← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

الخامس: قوله ﵊: "البرُّ بالبرِّ، والشعيرُ بالشعير": ظاهره: أنهما صنفان، وهو مذهبُ الثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وفقهاء المحدثين، وآخرين. وقال مالك، والليث (١)، والأوزاعي، ومعظمُ علماء المدينة والشام من المتقدمين (٢): إنهما صنفٌ واحد، وهو محكيٌّ عن عمرَ، وسعدٍ، وغيرِهما من السلف ﵃ (٣). واتفقوا على أن الدُّخْنَ (٤) صنفٌ، والذرةَ صنفٌ، والأرزَّ صنفٌ، إلَّا الليثَ بنَ سعد، وابنَ وهب من أصحابنا، فقالا: هذه الثلاثة صنفٌ واحد (٥). السادس: قوله ﵊: "هاء وهاء". قال الإمام: بعض المحدثين يقولون: (ها) بالقصر، وحُذَّاقُ أهل اللغة يمدُّونها (٦)، ويجعلون ذلك بدلًا من الكاف؛ لأنَّ أصلها (٧): هاكَ، يقولون: هاكَ السيفَ، بمعنى: خذه، ويقال (٨) للاثنين: هاؤُما،

стр. 2347

وللجمع هاؤُم، قال اللَّه تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَ﴾ [الحاقة: ١٩] (١). قلت: قولُ الإمام: لأن أصلَها (٢) هاكَ يوهمُ أن الكافَ من نفس الكلمة في الأصل؛ كالدال من زيد، وليس ذلك مرادَه (٣)؛ إنما يريد: أن ذلك أصلُها استعمالًا، لا بناءً، وهو حرفُ خطاب؛ كالكاف في ذلك، وأولئك، لا حظَّ لها في الاسمية، ويدل على ذلك استعمالُ الهمزة في موضعها؛ كما في الحديث، فيقولون هاءَ للمذكر -بفتح الهمزة-، وهاءِ -بكسرها- للمؤنث، فلما وقعَ موقعَ الكاف ما لا يكون إلَّا حرفًا، عُلم أنها حرف، وربما قالوا: هَاءَكَ -بفتح الهمزة والكاف-، وهاكِ -بكسر الكاف-؛ كأنهم جمعوا بينهما توكيدًا للخطاب، فالكاف (٤) هنا -أيضًا- حرف، لأن (ها) من أسماء الأفعال -كما تقدم-، وأسماءُ الأفعال لا تُضاف. وقد حكى ثابتٌ وغيرُه من أهل اللغة هَأْ -بالقصر-؛ مثل: خَفْ، وللاثنين هاءا؛ مثل: خافا، وللجميع هاؤوا؛ مثل: خافوا، وللمؤنث هاكِ، ومنهم من لا يثنيها ولا يجمعها على هذه اللغة، ولا يغيرها في التأنيث، ويقول في الجميع: (ها) بلفظ واحد. قال السيرافي: كأنهم جعلوها (٥) صوتًا مثل صَهْ، ومَنْ ثنى وجمع،

стр. 2348

قال للمؤنث: هائي، وبعضهم يقول هاكِ، وفيها لغة أخرى: "هاء" بالكسر مهموزة، الذكر والأنثى سواء، لكن يزيد في المؤنث "ياء"، ويقول: هاءي (١)، وفيها لغة أُخرى حكاها بعضهم: (ها) (٢) -بالقصر-؛ كما يقول بعضُ المحدثين، وأكثرُ أهل اللغة ينكرونها، فرواية المحدثين (هَا وهَا) -بالقصر- على هذا، أو على اللغة الثانية سُهلت فيه الهمزة. قال الهروي: ومعناها: أن يقول كلُّ واحد منهما لصاحبه: ها، فيعطيه ما (٣) بيده. ع: وهذا يُصَحِّح (٤) روايةَ المحدثين. وقال الخطابي: قوله ﵊: "هَا وهَا" معناه: التقابض. و (٥) قال هو وغيره: إن الصوابَ المدُّ والفتحُ (٦). وقد أنشد بعضُ أهل اللغة في ذلك:

