← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

المعتَقُ عنه أَذِنَ في أن يعتقَ عنه (١). وقال ابن (٢) نافعِ من أصحاب مالك: في المعتَقِ عن جماعة المسلمين: إن الولاءَ له دونَهم. قال بعض (٣) أصحابنا: ويلزمه على ما قال، أن يقولَ بمذهب المخالف: إن الولاء للمعتِق، وإن أعَتَقَ (٤) عن رجل بعينه. واحتج من قال: إن الولاء للمعتِق، وإن أعتقَ عن غيره: بقوله ﵊: "الولاءُ لمن أَعْتَقَ"، فعمَّ (٥)، وحملَه مالكٌ على أن المرادَ به: من أعتقَ عن نفسه؛ بدليل أن الوكيل إذا أعتقَ بإذن موكله على العتق، كان الولاءُ لمن وَكَّلَه، وإن كان هو المعتِقَ. ع: وقال جماعة من السلفِ: يوالي مَنْ شاءَ، فإن ماتَ قبلَ ذلك، فولاؤه للمسلمين. وقيل: يُشترى بتركته رقابٌ، فتعتقْ (٦). واختُلف في وَلاء المكاتَب والعبدِ يشتري نفسَه من سيده، فقيل: ولاؤه لسيدِه، وهو قول مالكٍ، وأكثرِ العلماء، وقيل: لا ولَاء عليه.

стр. 2312

مسألة: لو قال: أنتَ حُرٌّ، ولا ولاءَ لي (١) عليكَ، فقال ابنُ القصار: الولاءُ للمسلمين، ونزَّله منزلةَ القائل: أنت حرٌّ عن المسلمين (٢). قال الإمام: وكان بعضُ شيوخنا يخالفه في هذا، و (٣) رأى أن بقوله: أنت حُرٌّ استقرَّ الولاءُ له (٤)، واستئنافُه بعد ذلك جملةً ثانية، هي: لا ولاءَ لي (٥) عليك، لا يغير حكمَ الجملة الأولى؛ لأنه إخبار على (٦) أن حكمَ الجملة الأولى المستقرة بالشرع على خلافِ ما حكمَ اللَّهُ به، فيكونُ إخبارُه كذبًا، وفتواه باطلًا، والباطلُ والكذبُ لا يُلتَفَتُ إِليهِ، ولا يُعوَّلُ في مثلِ هذهِ الأحكامِ علَيهِ (٧) (٨). وثامنها: قوله -عليه الصلاة السلام-: "ما بالُ أقوامٍ يشترطون شروطًا ليستْ فى كتاب اللَّه؟ ": قد تقدم أن البال (٩) في مثل هذا بمعنى: الحال، وأنه من الألفاظ المشتركة، وكتاب اللَّه هنا: قيل: المرادُ به

стр. 2313

حكمُ اللَّه، وقيل، يحتمل أن يرادَ به: القرآن. ع: وكأنه إشارة إلى قوله -تعالى- ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] , وقوله: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] الآية. قال: وعندي: أن الأظهرَ هو ما أعلمَ به ﵊ من قوله: "إِنَّما الولاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، وَ"مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ"، و"الوَلَاءُ لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" (١). فيه: من حسن الأدب والعشرة قولُه ﵊: "ما بالُ رجالٍ (٢)، أو "ما بالُ أقوام (٣)؟ "، ولم يواجههم بالخطابِ، ولا صرَّحَ بأسمائهم (٤)، ولا أبعد (٥) أن يكون هذا المعنى أصلُه في كتاب اللَّه تعالى، وذلك قوله -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] الآية، وما كان مثله، وكذا قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿مِنْهُمْ﴾، ﴿مِنْهُمْ﴾، فاعرفه.

стр. 2314

وتاسعها: قوله ﵊: "وإن كان مئةَ شرطٍ": كأنه من باب قوله -تعالى-: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، ومعناه -واللَّه أعلم-: لو شرط مئة مرة توكيدًا، فهو باطل؛ كما قال ﵊ في بعض روايات "مسلم": "مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِئَةَ مَرَّةٍ". إذا ثبت هذا، فلتعلمْ: أن الشروط المشترَطَة في البيوع على مذهب مالك ﵀ تعالي تنقسم (١) أربعة أقسام: أحدها: ما يُفسخ به البيعُ على كلِّ حالٍ، ولا خيارَ في إمضائه لأحدِ المتبايِعَيْن، فإن كانت السلعةُ قائمةً، رُدَّتْ بعينها، وإن كانت فائتةً، صحَّ البيعُ فيها بالقيمة، بالغةً ما بلغَتْ، كانتْ أكثر من الثمن، أو أقلَّ، وهو ما آلَ البيعُ به إلى الإِخلَالِ بشرطٍ من الشروطِ المشترَطَة في صحةِ العَقْد، لعدم (٢) الرِّبا، والغرر في الثمن والمثمون، وما أشبَه ذلك. والثاني: يُفسخُ فيه البيعُ ما دام مُشترِطُ الشرطِ مُتمسكًا بشرطه، فإن رضي بتركِ الشرط، صحَّ البيعُ، إن كان لم يَفُتْ، وإن كان قد فاتَ، كانَ فيه الأقلُّ من الثمنِ، أو القيمةِ إن كان المشتري هو مشترطَ السلَف؛ كالحكم في بيوع الثُّنْيا. قال القاضي أبو الوليد بنُ رُشْد: هذا قول ابنِ القاسم في "المدونة".

