← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وإن كان مما يحلُّ اقتناؤه لزرعٍ، أو ضَرْعٍ (١)، أو صيدٍ، فقال الإمامُ أبو عبدِ اللَّه من أصحابنا (٢): من كره بيعَه؛ لهذا الحديث، وقال: ليس إباحةُ المنفعةِ تجيز المبايعةَ؛ كأم الولد يُنتفَع بها ولا تُباع، ومن أجازَ بيعَه منهم، حملَ هذا الحديثَ على ما لا يحلُّ اقتناؤه واتخاذُه، وقد قدمنا أنه لا يجوز بيعُه، أو حَمَلَهُ على أنهُ كانَ حين أمر بقتلِ الكلابِ، فلما وقعت الرخصةُ في كلب الضَّرْعِ وما ذُكر معه، وأجيز اقتناؤه، وقعتِ الرُّخصَةُ (٣). قلت: واختلف -أيضًا- قولُ مالك فيما أُبيح منها، فرويَ عنهُ الإجازة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وروي (٤) المنعُ، وهو قوله في "الموطأ". ع: واختُلف في التأويل على مالكٍ، هل هو على الكراهةِ، ويمضي إذا وقعَ؛ لقوله في "الموطأ": يكرهُ (٥) ثمنُ الكلبِ، وروى عنه ابن نافع: لا بأسَ ببيعِه في الميراثِ والغنائم. ويُكره للرجل ابتداءً، وهو عنده على التحريم، فيردُّ، وهو قولُ

стр. 2242

الشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ. واختلف أصحابُ مالك على القولين، وابنُ القاسم يكرهه للبائعِ دونَ المشتري للضرورةِ إليهِ. ثم اختلفوا على القول بمنع بيعِه فيمن قتلَه، هل عليه قيمتُه؟ واختلف (١) قولُ مالك في التزامِ (٢) القيمة لما (٣) يجوز اتخاذُه، وإسقاطِه في غيره. وقال أبو حنيفة وأصحابه: في الجميع القيمةُ. وقال الشافعيُّ، وأحمدُ: لا قيمةَ له في الجميعِ. تكميل: وقد جاء- أيضًا (٤) - النهيُ عن ثمن السِّنَّوْر، وحُمل على ما لا يُنتفع به، أو على أنه نهيُ تنزيه؛ ليعتادَ النّاسُ هبتَه وإعارتَه، والسماحةَ فيه؛ كما هو الغالب، فإن كان مما يُنتفع به، صحَّ البيع فيه إن وقعَ، وكان (٥) ثمنُه حلالًا؛ هذا مذهبنا، ومذهبُ عامة العلماء، إِلَّا ما حكى ابنُ المنذر عن أبي هريرةَ، وطاوسٍ، ومجاهدٍ، وجابرِ بنِ يزيد: أنه لا يجوزُ بيعُه، واحتجوا بالحديث الواردِ فيه، وأُجيب عنه بما تقدم. ح: وأما ما حكاه الخطابي، وأبو عمرَ بنُ عبدِ البر: من أن الحديث

стр. 2243

في النهي (١) ضعيفٌ، فليس (٢) كما قالا، بل الحديثُ صحيح، رواه مسلمٌ، وغيرُه، وقولُ ابنِ عبدِ البر: لم يروِه عن أبي الزُّبير غيرُ حماد ابنِ سلمةَ، غَلَطٌ منه أيضًا؛ لأن مسلمًا قد رواه في "صحيحه" كما ترى من رواية معقلِ بنِ عبد اللَّهِ، عن أبي الزُّبير، فهذان ثقتان روياه عن أبي الزُّبير، وهو ثقة أيضًا (٣). قلت: وهذا معنى قول ع (٤) في "الإكمال"، واللَّه أعلم (٥). وقوله: "وكسبُ الحجامِ خبيثٌ": اختُلف في المراد بخبيثٍ هنا، هل على (٦) التحريم، أو الكراهة؟ فقال (٧) الإمام (٨): المرادُ به (٩): التنزُّهُ (١٠) عن كسبه (١١)؛ لأنها من

стр. 2244

الصنائع الذميمة المستقذَرَة، والشرعُ يحضُّ على مكارم الأخلاق، والتنزُّهِ (١) عن الدناءة، والدليلُ على ذلك قولُ ابنِ عباسٍ في كتاب "مسلم": حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عبدٌ لبني بَيَاضَةَ، فأعطاهُ النبيُّ ﷺ أجرَه، وكَلَّمَ سيدَه، فخفَّفَ عنه ضَريبتَهُ، ولو (٢) كان سُحْتًا، لم يُعْطِه (٣). وذهب بعضُ النَّاس إلى منع ذلك في الأحرار، واستعمل الحديث فيمن وقع (٤) على صفة ما وقع عليه، وأظنهم يجيزونه في العبد ليعلفَ به نواضِحَه ورقيقَه. وفي "التّرمذي": أنه ﷺ استؤذِنَ في إجارةِ الحجَّامِ، فنهى الذي استأذَنَه عنها (٥)، فلم يزلْ يستأذنُهُ ويسألُه، حتى قال (٦): "اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ (٧) وَرَقِيقَكَ" (٨).

