← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

والطعام في (١) اللغة: ما يؤكل، قاله الجوهري، قال (٢): وربما خُصَّ الطعامُ بالبُرِّ. وفي الحديث: عن أبي سعيد (٣)، قال: كنا نُخرج صدقةَ الفطر على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير (٤). وقد اختلفت الطرقُ في هذا الحديث، ففي بعضها: "حَتَّى يَقْبِضَهُ"، وفي بعضها: "حَتَّى يَسْتَوْفيه"، وفي بعضها: "حَتَّى يَسْتَوْفيَهُ وَيَقْبِضَهُ" (٥)، وهما بمعنى واحد (٦)، وفي بعضها: "حَتَّى يَسْتَوْفيَهُ يَقْبِضَهُ" -بغير واو- على التفسير، وفي بعضها: "حَتَّى يَكْتَالَهُ" (٧)، ومجموعُها يقتضي منعَ بيعِ الطعام قبل أن يقبضه المشتري؛ كما تقدم. وهل يختصُّ ذلك بالطعام، أو يُقاس ما عداه عليه؟ اختلف (٨) في ذلك: فمنعه الشافعيُّ في كل شيء.

стр. 2277

قال الإمام: وانفرد عثمانُ البَتِّيُّ، فأجازه في كل شيء. ومنعه أبو حنيفة في كلِّ شيء، إلا العقارَ، وما لا يُنقل (١). ومنعه آخرون في سائر المكيلات والموزونات. ومنعه مالكٌ في سائر المكيلات والموزونات، إذا كانت طعامًا، وروي ذلك عن عثمان ﵁؛ وبه قال ابنُ المسيب، وربيعةُ، ويحيى بن سعيد. التوجيه: تعلَّقَ مَنْ منعَ على الإطلاق بقوله: نهَى عَنْ ربحِ ما لم يضمَنْ (٢)، ولم يفرق، وعضدَ ما قاله -أيضًا- بما ذكره ابنُ عمر من منع بيعِ الطعام الجزافِ حتى يؤووه إلى رحالهم، واستثنى أبو حنيفة ما لا يُنقل؛ لتعذُّرِ الاستيفاءِ فيه المشارِ إليه في قوله: نهى عن بيعِ الطعامِ حَتَّى يُسْتَوْفى، فيقول مَنْ منع سائرَ المكيلات: يقتضب (٣) من هذا علة (٤)، ولا يصحُّ التعليلُ إلا بالكيل، وقد نبه ﷺ بقوله: "حَتَّى يَكْتَالَهُ"، فأجرى سائرَ المكيلات مجرى واحد.

стр. 2278

ويقول مالك: فإن دليلَ خطاب الحديث يقتضي جوازَ غيرِ الطعام، ولو كان سائرُ المكيلات (١) ممنوعًا بيعُها قبلَ قبضِها، لما خُصَّ الطعامُ بالذكر، فلما خَصَّه، دل على أن ما عداه بخلافه. ويمنع من تعليل هذا الحديث بالكيل؛ لأنه تعليلٌ ينافيه دليل (٢) الخطاب المعلل، والدليلُ كالنطق عن بعض أهل الأصول (٣). وقد أشار بعض أصحاب مالك إلى أن العلةَ العِينَةُ، واستدلَّ بقول ابن عباس الذي ذكرناه؛ لما سئل فقال: أَلا تراهم يَتبايعونَ بالذَّهَبِ والطعامِ (٤) مُرْجَأً (٥)؛ أي: مؤخرًا، وكأنهم قصدوا أن يدفعوا (٦) ذهبًا في أكثرَ منه، والطعامُ محلل. وفي "البخاري" عنه: دَرَاهِمَ بِدَراهِمَ، والطعامَ مُرْجَأً (٧). قال الإمام: وقد تردد (٨) بعضُ أصحابنا في الطعام إذا أمن فيه من العِينَة، التي هي سببٌ للمنع على ما قال (٩) ابن عباس؛ هل يُمنع بيعهُ

стр. 2279

قبلَ قبضه؛ لظاهر الخبر (١)، أو يُسَهَّل فيه؟ قال (٢): ورأيتُه يميل للتسهيل -في مقتضى كلامه- إذا وقع البيعُ فيه بالنقد، وما أظن عثمانَ البتيَّ سلكَ في إجازته بيعَ كل شيء قبلَ قبضه إلا هذه الطريقةَ، وإن كان مذهبًا انفردَ به، وهو شاذٌّ عند العلماء، أضربَ عن ذكره كثير منهم. وإذا وَضَحَ مأخذُ كلّ مذهب من هذه المذاهب، فينفصل أصحابُنا عن تعلُّق الشافعي بقوله: نهى عن ربحِ ما لم يُضْمَنْ، بجوابين: أحدهما: أن يُحمل (٣) على بيع الخيار، وأن يبيع (٤) المشتري قبل أن يختار. والثاني: أن يُحمل ذلك على الطعام، ويُخص عمومُ هذا إذا حملناه على الطعام بإحدى طريقين: إما دليلُ الخطاب من قوله: نهى عن بيعِ الطعامِ حتى يُستوفى، فدلَّ على أن ما عداه بخلافه، ويُخص بما ذكره ابنُ عمر من أنهم كانوا يبيعون الإبلَ بالدراهم، ويأخذون عنها ذهبًا، أو بالذهب، ويأخذون عنها دراهمَ، وأضاف إجازةَ ذلك إلى النبي ﷺ ، وهذا إجازةُ ربحِ ما لم يضمَنْ في العين، ويقيس عليه ما سوى الطعام، ويخص به النهي عن (٥) ربح ما لم