стр. 2315

الثالث: يجوز فيه البيعُ والشرطُ، وذلك إن كان الشرط صحيحًا، ولم يَؤُلِ البيعُ به إلى غَرَر، ولا فسادٍ في ثمنٍ ولا مثمونٍ، ولا إلى ما أشبهَ ذلكَ من الإخلال بشرط من الشرائط المشترطة في صحة البيع، وذلك مثلُ أن يبيع الرجلُ الدارَ، ويشترطَ سُكناها أشهرًا معلومة، أو يبيعَ الدابةَ، ويشترطَ ركوبَها أيامًا يسيرةً إلى مكانٍ قريب، أو يشترط شرطًا يوجبُه الحكم، وما أشبهَ ذلك. و (١) الرابع: يجوزُ فيه البيع، ويُفسخ الشرطُ، وذلك ما كان الشرطُ فيه غيرَ صحيح، إلا أنه خفيف، فلم تقع (٢) حصةٌ من الثمن، وذلك مثلَ (٣) أن يبيع السلعةَ، ويشترط إن لم يأت بالثمن إلى ثلاثة أيام أو نحوِها، فلا يقع البيعُ بينهما، ومثل الذي يبتاع الحائطَ (٤) بشرط البراءة من الجائحة؛ لأن الجائحة لو أسقطها قبلَ وجوبِ البيع، لم يلزمْه ذلك (٥)؛ لأنه أسقط حقًا قبلَ وجوبه، فلما اشترط إسقاطَها في عقد البيع، لم يؤثر ذلك عندَه في صحته؛ لأن الجائحة أمرٌ نادر، فلم يقع لذلك حصةٌ من الثمن، ولم يلزم الشرطُ، إذ حكمُه أن يكون غيرَ لازم إلا بعدَ وجوب الرجوع بالجائحة (٦)، وما أشبهَ ذلك.

стр. 2316

فهذا مذهب مالك ﵀ في الشروط المقترنة بالبيع، وعلى هذا الترتيب لا يتعارض ما رُوي عن النبيِّ ﷺ في خلاف ما ذهب إليه أهلُ العراق، فعرفَ مالكٌ رحمه اللَّه تعالى الأحاديثَ كلَّها، واستعملَها في مواضعِها، وتأَوَّلها على وجوهِها. قال القاضي أبو الوليد: وأما أبو حنيفة، وابنُ أبي ليلى، وابنُ شُبْرُمَةَ، فلم يُمْعِنوا (١) النظرَ، ولا أحسنوا تأويل الأثر، واللَّه يوفقُ مَنْ يشاء ويرشدُه، هو (٢) يشرحُ صدرَه ويؤيِّدُه (٣)، لا ربَّ غيرُه (٤). قلت: وقد رأيتُ في كتابِ "التنبيه" (٥) للبَطْلَيَوْسِيِّ ﵀، قال: رُوي عن عبد الوارث بنِ سعيدٍ: أنه قال: قدمتُ مكةَ، فألفيتُ بها (٦) أبا حنيفةَ، فقلت له: ما تقولُ في رجلٍ باعَ بيعًا (٧)، وشرط شرطًا؟ فقال: البيعُ باطل، والشرطُ باطل، (٨) فأتيتُ ابنَ أبي ليلى، فسألته عن ذلك، فقال: البيعُ جائز، والشرطُ باطل، فأتيت ابنَ شُبرمة، فسألته عن ذلك، فقال: البيعُ جائز، والشرطُ جائز، فقلت في نفسي: يا سبحانَ اللَّه! ثلاثةٌ

стр. 2317

من فقهاء العراقِ لا يتفقونَ على مسأَلَةٍ! (١) فعدت إلى أبي حنيفة، فأخبرته بما قال (٢) صاحباه، فقال: (٣) ما أدري ما قالا لك، حدئني عَمْرُو ابنُ شعيب، عن أبيه، عن جده قال: نهى رسولُ اللَّه ﷺ عن بَيعْ وشَرْطٍ، فالبيعُ باطل، والشرطُ باطل، فعدت إلى ابن أبي ليلى، فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما (٤) أدري ما قالا لك (٥)، حدثني هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: أمرني رسولُ اللَّه ﷺ أن أشتريَ بَريرة، فأُعْتِقَها، البيعُ جائز، والشرطُ باطل، قال: فعدت إلى ابنِ شُبرمة، فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك، حدثني مِسْعَرُ بنُ كِدامٍ، عن مُحاربِ بنِ دِثارٍ، عن جابر، قال: بعتُ النبيَّ ﷺ بعيرًا، وشرطَ لي حملانَه إلى المدينة، البيعُ جائز (٦)، والشرطُ جائز، وفي رواية: ناقة، واستثنيتُ حلابَها وظهرَها إلى المدينة (٧). قلت: فسببُ اختلاف هؤلاءِ الفقهاءِ الثلاثة أخذُ كلِّ واحدٍ منهم بحديث مفرد اتصل به، ولم يتصل به غيره (٨).

стр. 2318

وأما مالك ﵀، فعرف الأحاديثَ كلَّها، واستعملَها في مواضعها، كما تقدم من قول القاضي أبي الوليد. وعاشرها: قوله ﵊: "قضاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وشرطُ اللَّهِ أوثقُ" أي (١): أحقُّ بالاتباعِ من الشروطِ المخالِفَةِ لحكمِ الشرع، وشرطُه أوثق باتباعِ حدودِه التي حَدَّها، وظاهرُ هذا: عدم اشتراطِ المشاركةِ بين المفضَّلِ والمفضَّل عليه؛ إذ ما شرطوه من ثبوت (٢) الولاء لهم باطلٌ؛ كما قال ﵊، ولا مشاركةَ بين الحقِّ والباطل، إلا أن يقال: إن ذلك جاء على ما اعتقدوه أولًا من الجواز، أو على أن صيغة (أفعل) (٣) ليست على بابها، ويكون كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]؛ أي: هين، وقوله ﵊ في الحديث الآخر: "أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَهُوَ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ" (٤)، وإن أعظمَ بمعنى: عظيم -على ما تقرر فيه-، واللَّه أعلم. الحادية عشرة: في الحديث: دليل على جواز كتابة الأنثى، وذاتِ الزوج من الإماء، ودخولهنَّ (٥) في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ [النور: ٣٣] الآيةَ؛ فإن الزوج لا يدخل في كتابتها، وإنه