стр. 2245

قلت: الناضحُ البعيرُ يُستقى (١) عليه، والأنثى ناضِحَةٌ، قاله الجوهري (٢). وممن خصَّه بالعبيدِ: أحمدُ بن حنبل، وفقهاءُ أصحاب الحديثِ؛ أخذًا بظاهر قوله ﵊: "اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ وَرَقِيقَكَ"، وهو في "الموطأ" هكذا من رواية مالك ﵀ (٣). ع: وعامة الفقهاءِ على خلافِ (٤) قولهم، وأنه جائز أكلُه، وحملوا الحديثَ على التنزُّهِ (٥)، والحضِّ على مكارم الأخلاق؛ إذ لا يجوز للرجلِ أن يُطعَم عبيدَه ما لا يحلُّ لهُ أكلُه، وجعلوا إباحتَه هذه ناسخةً لقوله: "خَبِيثُ"، والخبيثُ الحرامُ (٦)، وأنه (٧) آخرُ الأمرين من رسول اللَّه ﷺ . ح (٨): وقيل (٩): إن النهي عن كسب الحجام قد يحتمل أن يكون

стр. 2246

ببيع (١) (٢) ما يفصِدُه من الحيوانات لمن يستجيز أكلَهَا من الكَفَرَة، أو لاستعمالها في بعض الأشياء، واحتجَّ على ذلك بقوله: "نَهى عنْ ثَمَنِ الدَمِ (٣) " (٤). وقيل: إنما كره؛ لأنه لم يشترط أجرةً معلومةً قبلَ العمل، وإنما يعمل غالبًا بأجر مجهول، وهذا لا تعلُّقَ فيه، وقد أجازَ العلماءُ مثلَ هذا على ما استمرَّتْ فيه العادة في المكارَمَة (٥)، وإن كان لابن حبيبٍ من أصحابنا ما ظاهرُه المنعُ في كلِّ إجارة حتى يُسَمَّى الأجرُ. وحكى الداودي في هذا الباب جوازَ ما جرتْ به العادة -أيضًا- في معاملة الجزار، وبياع الفاكهة، ودفع الثّمن (٦) ليعطيك مما يبيعُه دونَ أن تُساومه (٧)، أو تعرفَ كيفيةَ (٨) بيعِه، واللَّه أعلم (٩).

стр. 2247

(١) قلت: وهو الذي يعبر عنه أصحابنا ببيعِ المعاطاة، والشافعيةُ يشترطون الإيجابَ والقبول، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2248

باب العرايا وغير ذلك الحديث الأول (١) ٢٦٠ - عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرَخَصَ لِصَاحِبِ العَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا (٢) وَلِمُسْلِمٍ: بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا (٣).

стр. 2249

* التعريف: زَيْدُ بنُ ثابِتِ بنِ الضحَّاكِ بنِ زيدِ بنِ لوذَانَ -بضم اللام (١) وبالذال المعجمة- ابنِ عَمرِو بنِ عبدِ عوفِ بنِ غنمِ بنِ مالكِ بنِ النجَّار (٢). وقيل: زيدُ بنُ ثابتِ بنِ الضَّحَّاكِ بنِ حارثةَ بنِ زيدِ بنِ ثعلبةَ، الأنصاريُّ، النجاريُّ، المدنيُّ. يكنى: أبا سعيد، وقيل: أبو خارجة، كان أحدَ الأحدَ عشرَ الذين كانوا يكتبون الوحيَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وأبيُّ بنُ كعب، وزيدُ بن ثابت، ومعاويةُ، وحنظلةُ بنُ الرَّبيع، وخالدُ بن سعيدِ بنِ العاص، وأبانُ بن سعيد، والعلاءُ بن الحضرميِّ. وقال ابن الجوزي: وكان المداومُ له على الكتابة زيدًا، ومعاويةَ، ﵃ أجمعين.

стр. 2250

قتل أبوه يوم بُعاث قبل هجرة النبيِّ ﷺ ، وكان أحدَ الفقهاء الذين يُفتون على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وكان من خيرِ الأئمَة (١) عِلْمًا وفِقْهًا وفَرائِضَ، من الراسخين، وكان يكتب الكتابين (٢) العربيَّ والسريانيَّ. روي عنه: أنه قال: قال لي رسولُ اللَّه ﷺ : "يَا زيدُ؟ أَتُحْسِنُ (٣) السُّرْيانيَّةَ؟ "، فقلت: لا، قال: "فَتَعَلَّمْها (٤)؛ فَإِنَّهُ يَأْتِينَا كُتُبٌ"، قال: فتعلمتُها في سبعةَ عشرَ يومًا (٥). وفي رواية عنه قال: لما قَدِمَ النبيُّ ﷺ ، انطُلِق بي إليه، فقيل: يا رسولَ اللَّه! هذا غلامٌ (٦) من بني النجار، قد قرأ مما أُنزل عليك بضعةَ عشرَ سورةً، فاستقرأني، فقرأتُه، فأعجبه، فقال لي: "تَعَلَّمْ كِتَابَ يَهُودَ؛ فَإِنِّي لا آمَنُهُمْ عَلَى كِتَابِي"، فتعلمتُه في بضعةَ عشرَ (٧) ليلة، قال: فكنتُ أكتبُ إليهم، وأقرأ كتابهم إذا كتبوا إليه (٨).

стр. 2251

(١) روى عنه من الصحابة: عبدُ اللَّه بن عمر، وأبو الدرداء، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وأنسُ بنُ مالك، وأبو هريرة، وسهلُ بنُ أبي حَثْمَةَ (٢)، وغيُرهم. ومن التابعين: سعيدُ بنُ المسيب، والقاسمُ بنُ محمد، وسليمانُ ابنُ يسار (٣)، وعطاءُ بنُ يسار، وأبانُ بنُ عثمانَ، وبِشْرُ بنُ سعيد، وخارجةُ وسليمانُ ابناه، وقَبيصةُ بنُ ذُؤيب، وغيُرهم. وكان ممن حَفِظَ القرآنَ على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ . واختُلف في وفاته، فقيل: سنة خمس وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة خمس وأربعين، قيل: والصحيح الأول (٤)، واللَّه أعلم (٥).