стр. 2280

يضمن، واللَّه أعلم (١). قلت: وظاهرُ هذا الحديث أو نصُّه يقتضي اختصاصَ المنع بأن يكون الطعام مملوكًا بالبيع دونَ الهبة، والصدقةِ، والقرضِ، و (٢) نحو ذلك، ويقتضي -أيضًا- أن يكون الممنوع هو البيع قبلَ القبض، أما لو وهبه، أو تصدق به، أو رهنه، فلا يدل عليه لفظُ الحديث، فأما الإجارةُ فحكمُها حكمُ البيع؛ لأنها بيعُ منافعَ في الحقيقة، وكذلك النكاحُ؛ لأن المرأة مبتاعَة له بمنافع بُضعِها، وكذلك مَنْ ملك طعامًا بأَرْشِ جناية، أو مصالحة عن دم، أَو قضاء عن دين، فإنه لا يجوز له بيعُه قبل قبضه؛ لأن حقيقة البيع: انتقالُ الملكِ بعِوَضٍ، وقد وُجدت. فأما القرض، فيجوز بيعُه قبلَ قبضه عندنا؛ لأن القرضَ ليسَ ببيعٍ، وكذلك مَنْ وُهِبَ له طعامٌ، أو تُصُدِّق به عليه؛ فإنه يجوز لهُ بيعُه قبلَ قبضه. واختلفَ أصحابُ الشافعيِّ في الرهن والهبة قبلَ القبض، والأصحُّ عندهم: المنعُ، وكذلك اختلفوا في التزويج، وخالفونا -أيضًا- في جواز الشركة والتولية، فلم يجيزوهما (٣) قبلَ القبض، وحديث: "وأَرْخَصَ في التولية، والشَّرِكةِ، والإقالَةِ" (٤) دليلٌ لنا عليهم، واللَّه أعلم (٥).

стр. 2281

الحديث الخامس ٢٦٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ، وَالخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَام"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ؛ فإنَّهُ (١) يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: "لَا، هُوَ حَرَامٌ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ! إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا، جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ فأكلُوا ثَمَنَهُ" (٢).

стр. 2282

قَالَ: جَمَلُوهُ: أَذَابُوهُ. * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: "عامَ الفتح": العام: اسم السنة، وكذلك الحَوْل، سُميت عامًا؛ لأن الشمس والقمر، والليلَ والنهارَ تعومُ فيها في الفلك، قاله الأَعْلَمُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، وهو مصدرُ عامَ يعومُ عَوْمًا وعامًا، وسُميت حَوْلًا؛ لأن الأشياء تحول فيها وتتغير من حالٍ إلى حال، يقال: سِنونَ عمومٌ (١)، وهو توكيد للأول؛ كما يقول: بينهم شُغْل شاغِلٌ، وعامَلَه مُعاوَمَةً (٢)؛ كما تقول (٣): مُشاهَرَةً،

стр. 2283

ومُجامعة، ومُياوَمَةً، وعاومَتِ النخلةُ: إذا حملت سنةً، ولم تحمل سنة، وقولهم: لَقِيتُهُ ذاتَ العويم؛ أي: بين الأعوام؛ كما تقول: لقيتُه (١) ذاتَ الزمَيْن (٢)، وذاتَ (٣) مرةٍ (٤). والفتحُ: فتحُ مكةَ، شرفها اللَّه تعالى. الثاني: قوله ﵊: "إنَّ اللَّه ورسولَه (٥) حَرَّم بيعَ الخمر": تتعلَّق (٦) به مسألةٌ إعرابية، وهو أن يقال: لم أفردَ الضمير في (حرَّم)، وقد تقدَّم اسمان، وكان القياس: حَرَّما؛ كما يقال: إن زيدًا وعَمْرًا (٧) خرجا، ولا نقول: خرج، في الأمر العام؟ والجوابُ: أن هذا من وادي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ومذهب سيبويه فيه: أن الجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها، بتقديره عنده: واللَّهُ أحقُّ أن يُرضوه، ورسولُه أحقُّ أن يرضوه (٨)، فـ (الهاء) في (يرضوه) (٩) تعود على

стр. 2284

الرسول ﵊. وقال المبرِّدُ: لا حذف (١) في الكلام؛ ولكن فيه تقديمٌ وتأخير، تقديره: واللَّهُ أحقُّ أن يُرضوه (٢) ورسوله، فالهاء على هذا تعود على (اللَّه) -جلَّ ذكره-. وقال الفراء: المعنى: ورسولُه أحقُّ أن يُرضوه (٣)، و (اللَّه) افتتاحُ كلام. وهذا بعيدٌ، أو باطل، وألزم المبرد أن يجيز: ما شاءَ (٤) اللَّهُ وشئتَ -بالواو-؛ لأنه (٥) يجعل الكلام جملةً واحدة، وقد نُهي عن ذلك إلا بـ (ثم)، ولا يلزم ذلك سيبويه؛ لجعله الكلامَ جملتين. وقول سيبويه: هو المختارُ في الآية. وقيل: أحق أن يرضوه (٦) خبر الاسمين؛ لأن الرسولَ تابعٌ لأمر اللَّه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].

стр. 2285

وقيل: أُفرد الضمير، وهو في موضع التثنية (١). ولا يخفى تنزيلُ الحديث على الآية على متأمل. والخمرُ: مؤنثة، ويقال: خمرة، وخمور؛ كتمرة، وتُمور، وتَمْر. قال ابنُ الأعرابي: سميت خمرًا؛ لأنها تُرِكَتْ، فاختمرتْ، واختمارُها تغيرُ ريحها. وقيل: سميت بذلك؛ لمخامرتها العقلَ؛ أي: مخالطتِه وتغطيتِه، ومنه الخِمار؛ لتغطيته الرأسَ (٢). الثالث: الميتة -بفتح الميم-: ما لم تلحقه الذَّكاة، و-بالكسر-: الهيئة (٣)، تقول: مات فلان مِيتةً حسنةً (٤)، والأصلُ في مَيتة -المفتوحة الميم- مَيْوِتةَ، فلما اجتمعت الياء والواو، فسُبقت إحداهما بالسكون، قُلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، فبقيت مَيِّتة -بالتشديد-، ثم خُففت بحذف إحدى الياءين؛ كما فعلوا ذلك في هَيِّن ولَيِّن، وما أشبَهَ ذلك، فهي كميت سواء. وأما الأصنام: فجمعُ صَنَم، وهو الوثنُ أيضًا، والجمعُ: وُثْنٌ وأَوْثانٌ؛ مثل قُرْطٍ وأَقْراطٍ، وكما حرَّم بيعها، حرَّم نحتها (٥) وتصويرها (٦) إجماعًا،