стр. 2319

لاحقَّ للزوج في منعها من الكتابة، وإن أَدَّى ذلك إلى فراقها باختيارها إن كان عبدًا على قول الجمهور، أو كيفَ كانَ على القول الآخر، وإنه ليس له منعُها من السعي، وقد يُستدل به على أنه لاحقَّ له قي خدمتها، إذ لو كان (١) كذلك، لكان له متَكلم في منعها، وجوازِ كتابةِ العبدِ الذي لا مالَ له، وجوازِ كتابة الأَمَة غيرِ ذاتِ الصنعة، ومَنْ لا حرفةَ له من العبيد؛ إذلم يستفهم النبيُّ ﷺ عن شيء من ذلك، ولو كان مشتَرَطًا، لسألَ (٢) عنه، وهذا كلُّه (٣) مذهب مالكٍ، والشافعيِّ، والثوريِّ، وجماعةٍ غيرهم. واختُلف عن مالك في كتابة مَنْ لا حرفةَ له، وكرهها الأوزاعيُّ، وأحمد، وإسحاق، ورُوي مثلُه عن عمر ﵁؛ خلافًا لمن تأوَّلَ من السلف أن الخيرَ المرادُ به في الآية: المالُ، وهو عندَ أكثرهم: الدِّين، والأمانةُ، والقوةُ على الكَسْب عندَ بعضهم. وفيه: أن المكاتب غيرُ عتيقٍ بنفسِ الكتابة، وأنه عبدٌ ما بقيَ عليه درهمٌ، وهو قول عامة العلماء وفقهاءِ الأمصار. وحُكي عن بعض السلف: أنه حُرٌّ بنفس الكتابة، وهو غريمٌ بالكتابة، ولا يرجع إلى الرِّقِّ أبدًا. وحُكي عن بعضهم: أنه إذا عجزَ، يعتق منه بقدر ما أَدَّى، ورُوي

стр. 2320

هذا عن عليّ بن أبي طالب ﵁. وحُكِيَ عن بعضِهم: أنه إذا أدَّى الشطرَ من كتابته، فهو حُرٌّ، وهو غريمٌ بالباقي، وحُكِيَ (١) عن عمرَ بنِ الخطابِ (٢)، وعن أبي مسعود، وشريحٍ مثلُ (٣) هذا: إذا أَدى قيمته. وفيه: جوازُ الكتابة على النُّجوم (٤)، لقولها: "أُوقيةً في كلِّ سنةٍ"، ولا خلاف في هذا، ويجوز عند عامتهم على نجم واحد، لكنَّ شأنها عند مالك التنجيمُ، لأنَّه إذا لم يُسَم أجلًا ولا نقدًا، نجم عنده عليه بقدر سعايته وقوته، وإن كره (٥) السيد، ومنعها الشافعيُّ جملةً، وقال: ليست بكتابة. وفيه: من حسن الأدب والعشرة قولُه ﵊: "ما بالُ رجالٍ"، وقد تقدم. وفيه: جوازُ الصدقةِ على العبد، لاستسعائها عائشة، ولم ينكر ذلك النبيُّ ﷺ ، وذلك في التطوُّع، وكذلك معونةُ المكاتَب من التطوُّع، واختلف في معونته من الفرض (٦).

стр. 2321

وفيه: جوازُ بيعِ المرأةِ وشرائِها بغير إذنِ زوجِها، وجوازُ عتقِها لعبدِها. وفي قوله ﵊: "قضاءُ اللَّه أحقُّ، وشرطُ اللَّه أوثقُ" جوازُ المجمع غير المتكلَّفِ، وإنما نهى النبيُّ ﷺ عن سجعِ الكُهَّان وما أشبَهَهُ؛ ممَّا فيه تكلُّفٌ وإقسام على مطويِّ الغيب. وفيه: جوازُ إعطاء الصدقاتِ لموالي قريشٍ، وإن كانت هذه الصدقةُ تطوُّعًا، فقد يحتجُّ به مَنْ يرى صدقةَ التطوع جائزةً لمواليهم، أو (١) لجميعهم، وإن قلنا: إنها زكاة واجبة، فيحتج بذلك (٢) من لا يرى تحريم ذلك على الموالي منهم، أو يرى اختصاصَ ذلك ببني هاشم، وبني عبد المطلب، ومواليهم. قال بعضهم: وفيه: دليل على جواز تعجيز المكاتَبِ نفسِهِ بغير إذن السلطان، وقد اختلف قولُ مالك في ذلك، ودليل على رضاه بالعجز من حيث الجملة؛ إذ لم يأت في الحديث ذكرُ عجزها، ولا استفهمَ النبيُّ ﷺ عن ذلك من حالها. وقد اختلف أئمتُنا في رضاه بتعجيزِ نفسِه، وإن كان له مالٌ، فقال ابن شهاب، وربيعة، وأبو الزناد: إذا رضيَ بالبيع (٣)، فهو عجزٌ، وجاز بيعُه.

стр. 2322

وقال مالك: لا يجوز ذلك إلَّا لعجزه (١) عن الأداء، ولا يكون له مال، وقد تأول بعضهم عجز بريرة، ولذلك استعانت (٢) عائشةَ، هذا معنى كلام ع، وأكثرُ لفظه (٣). وفي حديث بريرة هذا فوائد كثيرة، منعَنا من ذكرها كراهةُ التطويل والإملال، ولأن فيها تصانيفَ مشهورة -كما تقدم-، فليقف عليها هناك مَنْ أرادها، واللَّه الموفق. * * *

стр. 2323

الحديث الثاني ٢٦٨ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّه كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ، فَأعْيَا، فَأرادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، قَالَ: "بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ"، قُلْتُ: لَا، ثُمَّ قَالَ: "بِعْنِيهِ"، فَبِعْتُه (١) بِأُوقِيَّةٍ، وَاسْتَثْنيتُ حُمْلَانه إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ، أتَيْتُهُ بِالجَمَلِ، فَنَقَدَني ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأرْسَلَ في إِثْرِي، فَقَالَ: "أَتَراني مَاكسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَراهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ (٢) " (٣).

