стр. 2206
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 17350
رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام
تاج الدين الفاكهاني
Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2207
الحديث الخامس
٢٥٤ - عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْع الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: "حَتَّى تَحْمَرُّ"، قَالَ: "أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ " (١).
стр. 2208
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله: "حَتَّى تُزْهِيَ": هو بضم التاء لا غير.
قال ابنُ الأعرابي (١): يقال: زَهَا النخلُ، يَزْهُو: إذا ظهرتْ ثمرتُه، وأَزْهَى يُزْهِي: إذا احمرَّ أو (٢) اصفرَّ.
وقال الأصمعي: لا يقال في النخل: أزهى (٣)، إنما يُقال: زها، وحكاهما أبو زيدٍ لغتين.
وقال الخليل: أَزْهَى النخلُ: بدا صلاحُه.
قال الخطابي: هكذا (٤) يُروى حتى يَزْهُو (٥)، والصواب في العربية: حتى تُزْهِيَ.
قلت (٦): ووجهُه (٧): أن الأصل: حتى تَزْهُوَ؛ لأنه من الزَّهْو،
стр. 2209
فكان لقلب الواو ياءً موجبان: أحدهما: وقوعُها رابعة (١)، والثاني: كسرُ ما قبلها، فهي كيُدعي ويُغْزي، وأشباههما، إذا عُدِّيَتْ بهمزة النقل، فلما قُلبت الواو ياء، صار تُزْهي، واللَّه أعلم.
قال الخطابي: والإزهاء في العربية (٢): أن تحمرَّ أو تصفرَّ، وذلك علامةُ الصلاح فيها، ودليلُ خلاصِها من الآفة (٣).
قال ابن الأثير: منهم من أَنْكَر تُزْهي، كما أن منهم من أنكر تَزْهُو.
وقال الجوهري: الزَّهْوُ: -بفتح الزاي-، وأهل الحجاز يقولون بضمها، وهو البُسْرُ الملوَّنُ، يقال: إذا ظهرت الحمرةُ أو الصفرةُ في النخل، فقد ظهر فيه الزَّهْوُ، وقد زَهَا النخلُ زَهْوًا، وأَزْهى لغةٌ.
فهذه أقوالُ أهل العلم فيه، ويحصلُ (٤) من مجموعِها جواز ذلك كلِّه، فالزيادةُ (٥) من الثقة مقبولة (٦)، ومن نقل شيئًا لم يعرفه غيرُه، قبلناه إذا كان ثقةً (٧).
стр. 2210
الثاني: في هذه الرواية إشارةٌ لما تقدَّمَ من كون الثمار قبلَ بدوِّ صلاحها عُرضَةً للآفاتِ والعاهاتِ، وهي قولُه ﵊: "أرأيتَ إن منعَ اللَّهُ الثمرةَ بم يستحلُّ أحدُكم مالَ أَخيه؟ "، وإن كان قد اختُلف في ذلك، هل هو من كلام النبي ﷺ ، أو من كلام أنس؟
فائدة نحوية: اعلمْ: أن (ما) (١) الاستفهامية إذا كانت مخفوضة بالإضافة، أو بحرف الجر، حُذفت ألفُها، مثال الإضافة: قولُهم: مجيءَ مَ جئتَ؟ ومثلَ مَ أنت؟ ومثالُ حرف الجر: قوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، ومنه في هذا الحديث: "فَبِمَ يستحلُّ أحدُكم مالَ أخيه؟ "، وأشباه ذلك كثيرة.
وهذا بخلاف (ما) الخبرية، نحو قولك: رغبتُ فيما رغبتُ فيه، وجئتُ لما جئتَ إليه، فالألف ثابتة على حالها.
قالوا: والفرق بينهما من وجهين.
أحدهما: أن الاستفهام أكثرُ من الخبر، وما كَثُرَ استعمالُه، التُمِسَ تخفيفُه، ولا فرقَ في ذلك بين عمل اللسان وعمل البدن (٢)، فلما حُذفت لفظًا، حذفت خَطًّا.
والثاني: أن (ما) الاستفهامية اسمٌ تامٌّ غيرُ مفتقرٍ إلى صلةٍ ولا صفةٍ، و (ما) الخبرية موصولةٌ، والموصولُ والصلةُ كالشيء الواحد،
стр. 2211
فلو حُذفت ألف الخبرية، لوقع الحذفُ حشوًا لكلمة، ومحلُّ الحذف إنما هو الطرفُ (١)، وليس كذلك التامة؛ إذ لا صلةَ لها، فوقع الحذف فيها طَرَفًا (٢) لا حَشْوًا، فليعلمْ ذلك؛ فإنه من النفائس (٣) في فن العربية.