стр. 2286

وكذلك جميع ما كان على صور الحيوانات، وأما ما كان رسمًا في حائط، أو رقمًا في ستر (١) ينشر أو يبسط، أو وسائد يُرتَفَقُ عليها، ويُتَّكأ عليها، فهي مكروهة، وقيل: حرام. قال القاضي أبو بكر: وقد قيل: إن الذي يُمتَهَن من الصور يجوز، وما لا يُمتهن مما يُعَلَّق، يُمنع؛ لأن الجاهلية كانت تُعَظِّمُ الصورَ، فما يبقى فيه جزءٌ من التعظيمِ والارتفاعِ، يُمنع، وما كان مما يُمتهن، فهو مباح؛ لأنه ليس مما كانوا فيه. قلت: وقول القاضي أبي بكر هذا هو المذهبُ، بل لا أعلم فيه خلافًا، ونصُّ "الكتاب" فيه: وتُكره (٢) التماثيلُ التي في الأَسِرَّة والقِبَابِ والمنابرِ، وليست كالثيابِ والبُسطِ التي تُمتهن، وكان أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن يقول: ما كان يُمتهن، فلا بأسَ به، وأرجو أن يكون خفيفًا، ومن تركَه غيرَ محرِّمٍ له، فهو أحبُّ إِليَّ. ولا يلبس خاتمًا فيه تماثيل (٣)، وأما ما كان على صورةِ غيرِ الحيوان؛ كالشجرةِ (٤)، والسفنِ، والثمار، ونحو ذلك، فلا أعلم خلافًا في إباحته، إلا ما ذُكر (٥) عن مجاهد، واللَّه أعلم.

стр. 2287

الرابع: استُدِلَّ بتحريم بيع الخمر والميتة على نجاستهما؛ إذ يمكن الانتفاع بهما، أما الخمرُ ففي غير شيء، وأما الميتة، فيمكن أن يُنتفع بها في إطعام الجوارح، وأما بيعُ الأصنام، فلعدم الانتفاع (١) بها على هيئتها، وعدمُ الانتفاع يمنع صحةَ البيع -كما تقدم-، ويجوز أن تكون العلَّة في تحريم بيعِها: المبالغةُ في التنفير عنها وإبعادها (٢). الخامس: قولهم: "أرأيتَ شحومَ الميتة؟ ": كأنه جُمع لاختلافِ أنواعه؛ إذ الشحمُ جمعُ جنس، وحقُّه الإفراد. ق: استُدِلَّ به على منع الاستصباحِ بها، وإطلاءِ السفن؛ لقوله ﵊ لما سُئِل عن ذلك: "لَا، هُوَ حَرَامٌ". قال: وفي هذا الاستدلال احتمالٌ؛ لأنَّ لفظَ الحديث ليس فيه تصريح؛ فإنه يحتمل أن النبيَّ ﷺ لما ذكرَ تحريمَ بيعِ الميتة، قالوا له (٣): "أرأيتَ شحومَ الميتة؛ فإنه يُطلى بها السفنُ" إلى آخره، قصدًا منهم إلى أن هذه المنافع تقتضي جوازَ البيع، فقال النبيُّ ﷺ : "لا، هو حرامٌ"، ويعود الضمير في قوله ﵊: "هو حرامٌ" على البيع؛ كأنه أعادَ تحريمَ البيعِ بعدَ ما تبينَ له أَنَّ فيه منفعةً، وإهدارًا (٤) لتلك المصالحِ والمنافعِ التي ذُكرت (٥).

стр. 2288

قلت: وهذا التفسيرُ هو المعوَّلُ عليه عندنا، وعند الجمهور؛ فإنا نُجيز الاستصباحَ بالدُّهْنِ النجسِ في غير المساجدِ، وعملَه في الصابون، وإن أوجبنا تطهيرَ الثوب منه بعدَ غسله. ومنع ابنُ الماجشون من أصحابنا من الانتفاعَ به مطلقًا. وكذا (١) اختُلف في بيعه، والمشهورُ: المنع. وكذلك (٢) اختُلف هل يَطْهُرُ إذا غُسل؟ والمشهور: لا يطهر. قال: فإن قيل: إن في بعضَ الأحاديث لمَّا قيل له ﷺ في شحوم الميتة: "إنها يُدهن بها السفنُ"، فقال ﵊ "لا تنتفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِشَيْءٍ" (٣)، قيل (٤): هذا على الكراهةِ، وتحرز من النجاسة أن تمسَّه؛ بدليل ما وقع في حديث آخر: أنه أباحَ الانتفاعَ بالسَّمْنِ الذائبِ إذا وقعتْ فيه الفأرةُ (٥)، وإن طعنوا في بعضِ رواة هذا الحديث، كذلك حديثهم الذي عارضوه به -أيضًا- يُطعن في بعض رواته (٦).

стр. 2289

قلت: وفي تحريم (١) بيع الميتة حجةٌ (٢) على [منع] بيع جثةِ (٣) الكافر، إذا قتلناه من الكفار، وافتدائهم منا (٤) له، وقد امتنعَ من ذلك النبىُّ ﷺ في غزوةِ الخندقِ، وقد بذلوا لَهُ في جسدِ نوفلِ بنِ عبدِ اللَّه المخزوميِّ عشرةَ آلاف درهم (٥)، فيما ذكر (٦) ابنُ هشام، فدفعه إليهم، ولم يقبلْ ذلكَ منهم، وقال ﵊: "لَا حَاجَةَ لَنَا بِجَسَدهِ، وَلَا بِثَمَنِهِ". وقد خرج الترمذيُّ في هذا حديثًا نحوه (٧). ع: كثيرًا ما يعترض بعضُ اليهود وأهلُ الزيغ على هذا الحديث بتحريم وطء سُرِّيَّةِ الأب على الابن، وجوازِ بيعها، وأكلِ ثمنها، وهذا مما يُمَوَّهُ به على مَنْ لا محصولَ عنده من العلم، فجاريةُ الأب لم يحرم منها إلا الاستمتاعُ على هذا الولد وحدَه من سائر الناس، وسائرُ منتفعاتها حلالٌ، والجميعُ حلالٌ لغيره، فلم يحرمْ عليه جميعُها،