стр. 2252

* الشرح: العَرِيَّة -مشددة الياء-، وهي النخلة يُعريها صاحبُها رجلًا محتاجًا، فيجعل له ثمرَها عامَها، فيعروها؛ أي: يأتيها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما زِيدَتْ (١) فيها الهاء؛ لأنها أُفردت فصارت في عداد (٢) الأسماءِ؛ مثل النطيحةِ والأكيلةِ، ولو جئت بها مع النخلة، لقلتَ: نخلة عَرِيٌّ، قاله الجوهري (٣). قلت: وهذا قريبٌ مما فَسَّرَ به مالك العرية، فإنه قال: هي أن يُعري الرَّجلُ؛ أي: يهبُ ثمرةَ نخلةٍ أو نخلات، ثم يتضرر بمداخلة الموهوب له، فيشتريها منه بخُرْصها تمرًا، هذا أو نحوه، على شروط يأتي ذكرها إن شاء اللَّه تعالى. ع قيل: سميت عريّة؛ لأنها عَرِيَتْ من السَّوم عندَ البيع للتمر، فيكون اسمًا للنخلة. وقيل: سميت بذلك؛ لتخلِّي مالِكِها عنها من بين نخلِه؛ أي: عريتْ من جملتها، فيكون على هذا فَعيلة، بمعنى فاعلة. وقيل: لأنها عريتْ من جملة التحريم، وعلة المزابنة. وقيل: بل هي النخلة للرجل في نخل غيره، فيتأذى به (٤) صاحبُ

стр. 2253

النخل، فرخص له في شرائها بخرصها. ومعناها هنا الانفراد، يقال: أعريتُ هذه النخلةَ: إذا أفردتها بالبيع أو الهِبَة. وقيل: العريّة: الثمرةُ إذا أرطبتْ سُميت بذلك؛ لأن النَّاس يعرونها، أي: يأتونها (١) للالتقاط لثمرها. وقال الشافعي ﵀: العرية: بيعُ الرطب على رؤوس النخل بقدر كيلِه من التمر (٢) خرصًا فيما دون خمسة أوسق (٣). ق: ويشهد لتفسير مالك أمران: أحدهما: أن العريةَ مشهورةٌ بين أهل المدينة، متداوَلَةٌ بينهم، وقد نقلها مالكٌ هكذا. والثاني: قوله: "لصاحبِ العريَّة"؛ فإنه يشعر (٤) باختصاصه بصفة يتميز (٥) بها عن غيره، وهي الهِبَة (٦) الواقعة، وأنشد في تفسير العرايا بالهِبَة قول الشاعر: [الطويل]

стр. 2254

لَيْسَتْ بَسنْهَاءَ وَلَا رَجبية ... وَلَكنْ عَرَايَا فِي السِّنِينِ المَوَاحِلِ (١) (٢) ع: وقد ذهب أحمدُ بنُ حنبل في تأويل العرايا إلى ما ذهب إليه مالكٌ، إِلا أنه خالفه في جواز بيعِها من ربِّها وغيرِه، وهو قولُ الأوزاعيُّ؛ لظاهرِ إطلاقِ الحديثِ، وعموم بيعها. ومشهورُ مذهب مالك: قصرُ جوازِ بيعِها على ربِّها بخرصها تمرًا (٣) إلى الجدادِ، وذلك بعد بدوِّ صلاحِ العريَّة (٤). وروي عنه: أنه لا يجوز بخرصها، ويجوز بغيره. وروي عنه: أنه يجوز بخرصها وبغيره، وبالعروض؛ يريد: على الجدِ. وروي أنه لا يجوز شراؤها إِلَّا بخرصها، ولا يجوزُ بغيره من دنانير أو دراهم، أو غير ذلك؛ لأنه من باب العَوْد في الهِبَةِ، وبالخرصِ رخصةٌ لا تتعدَّى، فقيل: اختلافُ قولهِ في ذلك على اختلافِ الأصلِ في تقديمِ خبرِ الواحدِ على القياسِ على الأصولِ، أو تقديمها عليه وعلى الأصل في أن الرّخَصَ لا يُتعدى بها مواضعُها، فإذا منع

стр. 2255

بالخرص، قدم القياس على الأصل في النهي عن بيع ثمر (١) النخل بالتمر (٢) كيلًا مع اختلاف النَّاس في معنى الحديث، لكن هذا القول ضعيف وشاذ من قوله؛ لأن في تفسير هذا الحديث هذا الاستثناء، فليس الأخذُ ببعضه أولى من الأخذ بباقيه. وأما مشهور قوله: بأنه لا يجوز إِلَّا بخرصها إلى الجداد، فلم يَرَ تعدِّيَ الرُّخصة عن وجهها، وهو أظهرُ، ورأى في قوله: عموم شرائها بكل شيء، القياسَ على الرُّخصة بالخرص، وأنه إذا جاز به، كان بغيره أولى (٣)، مع أنها هبةُ منافع، والحديثُ في منع الرجوع في الهِبَة إنما جاء في الرِّقاب، وما لم يبقَ للواهب فيه تعلُّق، وشراءُ العرية هنا زيادة معروف لكفايته المؤنة، وضمانه له المنفعةَ، ولدفع المضرة عن نفسه. ع وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، في تفسير العرية إلى أنها: النخلة يهبُ صاحبُها ثمرَها للرجل، فلا يقبلُها، ثم يبدو لصاحبها أن يُمسكها، ويُعوضه من ثمرها خرصَها تمرًا. قلت: وهذا في البعد كما ترى. وبالجملة: فالعريةُ رخصة مستثناة عندنا من أربعة أصول: من التفاضل بين الطعامين، وبيع الطعام بالطعامِ نسيئة، ومن العَوْد في الهِبَة، ومن المزابنة والغَرَر، وهو شراءُ الجزاف بالمكيل، والرَّطْبِ باليابس.