стр. 2324

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: يقال: أَعْيَا الرَّجُلُ في المشي، فهو مُعْيٍ (١)، ولا يقال: عَيَّانُ، وأَعْيَاهُ اللَّه؛ كلاهما بالألف، وأَعْيَا عليه الأمرُ، وتَعَايا (٢)، وتَعَيَّا، بمعنى، ومنهُ المعاياة، وهو أن يأتيَ بشيء لا يُهتدَى له غالبًا، وجَمَلٌ عَيَايَاءُ (٣): إذا لم يَهْتَدِ للضِّراب، ورجلٌ عَيَايَاء (٤): إذا عَيَّ بالأمرِ والمَنْطِق (٥). وقوله: "فأرادَ أن يُسَيِّبه"؛ أي: يُطْلِقه ضجرًا منه، لا [أنه] أراد

стр. 2325

أن يجعلَه سائبةً لا يركبه أحد؛ كما كانت الجاهليةُ تفعل. الثاني: في الحديث: عَلَمٌ من أعلام النبوة، ومعجزةٌ من معجزاتِ الرسول ﷺ ، وانظرْ: هل فيه رواية الحديث بالمعنى؛ لقوله: "فدعا لي"، ولم يصرِّحْ باللفظ المدعو به؟ وفيه: جوازُ ضربِ الدابة حثًّا لها (١) على السير إذا أعْيَتْ. وفيه: جوازُ طلبِ بيعِ السلعةِ من مالكِها، وإن لم يعرضْها للبيع. وفيه: أنه لا بأس بمجاوبة الأكابر بكلمةِ: لا. وفيه: التعبيرُ بصيغة الأمر عن غير الأمر، وهو قولُه (٢): بِعْنيه. الثالث: قد تقدم الكلامُ على اقتران البيع في الشرط آنفًا مستوعَبًا. وقوله: "بأُوقِيَّة": هكذا هو في روايتنا في هذا الكتاب، وفي نُسخ "مسلم": "بِوُقِيَّةٍ" وقد تقدم أنهما لغتان، وأُوقِيَّةُ أفصحُ وأشهرُ. وقوله: "واستثنيتُ حُمْلانَه إلى أهلي": هو بضم الحاء وسكون الميم؛ أي: الحملَ عليه، والمفعولُ (٣) محذوف؛ أي: و (٤) حملانَه إياي، أو متاعي، ونحو ذلك، فالمصدرُ فيه مضافٌ إلى الفاعل. وقوله ﵊: "أَتُراني ما كسْتُكَ؟ ": قيل (٥):

стр. 2326

المماكسَة: هي المكالمة في النَّقْص من الثمن، وأصلُها النقصُ، ومنه: مكسُ الظالمِ: وهو ما ينقصُه ويأخذه من أموال النَّاس (١). فيه: جوازُ عقدِ الهبةِ بغير لفظها، وهو قوله: وهبتُكَ، وصحَّتُها بغير قبولِ الواهب (٢)؛ إذ لم يذكر ذلك في الحديث، وهذا مذهبنا أعني: عدمَ اشتراطِ صيغة الإيجاب والقبول، بل تصحُّ الهبة عندنا بذلك، وبما يقوم مقامَه من قولٍ أو فعلٍ؛ كما هو ظاهر الحديث، أو نصُّه. وللهبة ثلاثةُ أركان: أحدها: الصيغةُ، أو ما يقوم مقامَها؛ كما تقدم. والثاني: الموهوبُ، وهو كلُّ مملوك يقبلُ النقلَ، ولا يمتنعُ بالشيوع (٣)، وإن قَبِلَ القسمة، ويصح عندنا هبةُ المجهولِ، والآبقِ، والكلبِ، ونحوِ ذلك. الثالث: الواهبُ، وهو كلُّ من له أهليةُ التبرُّع، فلا هبةَ لمحجورٍ، وتصحُّ هبةُ المريض من ثلثه؛ إذ لا حجرَ (٤) عليه فيه. ولها شرطٌ واحد، وهو الحَوْزُ.

стр. 2327

وقد روى ابنُ وهب: أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وابنَ عمر، وابنَ عباس ﵃ قالوا: لا تجوزُ صدقةٌ ولا عطيةٌ إلَّا بحوزِ قبضٍ، إلَّا الصغيرَ من ولدِ المتصدِّقِ؛ فإن أباه يجوز له. وهو شرط -أعني: الحوز- في التمام والاستقرار، لا في الصحة واللزوم، إذ ثبتا بوجود السبب، ولذلك يُجبر الواهبُ عليه، ويحصل من غير تحويزه (١)، بل لا يعتبر علمُه به، فضلًا عن إذنه (٢) فيه، ولو علم، لم يشترط رضاه؛ لأنَّه لو منعه، قضي عليه فيه، وكذلك لو قهره عليه، لصحَّ له بذلك، نعم، يشترط دخولُ الحوزِ مقارنًا لصحةِ جسمه وعقلِه وقيامِ وجهه (٣)؛ كما (٤) هو مفصَّل في كتب الفقه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2328

الحديث الثالث ٢٦٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تناجَشُوا، وَلَا يبعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتكْفَأَ مَا فِي إِناَئِهَا (١).

стр. 2329

* الشرح: قد تقدم القولُ على بيعِ الحاضرِ للبادي، والنَّجْشِ، وبيعِ الرجل على بيع أخيه، في باب: ما يُنهى عنه من البُيوع. وقوله: "ولا تَناجشوا"، كأنه على تقدير القول؛ أي: وقال: و (١) لا تناجشوا (٢). وأما النهيُ عن خِطبة الرجل على خِطبة أخيه، فالنهيُ عندنا على الوجوب، فتحرُم الخِطبةُ على خِطبةِ الرجلِ غيرِ الفاسِقِ بعدَ التراكُن؛ بلا (٣) خلافٍ عندنا. واختُلِفَ في حقيقةِ التراكُن؛ هل هو تسميةُ الصّداق، أو الرِّضا بالزوج؟ و (٤) قال الشافعي: إنما هو فيمَنْ أذنتِ المرأةُ لوليها أن يزوِّجَها من رجلٍ معين. قال الخطابي: وفي قوله ﵊: "على خِطبة

стр. 2330

أخيه" دليلٌ على أن ذلك إذا كان الخاطب الأولُ مسلمًا، ولا نُضَيِّقُ عليه (١) إذا كان يهوديًا أو نصرانيًا (٢)، وهو مذهب الأوزاعيِّ، والجمهورُ على خلافه، ولهم أن يجيبوا عن الحديث بأن التقييدَ بأخيه (٣) خرجَ مخرج الغالب، فلا يكونُ له (٤) مفهومٌ. وقال ابن القاسم: هذا في غير الفاسق، وأما الفاسقُ، فيُخْطَبُ على خِطبته. ع: وقيل: معنى النهي: إذا أذنتِ المخطوبة في إنكاحِ رجلٍ بعينِه (٥)، فلا يحلُّ لأحد أن يخطُبَها حتَّى يأذن الخاطب. قلت: وهذا هو قولُ الشافعيِّ المتقدمُ آنِفًا (٦). وقد اختُلف (٧) عندَنا إذا وقعت الخِطبةُ على الخِطبة بعد التراكُن، هل يُفسخ العقدُ، أم لا؟ فعن مالك فيها (٨) قولان.