стр. 2290

ولا على غيره، والشحومُ محرمةُ المقصودِ منها، وهو الأكلُ على جميع اليهود، فكان ما عداه تبعًا له، فلا تشاكُلَ بينها وبين سُرِّيَّة الأب. السادس: قوله ﵊: "قاتلَ اللَّهُ اليهودَ" إلى آخره: فيه: دليل على إبطال الحيل، والحجة على مَنْ قال بها في إسقاط حدود الشرع من الكوفيين. وفيه: حجة لمالك في مراعاة الذرائع، وسدّ بابها (١)؛ لأن اليهود إنما لِيموا على أكل الثمن لتحريم أكل المثمَّن الذي هو الشحم، وأكلُ الثمن ليس هو أكلَ الشحمِ بعينه؛ لكنه لما كان سببًا إلى أكل الشحم من حيث المعنى، استحقوا اللومَ على ذلك، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 2291

باب السلم ٢٦٦ - عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ في الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيءٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (١).

стр. 2292

* الشرح: قال اللغويون: يقال: السَّلَم والسَّلَف، وأَسْلَمَ وسَلَّمَ، وأَسْلَفَ وسَلَّفَ (١)، وإنما سُمي سلمًا؛ لتسليمه فيه رأسَ المال دونَ عِوَضٍ في الحال، ومنه سُميَ سَلَفًا أيضًا (٢)، والسلفُ: ما تقدَّمَ (٣)، ومنه سَلَفُ الرَّجُل: متقدِّمُ آبائِه. ع: وفي رواية عن ابن عمر: أنه كان يكره أن يُسَمِّي السلفَ سَلَمًا، يقول: الاسم إلى اللَّه، كأنه ظنَّ بالاسم أن يُمتهن في غير طاعة (٤). ويشترك السَّلَمُ والقرضُ في أن كلًّا منهما (٥) إثباتُ مال في الذمَّة بمبذولٍ في الحال، وأمثلُ ما قيل في حَدِّه: عَقْدٌ على موصوفٍ في الذمَّة ببذلٍ يُعطى عاجلًا (٦). ولا خلافَ في جواز السَّلَم بين المسلمين من حيث (٧) الجملة، وإن كانوا قد اختلفوا في بعض شروطه.

стр. 2293

وشروطه (١) عندنا (٢) ستة: الأول: تسليمُ جميعِ الثمنِ خوفَ الدَّيْن بالدَّيْن. الثافي: أن يكون (٣) الثمنُ من غير جنسِ المسلمَ فيه، فلا يكونان طعامين، ولا نقْدَين؛ للنَّساء (٤)، والتفاضل، ولا شيئًا في أكثرَ منه؛ لأنه سلفٌ جَرَّ منفعةً. الثالث: أن يكون في الذمة؛ لئلا يكونَ (٥) بيعَ معينٍ إلى أَجَل. الرابع: أن يكون مقدورًا على تحصيله -غالبًا- وقتَ حلوله؛ لئلا يكون تارةً سلفًا، وتارةً ثمنًا (٦). الخامس: أن يكون مؤجَّلًا إلى مدة تختلف فيها الأسواقُ عرفًا؛ لئلا يكون بيعَ ما ليس عندَك، ودليلُ هذا -أعني: الأجل-: قولُه ﵊: "إِلى أجل معلومٍ"، وبه قال أبو حنيفة، ومنع (٧) السلمَ الحالِّ؛ كما منعه مالك (٨)، وتأول الشافعيةُ (٩) الحديث بأن وجهوا (١٠) الأمر

стр. 2294

إلى العلم فقط، وقدروه (١): وإن (٢) أسلمَ إلى أَجَل، فليكن الأجلُ غيرَ مجهول، ولا حاجةَ بنا إلى التأويل ما لم تدعُ إليه ضرورةٌ (٣) من معارضةِ حديثٍ آخر، ونحو ذلك. فإذا ثبت أنه لا بدَّ من الأجل، فما قدره؟ لا خلاف عندنا في خمسةَ عشرَ يومًا، ولا بدَّ منها على المشهور، أو اليومين والثلاث إن كان في بلدين، وقيل: ثلاثة (٤) أيام وإن لم ينتقل (٥). وروى ابنُ وهب، وابنُ عبد الحكم، جوازَ السَّلَم إلى يومين أو ثلاثة، وزاد ابن عبد الحكم عن مالك: الإجازة إلى يوم، فقيل: هذه رواية في جواز السلم الحالّ، وقيل: لا تختلفُ (٦) في اشتراط الأجل، وإنما هذا الخلاف في مقداره، واللَّه أعلم. السادس: أن يكون المسلَم فيه معلومَ القدر بكيلٍ أو وزنٍ أو ذَرْعٍ (٧)، مع معرفة الأوصاف التي يختلف الثمنُ باختلاف أحوالها عادةً وقصدًا.

стр. 2295

ويشترط -أيضًا- في صحة السلم ذِكْرُه (١). وهذا (٢) على الجملة، وتفصيلُه وبسطُه (٣) في كتب الفقه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2296

باب الشروط في البيع الحديث الأول (١) ٢٦٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ، فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، في كُلِّ عَامٍ أُوْقِيَّةً، فأَعِينِينِي، فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّها لَهُمْ، وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي، فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ (٢)، فَأبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي (٣) عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ (٤)، فَأبوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الوَلَاءُ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "خُذِيهَا، وَاشتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاء (٥)، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّه وأثنَى عَلَيهِ،

стр. 2297

ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: مَا بَالُ رِجَالٍ (١) يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ في كِتَابِ اللَّهِ؟! مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطلٌ، وإنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (٢).