стр. 2256

قيل: وإنما أرخص فيها؛ لأنها أنزلت منزلة الإقالةِ، والتولية، والشركة، واللَّه أعلم. ع: وجوازها عندنا بشروط عشرة: ستة متفق عليها: أن يكون مشتريها هو مُعْريها. قلت: (١) أو مَنْ صار الحائطُ إليه ببيع، أو هبة أو ميراث من مُعْريها (٢)، و (٣) مَنْ تَنَزَّلَ منزلتَه (٤)، وأن تكون (٥) قد طابت، وألا تُشترى إِلَّا بخرصها، وألا يكونَ إِلَّا بنوعها، ولا يكون (٦) إِلَّا باليابس منه، لا برطبه، وأن يكون مؤخرًّا إلى الجداد، لا نقدًا (٧)؛ خلافًا للشافعي في قوله: لا يكون التمر (٨) إِلَّا حالًّا. وبقولنا: قال أحمد، وإسحاق، والأوزاعي. وأربعةٌ مختلَف فيها (٩): أن يكون بلفظ العَرِيَّة، وأن يكون خمسةَ

стр. 2257

أَوْسُقٍ فأدنى من جملة ماله، وأن يكون المشترَى (١) جملتَها لا بعضَها، وأن يكون مما يُخْرَصُ، أو مما يبسَ (٢) ويُدَّخَر. هذا جملةُ تحصيل المذهب في العريَّة، وخصوصها بذلك كلِّه عندنا من غيرها، أو بما تختص به من ذلك عندنا. وقاس يحيى بنُ عمرَ من أصحابنا سائرَ بيع الثمار على العريَّة، فأجاز بيعَ الثمار كلِّها بخرصِها إذا طابت إلى الجداد، وشذَّ في ذلك شذوذًا منكرًا، ولم يقل بهذا أحدٌ من أهلِ العلمِ، وهو مخالفٌ للحديثِ في النهيِ عن المزابَنَةِ (٣). انتهى. وقوله: "لصاحبِ العريَّة"؛ أي: الموهوب، وقد تقدم أنه مما يقوي تأويلَ مالك ﵀ في تفسير العريَّة. وقوله بخرصها؛ أي: حزرها. قال الجوهري: الخرص: حَزْرُ ما على النخل من الرُّطَب تمرًا، والاسمُ (٤): الخِرْص -بالكسر-، تقول: كم خِرْصُ أرضِك (٥)؟ وتمرًا: منصوب على التمييز، ورطبًا على الحال، واللَّه أعلم.

стр. 2258

الحديث الثاني ٢٦١ - عَنْ أَبِي هُرَيرةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ (١).

стр. 2259

* الشرح: زاد في هذا الحديث المقدارَ المرخَّصَ فيه. وقوله: "في (١) خمسة أَوْسُق، أو دون خمسةِ أَوْسق": الكلام فيه من وجهين: أحدهما: لما شَكَّ الراوي، اختلف أصحابُنا في جواز البلوغ إلى الخمسة (٢). قال الإمام: وقد قال بعض المخالفين: إذا شكَّ الراوي بين خمسةِ أوسقٍ فما دون، فلا وجهَ للتعلُّق بروايته في تحديد مقدار ما دون الخمسة الأوسق، ولكن وقع في بعض الروايات: "أربعة أَوْسُق" (٣)، فوجب الانتهاءُ إلى هذا المتيقَّن، وإسقاطُ ما زاد عليه، وإلى هذا المذهب مالَ ابنُ المنذر، وألزم المزنيُّ الشافعيَّ أن يقول به، انتهى (٤). والمشهورُ من مذهبنا: البلوغُ إلى خمسةِ (٥) الأوسق. قال عبد الحق في "نكته": لأن الراوي لما لم يحدَّ (٦) ما دونها،

стр. 2260

فكنا إن أجزنا أربعة أو أقل، يلزم أن يكون دونَ ذلك (١)، فمراعاةُ ذلك يؤدِّي إلى طرح القولِ بالعريَّة؛ إذ ليس هنا يقين (٢) يُرجع إليه، فوجبَ إذ (٣) حصل ذلك غيرَ معلوم الاقتصارُ على خمسة أوسق، التي (٤) هي حدٌّ في أن الزَّكاة لا تكون في أقلَّ منها. قلت: الذي أفهمهُ من لفظة (٥) "فما دونَ": وجودُ مطلقَ الدونيَّة، فحيثُ وُجدت، فقد صدق (٦) ذلك على المعنى المفهوم من قول الشارع: "فيما دون"، فيصدق هذا على النقص عن خمسة الأوسق (٧)؛ قليلًا كان النقصُ أو كثيرًا، فإذًا لا يؤدِّي ذلك إلى طرح القول بالعريَّة على هذا التقدير؛ إذ لا يحتاج في ذلك إلى تيقُّن شيء معلوم ولا بُدَّ، بل كلُّ قدرٍ ناقصٍ عن خمسة أوسق جازتْ فيه العريَّةُ، واللَّه أعلم. وهذا عندي نظير قول أصحابنا: إنه (٨) لا يجوزُ بيعُ سلعةٍ وذهبٍ بدراهمَ، إِلَّا أن يكون الذهبُ المقرونُ بالسلعة أقلَّ من دينار، أتراهم حَدَّدوه بقدر معلوم؟ فقولهم هنا: أقلَّ من دينار؛ كقوله في الحديث:

