خدمة أهل بيته من نسائه ونحوهن، دون الرجال (١). الثاني: فيه جواز استخدام الأحرار إذا كانوا أتباعا، أو أرصدوا أنفسهم لذلك (٢). الثالث: قوله: «أنا وغلام»، قال أهل اللغة: الغلام: من فُطم إلى سبع سنين. قال أبو جعفر أحمد ابن محمد النحوي في «خلق الإنسان» له: وحكى ثابت ما دام الولد (٤) في بطن أمه، فهو جنين، فإذا ولد، سمي صبيا ما دام رضيعا، فإذا فُطم سمي غلاما إلى سبع سنين، ثم يصير يافعا إلى عشر حجج، ثم حزورا إلى خمس عشرة سنة، ثم يصير فمدا إلى خمس وعشرين سنة (٣)، ثم يصير عنطنطا إلى ثلاثين سنة، ثم

стр. 281

يصير ملًا إلى أربعين سنة، ثم يصير كهلاً إلى خمسين سنة، ثم يصير شيخا إلى ثمانين سنة، ثم يصير بعد ذلك همًا فانيا كبيرا (١). وقد تقدم الفرق بين (نحو)، و (مثل) في حديث حمران (٢) بما يغني عن الإعادة. يريد: نحوي في السن، لا غير، والله أعلم. الرابع: الإداوة: هي (٣) المطهرة، والجمع الأداوى، مثل المطايا، قال الراجز: إذا الأداوى ماؤها تصبصبا قال الجوهري: وكان قياسه: أدائي، مثل رسالة ورسائل، فتجنبوه وفعلوا به ما فعلوا بالمطايا والخطايا، فجعلوا فعائل فعالى، وأبدلوا هنا الواو؛ لتدل على أنه قد كانت في الواحدة واو ظاهرة، فقالوا (٤): أداوى، فهذه (٥) الواو بدل من الألف الزائدة في إداوة، والألف التي في آخر الأداوى بدل من الواو التي في إداوة، وألزموا الواو هنا كما ألزموا الياء في مطايا (٦).

стр. 282

الخامس: قوله: «فيستنجي بالماء»: دليل على أن استعمال الماء أفضل من الاقتصار على الأحجار، وإن كان الأكمل الجمع بينهما، أعني: الماء والأحجار. وقد كره سعيد بن المسيب استعمال الماء، فإنه سئل عن الاستنجاء بالماء، فقال: إنما ذلك وضوء النساء (١). ق: والسنة دلّت على الاستنجاء بالماء في هذا الحديث وغيره، وهي (٢) أولى من الاتباع)، ولعل سعيدا (٣) ﵀ فهم من أحد غلوًا في هذا الباب؛ بحيث يمنع الاستجمار بالحجارة، فقصد في مقابلته أن يذكر هذا اللفظ لإزالة ذلك الغلو، وبالغ بإيراده إياه على هذه الصيغة، وقد ذهب بعض الفقهاء من أصحاب مالك إلى أن الاستجمار بالحجارة إنما هو عند عدم الماء قلت: هو ابن حبيب. _قال: وإذا ذهب إليه بعض الفقهاء، فلا يبعد أن يقع لغيرهم ممن في زمن سعيد ﵀، وإنما استحب الاستنجاء بالماء؛ لإزالة العين والأثر معا، فهو أبلغ في النظافة، والله أعلم (٤).

стр. 283

الحديث الخامس ١٥ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلاءِ بِيَمِينِهِ، وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ» (١).

стр. 284

* التعريف: أبو قتادة: الحارث بن ربعي بن بلدمة- بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وفتح الدال (١) -، ويقال: بلدمة- بضم الباء الموحدة (٢) والدال-، ويقال: بالذال المعجمة. فارس رسول الله ﷺ ، شهد أحدا، والخندق، وما بعد ذلك من المشاهد. وقيل: اسمه عمرو بن ربعي، وهو مشهور بكنيته، غلبت عليه. مات بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: بالكوفة، سنة ثمان وثلاثين، والأصح الأول، وصلى عليه علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 285

وذكر ابن عبد البر: أن عَلِيًّا ﵇ كبر عليه سبعا. وذكره الحافظ ابن قانع في «الوفيات» له، وابن طاهر المقدسي الحافظ في «رجال الصحيحين». روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث، وسبعون حديثًا، اتفقا منها على أحد عشر حديثًا، وانفرد البخاري بحديثين، وانفرد مسلم بثمانية أحاديث. روى عنه: ابنه عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن سليم الزرقي، وعبد الله بن معبد الزماني (١) -بالزاي المعجمة المكسورة والميم المشددة-، وعطاء بن يسار. روى له الجماعة (٢).
следующие страницы →