стр. 2349

لَمَّا رَأَتْ فِي قَامَتِي انْحِنَاءَ ... وَالمَشْيَ بَعْدَ قَعسٍ إِحْنَاءَ أَجْلَتْ وَكَانَ حُبُّهَا إِجْلَاءَ ... وَجَعَلَتْ نِصْفَ غَبُوقي مَاءَ تَمْزُجُ لِي مِنْ بُغْضِهَا السِّقَاءَ ... ثُمَّ تَقُولُ مِنْ بَعِيدٍ هَاءَ دَحْرَجَةً إِنْ شِئْتَ أَوْ إِلْقَاءَ ... ثُمَّ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ دَاءَ لَا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ شِفَاءَ (١) فهذا شاهدٌ على اللغة الفصحى، وهي (٢) المدُّ؛ كما في الحديث، ولا يجوز أن يكونَ ضرورةً؛ إذ لا يجوزُ في الشعر مَدُّ المقصور، وإنما يجوز قصرُ الممدود؛ رجوعًا إلي الأصل؛ إذ الأصلُ (٣) القصرُ، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2350

الحديث الثاني ٢٧١ - عَنْ أبَي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ (١): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لا تَبيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، ولا تَبِيعُوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمثْلٍ، ولا تُشِفُّوا بَعْضَها عَلَى بَعْضٍ (٢)، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ" (٣). وَفِي لَفْظٍ: "إِلَّا يَدًا بِيَدٍ" (٤). وَفِي لَفْظٍ: "إلَّا (٥) وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءً" (٦).

стр. 2351

* الشرح: قوله ﵊: "ولا تُشِفُّوا" (١): هو بضم التاء، رباعي؛ من أَشَفَّ؛ كَأَمَلَّ يُمِلُّ، ومعناه: لا تُفَضِّلوا، يقال: أَشْفَفْتُ بعضَ ولدي؛ أي: فضلتهم، والشِّفُّ -بالكسر-: الفضلُ والربح، تقول (٢) منه: شَفَّ يَشِف (٣) شَفًّا؛ مثل حَمَلَ يَحْمِل (٤) حَمْلًا. وقال ابن السِّكِّيت: الشف -أيضًا-: النقصان، وهو من الأضداد.

стр. 2352

وأما قولهم (١): شَفَّهُ الهمُّ (٢) يَشُفُّه شَفًّا، فبالضمِّ في المضارع، والفتحِ في المصدر (٣). ع: فيه: دليل على أن الزيادة، وإن قَلَّتْ، منهيٌّ عنها، حرامٌ؛ لأن لفظ الشفوف يقتضي الزيادةَ غيرَ الكثيرة، ومنه شُفَافَةُ الإناء، وهي البقيةُ القليلة فيه من الماء (٤). وقوله ﵊: "ولا تبَيعوا منها غائِبًا بناجزٍ": الناجز: الحاضر، والغائب: المؤجَّل، أو الغائبُ عن المجلس. ع: ولم يختلف العلماء في منع المبالغة (٥) في الذهب والفضة على هذا. قلت: أما المؤجَّل، فلا خلاف فيه كما ذُكر، وأما الغائبُ عن المجلس، فمختلف فيه: أجاز الشافعي وأصحابهُ، وآخرون أن يبيعَ دينارًا بدينار، كلاهما في الذمَّة، ثم يُخرج كلُّ واحدٍ منهما الدينارَ، أو يبعث من يُحضره له من بيته -مثلًا-، ويحصل التقابضُ في المجلس، لا خلاف عندهم (٦) في ذلك، ويرون أن (٧) الشرط أن لا يتفرقا بلا قبضٍ،

стр. 2353

وقد حصلَ القبضُ، فلا مانع من الجواز عندهم، فليعلمْ ذلك. قيل: ومذهبُ مالك أقربُ إلى حقيقة لفظِ الحديث، واللَّه الموفق. وقوله ﵊: "وزنًا بوزنٍ" إلى آخره، يحتمل أن يكون مبالغةً في التوكيد. ع: وقد يكونُ (١) اشتراطُ السواء في المثلية في العين، وهو غيرُ (٢) السواء في الوزن، ويكون قوله: "سواءً بسواءً" عائدًا على الوجهين، وقد اختلف في ذلك في المراطَلَة (٣)، هل يشترط مع استواء الوزن مماثلة العين، أم لا (٤)؟ * * *

стр. 2354

الحديث الثالث (١) ٢٧٢ - (٢) عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ "، قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَناَ تَمْرٌ رَدِيءٌ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِيَطْعَم (٣) النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبا! (٤) لا تَفْعَلْ، لَكِنْ إِذَا أردْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ، فَبعِ التَّمْرَ بِبَيعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ" (٥).