الثالث: إذا كان في الحائط الواحد نخلٌ، فطابَ بعضُه، جاز بيعُه كلِّه، إذا كان طيبه متلاحِقًا متتابِعًا، ولا يُشترط طيبه كلِّه، وهذا الحديث دليلٌ على ذلك؛ لدلالته على الاكتفاء بمسمَّى الإزهاء وابتدائه من غير اشتراطٍ لكماله؛ لأنه جعل الإزهاء غايةً للنهي، وبأَوَّلِه يحصُل المسمَّى.
ق: ويحتمل أن يُستدل به على العكس؛ لأن الثمرة المبيعةَ قبلُ -أعني: ما لم تُزْهِ (٤) - من الحائط داخل تحتَ اسمِ الثمرة، فيمتنع بيعُه قبل الإزهاء، فإن قال بهذا قائل، فله أن يستدل بذلك (٥).
قلت: إنما تخيل ذلك إذا جمدنا (٦) على اللفظ، وأهملنا المعنى.
وبيانُ ذلك: أن الشرع جعل مطلَقَ الإزهاء علامةً للزمن الذي تؤمَن (٧) فيه العاهةُ غالبًا، فحيثُ وُجدت العلامةُ -وإن قَلَّتْ-، عُمل
стр. 2212
عليها، ولم يُرد الشارع إزهاءَ الجميع؛ لأن ذلك كان يؤدي إلى فساد الحائط، أو جُلِّه؛ لأنَّا لو لم نجوِّزْ بيعَه إلا بأن يعمَّ الصلاحُ الحائط كلَّه، لكان في ذلك ضرر عظيم، ومَشقَّة شديدة؛ إذ لا يكادُ يلحق (١) الآخرُ بالأول إلا بفساد الأول، وهذا حرجٌ عظيم ينافي وضعَ الشريعة السمحة؛ إذ لم يجعل اللَّه علينا في الدين مِنْ حَرَج، نعم، لو كان الذي أزهى باكورةً، لم يجز بيعُ متأخره معه، بل يباع المبكِّر (٢) وحدَه، وإنما منع أن يُباع معه؛ لاستقلال المتأخِّر بعدم الإزهاء، فهو داخلٌ تحت النهي.
قال الأبهري: ولأنه لا يؤمَن فيه الجائحة إذا بيع في هذا الوقت، فيكون بيعُه غررًا، وقد نهى ﷺ عن الغَرَر، وهذا راجع لما ذكرناه من استقلاله عن المبكر بعدم (٣) الإزهاء، وكذلك لو كان في الحائط نوعان من النخل؛ صيفي وشتوي، لم يُبع أحدُهما بطيبِ الآخر، بل يُباع ما طابَ وحدَه، فإذا طاب الآخرُ، بيع -أيضًا- وحدَه؛ كما لا يجوز بيعُ ثمرة السنة الثانية مع الأولى.
تكميل (٤): لو لم يزه الحائطُ، وأزهى ما حوله من الحوائط، قال مالك: يجوزُ بيعه.
وقال ابن القاسم: أحبُّ إلي أن لا يبيعه حتى يزهي.
стр. 2213
стр. 2214
الحديث السادس
٢٥٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، قَالَ: فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا (١).
стр. 2215
قد تقدم الكلامُ على معنى هذا الحديث، وليس فيه زيادةٌ على ما تقدم إلا تفسير قوله: "حاضرٌ لبادٍ" بقوله: "لا يكونُ له سِمْسارًا"، وكأن هذه اللفظة أعجمية، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 2216
الحديث السابع
٢٥٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُزَابَنَةِ، والمُزَابَنَةُ (١): أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَةَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا، أَوْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ (٢).
стр. 2217
* الشرح:
حاصلُ هذه التفاسير كلِّها (١) يرجع إلى بيعِ معلومٍ بمجهول من جنسه، وهذا حدُّ المزابَنَة.
وربما قيل: بيعُ مجهول لمجهول (٢) من جنسٍ واحد.
والأولُ أظهر، فإن كان الجنسُ مما فيه (٣) الربا، دخله وجهان من التحريم: الربا، والمزابنة.
أما الرّبا: فلجواز أن يكون أحدُهما أكثرَ من الآخَر، ولا فرقَ بين تجويز ذلك، أو تبقيته من المبيع (٤).
وأما المزابنة (٥): فلأن أصلَ الزَّبْنِ في اللغة: الدفعُ، ومنه قوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]؛ أي: ملائكة النار؛ لأنهم يدفعون
стр. 2218
الكَفَرَةَ فيها للعذاب، ومنه قيل للحرب: زَبُونٌ؛ لأنها تدفع بَنِيهَا (١) للموت، ويقال ذلك -أيضًا- للمتبايِعَين؛ لأنهما يتدافعان عندَ البيع مدافعةً معنوية لا حسيةً، فيقول البائع: مئة، فيقول المشتري: خمسين؛ فكأنه يدفعُه عن الخمسين الأخرى التي أراد البائع أخذَها، ونحو ذلك، وكذلك إذا وقف أحدهما على ما يكره، تدافعا، فحرصَ على فسخ البيع، وحرص (٢) الآخَرُ على إمضائه، وقد شُبه هذا بتسميتهم ما يؤخذ عن العيب: أَرْشًا؛ لما فيه من التنازع والخصومة، قال (٣): يُقال: أَرَّشْتُ (٤) بينَ القومِ تأريشًا (٥): إذا أفسدْتُ، وألقيتُ بينهم الشرَّ، والأَرْشُ مأخوذ من التأريش.