стр. 2261

"فيما دونَ خمسةِ أَوْسُق"، فلتعلم ذلك، وباللَّه التوفيق. وأما قياسُه العريَّةَ على الزَّكاة، فلم يظهر لي (١) وجهُ المناسبة في ذلك. الوجه الثاني: ع: وقوله: "في خمسة أوسق" مما يدلُّ على أنه يختصُّ بما يُوسَق ويُكال، ويحتجُّ به لأحد القولين؛ لاختصاص ذلك بالتمر والزبيب، وما في معناه (٢) مما ييبس ويُدخر ويأخذه الكيل. قال: وقد ذكر أبو داود الحديثَ عن أبي هريرة (٣)، وفيه "فيما (٤) دونَ خمسةِ أوسُق"، فقد قصر ﵊ الرُّخصة والحكمَ في العريَّة على هذا القدر المذكورِ في الحديث، فلا يُزاد عليه، وكأن خمسةَ (٥) الأوسق هي أولُ (٦) مقادير المال الكثير الذي تجب فيه الزَّكاة من هذا الجنس، فقصد الرفق بمن (٧) لا مالَ له، وأُجيز له شراءُ العريَّة على التّأويل الواحد، أو بيعها على التّأويل الآخر على هذا القدر، فاستخف في هذا القدر للرفق (٨) والتفكُّه، فإذا زاد على

стр. 2262

هذا القدر، وأخرجه عن القليل إلى حيِّز المال الكثير، وما يطلب فيه التَّجْرُ وتنميةُ المال، منع منه؛ لكثرةِ الغررِ والمزابنةِ فيه؛ لكثرتهِ وخروجه عن قصدِ الرفقِ لقصد التنمية، أو يمكن أن يكون هذا القدر هو الذي جرى عندهم العرفُ بغاية الإعراء فيه غالبًا. وقد اختلف قولُ مالك في إجراء حكم العريَّة في خمسة أوسقٍ، فقال به في مشهور قوله اتباعًا لما وجد عليه العمل عندهم بالمدينة. وقال -أيضًا-: لا يجوز في الخمسة، ويجوز فيما دونها؛ لأنه المتحقَّق في الحديث، والخمسةُ مشكوكٌ فيها، وبهذا قال الشافعيُّ، إِلَّا أنه قال: لا أفسخ البيع في مقدار خمسةِ أوسق، وأفسخُه فيما وراءه. وحكى ابنُ القصَّار عنه اختلافَ قوله؛ كاختلافِ قول مالك، وهذا بشرائها بخرصها تمرًا، وأما شراؤها بالدنانير والدارهم والعروض على مشهور قول مالك (١)، فجائز من ربها وغيره (٢)، وإن جاوزت خمسةَ أوسق، انتهى (٣). وفروعُ العريَّة مبسوطةٌ في كتبِ الفقهِ. * * *

стр. 2263

الحديث الثالث ٢٦٢ - عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا (١) قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرُهَا (٢) لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ" (٣). وَلِمُسْلِمٍ: "وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ (٤) المُبْتَاعُ" (٥).

стр. 2264

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: النخل: اسمُ جنس، والنخيلُ جمعٌ وليس بجنس، والنخلُ يذكَّرُ ويؤنَّثُ، فمن التذكير قولُه تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وقد تسمى النخلةُ شجرة، وفي الحديث: "مَا شَجَرَةٌ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا؟ "، ثم فُسرت بالنخلة (١)،

стр. 2265

وأما النخلة (١) في قول الشاعر: رَأَيْتُ بِهَا قَضِيبًا فَوْقَ دِعْصٍ ... عَليهِ النَّخْلُ أَيْنَعَ والْكُرُومُ فقالوا: ضربٌ (٢) من الحلي، والكرومُ: القلائدُ (٣). الثاني: التأبير: تلقيحُ النخل (٤)، وهو تشقيقُ أَكِمَّةِ إناثِ النخل، ويُذَرُّ طَلْعُ الذَّكَر فيها، أو (٥) يعلَّق عليه لئلا يسقطَ. ع: وقال ابن حبيب: الإبارُ: شقُّ الطلعِ عن الثمرةِ، وإنما يلقح بعضُ النخل لا كلُّه، ويُشق الباقي بانبثاثِ ريحِ الفحولِ إليه؛ الذي يحصل به تشقيقُ الطلع، يقال منه: أَبَرْتُ النخلَ -مخفف (٦) الباء (٧) -، وقد تشدد، وعليه التأبير، وأما الإِبار -مثل الإزار-: فاسمُ التأبير، فيقال من المخفف: نَخلةٌ مأَبُورة، ومن المشدد: مُؤَبَّرَة، والإبارُ في غير النخل: عقدُ ثمره، وثباتُ ما يثبت (٨)، و (٩) سقوط ما يسقط من نوره إِلَّا ما يذكر منه، فحكمُه حكمُ النخل، واختُلف في الزرع هل