стр. 2355

* الشرح: في الحديث: دليل على الاستخبار (١) عن الطعام الذي لا يُعلم أصلُه، وإن كان ظاهرُ الآتي به حسنًا، ليس في زِيِّ ظالمٍ ونحوِه، أو الآتي به معروفًا عندَ الذي أُتي به إليه، وهو خلافُ ما ذكره الغزالي في بعضِ كتبه. والبَرْنِيُّ: -بفتح الباء- كذا هو في النسخ المعتمدة من "الصحاح"؛ كأنه منسوب إلى البَرْنيَّة: وهي (٢) إناءٌ من خزف، وقد يبدل من يائه جيم، قال الراجز: المُطْعِمَانِ اللَّحْمَ بِالعَشِجِّ وَبِالغَدَاة فِلَقَ البَرْنِجِّ يريد: بالعَشِيِّ، وفلق البَرْنيِّ (٣). وقوله: "ليَطْعَم النبيُّ ﷺ ": هو بفتح الياء والعين، ماضيه طَعِمَ -بكسر العين-؛ أي: ليأكله النَّبيُّ ﷺ .

стр. 2356

وقوله ﵊: "أَوَّه"، قيل: هي كلمةُ تَحَزُّن وتوجُّع، وهي مشدَّدة الواو، يقال: بالمد والقصر. ع: وقد قيل أيضًا: (أُووه) -بضم الواو ومدِّها-، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]؛ أي: كثيرُ التأؤُه خوفًا وشفقة، وهو من هذا. وقوله ﵊: "عينُ الربا"؛ أي: هو الربا المحرمُ نفسُه من الزيادة، لا ما يُشبهه ويُقاس عليه. وقد تعلق بعموم الحديث مَنْ لا يحمي الذريعة، ويقول: قد أجاز هاهنا أن يبيعَ التمرَ ببيع آخر، ثم يشتري به، فقد أجاز البيعَ والشراءَ على الإطلاق، ولم يفصل بين أن يبيعه ممن باعه، أو من غيره، أو بين أن يقصد إلى شراء الأكثر، أو لا، ولم يتهم على كون الدراهم لغوًا. قال الإمام: ومن يحمي الذريعة يخصُّه بأدلةٍ أُخَرَ. ع: وقد (١) قال الشافعي، وأبو حنيفة، وغيرهما: بجواز ذلك من البائع أولًا، ولم يراع الذريعة في ذلك غيرُ مالك رحمه اللَّه تعالى. قال: وظاهرُ (٢) فعلِ هذا: أن تحريمَ التفاضُل في مثل هذا بعد لم يكن فاشيًا، وإلا، فليس كان يَخْفى على (٣) فاعله، وهو عاملُ النبيِّ ﷺ

стр. 2357

بخيبرَ، وكان النبي ﷺ والأئمةُ بعده لا يقدِّمون على النَّاس في أمرٍ إلَّا مَنْ فَقُه فيه، وعَلِمَه، وعلمَ صلاح حاله، ولهذا لم يوبخه النبيُّ ﷺ ، ولا أَدَّبَه على مخالفة ما نَهى عنه، ولا أنكرَ ذلك عليه أحدٌ من أصحابه، لا سيما على رواية مالك في "الموطأ": أن النبيَّ ﷺ لما نهاهم عن بيع التمر بالتمر: قالوا له: إن عامِلَكَ على خيبرَ يأخذ الصاعَ بالصاعين (١)، وذكرَ (٢) الحديث (٣). فهذا يدلُّ على أن الأمر كانَ أولَ التحريم، واللَّه أعلم (٤). ق: والمانعون من الذرائع يجيبون بأنه مطلقٌ لا عامٌّ، فيُحمل على بيعه من غيرِ البائع، أو على غير الصورة التي يمنعونها (٥)؛ فإن المطلقَ يكتفى في العمل به بصورة واحدة (٦). قلت: وليس هذا الجواب عندي بالقوي كما ترى. وفي الحديث: دليل على أن التفاضل في (٧) الصفات، لا اعتبار به في تجويز الزيادة.