وإذا ثبت أن هذا أصلُه (٦)، فإذا (٧) كانت الأشياء متجانسةً، تعلقت الأغراضُ بالقِلَّة (٨) والكثرة، فيقول كلُّ واحد منهما (٩): لعل ما آخذُه أكثرُ، فأغبن صاحبي، وهذا لا يرتفع حتى يكونا جميعًا معلومَيْن، وأما
стр. 2219
إن (١) كانا مجهولين، أو أحدُهما، فهذا التدافُع حاصل، فمُنع لذلك، وإن لم يكن ما وقع عليه التبايُع فيه الربا (٢)، فإن تبين الفضلُ في أحدِ الجانبين، جاز ذلك فيما يجوزُ فيه التفاضل، ويقدَّرُ (٣) المغبونُ واهبًا (٤) للفضل؛ لظهوره (٥) له.
قال الإمام: وإذا كانت الأشياء مختلفةً، ولا مانعَ يمنعُ من العقد عليها، لم يدخلْها التزابُنُ؛ لصحة انصرافِ الأغراض لاختلاف (٦) المعاني من الأعواض (٧) (٨).
وقوله: "أن يبيعَ ثمر حائطه (٩) " في موضعِ خَفْض، بدلٌ من المزابنةِ بدلَ المصدرِ من الاسم، وبدلَ الشيء عن (١٠) الشيء، وهما بعين (١١) واحدة.
стр. 2220
وقوله: "إن كان نخلًا بِتَمْرٍ كيْلًا" إلى آخره:
ع: والظاهر: أن الكيلَ إنما هو في أحدِهما، وهو الذي "يَتَأتَّى فيه الكيلُ مما يَبِس، ويقع التخاطرُ في الآخَر، ولذلك نهى عنه؛ إذ لا يدري مقدار ما يدفع منه (١)، ولهذا (٢) قلنا في غير الطعام الذي لا يجوز فيه التفاضُل: لو حقق (٣) أنما دفعَ إليه أكثرَ أو أقلَّ (٤)، لجاز إذ قد ارتفع.
وأجمع العلماء: على أنه لا يجوز بيعُ الزرع قبلَ حصدِه بالطعام، ولا بيعُ العنب والنخل قبلَ جَذِّه بالتمر (٥) والزبيب.
واختلفوا في بيع رَطْبِ ذلك بيابسه مجذوذَيْن؛ فجمهورُهم: على منعه، ولا يجوز متفاضِلًا، ولا متماثِلًا، وأجازه أبو حنيفةَ متماثِلًا، وخالفه صاحباه، ومنعه أصحابُنا في كل رَطْبٍ ويابس من الثمار، وأجازَ بعضُهم ذلك فيما يجوز فيه التفاضلُ إذا تبينَ الفضلُ، وهو الصحيح، وعليه حُمل مجملُ قولِ الآخرين (٦).
* * *
стр. 2221
стр. 2222
المُحَاقَلَةُ: بَيع الحِنْطَةِ في سُنْبُلِهَا بِحِنْطَةٍ.
* * *
* الشرح:
المخابرة: المزارَعَةُ ببعضِ ما يخرج من الأرض، قاله الجوهري، قال: وهو الخِبْر أيضًا، يريد: بالكسر (١).
ع: ورويناه من طريق الطبري: الخَبر -بالفتح-، وفي "كتاب التميمي": الخُبر -بالضم-، كلُّه بمعنى المخابرة (٢).
قالوا: وهي مشتقةٌ من الخبير، وهو الأَكَّار؛ أي: الفلاح، هذا قول الجمهور.
وقيل: مشتقةٌ من الخبار، وهي الأرضُ اللينة، وقيل: من الخُبْرَة، وهي النصيب، وهي بضم الخاء.
(٣) قال أبو عُبيد (٤): هو النصيبُ من سمكٍ أو لحمٍ، يقال: تخبَّروا
стр. 2223
خُبَرة: إذا (١) اشتروا شاة، فذبحوها، واقتسموا لحمها.
وقال ابن الأعرابي: من خَيْبَر (٢)؛ لأن أولَ هذه المعاملة كان فيها، وهذا (٣) ضعيف، واللَّه أعلم (٤).
وأما المحاقلة: فقد فسرها المصنفُ، وزاد غيرُه: واستكراءُ الأرضِ بالقمحِ (٥).