стр. 2266

إبارهُ الظهورُ، من الأرض، أو الإفراك؟ واللَّه أعلم (١). الثالث: نصَّ في الحديث على كون الثمرة مع الإطلاق للبائع بعدَ الإبار، إِلَّا أن يشترط، ودليلُ هذا الخطاب: أنها قبلَ الإبار للمشتري، وهذا مذهبُنا، وخالف في ذلك أبو حنيفة، ورأى أنها قبلَ الإبار للبائع كما هي بعدَ الإبار. قال الإمام: وسببُ الاختلاف بين الفَقيهَيْنِ (٢): أن مالكًا يرى: أن ذِكْرَ الإبارِ هاهنا القصدُ به تعليقُ الحكم عليه؛ ليدلُّ أن ما عداه بخلافه، ويرى أبو حنيفة: أن تعلّق الحكم به، إما (٣) للتنبيهِ به على ما لا يُؤبر، أو (٤) لغير ذلك، ولم يُقصد به نفيُ الحكم عما سوى المذكور. قال: وقال بعض أصحابنا: هذا منه دعوى؛ إذ لا يمكن التنبيه بالمؤبر على ما لا يؤبر، وإنما ينبه بالأدنى على الأعلى، أو بالمشكِل على (٥) الواضح، وهذا خارجٌ عن هذين القسمين، مع أن الذي قاله مالك له فيه شبهٌ في الشرعِ، وذلك أن الثمرةَ قبل الإبار تُشبه الجنينَ قبل الوضع، وبعدَ الإبار تشبه الجنينَ بعد (٦) الوضع، فلما كانت الأجنَّةُ

стр. 2267

قبل وضعِها للمشتري، وبعدَ وضعها للبائعِ، وجب أن يجري الثمرُ هذا المجرى. وأما إذا لم تؤبر (١)، و (٢) ثبت أنها للمشتري؛ كما بيناه، (٣) فهل (٤) يجوز للبائع أن يشترطها؟ المشهور في المذهب عندنا (٥): أن ذلك لا يجوز على إحدى الطريقين عندنا أن المستثنى منها (٦): يجوز ذلك، هكذا بنى بعضُ شيوخنا، وبالإجازة قال الشافعي (٧). وتلخيصُ مأخذِ اختلافهم من الحديث: أن أبا حنيفة استعملَ الحديث لفظًا ومعقولًا، واستعمله الشافعي لفظًا ودليلًا، ولكن (٨) الشافعيَّ استعمل (٩) دلالته من غيرِ تخصيص، ويستعملها [مالك] مخصصة. وبيان ذلك: أن أبا حنيفةَ جعلَ الثمرةَ للبائع في الحالين؛ وكأنه

стр. 2268

رأى أن ذِكْرَ الإبار تنبيهٌ على [ما] قبلَ الإبار، على إحدى الطرق التي ذكرنا عنه، وهذا يسمى في الأصول: معقولَ الخطاب. واستعمله مالكٌ والشافعيُّ على أن المسكوتَ (١) عنه حكمُه حكمُ غيرِ المنطوقِ به، وهذا يسمِّيه أهلُ الأصول (٢): دليلَ الخطاب، فإذا كان النطقُ: من باعَ ثمرًا بعدَ الإبار، فهي (٣) للبائع، إِلَّا أن يشترطها المبتاعُ، كان دليلهُ: أنها قبلَ الإبار للمبتاع، إِلَّا أن يشترطها البائع. وخَصَّ مالكٌ بعضَ هذا الدليل بأنها قبلَ الإبار تُشبه الأَجِنَّةَ (٤)، فلا يجوزُ اشتراطُها، ويقوي هذه الطريقةَ مع القول بأن المستثنى مشترى وإن أبر (٥) بعضها، ولم يؤبر بعض، فإن كانا متساويين، فلكل واحد منهما حكمُ نفسه، وإن كان أحدهما أكثرَ من الآخر، فقيل (٦): الحكمُ كذلك أيضًا، وقيل: الأقل تبع للأكثر. ولو كان المبيع (٧) أرضًا بزرعها، وهو لم يظهر، ففيه قولان: قيل: للمشتري؛ كالثمر إذا لم يؤبر.

стр. 2269

وقيل: بل هو للبائع؛ لأنه من الجنس الذي لا يتأَبَّر، ولا يتكَرَّر (١)، فأشبهَ ما دُفن في الأرضِ وخالفَ الثمر، انتهى (٢). الرابع: قوله ﵊: "ومن باع عبدًا" إلى آخره: هذا مذهب الجمهور، خلافًا للحسن البصريِّ، والزهريِّ في قولهما: إن المال (٣) يتبعُ العبدَ في البيع، وهذا الحديث يردُّ عليهما، وهذا بخلاف العِتْق؛ فإن المال فيه يكون للعتيق (٤)، إِلَّا أن يشترطه السيدُ، وكذلك ما في معنى العتق؛ كالكتابة؛ خلافًا لأبي حنيفة، والشافعي، في قولهما: إن المال للسيد في العتق، ودليلُنا قوله ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ" (٥)، فنحنُ نعيد الضمير في (٦) قوله: "له" (٧) على العبدِ، لوجوه (٨): أحدها: أن العبد ملفوظٌ به، والسيد غيرُ ملفوظ به، بل هو مستتر

стр. 2270

في "أعتق"، يعود على (مَنْ)، وعَوْدُ الضمير في صناعة العربية على المنطوقِ به أَوْلى من عودِه على المستتر. الثاني: أن الضمير في (له) أقربُ إلى العبد من الضمير المستتر في (أعتق)، والعودُ إلى الأقرب عند التعارض أَوْلى. الثالث: لو أعدنا الضمير في (له) على ضمير السَّيِّد المشتري في (أعتق)، لفسد المعنى، إذ يبقى التقديرُ: فمالُه للسيد إِلَّا أن يشترطه السيدُ، فيكون للسيد، وهذا لا شكَّ في فساده؛ كما ترى، ولأن الكتابة يملك بها مالَه، وهي سببُ العتق، فنفسُ العتق أولى، ولأن العبدَ إذا بيع غنيٌّ بسيده، فلا تُعوزه النفقةُ طعامًا وكسوة، فهذا لا ضررَ عليه في انتزاع السيدِ لمالِه، وإذا أُعتق، افتقرَ إلى الكسب لقيام أَوَدِه وسائرِ ضروراته، فنالسبَ أن لا يُنتزع مالُه من يده؛ إذ يؤدِّي ذلك إلى الضرر به غالبًا، وقد قال ﵊: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" (١). واختلف أصحابُنا في الصَّدقة والهِبَة، أعني: إذا تصدَّقَ بعبده، أو وَهَبَه. قيل: وإنما اختُلف فيهما؛ لأخذهما شبهًا من العتق الذي يتبع العبدَ فيه المالُ، وشبهًا من البيع (٢) الذي لا يتبعُه فيه، فالبيعُ: خروجٌ ملكٍ إلى ملكٍ بعوضٍ على جهة الاختيار، والعتقُ: خروجٌ من ملك