стр. 2358

وقوله ﵊: "ببيعٍ آخَرَ": يحتمل أن يريد: بمبيع آخر، فأقام المصدرَ مقامَ المفعول، كما قالوا: أنتَ رجائي (١) بمعنى مَرْجُوِّي (٢)، ويراد به: الثمن، ويحتمل أن يريد: ببيع آخرَ على صفة أخرى غيرِ الأولى، على أن تكون الباء زائدة، ويقوى الأول من وجهين: أحدهما: أن زيادة الباء في مثل هذا ليس بقياس. والثاني: قوله ﵊: "ثم اشْتَرِ بِهِ"؛ أي: بالمبيع، فاعرفْه (٣). * * *

стр. 2359

الحديث الرابع ٢٧٣ - عَنْ أَبي المِنْهَالِ، قَالَ: سَأَلْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنِ الصَّرْفِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ (١) مِنْهُمَا يَقُولُ: هَذَا خَيْر مِنِّي، وَكِلَاهُمَا يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالوَرِقِ دَيْنًا (٢).

стр. 2360

* الشرح: فيه: دليلٌ على التواضع، والاعترافِ بحقِّ الأفاضلِ من أهل الدين والعلم ﵃. ولقد أحسنَ مَنْ قالَ: وَمَا عَبَّرَ الإِنْسَانُ عَنْ فَضْلِ نَفْسِهِ ... بِمِثْلِ اعْتِرَافِ الفَضْلِ مِنْ كُلِّ فَاضِلِ وَإِنَ أَخَسَّ النَّقْصِ أَنْ يَنْفِي الفَتَى ... قَذَى النَّقْصِ عَنْهُ بِانْتِقَاصِ الأَفَاضِلِ ولقد شاهدْنا مَنْ لا يرتابُ في فضيلته وتحصيله من العلماء، فما هو إلَّا أن يُثني على نفسه بما فيه، فيسقطُ (١) من الأعين، أو يَقِلُّ تعظيمُه عند النَّاس، وما رأينا مَنْ تواضعَ إلَّا عَظُم في الأعين، وكَثُرَت الرغبةُ في علمه، وإن كان يسيرًا، ومصداقُ هذا ما في الحديث من مدحِ التواضع؛ كحديث السلسلة، وما في معناه. ويقال: إن التواضع نعمةٌ لا يُحسد عليها، ويكفي في التواضع أنه ضدُّ الكِبْر، وقد جاء: "الْعَظَمَةُ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ ناَزَعَنِي فِيهِمَا، قَصَمْتُهُ" (٢)، أو نحو ذلك، فنسأل اللَّه التوفيقَ والعصمةَ.

стр. 2361

وهذا الحديثُ نصُّ (١) في تحريم ربا النَّسَاءِ في النَّقْدَين؛ لاجتماعهما في علَّة واحدة، وهي التفرقة، فلا بدَّ من التناجُزِ في الحال -على ما تقدم-، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 2362

الحديث الخامس ٢٧٤ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ (١)، قَالَ: نهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الفِضَّةِ بِالفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إِلّا سَوَاءٍ بِسَوَاءٍ، وَأَمَرنَا أَنْ نشتَرِيَ الفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كيْفَ شِئْنَا، وَنشتَرِيَ الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ كيْفَ شِئْنَا. قَالَ: فَسَألَهُ (٢) رَجُلٌ، فَقَالَ: يَدًا بِيَدٍ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ (٣).

стр. 2363

* الشرح: المرادُ بالأمر هنا: الإباحةُ والإذنُ قطعًا. وقوله: "كيف شئنا"؛ أي: بالنسبة إلى التفاضل والتساوي، لا بالنسبة إلى الحلول والتأجيل، وقد جاء ذلك مبينًا في حديث آخر، وهو قوله ﵊: "إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يدًا بيد" (١)، وهذا (٢) لا خلاف فيه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2364

باب الرهن وغيره الحديث الأول ٢٧٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (١): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اشترى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ (٢).