стр. 2298

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: هذا حديث عظيم، قد اشتمل على قواعدَ وأحكامٍ عديدة، وفوائدَ وآدابٍ مفيدة، وقد أكثر الناسُ الكلامَ عليه، وأفردوا له تصانيفَ شتى؛ منها: ما جمعه أبو جعفر الطبري في كتابه (١)، وذلك ستة أجزاء، ولابن خزيمة فيه تصنيف كبير، ولغيرهما، ونحن نذكر من ذلك عيونًا مُخَلَّصة (٢)، وفوائدَ مُلَخَّصة (٣) إن شاء اللَّه تعالى: أولها: أن يقال: -وهو سؤالٌ مبتكَرٌ (٤)، لم أعلم أحدًا تقدَّمني فيه-: قد ثبت في "الصحيح": أن جُوَيريةَ زوجَ النبي ﷺ كان اسمُها بَرَّةَ، فغيَّر النبيُّ ﷺ اسمها إلى جُويرية (٥)، وكذلك -أيضًا (٦) - غيَّر ﵊ اسمَ بَرَّةَ بنتَ (٧) أبي سلمةَ، وبرةَ بنتَ جحش، فسمَّى كلَّ واحدة منهما زينبَ، وقال: "لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، اللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 2299

بِأَهْلِ البِرِّ مِنْكُمْ" (١)، ولم يغير ﵊ اسمَ بَريرةَ، مع أنها على بنيةٍ من أبنيةِ المبالغة، وهي فَعيلة، بخلاف بَرَّة، فكانت (٢) على هذا المعنى بالتغيير أولى؟ (٣) جوابه أن يقال: هذا السؤالُ مغالطة، وغائلة يُخدع بها من ليس عندَه (٤) اعتناءٌ باللغة؛ فإنَّ لفظ بَريرةَ ليس مما نحنُ بصدده؛ لأنه اسم جامد في الأصل، غير صفة، وهي واحدةُ البرير، والبريرُ ثمرُ الأراك، فليس من الصفة في شيء، فلذلك لم يُغيره ﵊ فاعرفه (٥). وثانيها: كاتبتُ: فاعَلْتُ من الكِتابة (٦) التي هي العَقْد المشهورُ بين السيدِ وعبدِه، فإما أن يكون مأخوذًا من كتابة الخط؛ لوجودها عند العقد، وإما من معنى الإلزام؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]؛ لإلزامِ كلِّ واحدٍ من السيد والعبد (٧) ما شرطَ من العتق والأداء اللذين تكاتبَا عليهما (٨) (٩).

стр. 2300

وثالثها: يقال: أَهْلٌ، وأَهْلَةٌ (١)، وجمع أَهْلَةٍ: أهْلات، وأَهَلات، قال الشاعر: [الطويل] فَهُمْ أَهَلَاتٌ حَوْلَ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ (٢) وأَهالٍ أيضًا، زادوا فيه الياء (٣) على غير قياس؛ كما جمعوا (٤) ليلةً على ليالٍ، وقد جاء في الشعر أهَالٌ؛ مثل: فَرْخٍ وأَفْراخ، أنشد الأخفش: [الرجز] وَبَلْدَةٍ مَا الإِنْسُ منْ آهَالِها ويجمع أيضًا بالواو والنون، ومنه قوله تعالى: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: ١١]، وكأن فيه رائحةَ الاشتقاق، كأنهم المناسِبُون، فلذلك ساغَ (٥) فيه الواو والنون، وقالوا: منزلٌ أَهِلٌ، فبنوا منه الصفةَ، وصَرَّفوا من لفظه للفعل (٦)، فقالوا: أَهَلَ فلانٌ، يَأْهُل ويَأْهِل أُهولًا: إذا تزوَّجَ، وكذلك تأَهَّل (٧). ورابعها: روايتُنا في هذا الكتاب أوقية: -بإثبات الألف-، ووقع

стр. 2301

في بعض نسخ "مسلم": وُقِيَّة -بغير ألف-، وهما لغتان، وإثباتُ الألف أفصح، وقد تقدم أن الأُوقية الحجازية أربعون درهمًا، فعلى وُقِيَّة يقال في الجمع: أَوَاقٍ، وعلى أُوقية: أَوَاقِيُّ -بتشديد الياء- (١). وخامسها: اختلفت أقوالُ العلماء في بيع المكاتَب على الجملة، فأجازه بعضُهم، ومنعَه بعضُهم، والجواز على أنه يتأدى (٢) منه (٣) المشترى، لا على إبطال الكتابة، فإن هذا لم نعلم مَنْ ذهب (٤) إليه. وكذلك -أيضًا- أجازَ مالكٌ بيعَ كتابته (٥) خاصَّة، ويؤدِّي للمشتري، فإن عجز، رَقَّ له (٦). ومنع ذلك ابنُ أبي سلمة، وربيعةُ، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ورأوا ذلك غررًا (٧) وجَهْلًا بالمشترى؛ لأنه لا يدري ما يحصلُ لَهُ، هل نُجومٌ، أم (٨) رقبةٌ؟ وأجاز بعضُ أهلِ العلمِ بيعَ المكاتَب للعتق، لا للاستخدام، وإن

стр. 2302

رضيَ بالبيع، وقد عجز عن الأداء؛ لفقره وضعفه عن التكسُّب (١)، جاز بيعُه. وإن كان ظاهرَ المال، ففي رضاه بالعجز قولان: فمَنْ مَكَّنَه منه، أجاز بيعَه إذا رضي بالعجز والبيع (٢). ومَنْ منعَه من ذلك، لم يُجز بيعه. والقولان في المذهب عندنا، وكذلك إن لم يكن له مالٌ ظاهرٌ، لكنه قادرٌ على التكسُّب وتحصيل النجومِ، يعتق بها -أيضًا-، في رضاه بالعجز اختلافٌ في المذهب. وفي بيعِ العبدِ القِنِّ (٣)، بشرطِ العتقِ من مشتريه، اختلافٌ بينَ الناسِ، أجازه مالكٌ، والشافعيُّ، ومنعَهُ أبو حنيفة، ولكنه قال: إن وقع البيعُ، مضى بالثمن، وخالفه صاحباه، فقالا: يمضي بالقيمة. فإذا (٤) تقرر هذا كلُّه، قلنا بعده: لا بدَّ من تطلُّبِ تأويلِ بيعِ بريرةَ وهي مكاتَبَةٌ، عند من منع بيعَ المكاتَب. قال الإمام: من حكينا عنه أن بيعَه جائز للعتقِ لا للخدمة، يقول: إنما جاز هاهنا؛ لأن عائشة (٥) اشترتها للعتق، وأنا أجيزه، ومن يجيز بيعَ كتابةِ المكاتَب، يقول: لعلها اشترتْ كتابتَها، ويحتج بقوله في