стр. 2331

وفي المذهب قولٌ ثالث: بأنه يثبتُ بعدَ البناء، ويُفسخ قبلَه، ولا خلافَ أن فاعلَ ذلك عاصٍ. وذهب الشافعي، والكوفيون، وجماعةٌ من العلماء إلى إمضاء العَقْد، وأن النهيَ ليس على الوجوب، وعلل ذلك بأمرٍ آخرَ؛ وهو أن النهي (١) مجانبٌ لأجل وقوعِ العداوة والبغضاء، وذلك لا يعود على أركانِ العقد وشروطِه بالاختلال (٢)، ومثلُ هذا لا يقتضي فسادَ العقد، قاله ق (٣). ولم يختلف قولُ داود: إن العقد يُفسخ والحالةُ هذه، وإن النهي على الوجوب (٤)، والخِطْبَةُ في هذا كله بكسر الخاء، بخلاف خُطْبَة الجمعة، والعيدين، ونحو ذلك؛ فإنها بالضم ليس إلَّا. وقوله ﵊: "لتكفأ ما في صَحْفَتها (٥) "؛ أي: لتنفردَ بزوجِها وأكلِ ماله، وتفريغ صحفةِ أختِها من نفقته ومعروفه، فكأنها تُميلها وتقلبها (٦) لأخذِ ما فيها، أو تفرغها، وتقلبها لفراغها؛ إذ

стр. 2332

عادةُ النَّاس قلبُ الصحاف إذا كانت فارغةً، قاله (١) ع. وقال أبو عبيد: لم يرد الصحفةَ خاصةً، إنما جعلَها ﵊ مثلًا لحَظِّها منه (٢)؛ كأنها (٣) إذا طَلَّقَها، أمالتْ نصيبَها منهُ إلى نفسها. قلت: وهذا كأنه المعتمَدُ في تفسيرِ هذه اللفظةِ، وقريبٌ منه يُسمَّى عند علماء البيان: التمثيلَ والتخييل عندَ التعبيرِ (٤) بالذواتِ (٥) عن المعاني، ومنه قولهم: ما زالَ يَفْتِلُ في الذِّرْوَةِ والغارِبِ (٦) حتَّى بلغَ منه مُرادَهُ، والمعنى: أنه لم يزلْ يرفقُ بصاحبِهِ رِفقًا يُشبه حالُه فيه (٧) حالَ الرجلِ يجيْءُ إلى البعيرِ (٨)، فيحكُّه، ويفتل الشعرَ في ذروته وغاربه حتَّى يستأنسَ، فالصحفةُ هنا كالذروةِ والغارِب، واللَّه أعلم. قال الهروي: "تَكْتَفِىء ما في إنائها"، هو تَفْتَعِلُ (٩)؛ من كَفَأْتُ

стр. 2333

القدر: إذا كببتها لتفرغ ما فيها، وهذا مثالٌ لإمالة الضَّرَّةِ حقَّ صاحبتِها من زوجِها إلى نفسها. قال الكسائي: أكفأتُ الإناءَ: كَبَبْتُهُ إِكْبَابَةً، وكِبَابَةَّ: إذا أمَلْتُه. وقيل: هو كنايةٌ عن الجماع والرغبةِ في كثرة الولد، والأولُ أظهر (١)، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 2334

باب الربا والصرف الحديث الأول ٢٧٠ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الذَّهَبُ بِالوَرِقِ (١) رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرُ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ" (٢).

стр. 2335

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قال الجوهريُّ: الذهب معروفٌ، وربما أُنِّثَ، والقطعةُ منه ذَهَبَةٌ (١)، ويجمع على: الأَذْهاب، والذُّهُوب (٢). والوَرِق: الدراهمُ المضروبة، وكذلك الرِّقَةُ -بتخفيف القاف والهاء بدل من الواو- كما هي في عِدَة، وزِنَة، ويجمعُ على رِقِينَ، وفي المثل: إِنَّ الرّقينَ تُغَطِّي أَفْنَ الأَفِينِ (٣)، كأنهم يعنون: تغطِّي نقصَ الناقص -واللَّه أعلم-؛ لأنَّ الأفنَ (٤): النقصُ. وفي الوَرِق ثلاثُ لغات حكاهنَّ الفراء: وَرِق، ووِرْق (٥)، ووَرْق (٦)؛ مثل: كَبِد، وكِبْد، وكَبْد، وكَلِمة، وكِلْمَة، وكَلْمَة؛ لأنَّ منهم من ينقل كسرة الراء إلى الواو بعدَ التخفيف، ومنهم من يترُكُها على حالها (٧).

стр. 2336

الثاني: [رِبًا] مقصورٌ، وقد يُمد، ومثلُه الزِّنا والشِّرا، وفيضوضا (١)، كلُّها تُقصر وتُمد، وهو من رَبَا يَرْبُو، فيكتب بالألف، ويثنى بالواو، وأجاز الكوفيون كتبه وتثنيته بالياء؛ للكسرةِ في أوله، وغلَّطَهم البصريون، وأجاز الفراءُ كتابته (٢) بالألف والياء والواو، والرِّماء -بالميم والمد-: هو الربا، وكذلك الرُّبْيَةُ -بضم الراء والتخفيف- لغةٌ في الربا، وأصلُه: الزيادة، رَبَا الشيء، يَرْبُو: إذا زادَ، وأَرْبى الرجلُ، وأَرْمَى: عامَلَ بالربا (٣). الثالث: أجمعَ المسلمونَ على تحريمِ الربا من حيثُ الجملة، وإن (٤) اختلفوا في ضَابِطهِ وتفارِيعه (٥)، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والأحاديثَ فيه كثيرة مشهورة، حتَّى يقال: إن ما في المعاصي معصية أعظم من أكل الربا. وقد ذكر ابنُ بكير: أن رجلًا جاء إلى مالكِ بنِ أنسٍ (٦)، فقال: يا أبا عبد اللَّه! (٧) رأيت رجلًا سكرانًا يتعافر يريد أن يأخذَ القمرَ،