стр. 2271

إلى غير ملك بغير عِوَض، والهبةُ خرجت لغير (١) عوض، فأشبهت العتقَ، ومن ملك إلى ملك، فأشبهت البيعَ. واختلف قولُ مالك في الوصيَّة. قال أصحابنا: ويجوز أن يشترط المشتري مالَ العبد، وإن كان عَيْنًا (٢)، والثمنُ عينٌ؛ وكأنه لا حصةَ له من الثمن، فلا يدخله الربا، وهذا على أنه اشترطه للعبد، وأبقاه على ملكه، فكأنه لم يملك هو عينًا دفعَ عوضَها عينًا أخرى، ولو اشترطه لنفسه، ما جاز؛ لتحقق (٣) الربا، وصار كمن اشترى سلعةً وذهبًا بذهب، وذلك لا يجوز. وأما الجناية، فالمالُ فيها يتبع الرقبةَ، وينتقل بانتقالها. فقد اشتمل هذا الفصلُ على كل ملك يزول عن سيده؛ لأن ذلك لا يعد في (٤) أربعة أنواع: زواله بعقد معاوضة (٥)؛ كالبيع، والنِّكاح، أو العتق، وما في معناه من العقود التي تُفضي إلى العتق، أو الهِبَة، و (٦) الصَّدقة، أو الجناية، فليعلمْ ذلك. وقد استدلَّ أصحابنا على أن العبدَ يملكُ بهذا الحديث؛ لأنه

стр. 2272

-﵊ أضاف المالَ إلى العبد بلام الملك (١). فائدة نحوية: اللام لها عشرةُ معانٍ: الملكُ حقيقةً؛ نحو: الدارُ لزيد. ومجازًا؛ نحو: أنا لكَ. والاستحقاقُ؛ نحو: البابُ للدار، والسرجُ للدابة. والتخصيصُ؛ نحو: هذا ابنٌ لزيد. والتعليلُ؛ نحو: شربتُ لأَرْوى. والتوكيدُ؛ نحو: لزيدٌ قائمٌ. والصيرورةُ (٢)، وتسمى أيضًا: لامَ العاقبة؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، ومنه قول الشاعر: [الوافر] لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ والقسمُ؛ نحو قولك: للَّهِ! لا يبقى أحد. ومقويةٌ للعامل عند تقدُّم معموله عليه؛ نحو: لَزَيْدًا ضربتُ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، والأصلُ: تعبرون الرؤيا.

стр. 2273

والعاشر: أن تكون زائدةً للتوكيد؛ نحو قوله -تعالى-: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، ﴿بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]، والأصل رَدِفَكُم، وإذ بَوَّأْنا إبراهيمَ. قالوا (١): وتكون بمعنى (عن)؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا﴾ [الأحقاف: ١١] الآية؛ أي: عن الذين آمنوا، ولو كانت على بابها: كان (٢) ما سبقتمونا إليه، واللَّه أعلم (٣). * * *

стр. 2274

الحديث الرابع ٢٦٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ ابتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفيَهُ" (١). وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَقْبِضَهُ" (٢) (٣).

стр. 2275

٢٦٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ (١). * * * * الشرح: هذا الحديث أصلٌ في منع بيعِ الطعام قبل قَبْضِه.

стр. 2276

والطعام في (١) اللغة: ما يؤكل، قاله الجوهري، قال (٢): وربما خُصَّ الطعامُ بالبُرِّ. وفي الحديث: عن أبي سعيد (٣)، قال: كنا نُخرج صدقةَ الفطر على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير (٤). وقد اختلفت الطرقُ في هذا الحديث، ففي بعضها: "حَتَّى يَقْبِضَهُ"، وفي بعضها: "حَتَّى يَسْتَوْفيه"، وفي بعضها: "حَتَّى يَسْتَوْفيَهُ وَيَقْبِضَهُ" (٥)، وهما بمعنى واحد (٦)، وفي بعضها: "حَتَّى يَسْتَوْفيَهُ يَقْبِضَهُ" -بغير واو- على التفسير، وفي بعضها: "حَتَّى يَكْتَالَهُ" (٧)، ومجموعُها يقتضي منعَ بيعِ الطعام قبل أن يقبضه المشتري؛ كما تقدم. وهل يختصُّ ذلك بالطعام، أو يُقاس ما عداه عليه؟ اختلف (٨) في ذلك: فمنعه الشافعيُّ في كل شيء.