стр. 2303

كتاب "مسلم": "فإنْ أَحَبُّوا أَن أَقْضِيَ عنكِ كتابَتَكِ" (١)، وهذا ظاهرٌ أنها لم تشتر الرقبةَ، ومن يمنع (٢) بيعَ المكاتَبِ وكتابَتَهَ، يقول: عجزتْ، ورضيتْ بالبيع، فلهذا اشترتها عائشةُ. وأما شراءُ العبد القِنِّ بشرطِ الإعتاق، فيتعلق (٣) بهذا الحديث مَنْ يُجيزه، ويقول: قد اشترتها عائشةُ، وقد قال (٤) ﷺ : "ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي" (٥) , وهذا يصحِّحُ (٦) ما ذهبَ إليه. ومَنْ منعَ (٧) بيعَ العبد القِنِّ (٨) بشرطِ العتق، قد ينازِع في هذا، ويمنع من كونِ عائشةَ مشتريةً، وقد يحمله على قضاءِ الكتابة عن بَريرةَ، أو على شراء الكتابةِ خاصةً، إن كان أحدٌ يجمع بين هذين المذهبين، منع البيع للعتق، وجواز بيع الكتابة، هذا وجهٌ من الكلام على هذا الحديث، انتهى (٩) (١٠).

стр. 2304

وسادسها: هو أشكلُ (١) ما في هذا (٢) الحديث وأصعبُه عندَ بعضهم، وذلك ما وقع في رواية هشامٍ ها هنا، وهو قوله ﵊: "اشْتَرِيْهَا وَأَعْتِقِيْهَا، وَاشْتَرِطِي (٣) لَهُمُ الوَلَاءَ". وبيانُ الإشكالِ أن يقال: كيف أمرَها رسولُ اللَّه ﷺ بهذا، وفيه عقدُ بيعٍ على شرطٍ لا يجوز، وتغريرٌ بالبائعين؛ إذ شرطت لهم ما لا يصحُّ، وخدعَتْهم فيه؟ قال الإمام: ولما صعُبَ الانفصالُ عن هذا على بعض الناس (٤)، أنكر هذا الحديثَ أصلًا، فحكي ذلك عن يحيى بنِ أكثمَ، وقد وقع في كثير من الروايات سقوطُ هذه اللفظة، وهذا ما شجَّع يحيى على إنكارها (٥). ق: وبلغني عن الشافعي قريبٌ منه، وأنه قال: اشتراطُ الولاء رواه هشامُ بنُ عروةَ عن أبيه، وانفردَ به دونَ غيره من رواة الحديث، وغيرُه من رواته أثبتُ من هشام، والأكثرون على إثبات اللفظة؛ للثقة براويها. قلت: وعلى تقدير ثبوتها أُجيب عن ذلك بوجوه (٦): الأول: قيل: إن (لهم) هنا بمعنى: عليهم، فيكون معناه: اشترطي

стр. 2305

عليهم الولاءَ، وعبر (١) عن (عليهم) بلفظ (لهم)؛ كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] بمعنى: عليهم، ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا (٢)﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي (٣): عليها؛ كذا نقله الإمام عن بعضهم. ق: وفي هذا ضعف. أما الأول: فلأن سياقَ الحديث وكثيرًا من ألفاظه يَنفيه. وأما ثانيًا: فلأن اللام لا تدلُّ بوضعها على الاختصاص النافع، بل تدل على مطلق الاختصاص، فقد يكون في اللفظ ما يدلُّ على الاختصاص النافع، وقد لا يكون (٤). قلت: بل هو عندي ضعيفٌ جدًا، والعجبُ من الشيخ في تعبيره هنا بقوله: فيه ضعف. الثاني: قال الإمام المازري، وقال آخرون: معنى اشترطي هنا: أَظْهري حكمَ الولاء. وقال آخرون (٥): إنما المراد بهذا: الزجرُ والتوبيخُ (٦)؛ لأنه ﷺ كان بَيَّنَ لهم أنَّ هذا الشرطَ لا يحلُّ، فلما أخذوا يتقاحمون على مخالفته،

стр. 2306

قال لعائشةَ هذا اللفظَ، بمعنى: لا تُبالي بشرطهم؛ لأنه باطلٌ مردود، وقد سبق بياني لهم ذلك، لا على معنى الإباحةِ لها، والأمرِ لها بذلك، وقد تردُ (١) لفظةُ: افعل، وليس (٢) المراد بها اقتضاءَ الفعل، ولا الإذنَ فيه؛ كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، و ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] (٣). ع: قال ذلك؛ لأن البيانَ بالفعل أقوى منه بالقول، ولذلك أمر ﵊ عائشةَ باشتراط الولاء لهم؛ ليبين لهم ذلك بالقول، والتوبيخ على رأي بعضهم؛ كما قال ﵊: "إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لأِسُنَّ" (٤)، لا سيما على رأي من رأى أنه ينسى عامدًا، ليبين صورةَ السهوِ. قال: وهذا الوجهُ أظهرُ التأويلات في الحديث، وظاهرُ لفظه، وقد جاء من رواية أيمن عن عائشة: "اشْتَرِيهَا، وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاؤُوا"، فاشترتْها، وأعتقَتْها، وشرطَ أهلُها الولاءَ (٥) (٦). قال محمد بن داود الأصبهاني في قول النبي (٧) ﷺ لها: "اشْتَرِطي

стр. 2307

لَهُمُ الوَلَاءَ": إنما معناه: أن (١) ذلكَ -بعدَ علمِهم بما نهى عنه- غيرُ صائرٍ (٢) لكِ، ولا نافعٍ لهم، ولم يأمرها ﵊ باشتراطِه، ثم يبطل الشرط، ويصحح (٣) البيع، وهم غيرُ عالمين ببطلانه، وإنما كان هذا (٤) منه ﵊ تهديدًا لمن رغب عن حكمه، وخالفَ أمرَه، وإليه مال الأَصيليُّ، وأبى أنه على ظاهره، وأنه أمرَها بذلك؛ ليقعَ البيعُ ويصحَّ، ويبطلَ الشرط، ويكون ما قابل الشرطَ من الثمن، وحَطّ له عقوبةً في المال لمَّا خالفوا أمره؛ كما مُنع القاتلُ من الميراث عقوبةً له. وقال الطحاوي: رواية الشافعي عن مالك في هذا الحديث: "اشْرُطِي (٥) لَهُمُ الوَلَاءَ" (٦) -بغير تاء-؛ أي: أظهري (٧) لهم (٨) حكمه، وعلميهم سُنَّته (٩)؛ كما تقدَّم، وليس من الاشتراط، وما تقدم أظهرُ لفظًا ومعنًى (١٠).