قال الإمام أبو عبد اللَّه: وبعضُ أهل اللغة يقول: الحقلُ اسمٌ للزرع الأخضر، والحقلُ اسمٌ للأرض نفسها التي يُزرع (٦) فيها، وفي الحديث: "مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ" (٧)؛ أي: بمزارعكم، يقول للرجل: احْقِلْ؛ أي: ازرعْ.
وقال الليث: الحقل: الزرعُ إذا تشعَّب من قبل أن يغلُظَ سُوقُه، فإن كانت المحاقلةُ مأخوذةً من هذا، فهو من بيع الزرع قبل إدراكِه.
стр. 2224
وقال أبو عبيد (١): هي بيعُ الطعام وهو في سُنبله بالبُرِّ، مأخوذ من الحقل، وهو الذي تسميه النَّاس بالعراق: القراح.
وقال قوم: هي المزارعَةُ بالجزء (٢) مما تنبت الأرض.
قال الإمام: الذي وقع في الحديث من التفسير يجمع هذا كلَّه؛ لأنَّا إن قلنا: إن ذلك تسمية للزرع الأخضر؛ فكأنه نَهَى عن بيعه بالبُرِّ؛ إذ بيعُه بالعروض والعين يجوز إذا كان معلومًا، وكانَ المحاقلة تدلُّ على ذلك؛ لأنها مفاعَلَة، ولذلك قال أبو عبيد في تفسيرها (٣): إنها بيعُ الطعامِ في سُنْبُلِهِ بالبرِ، وظنَّ (٤) الآخرون أنها بيعُه قبلَ زَهْوِه، فكأنه قال: نَهَى عن بيع الزرع الأخضر، وهذا يطابق قولَه: "نهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تُزْهِيَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ" (٥)، فهذه طريقةُ مَنْ صرفَ التسمية إلى الزرع الأخضر.
ووقع الاختلافُ بينهم هل المراد: بيعُه وهو أخضرُ قبلَ زهوه، أم المراد: بيعُه في سنبله بقمح آخر لا يُعلم حصولُ التماثُلِ بينهما؟ والوجهانِ ممنوعان، إذا بيع في الوجه الأول على التبقية (٦)، وطريقةُ
стр. 2225
مَنْ صرفَها إلى الأرضِ نفسِها، اختلف -أيضًا- هل المراد: اكتراؤها بالحنطة، أو اكتراؤها بالجُزْءِ مما تنبت (١)؛ والوجهان ممنوعان عندنا، وخالفَنا في جواز ذلك غيرُنا من العلماء (٢).
ع: اختلف العلماء في اكتراء الأرض بالحنطة والطعام (٣)، وبما تنبته الأرض، وبالجزء (٤) مما يخرج منها.
فقال الإمام: اختلف في منعِ كراءِ الأرضِ على الإِطلَاقِ، فقال به طاووس والحسن؛ أخذًا (٥) بظاهر هذا الحديث؛ يعني: حديث (٦): أَنَّه نَهَى عن كِرَاءِ الأرضِ فعمَّ (٧)، وأنه نَهَى عنِ المحاقَلَة، وفسَّرها الراوي بكراء الأرض (٨)، فأطلق أيضًا.
وقال (٩) جمهور العلماء: إنما يمنع على التقييد دون (١٠) الإطلاق، واختلفوا في ذلك، فعندنا كراؤها بالجزء (١١) لا يجوز، من غير خلاف،
стр. 2226
وهو مذهبُ أبي حنيفة، والشافعي، وقال بعضُ الصحابة وبعضُ الفقهاء بجوازه؛ تشبيهًا (١) بالقِراض.
وأما (٢) اكتراؤها بالطعام مضمونًا في الذمة؛ فأجازه أبو حنيفة؛ لقول رافعٍ في آخر حديثه: فأمّا شيءٌ معلومٌ مضمونٌ، فلا بأسَ بِهِ، وحملَ ذلك أصحابُنا على تفسيرِ الراوي واجتهاده، فلا يلزم الرجوعُ إليه.
وقال ابنُ نافعٍ من أصحابِ مالكٍ: يجوز كراؤها بالطعام أو غيره؛ كأن ينبت فيها أوَّلًا، إِلَّا الحنطةَ وأخواتها، إذا كان ما تُكرى (٣) به خلافَ ما يُزرع فيها.
قال ابن كنانة من أصحاب مالك: لا تُكرى بشيء (٤) إذا أُعيد فيها نبتٌ، ولا بأس بغيره، كان طعامًا أو غيره، وقد أضيف هذا القول إلى مالك، وقد تعلق أصحابُنا بما رُوي: "أَنَّه نَهَى عن كراءِ الأرضِ بالطعامِ"، فعَمَّ، ولأنَّ الناهيَ (٥) عنها يقدر أنه على ملك ربِّ الأرض، وكأنه باعه بطعام، فصار كبيع الطعامِ بالطعام إلى أَجَلٍ، وكذلك المشهورُ من مذهبنا النهيُ عن كِرَائِهَا بما تنبته، وإن لمْ يكنْ طَعَامًا؛ لما رُوِيَ:
стр. 2227
أَنَّه نَهَى عن كراءِ الأرضِ بما يخرجُ منها.