стр. 2277

قال الإمام: وانفرد عثمانُ البَتِّيُّ، فأجازه في كل شيء. ومنعه أبو حنيفة في كلِّ شيء، إلا العقارَ، وما لا يُنقل (١). ومنعه آخرون في سائر المكيلات والموزونات. ومنعه مالكٌ في سائر المكيلات والموزونات، إذا كانت طعامًا، وروي ذلك عن عثمان ﵁؛ وبه قال ابنُ المسيب، وربيعةُ، ويحيى بن سعيد. التوجيه: تعلَّقَ مَنْ منعَ على الإطلاق بقوله: نهَى عَنْ ربحِ ما لم يضمَنْ (٢)، ولم يفرق، وعضدَ ما قاله -أيضًا- بما ذكره ابنُ عمر من منع بيعِ الطعام الجزافِ حتى يؤووه إلى رحالهم، واستثنى أبو حنيفة ما لا يُنقل؛ لتعذُّرِ الاستيفاءِ فيه المشارِ إليه في قوله: نهى عن بيعِ الطعامِ حَتَّى يُسْتَوْفى، فيقول مَنْ منع سائرَ المكيلات: يقتضب (٣) من هذا علة (٤)، ولا يصحُّ التعليلُ إلا بالكيل، وقد نبه ﷺ بقوله: "حَتَّى يَكْتَالَهُ"، فأجرى سائرَ المكيلات مجرى واحد.

стр. 2278

ويقول مالك: فإن دليلَ خطاب الحديث يقتضي جوازَ غيرِ الطعام، ولو كان سائرُ المكيلات (١) ممنوعًا بيعُها قبلَ قبضِها، لما خُصَّ الطعامُ بالذكر، فلما خَصَّه، دل على أن ما عداه بخلافه. ويمنع من تعليل هذا الحديث بالكيل؛ لأنه تعليلٌ ينافيه دليل (٢) الخطاب المعلل، والدليلُ كالنطق عن بعض أهل الأصول (٣). وقد أشار بعض أصحاب مالك إلى أن العلةَ العِينَةُ، واستدلَّ بقول ابن عباس الذي ذكرناه؛ لما سئل فقال: أَلا تراهم يَتبايعونَ بالذَّهَبِ والطعامِ (٤) مُرْجَأً (٥)؛ أي: مؤخرًا، وكأنهم قصدوا أن يدفعوا (٦) ذهبًا في أكثرَ منه، والطعامُ محلل. وفي "البخاري" عنه: دَرَاهِمَ بِدَراهِمَ، والطعامَ مُرْجَأً (٧). قال الإمام: وقد تردد (٨) بعضُ أصحابنا في الطعام إذا أمن فيه من العِينَة، التي هي سببٌ للمنع على ما قال (٩) ابن عباس؛ هل يُمنع بيعهُ

стр. 2279

قبلَ قبضه؛ لظاهر الخبر (١)، أو يُسَهَّل فيه؟ قال (٢): ورأيتُه يميل للتسهيل -في مقتضى كلامه- إذا وقع البيعُ فيه بالنقد، وما أظن عثمانَ البتيَّ سلكَ في إجازته بيعَ كل شيء قبلَ قبضه إلا هذه الطريقةَ، وإن كان مذهبًا انفردَ به، وهو شاذٌّ عند العلماء، أضربَ عن ذكره كثير منهم. وإذا وَضَحَ مأخذُ كلّ مذهب من هذه المذاهب، فينفصل أصحابُنا عن تعلُّق الشافعي بقوله: نهى عن ربحِ ما لم يُضْمَنْ، بجوابين: أحدهما: أن يُحمل (٣) على بيع الخيار، وأن يبيع (٤) المشتري قبل أن يختار. والثاني: أن يُحمل ذلك على الطعام، ويُخص عمومُ هذا إذا حملناه على الطعام بإحدى طريقين: إما دليلُ الخطاب من قوله: نهى عن بيعِ الطعامِ حتى يُستوفى، فدلَّ على أن ما عداه بخلافه، ويُخص بما ذكره ابنُ عمر من أنهم كانوا يبيعون الإبلَ بالدراهم، ويأخذون عنها ذهبًا، أو بالذهب، ويأخذون عنها دراهمَ، وأضاف إجازةَ ذلك إلى النبي ﷺ ، وهذا إجازةُ ربحِ ما لم يضمَنْ في العين، ويقيس عليه ما سوى الطعام، ويخص به النهي عن (٥) ربح ما لم

стр. 2280

يضمن، واللَّه أعلم (١). قلت: وظاهرُ هذا الحديث أو نصُّه يقتضي اختصاصَ المنع بأن يكون الطعام مملوكًا بالبيع دونَ الهبة، والصدقةِ، والقرضِ، و (٢) نحو ذلك، ويقتضي -أيضًا- أن يكون الممنوع هو البيع قبلَ القبض، أما لو وهبه، أو تصدق به، أو رهنه، فلا يدل عليه لفظُ الحديث، فأما الإجارةُ فحكمُها حكمُ البيع؛ لأنها بيعُ منافعَ في الحقيقة، وكذلك النكاحُ؛ لأن المرأة مبتاعَة له بمنافع بُضعِها، وكذلك مَنْ ملك طعامًا بأَرْشِ جناية، أو مصالحة عن دم، أَو قضاء عن دين، فإنه لا يجوز له بيعُه قبل قبضه؛ لأن حقيقة البيع: انتقالُ الملكِ بعِوَضٍ، وقد وُجدت. فأما القرض، فيجوز بيعُه قبلَ قبضه عندنا؛ لأن القرضَ ليسَ ببيعٍ، وكذلك مَنْ وُهِبَ له طعامٌ، أو تُصُدِّق به عليه؛ فإنه يجوز لهُ بيعُه قبلَ قبضه. واختلفَ أصحابُ الشافعيِّ في الرهن والهبة قبلَ القبض، والأصحُّ عندهم: المنعُ، وكذلك اختلفوا في التزويج، وخالفونا -أيضًا- في جواز الشركة والتولية، فلم يجيزوهما (٣) قبلَ القبض، وحديث: "وأَرْخَصَ في التولية، والشَّرِكةِ، والإقالَةِ" (٤) دليلٌ لنا عليهم، واللَّه أعلم (٥).
следующие страницы →