стр. 2308

قلت: وقال بعض أصحاب الشافعي: إن ذلك خاصٌّ بهذه القضية، ويكون سببُ التخصيص بإبطال هذا الشرط المبالغةَ في رجوعهم عن هذا الاشتراطِ المخالفِ للشرع؛ كما أن فسخَ الحجِّ إلى العمرة كان خاصًا بتلك الواقعة؛ مبالغةً في إزالة ما كانوا عليه من منعِ العُمرة في أشهر الحج (١). قلت: وكذلك إدخالُه ﵊ العمرةَ على الحج كان خاصًّا لهذا المعنى أيضًا (٢). وسابعها: قوله ﵊: "إنما الوَلاءُ لمن أعتقَ" يدل على أن معنى كلمة (٣) (إنما) يقتضي الحصرَ -كما تقدم-؛ لأنها لو لم تقتضِ الحصرَ، لما انحصرَ ثبوتُ الولاء في المعتِق، ونفيُه عن غيرهِ، وسياقُ الحديثِ يدلُّ على نفيه عن غير المعتِق (٤)، فدلَّ على أن مقتضاها الحصرُ. ع: وهي لفظةٌ جليلةٌ (٥) عند أهل الأصول في الحصر بالحكم لمن ذُكر، ونفيِه عمَّنْ عداه، ويعبر عنها بعضهم بتحقيق المتصل، وتمحيق (٦) المنفصل.

стр. 2309

وإذا ثبت أنها للحصر، اقتضى ذلك أمرين (١): أحدهما: ما قيل من أن ذلك يدلُّ على ثبوت الولاء في سائر وجوه العتق؛ كالكتابة، والقطاعة، والتعليق بالصفة، وغير ذلك. الأمر الثاني: بطلانُ الولاءِ بالحِلْف، والموالاة، وبإسلام الرجل على يدِ الرجل، والتقاطِ اللقيط، وقد اختلف العلماء في ذلك كله (٢)، ومذهبُنا ومذهبُ الشافعي: أنه لا ولاءَ في شيء من ذلك؛ لما تقدَّم من اقتضاءِ الحديثِ الحصرَ في العتق، واللَّه أعلم (٣) (٤). والولاء (٥): -بفتح الواو والمد- وأصلُه من الوَلْي، وهو القُرْبُ، وهو سببٌ يورَثُ به، ولا يُوَرَّثُ، وقد نهى ﷺ عن بيع الولاء، وعن هبته (٦)، فهو لا ينتقل عن مستحقِّه؛ لأنه لُحْمَةٌ كلُحْمَة النسب، وبهذا قالَ جماهيرُ العلماء من السلف والخلف. ح: ونُقل عن بعض السلف نقلُه، ولعلهم لم يبلُغْهم الحديثُ (٧)، وسيأتي الكلامُ عليه بأبسط من هذا في الفرائض إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 2310

وأما العتق: فهو الحرية، والإعتاقُ: التحرير (١)، والعَتاق والعَتاقة -بالفتح فيهما- بمعنى: العتق، تقول منه: عَتَقَ العبدُ يَعْتِق، مثل ضربَ يضرِب، عَتْقًا وعَتاقًا وعَتاقة، فهو عتيقٌ وعاتقٌ، وأعتقتُه أنا، فهو مُعْتَق (٢). إذا ثبت هذا، فمن أعتقَ عبدًا تطوُّعًا، أو نذرًا نذَره، أو حلفَ بعتقِه، أو أعتقَه في كفارةٍ وجبتْ عليه، أو كاتَبَه، أو قاطَعَه، فأَدَّى، أو أُعتق عليه بحكم لزمَه، أو على جُعْل جعلَه له، أو باعه نفسَه، أو أعتقَه عنه غيرُه، أو أعتقَ عبدُه عبدًا بإذنه، أو أُعتقَ عليه لقرابةٍ بينه وبينه؛ فالولاءُ في ذلك كلِّه له (٣). (٤) والخلافُ بيننا وبين الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، فيما إذا أعتق عبدًا عن رجل بعينه، أو عن جماعة المسلمين، فمذهبُنا: أن الولاءَ للمعتَقِ عنه؛ كان (٥) رجلًا بعينه (٦)، أو جماعةَ المسلمين. وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد فيما حكاه ابنُ هبيرة: إن الولاء للمعتِق، قال: وزاد أبو حنيفة فقال: إن الولاء للمعتِق (٧)، ولو كان

стр. 2311

المعتَقُ عنه أَذِنَ في أن يعتقَ عنه (١). وقال ابن (٢) نافعِ من أصحاب مالك: في المعتَقِ عن جماعة المسلمين: إن الولاءَ له دونَهم. قال بعض (٣) أصحابنا: ويلزمه على ما قال، أن يقولَ بمذهب المخالف: إن الولاء للمعتِق، وإن أعَتَقَ (٤) عن رجل بعينه. واحتج من قال: إن الولاء للمعتِق، وإن أعتقَ عن غيره: بقوله ﵊: "الولاءُ لمن أَعْتَقَ"، فعمَّ (٥)، وحملَه مالكٌ على أن المرادَ به: من أعتقَ عن نفسه؛ بدليل أن الوكيل إذا أعتقَ بإذن موكله على العتق، كان الولاءُ لمن وَكَّلَه، وإن كان هو المعتِقَ. ع: وقال جماعة من السلفِ: يوالي مَنْ شاءَ، فإن ماتَ قبلَ ذلك، فولاؤه للمسلمين. وقيل: يُشترى بتركته رقابٌ، فتعتقْ (٦). واختُلف في وَلاء المكاتَب والعبدِ يشتري نفسَه من سيده، فقيل: ولاؤه لسيدِه، وهو قول مالكٍ، وأكثرِ العلماء، وقيل: لا ولَاء عليه.