стр. 2337

فقلت (١): امرأتي طالق إن كان يدخلُ جوفَ ابنِ آدم أشرُّ من الخمر، فقال مالك: ارجعْ حتَّى أنظرَ في مسألتك، فأتاه من الغد، [فقال: ارجعْ حتى أنظرَ في مسألتك، فأتاه من الغد، فقال: ارجعْ حتى أنظرَ في مسألتك، فأتاه من الغد] (٢)، فقال له: امرأتُك طالق؛ إنِّي (٣) تصفَّحْتُ كتابَ اللَّه، وسنةَ نبيه ﷺ ، فلم أر شيئًا أشدَّ من الربا؛ لأنَّ اللَّه تعالى أَذِنَ فيه بالحرب (٤). قلت: يريد: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]، فليعلم الفقيهُ قدرَ ما أنعمَ اللَّه عليه، وَفَّقنا اللَّهُ للعملِ بما عَلِمنا، وسامحَنَا فيما أهملْنا (٥) من ذلك (٦)، إنه وليُّ ذلك، والقادرُ عليه، لا ربَّ سواه. الرابع: نصَّ في هذا الحديث على تحريم الربا في أربعة أشياء: الذهب، والورق، والبر، والشعير. وفي بعض أحاديث "مسلم" زيادة: التمر، والملح.

стр. 2338

فقال أهل الظاهر: باختصاص هذه الستة؛ بناء على أصلهم الفاسد في نفي القياس، وقال جماعة العلماء سواهم: لا يختص بالستة (١)، بل يتعدَّى إلى ما في معناها، وهو ما شاركها في العلَّة، التي هي سبب تحريم الربا في الستة (٢). ثم اختلفوا في العلة التي هي سببُ تحريم الربا في الستة (٣): فذهب مالك إلى أن علَّة التحريم في النقدين كونُهما جوهَرَي الأثمان، وأما الأربعةُ، فلكونها تُدَّخر للقوت، أو تصلُحُ للقوت، فعلى هذا لا يجري الربا عنده في الحديد والرصاص وما أشبهَهُما، ولا في الرمان، والبطيخ، والتفاح، ونحو ذلك. وبذلك قال الشافعي -أيضًا- في النقدين، وأما في الأربعة، فقال في القديم، تبعًا لسعيد بن المسيب: إن العلَّة كونُه مطعومًا يُكال أو يوزن، فحرم الربا في كل مطعوم يُكال أو يوزن، ونفاه عما سواه (٤)؛ كالسفرجل، والبطيخ، وقال في الجديد: العلَّة كونُه مطعومًا فقط، سواءٌ كان مكيلًا، أو موزونًا، أم لا، ولا ربا فيما سوى المطعوم غيرِ الذهبِ والفضة، هذا هو الصحيح من مذهب الشافعي على ما نقله ح

стр. 2339

في "شرح المهذب" (١). ع: وخالفهما أبو حنيفة -يعني: مالكًا، والشافعي- في الجميع، فقال: إن العلَّة في الذهب الوزنُ، وفي الأربعة الكيلُ (٢). قلت: وقال ابنُ هبيرة: قال أبو حنيفة، وأحمد، في أظهر الروايات عنه، وهي اختيار الخرقي وشيوخِ أصحابِه: العلَّةُ في الأعيان الأربعة الباقيةِ زيادةُ كيل في جنسِ المَكيلات، فكلُّ ما جمعه الجنسُ والكيلُ، فالتحريم فيه ثابتٌ إذا بِيعَ متفاضِلًا؛ كالحنطة، والشعير، والنورة، والجِصِّ، والأُشنان، وما أشبَهَهُ. وعن أحمد رواية ثانية في علَّة الأعيان الأربعة: أنها مأكولٌ مكيلٌ، أو مأكولٌ موزونٌ، فعلى هذه الرواية لا ربا فيما (٣) يؤكل وليسَ بمكيل ولا موزونٍ؛ مثل: الرمان، والسفرجل، والبطيخ، والخيار، ولا في غير المأكول ممَّا يُكال ويوزن؛ كالنورة، والجص. وعنه رواية ثالثة في علة الأعيان الأربعة: أنه مأكولُ جنس، فعلى هذه الرواية يحرُم ما كان مأكولًا خاصةً، ويدخل في (٤) التحريم سائرُ المأكولات (٥)، ويخرجُ منه ما ليس بمأكول (٦).

стр. 2340

ع: فخرج من ذلك أن مالكًا تطلَّبَ علَّته، فحرَّم التفاضلَ في الزبيب؛ لأنَّه كالتمر (١) في الاقتيات، وحَرَّمَ التفاضُلَ في القطنية؛ لأنها في معنى القمح والشعير، ويرى أن علَّة الثمنية لم يتفق وجودُها إلَّا في الذهب والفضة (٢)، ولو اتفق أن يجيز (٣) النَّاس بينهم الجلود، لنهى عن التفاضل فيها. وأما الشافعي، فتطلَّب علَّته، فحرمَ التفاضُلَ في كل مطعوم. وأبو حنيفة يحرِّمه في كل مَكيل أو موزونٍ. فأما مالك، فإنه استلوحَ ما قال؛ لأجل أن النبيَّ ﷺ لو أراد الكيلَ أو الوزنَ، لاكتفى بأحدِ هذه الأربعة، ولا يظهرُ للزيادة على الواحدة (٤) فائدةٌ، وكلامُه ﷺ كلُّه فوائدُ، لا سيما في تعليم الشرائع، وبيانِ الأحكام، ولذا (٥) كان يقتصرُ على واحدٍ منها لو كانت العلَّة كونَها مطعومةً؛ لأن الواحدَ منها كما سواه ممَّا ذُكر معه في الحديث، ويقول: لما علم النبيُّ ﷺ أن المرادَ: الاقتياتُ، أرادَ أن يُبينه بالتنبيه عليه؛ ليبقي للعلماء مجالًا في الاجتهاد، ويكونَ داعيًا لبحثهم الذي هو من أعظم القُرَب إلى اللَّه ، وليوسِّعَ لأمته في التعبُّد على حسب