وقد قال ابنُ حنبلٍ: حديثُ رافعٍ فيه ألوان؛ لأنه (١) مرةً حَدَّثَ به (٢) عن عُمومته، ومرةً عن نفسِه، وهذا الاضطرابُ يوهنه عنده.
وقد خرج مسلم: أَنَّ رافعًا (٣) سُئل عن كراءِ الأرضِ بالذهبِ والوَرِقِ، فقال: لا بأسَ به، إنما كان الناسُ يُؤاجرون على عهد النبيِّ ﷺ بما على المَاذِيَانَات، وأَقْبال الجداولِ، وأشياءَ من الزرع، فيهلِكُ هذا، ويَسْلَمُ هذا، ويَسْلَمُ هذا، ويَهْلِكُ هذا (٤)، ولم يكن للناس كراءٌ إِلَّا هَذا، فلذلك زَجَرَ عنه، فأمّا شيءٌ معلومٌ مضمونٌ، فلا بأسَ به (٥). وهذه إشارة منه إلى أن النهي يتعلق بهذا الغرر (٦)، وما يقع في هذا من الخطر، ولهذا اضطربَ أصحابُ مالك فيه، وقالوا فيه ما ذكرناه عنهم من الاختلاف.
وفي بعض طرق مسلمٍ: كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ على أَنَّ لنا هذهِ، ولهم هَذِه، فربما أَخْرَجَتْ هَذ، ولم تُخْرِجْ هذه، فنهانا عن ذلكَ، وأما
стр. 2228
стр. 2229
стр. 2230
أما ثمنُ الكلب، فقد تقدم من كلام الإمام في مقدمة هذا الكتاب -أعني: كتابَ البيوع- ما يرشد إلى حكمِه مستوعَبًا، فليراجِعْه (١) هناك مَنْ أراده، لكن سمعتُ بعضَ شيوخنا يحكي عن القنازعي (٢): أنه نقل عن مالك: أنه أجاز بيعَ الكلبِ في ثلاثة مواضعَ: في التَّرِكَة، وفي التَّفْليس، وفي المغنم.
وأما مهر البغي، فهو ما تأخذه الزانية على الزنا، وسماه مهرًا؛ لكونه على صورته (٣) على سبيل المجاز، واستعمالًا للوضع اللغوي، ويجوز أن يكون مجازُه من مجاز التشبيه إن لم يكن المهرُ في الوضع ما يقابل به النكاحَ (٤).
وهو حرام بإجماع المسلمين.
стр. 2231
فائدة تصريفية: بَغِيٌّ، وزنُه فَعُولٌ، والأصل: بَغُوْيٌ، فلما اجتمعت الياء والواو (١)، وسُبقت إحداهما (٢) بالسكون، قلبت الواوُ ياء (٣)، وأُدغمت الياءُ في الياء، وكسرت الغينُ إِتباعًا لكسرة الياء قبلَها (٤) لتصحَّ الياءُ الساكنة، وفَعولٌ هنا بمعنى فاعِلَة (٥)، ولذلك أتَى بغير هاء التأنيث، وهي صفةٌ لمؤنث؛ كما يأتي فَعِيلٌ للمؤنث بغير هاء إذا كان بمعنى مَفْعولٍ (٦)، نحو: امرأةٌ قتيلٌ، ونحو قوله تعالى: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ [يس: ٧٢]، وقيل: وزنه فَعيل بمعنى فاعِل، ورُدَّ بأنه لو كان فَعيلًا، للزمته التاءُ؛ لأن فَعيلًا بمعنى فاعِل إذا كان للمؤنث لزمته التاءُ؛ نحو: امرأة رحيمةٌ؛ بمعنى راحمة، وعليمةٌ؛ بمعنى عالمة، ولمَّا أتى بغير تاء، عُلم أن وزنه فَعول، لا فَعيلٌ.
وأجيب: بأنه لم تلحقها التاء؛ لأنه للمبالغة.
وقيل: لم تلحقه (٧)؛ لأنه على النسب كظالف (٨)، وطامِث (٩)،
стр. 2232
والأولُ أظهر وأقربُ للقواعد، واللَّه أعلم.
ع (١): والبغاء -بكسر الباء، ممدود (٢) -: الزِّنا والفُجور، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣]، يقال: بَغَتِ المرأةُ تَبْغي بِغاءً -بكسر الباء والمد-، وامرأة بَغِيٌّ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (٣) [مريم: ٢٥]، وجُمع بَغِي: بَغَايَا.