стр. 2312

مسألة: لو قال: أنتَ حُرٌّ، ولا ولاءَ لي (١) عليكَ، فقال ابنُ القصار: الولاءُ للمسلمين، ونزَّله منزلةَ القائل: أنت حرٌّ عن المسلمين (٢). قال الإمام: وكان بعضُ شيوخنا يخالفه في هذا، و (٣) رأى أن بقوله: أنت حُرٌّ استقرَّ الولاءُ له (٤)، واستئنافُه بعد ذلك جملةً ثانية، هي: لا ولاءَ لي (٥) عليك، لا يغير حكمَ الجملة الأولى؛ لأنه إخبار على (٦) أن حكمَ الجملة الأولى المستقرة بالشرع على خلافِ ما حكمَ اللَّهُ به، فيكونُ إخبارُه كذبًا، وفتواه باطلًا، والباطلُ والكذبُ لا يُلتَفَتُ إِليهِ، ولا يُعوَّلُ في مثلِ هذهِ الأحكامِ علَيهِ (٧) (٨). وثامنها: قوله -عليه الصلاة السلام-: "ما بالُ أقوامٍ يشترطون شروطًا ليستْ فى كتاب اللَّه؟ ": قد تقدم أن البال (٩) في مثل هذا بمعنى: الحال، وأنه من الألفاظ المشتركة، وكتاب اللَّه هنا: قيل: المرادُ به

стр. 2313

حكمُ اللَّه، وقيل، يحتمل أن يرادَ به: القرآن. ع: وكأنه إشارة إلى قوله -تعالى- ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] , وقوله: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] الآية. قال: وعندي: أن الأظهرَ هو ما أعلمَ به ﵊ من قوله: "إِنَّما الولاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، وَ"مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ"، و"الوَلَاءُ لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" (١). فيه: من حسن الأدب والعشرة قولُه ﵊: "ما بالُ رجالٍ (٢)، أو "ما بالُ أقوام (٣)؟ "، ولم يواجههم بالخطابِ، ولا صرَّحَ بأسمائهم (٤)، ولا أبعد (٥) أن يكون هذا المعنى أصلُه في كتاب اللَّه تعالى، وذلك قوله -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] الآية، وما كان مثله، وكذا قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿مِنْهُمْ﴾، ﴿مِنْهُمْ﴾، فاعرفه.

стр. 2314

وتاسعها: قوله ﵊: "وإن كان مئةَ شرطٍ": كأنه من باب قوله -تعالى-: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، ومعناه -واللَّه أعلم-: لو شرط مئة مرة توكيدًا، فهو باطل؛ كما قال ﵊ في بعض روايات "مسلم": "مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِئَةَ مَرَّةٍ". إذا ثبت هذا، فلتعلمْ: أن الشروط المشترَطَة في البيوع على مذهب مالك ﵀ تعالي تنقسم (١) أربعة أقسام: أحدها: ما يُفسخ به البيعُ على كلِّ حالٍ، ولا خيارَ في إمضائه لأحدِ المتبايِعَيْن، فإن كانت السلعةُ قائمةً، رُدَّتْ بعينها، وإن كانت فائتةً، صحَّ البيعُ فيها بالقيمة، بالغةً ما بلغَتْ، كانتْ أكثر من الثمن، أو أقلَّ، وهو ما آلَ البيعُ به إلى الإِخلَالِ بشرطٍ من الشروطِ المشترَطَة في صحةِ العَقْد، لعدم (٢) الرِّبا، والغرر في الثمن والمثمون، وما أشبَه ذلك. والثاني: يُفسخُ فيه البيعُ ما دام مُشترِطُ الشرطِ مُتمسكًا بشرطه، فإن رضي بتركِ الشرط، صحَّ البيعُ، إن كان لم يَفُتْ، وإن كان قد فاتَ، كانَ فيه الأقلُّ من الثمنِ، أو القيمةِ إن كان المشتري هو مشترطَ السلَف؛ كالحكم في بيوع الثُّنْيا. قال القاضي أبو الوليد بنُ رُشْد: هذا قول ابنِ القاسم في "المدونة".

стр. 2315

الثالث: يجوز فيه البيعُ والشرطُ، وذلك إن كان الشرط صحيحًا، ولم يَؤُلِ البيعُ به إلى غَرَر، ولا فسادٍ في ثمنٍ ولا مثمونٍ، ولا إلى ما أشبهَ ذلكَ من الإخلال بشرط من الشرائط المشترطة في صحة البيع، وذلك مثلُ أن يبيع الرجلُ الدارَ، ويشترطَ سُكناها أشهرًا معلومة، أو يبيعَ الدابةَ، ويشترطَ ركوبَها أيامًا يسيرةً إلى مكانٍ قريب، أو يشترط شرطًا يوجبُه الحكم، وما أشبهَ ذلك. و (١) الرابع: يجوزُ فيه البيع، ويُفسخ الشرطُ، وذلك ما كان الشرطُ فيه غيرَ صحيح، إلا أنه خفيف، فلم تقع (٢) حصةٌ من الثمن، وذلك مثلَ (٣) أن يبيع السلعةَ، ويشترط إن لم يأت بالثمن إلى ثلاثة أيام أو نحوِها، فلا يقع البيعُ بينهما، ومثل الذي يبتاع الحائطَ (٤) بشرط البراءة من الجائحة؛ لأن الجائحة لو أسقطها قبلَ وجوبِ البيع، لم يلزمْه ذلك (٥)؛ لأنه أسقط حقًا قبلَ وجوبه، فلما اشترط إسقاطَها في عقد البيع، لم يؤثر ذلك عندَه في صحته؛ لأن الجائحة أمرٌ نادر، فلم يقع لذلك حصةٌ من الثمن، ولم يلزم الشرطُ، إذ حكمُه أن يكون غيرَ لازم إلا بعدَ وجوب الرجوع بالجائحة (٦)، وما أشبهَ ذلك.
следующие страницы →