стр. 2341

تتبُّعِ أقوالِ علمائهم، ولربما (١) كانت التوسعةُ أصلحَ للخلق أحيانًا، فنصَّ على البُرِّ الذي هو أعلى المقتاتات، ثم نصَّ على الشعيرِ الذي هو أدناها؛ لينبِّهَ بالطرفين على الوسط، وتُنظمَ الحاشيتان ما بينهما، وإذا أراد إنسانٌ ذكرَ جملةِ الشيء، فربما كان ذكر طرفيه ونهايته أدلَّ على استيفائه من اللفظِ الشامِل له. ولما عهدَ النبيُّ ﷺ عادةَ النَّاس في زمنه أكلَ البُرِّ مع السَّعَة والاختيار، والشعير مع الضرورة والإقتار، كان ذكرُه لهما تنبيهًا على السلْت، والأرز، والذرة، والدخن، لأ [ن] مَن اعتادَ أكلَها في بعض البلاد، إما (٢) أن يأكلَها في حال سَعَته، فيكون ذكرُ القمحِ منبهًا له على حكمها، أو في حال ضيقته، فيكون ذكرُ الشعير منبهًا له، و (٣) لو اتفق أن يكون الدخنُ أو غيرهُ هو المقتاتَ في زمنه في قوت أهل الإقتار، لأمكنَ (٤) أن ينبه به بدلًا من الشعير، وأما التمرُ، فإنه، وإن كان يُقتات (٥)، ففيه ضربٌ من التفكُّه، والطبعُ يستحليه (٦)، حتَّى إنه يؤكل على غير جهة (٧) الاقتيات، فأراد ﷺ أن يرفعَ اللَّبْس لأجل هذا المعنى الذي انفرد، وينصُّ

стр. 2342

عليه مُشيرًا إلى كل مُقتات، وإن كان فيه زيادةُ معنى، فإن ذلك لا يُخرجه عن بابه. ولما علم ﷺ أن هذه الأقواتَ، لا يصحُّ اقتياتُها (١) إلَّا بعدَ إصلاحها، وإذا لم تكن (٢) مصلحة تكاد تلحق بالعدم الذي لا ينتفع به في القوت، أعطى ما لا قوام (٣) لها إلَّا بها (٤) حكمَها، ونبَّهَ بالملح على ما سواه ممَّا يحلّ محلَّه في (٥) إصلاحها، أنه لا يُقتات منفردًا؛ ولكنه يَجعل ما ليس بقوت قوتًا. قال: وأما الشافعيُّ، فإنه استلوحَ ما ذهبَ إليه من قوله ﷺ في حديثٍ آخر: "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ، مِثْلًا بِمِثْل"، فيقول: إني وإن (٦) لم أزاحمكم في تطلُّب التعليل، فإن عمومَ هذا نصُّ مذهبي، وإن زاحمتكم فيه، فإنه يشير إلى ما قلت؛ لأنَّه علَّق الحكمَ بالطعام، وهو مشتقٌّ من الطُّعْم، ومعنى الاشتقاق هو علَّةُ الأحكام. وأما أبو حنيفة، فإنه سلك -أيضًا- قريبًا من هذا المسلك، فقال: فإن عاملَ خيبرَ لما باع الصاعَ بالصاعين، أنكرَ ذلك ﷺ ، فقال:

стр. 2343

"لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلِ، وَبِيعُوا (١) هَذَا، وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا"، فكذلك الميزان، ومعلومٌ أنه لم يرد نفسَ الميزان، وإنما أرادَ نفسَ الموزون، فكأنه قال: وكذا (٢) الموزونُ، وإن زاحمتكم فيه، كان ذكرُ (٣) الوزنِ مشيرًا إلى العلَّة. وقال أصحابنا في الردِّ عليه: إن علَّته تُجيز الربا في القليل الذي لا يتأتى فيه الكيل، وعموم قوله ﷺ : "البر بالبر"، الحديث، يوجب منع (٤) الربا فيه، فقد صارت العلَّة أُخذت من أصل ينقُضُها عمومُه، وذلك ممَّا يُبطل التعليل. انتهى كلامه رحمه اللَّه تعالى (٥). وقد نقلوا الإجماع على جواز بيعِ الربويِّ (٦) بربويٍّ لا يُشاركه في العلَّة، متفاضِلًا، ومؤجَّلًا؛ كبيع الحنطةِ وما في معناه (٧) بالذهب أو (٨) الوَرِق، وبيعِ الشعير وغيرِه من المكيل بالفضة.

стр. 2344

(١) على أنه لا يجوزُ بيعُ الربويِّ بجنسِه وأحدُهما مؤجَّل. وعلى أنه لا يجوزُ التفاضلُ (٢) إذا بيعَ بجنسِه حالًا؛ كالذهبِ بالذهب. وعلى أنه لا يجوزُ التفرُّقُ قبلَ التقابض إذا باعَه بجنسِه، أو بغيرِ جنسه ممَّا يشاركه في العلَّة؛ كالذهب بالفضة، والحنطةِ بالشعير. وعلى أنه يجوزُ التفاضلُ عند اختلافِ الجنس إذا كان يَدًا بيد؛ كصاعِ حنطةٍ بصاعِ أَرُزٍّ، لا خلافَ بين العلماء في هذا كلِّه، إلَّا ما حُكي عن ابن عباس من تخصيصِ الربا (٣) بالنَّسيئة، وقد قيل: إنه رجعَ عن ذلك، والحمدُ للَّه. ولتعلمْ: أن التبايُع يقع في ثلاثة أوجه: عرضٌ بعرضُ وعينٌ بعين، وعرضٌ بعين. ويقع التبايُع (٤) بهذه الأجناس على ثلاثة أوجه أيضًا: يؤخران جميعًا، وينقدان جميعًا، وينقد أحدهما ويؤخر الآخر (٥). فإن نقدا جميعًا، كان ذلك بيعًا بنقد.