وأما حُلوان الكاهن، فهو ما يُعطى على كهانته، يقال منه: حَلَوْتُه (٤) حُلْوانًا: إذا أعطيته.
قال الهرويُّ وغيرُه: أصلُه من الحلاوة، شبه بالشيء الحلو؛ من حيث إنّه يأخذه سهلًا بلا كلف (٥)، ولا في مقابلته (٦) مشقة، يقال: حَلَوْتُه: إذا أطعمتُه الحُلْوَ (٧)؛ كما يقال: عَسَلْتُه: إذا أطعمتُه العسلَ.
قال أبو عبيد: ويطلق الحلوان -أيضًا- على غيرِ هذا، وهو أن يأخذ الرجل مهرَ ابنتِه لنفسِهِ، وذلك عيبٌ عند النساءِ، قالت امرأة تمدحُ زوجَها: [الرجز]
стр. 2233
وَلَا يَأخُذُ الحُلْوَانَ عَنْ بَنَاتِنَا
(١) قلت: والحلوانُ -أيضًا-: الرشوة.
قال البغوي، وع (٢): أجمع المسلمون على تحريم حلوان الكاهن؛ لأنه عوضٌ عن محرَّمٍ، ولأنه أكلُ المال بالباطلِ.
قال: وكذلك أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء، والنائحةِ للنَّوْح.
ع: وما جاء في غير مسلمٍ من النهي عن كسب الإماء راجعٌ إلى ما تقدَّمَ (٣) من كسبهنَّ بالبغاء؛ بدليل قولهِ في بقية الحديث: "إِلَّا مَا كَانَ مِنْ كَسْبِ يَدِهَا".
قال الخطابي: وحلوانُ العَرَّافِ حرامٌ كذلك، والفرقُ بين الكاهنِ والعَرَّاف: أن الكاهنَ إنما يتعاطى الخبرَ عن الكوائنِ في مستقبلِ الزمانِ، ويَدَّعي معرفةَ الأسرار.
والعراف: هو الذي يتعاطى معرفةَ الشيءِ المسروقِ، ومكان الضالَّة، ونحوهما من الأمورِ.
ذكر هذا في كتاب: البيوع من "معالم السنن"، ثم قال في باب: النهيِ عن إتيانِ الكهان: الكاهن: هو الذي يدَّعي مطالعةَ علمِ الغيب،
стр. 2234
ويخبرُ الناسَ عن الكوائن، وكان في العرب كَهَنّةٌ يَدَّعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمورِ.
فمنهم: مَنْ كان يزعم أن له رؤساءَ (١) من الجن، وتابعةً تُلقي إليه الأخبار.
ومنهم: مَنْ كان يدَّعي أنه يستدرك الأمورَ بفَهْم أُعْطِيَهُ.
وكان (٢) منهم: من يسمَّى عَرَّافًا، وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمورَ بمقدِّماتِ أسبالب يستدلُّ بها على مواقعِهَا؛ كالشيء يُسرق، فيعرف المظنون به السرقة، وتتهم المرأة بالزنية، فيعرف مَنْ صاحبُها، ونحو ذلك من الأمور.
ومنهم مَنْ كان يسمِّي المنجِّمَ كاهنًا.
قال: وحديثُ إتيان الكاهن (٣) يشتملُ على النهي (٤) عن (٥) إتيان (٦) هؤلاءِ كلِّهم، والرجوعِ (٧) إلى قولهم، وتصديقِهم فيما يدَّعونه من هذه الأمور (٨).
стр. 2235
ومنهم: مَنْ كان يدعو الطبيبَ (١) كاهنًا، وربما دَعَوْه (٢) -أيضًا- عَرَّافًا، فهذا غيرُ داخل في جملة النهي (٣)، وإنما هو مغالطةٌ في (٤) الأسماء، وقد ثبتَ عن رسولِ اللَّه ﷺ الطِّبُّ، وأباحَ العلاجَ والتداويَ، انتهى كلام الخطابي (٥).
ح (٦): (٧) قال الإمام أبو الحسن الماورديُّ في آخر (٨) كتابه (٩) "الأحكام السلطانية": ويَمْنعُ المحتسبُ مَنْ يَكْتَسِبُ (١٠) بالكهانةِ واللهو، ويؤدِّبُ (١١) عليه الآخذَ والمعطيَ (١٢).
ق: وقد قام الإجماعُ على تحريم هَذَين؛ لما في ذلك من بذلِ
стр. 2236
стр. 2237
الحديث العَاشِرُ
٢٥٩ - عَنْ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ" (١).
стр. 2238
* التعريف:
رافِعُ بنُ خَدِيجِ: بنِ عديِّ بنِ زيدِ بنِ جُشَمَ بنِ حارثةَ بنِ الحارثِ ابنِ الخزرجِ، الأَنْصاريُّ، الحارثيُّ المدنيُّ.
كنيته: أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو رافع.
كان يخضِبُ بالصُّفْرة، ويحفي شاربه، وكان يُعد من الرُّمَاةِ، أُصيب بسهمٍ يومَ أُحد في تُرقُوَته، فبقيت الحديدةُ في ترقوته (١)، فقال النبيُّ ﷺ : "إِنْ شِئْتَ نزَعْتُ السَّهْمَ وَتَرَكْتُ القُطْنَةَ (٢)، وَشَهِدْتُ لَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَّكَ شَهِيدٌ"، فتركَها، وكان إذا ضحكَ فاستغرق (٣)، بدا ذلك السهمُ.
استُصغر يومَ بدر، وأُجيز يومَ أحد، وتوفي سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ثلاث وسبعين بالمدينة، وله ستٌ وثمانون سنة.
روي له عن رسول اللَّه ﷺ ثمانية وسبعون (٤) حديثًا، اتفقا منها على خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة.
стр. 2239
روى عنه: عبدُ اللَّه بنُ عمرَ بنِ الخطابِ، والسائبُ بنُ يزيدَ، وحنظلةُ بنُ قيسٍ، وعبدُ اللَّه بن رفاعةَ، وعطاءُ بنُ صُهَيْب مولاه، وسليمانُ بنُ يَسارٍ، وغيُرهم.
روى له الجماعة ﵁ (١).
* الشرح (٢):
(٣) أما ثمن الكلب، فقد تقدم في أول كتاب: البيوع ما تعرف (٤) منه علَّة النهي، وعلَّة الجواز حين أجاز بَيعه مَنْ أجازَه.
ولنذكر هاهنا قاعدةً كلية، فنقول: كلُّ حيوانٍ طاهر ليس بذي حرمةٍ، منتفعٍ به في الحال، أو (٥) المآل، لم يتعلّق (٦) به حقٌّ لغير
стр. 2240
المالك، فبيعُه جائز (١).
فقولنا: طاهر؛ لأن الشافعي يرى الكلبَ نجسًا، وهو قولُ عبدِ الملك، وسحنون من أصحابنا، والنجاسةُ عنده علَّة في منع البيع.
وقولنا: ولا ذي حرمة: احترازٌ مما فيه شائبةُ حُرِّيَّة؛ كأم الولد، والمعتَقِ بعضُه، والمعتَقِ إلى أجلٍ، والمكاتَبِ، والمُدَبَّر (٢)، وأجاز الشّافعيُّ بيعَ المدبَّرِ.
وقولنا: منتفَعٍ به في الحال: لتخرجَ الحشراتُ وغيرُها مما لا منفعةَ فيه البتةَ.
وقولنا: أو (٣) المآل: ليدخُلَ العبدُ الصغيرُ المرجُوَّةُ (٤) منفعتُه فيما يُستقبل.
وقولنا: لم يتعلَّق بهِ حقٌّ لغير المالك: ليخرجُ بيعُ العبدِ المستأجرَ، والمخدَم، وإن كان منتفَعًا به في المآل.
وإذا علمتَ هذا، علمتَ أن الكلب الذي لا يجوز كسبُه ولا اقتناؤه، لا يجوز بيعُه؛ لأن ذلك معاوضة على (٥) ما لا منفعةَ فيه، فهو من باب أكلِ المالِ بالباطلِ.
стр. 2241
وإن كان مما يحلُّ اقتناؤه لزرعٍ، أو ضَرْعٍ (١)، أو صيدٍ، فقال الإمامُ أبو عبدِ اللَّه من أصحابنا (٢): من كره بيعَه؛ لهذا الحديث، وقال: ليس إباحةُ المنفعةِ تجيز المبايعةَ؛ كأم الولد يُنتفَع بها ولا تُباع، ومن أجازَ بيعَه منهم، حملَ هذا الحديثَ على ما لا يحلُّ اقتناؤه واتخاذُه، وقد قدمنا أنه لا يجوز بيعُه، أو حَمَلَهُ على أنهُ كانَ حين أمر بقتلِ الكلابِ، فلما وقعت الرخصةُ في كلب الضَّرْعِ وما ذُكر معه، وأجيز اقتناؤه، وقعتِ الرُّخصَةُ (٣).
قلت: واختلف -أيضًا- قولُ مالك فيما أُبيح منها، فرويَ عنهُ الإجازة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وروي (٤) المنعُ، وهو قوله في "الموطأ".
ع: واختُلف في التأويل على مالكٍ، هل هو على الكراهةِ، ويمضي إذا وقعَ؛ لقوله في "الموطأ": يكرهُ (٥) ثمنُ الكلبِ، وروى عنه ابن نافع: لا بأسَ ببيعِه في الميراثِ والغنائم.