стр. 2345

فإن بيع العينُ بعينٍ مثلهِ (١)؛ كالذهب بالذهب، سُمي: مُرَاطلة. وإن بيع بعين خلافه؛ كالذهب بالورق، سمي: صرفًا؛ لصرفِهِ عن مقتضى البياعات من جواز التفاضل، وقيل: لصريفِهما (٢) وتصويتِهما في الميزان، وهذا تردُّه المراطلة. وإن بيع العرض بعين، سمي العين ثمنًا، والعرضُ مثمونًا. وإن كانا مؤخرين جميعًا، فذلك الدَّينُ بالدَّين، وليس ببيع شرعي؛ لأنَّه منهيٌّ عنه على الجملة. وإن نقد أَحدُهما، وأُخِّرَ الآخرُ، كان المؤخَّرُ هو العين، والمتقدمُ هو العرض (٣)، سمي ذلك بيعًا إلى أجل، وإن كان العكس (٤)، سُمي سَلَمًا وسَلَفًا. ولو كانا عرضين مختلفين، سمي ذلك: سَلَمًا، وسَلَفًا، ولا نبالي ما تقدم منهما و (٥) تأخر (٦). هذا من حيث الجملة، وتفصيلُه وتفريعه في كتب الفقه (٧).

стр. 2346

الخامس: قوله ﵊: "البرُّ بالبرِّ، والشعيرُ بالشعير": ظاهره: أنهما صنفان، وهو مذهبُ الثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وفقهاء المحدثين، وآخرين. وقال مالك، والليث (١)، والأوزاعي، ومعظمُ علماء المدينة والشام من المتقدمين (٢): إنهما صنفٌ واحد، وهو محكيٌّ عن عمرَ، وسعدٍ، وغيرِهما من السلف ﵃ (٣). واتفقوا على أن الدُّخْنَ (٤) صنفٌ، والذرةَ صنفٌ، والأرزَّ صنفٌ، إلَّا الليثَ بنَ سعد، وابنَ وهب من أصحابنا، فقالا: هذه الثلاثة صنفٌ واحد (٥). السادس: قوله ﵊: "هاء وهاء". قال الإمام: بعض المحدثين يقولون: (ها) بالقصر، وحُذَّاقُ أهل اللغة يمدُّونها (٦)، ويجعلون ذلك بدلًا من الكاف؛ لأنَّ أصلها (٧): هاكَ، يقولون: هاكَ السيفَ، بمعنى: خذه، ويقال (٨) للاثنين: هاؤُما،

стр. 2347

وللجمع هاؤُم، قال اللَّه تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَ﴾ [الحاقة: ١٩] (١). قلت: قولُ الإمام: لأن أصلَها (٢) هاكَ يوهمُ أن الكافَ من نفس الكلمة في الأصل؛ كالدال من زيد، وليس ذلك مرادَه (٣)؛ إنما يريد: أن ذلك أصلُها استعمالًا، لا بناءً، وهو حرفُ خطاب؛ كالكاف في ذلك، وأولئك، لا حظَّ لها في الاسمية، ويدل على ذلك استعمالُ الهمزة في موضعها؛ كما في الحديث، فيقولون هاءَ للمذكر -بفتح الهمزة-، وهاءِ -بكسرها- للمؤنث، فلما وقعَ موقعَ الكاف ما لا يكون إلَّا حرفًا، عُلم أنها حرف، وربما قالوا: هَاءَكَ -بفتح الهمزة والكاف-، وهاكِ -بكسر الكاف-؛ كأنهم جمعوا بينهما توكيدًا للخطاب، فالكاف (٤) هنا -أيضًا- حرف، لأن (ها) من أسماء الأفعال -كما تقدم-، وأسماءُ الأفعال لا تُضاف. وقد حكى ثابتٌ وغيرُه من أهل اللغة هَأْ -بالقصر-؛ مثل: خَفْ، وللاثنين هاءا؛ مثل: خافا، وللجميع هاؤوا؛ مثل: خافوا، وللمؤنث هاكِ، ومنهم من لا يثنيها ولا يجمعها على هذه اللغة، ولا يغيرها في التأنيث، ويقول في الجميع: (ها) بلفظ واحد. قال السيرافي: كأنهم جعلوها (٥) صوتًا مثل صَهْ، ومَنْ ثنى وجمع،

стр. 2348

قال للمؤنث: هائي، وبعضهم يقول هاكِ، وفيها لغة أخرى: "هاء" بالكسر مهموزة، الذكر والأنثى سواء، لكن يزيد في المؤنث "ياء"، ويقول: هاءي (١)، وفيها لغة أُخرى حكاها بعضهم: (ها) (٢) -بالقصر-؛ كما يقول بعضُ المحدثين، وأكثرُ أهل اللغة ينكرونها، فرواية المحدثين (هَا وهَا) -بالقصر- على هذا، أو على اللغة الثانية سُهلت فيه الهمزة. قال الهروي: ومعناها: أن يقول كلُّ واحد منهما لصاحبه: ها، فيعطيه ما (٣) بيده. ع: وهذا يُصَحِّح (٤) روايةَ المحدثين. وقال الخطابي: قوله ﵊: "هَا وهَا" معناه: التقابض. و (٥) قال هو وغيره: إن الصوابَ المدُّ والفتحُ (٦). وقد أنشد بعضُ أهل اللغة في ذلك:

стр. 2349

لَمَّا رَأَتْ فِي قَامَتِي انْحِنَاءَ ... وَالمَشْيَ بَعْدَ قَعسٍ إِحْنَاءَ أَجْلَتْ وَكَانَ حُبُّهَا إِجْلَاءَ ... وَجَعَلَتْ نِصْفَ غَبُوقي مَاءَ تَمْزُجُ لِي مِنْ بُغْضِهَا السِّقَاءَ ... ثُمَّ تَقُولُ مِنْ بَعِيدٍ هَاءَ دَحْرَجَةً إِنْ شِئْتَ أَوْ إِلْقَاءَ ... ثُمَّ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ دَاءَ لَا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ شِفَاءَ (١) فهذا شاهدٌ على اللغة الفصحى، وهي (٢) المدُّ؛ كما في الحديث، ولا يجوز أن يكونَ ضرورةً؛ إذ لا يجوزُ في الشعر مَدُّ المقصور، وإنما يجوز قصرُ الممدود؛ رجوعًا إلي الأصل؛ إذ الأصلُ (٣) القصرُ، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2350

الحديث الثاني ٢٧١ - عَنْ أبَي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ (١): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لا تَبيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، ولا تَبِيعُوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمثْلٍ، ولا تُشِفُّوا بَعْضَها عَلَى بَعْضٍ (٢)، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ" (٣). وَفِي لَفْظٍ: "إِلَّا يَدًا بِيَدٍ" (٤). وَفِي لَفْظٍ: "إلَّا (٥) وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءً" (٦).
следующие страницы →