ويُكره للرجل ابتداءً، وهو عنده على التحريم، فيردُّ، وهو قولُ
стр. 2242
الشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ. واختلف أصحابُ مالك على القولين، وابنُ القاسم يكرهه للبائعِ دونَ المشتري للضرورةِ إليهِ.
ثم اختلفوا على القول بمنع بيعِه فيمن قتلَه، هل عليه قيمتُه؟
واختلف (١) قولُ مالك في التزامِ (٢) القيمة لما (٣) يجوز اتخاذُه، وإسقاطِه في غيره.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: في الجميع القيمةُ.
وقال الشافعيُّ، وأحمدُ: لا قيمةَ له في الجميعِ.
تكميل: وقد جاء- أيضًا (٤) - النهيُ عن ثمن السِّنَّوْر، وحُمل على ما لا يُنتفع به، أو على أنه نهيُ تنزيه؛ ليعتادَ النّاسُ هبتَه وإعارتَه، والسماحةَ فيه؛ كما هو الغالب، فإن كان مما يُنتفع به، صحَّ البيع فيه إن وقعَ، وكان (٥) ثمنُه حلالًا؛ هذا مذهبنا، ومذهبُ عامة العلماء، إِلَّا ما حكى ابنُ المنذر عن أبي هريرةَ، وطاوسٍ، ومجاهدٍ، وجابرِ بنِ يزيد: أنه لا يجوزُ بيعُه، واحتجوا بالحديث الواردِ فيه، وأُجيب عنه بما تقدم.
ح: وأما ما حكاه الخطابي، وأبو عمرَ بنُ عبدِ البر: من أن الحديث
стр. 2243
في النهي (١) ضعيفٌ، فليس (٢) كما قالا، بل الحديثُ صحيح، رواه مسلمٌ، وغيرُه، وقولُ ابنِ عبدِ البر: لم يروِه عن أبي الزُّبير غيرُ حماد ابنِ سلمةَ، غَلَطٌ منه أيضًا؛ لأن مسلمًا قد رواه في "صحيحه" كما ترى من رواية معقلِ بنِ عبد اللَّهِ، عن أبي الزُّبير، فهذان ثقتان روياه عن أبي الزُّبير، وهو ثقة أيضًا (٣).
قلت: وهذا معنى قول ع (٤) في "الإكمال"، واللَّه أعلم (٥).
وقوله: "وكسبُ الحجامِ خبيثٌ": اختُلف في المراد بخبيثٍ هنا، هل على (٦) التحريم، أو الكراهة؟
فقال (٧) الإمام (٨): المرادُ به (٩): التنزُّهُ (١٠) عن كسبه (١١)؛ لأنها من
стр. 2244
الصنائع الذميمة المستقذَرَة، والشرعُ يحضُّ على مكارم الأخلاق، والتنزُّهِ (١) عن الدناءة، والدليلُ على ذلك قولُ ابنِ عباسٍ في كتاب "مسلم": حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عبدٌ لبني بَيَاضَةَ، فأعطاهُ النبيُّ ﷺ أجرَه، وكَلَّمَ سيدَه، فخفَّفَ عنه ضَريبتَهُ، ولو (٢) كان سُحْتًا، لم يُعْطِه (٣).
وذهب بعضُ النَّاس إلى منع ذلك في الأحرار، واستعمل الحديث فيمن وقع (٤) على صفة ما وقع عليه، وأظنهم يجيزونه في العبد ليعلفَ به نواضِحَه ورقيقَه.
وفي "التّرمذي": أنه ﷺ استؤذِنَ في إجارةِ الحجَّامِ، فنهى الذي استأذَنَه عنها (٥)، فلم يزلْ يستأذنُهُ ويسألُه، حتى قال (٦): "اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ (٧) وَرَقِيقَكَ" (٨).
стр. 2245
قلت: الناضحُ البعيرُ يُستقى (١) عليه، والأنثى ناضِحَةٌ، قاله الجوهري (٢).
وممن خصَّه بالعبيدِ: أحمدُ بن حنبل، وفقهاءُ أصحاب الحديثِ؛ أخذًا بظاهر قوله ﵊: "اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ وَرَقِيقَكَ"، وهو في "الموطأ" هكذا من رواية مالك ﵀ (٣).
ع: وعامة الفقهاءِ على خلافِ (٤) قولهم، وأنه جائز أكلُه، وحملوا الحديثَ على التنزُّهِ (٥)، والحضِّ على مكارم الأخلاق؛ إذ لا يجوز للرجلِ أن يُطعَم عبيدَه ما لا يحلُّ لهُ أكلُه، وجعلوا إباحتَه هذه ناسخةً لقوله: "خَبِيثُ"، والخبيثُ الحرامُ (٦)، وأنه (٧) آخرُ الأمرين من رسول اللَّه ﷺ .
ح (٨): وقيل (٩): إن النهي عن كسب الحجام قد يحتمل أن يكون