стр. 2365

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قال الهروي: قال ابنُ عرفةَ: الرهن في كلام العرب هو الشيءُ الملزومُ، يقال هذا رَاهنٌ (١) لك؛ أي: دائمٌ محبوسٌ عليك، قال: وقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]؛ أي: محبوسٌ بعمله (٢)، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]؛ أي: محبوسة بكسبها، وكل شيء ثبتَ ودامَ (٣)، فقد رَهَنَ (٤). (٥) قال الجوهري: والجمعُ رِهان، مثل: حَبْل، وحِبَال، وقولُ أبي (٦) عمرِو بن العلاء: رُهُن -بضم الهاء-، قال الأخفش، وهي قبيحة لا يجمع فَعْلٌ على فُعُلٍ، إلَّا قليلًا شاذًا؛ كسَقْفٍ وسُقُفٍ، قال: ويكون

стр. 2366

رُهُنٌ جمعًا لِرهان (١)؛ فإنه يجمع رَهْنٌ على رِهان، ثم يجمع رهان على رُهُن؛ مثل: فِراش وفُرُش، تقول منه: رَهَنْتُ الشيءَ عندَ فلانٍ، ورَهَنْتُهُ الشيءَ، وأَرْهَنْتُهُ الشيءَ، بمعنًى (٢). الثاني: هذا الحديث أصلٌ في مشروعية الرهن في الحَضَر، وأما في السَّفر، فهو ثابت بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، حتَّى قال مجاهدٌ، وداودُ: لا يجوز الرهنُ إلَّا في السفر، وخالفهما الجمهورُ، والحديث يردُّ عليهما، وهو مقدَّم على دليل خطاب الآية (٣). الثالث: قيل: إنما اشترى النبي ﷺ الطعامَ من اليهودي، ورَهَنه درعَه (٤) دونَ أصحابه؛ بيانًا (٥) للجواز. وقيل: لأنَّه (٦) لم يكن هناك طعامٌ فاضلٌ عن حاجة أصحابه (٧) إلَّا عندَه. وقيل: لأنَّ أصحابه (٨) ﵃ لا يأخذون رَهْنَه ﷺ ، ولا يقبضون منه

стр. 2367

الثمنَ، فعدلَ إلى معاملة اليهودي؛ لئلا يضيِّقَ على أحد من أصحابه. الرابع: أجمعَ المسلمون على معاملة أهلِ الذمة وغيرِهم من الكفارِ إذا لم يُتحقق تحريمُ ما معهم، إلَّا ما استُثني من بيع المسلم منهم السلاحَ، والمصحفَ، والعبدَ المسلم، ونحو ذلك (١)، ومنع (٢) ابنُ حبيب بيعَ الحريرِ والكتانِ والبُسطِ والطعامِ من أهل الحرب، وتأوَّلَ ذلك، أما عندَ الشدائد، فيطمع أن يتمكن منهم لضعف الجوع، وما عداه ممَّا (٣) يتجملون (٤) به في حروبهم وأعيادهم. ورهن النبيِّ ﷺ الدرعَ عند اليهودي (٥)؛ لأنَّه لم يكن من أهل حرب، وإلا، فرهنُهما ممن يُخشى منه التقوا بها كبيعِها، واللَّه أعلم. الخامس: فيه: الحكمُ بثبوت أملاك أهل الذمة على ما في أيديهم. وفيه: ما كان عليه النبيُّ ﷺ من التقلُّل من الدنيا، وملازمة الفقر، وإن كان ذلك أشرفَ من حالة الغني. وقد قيل: إنه ﵊ لم يمتْ إلَّا غنيًا؛ لتركه أرضَ فَدَك وبغلَتَه البيضاءَ، وغيرَ ذلك. والخلافُ في مسألة الغني والفقر، وتفضيلِ أحدِهما على الآخر

стр. 2368

مشهورٌ، والكلام عليه موضع غير هذا. وفيه: اتخاذُ الدرعِ والعُدَدِ للأعداء، والتحصُّنُ منهم، وإن كان غيرَ قادحِ في التوكُّل، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] الآيةَ] (١) (٢). * * *

стр. 2369

الحديث الثاني ٢٧٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أتبعَ أَحَدكمْ عَلَى مَلِي، فَلْيتبَعْ" (١).

стр. 2370

* الشرح: أصلُ المَطْل في اللغة: المَدُّ، تقول العرب: مَطَلْتُ الحديدةَ: إذا ضربتُها ومَدَدْتُها (١)، فمعنى مَطَلَهُ بحقِّه: مَدَّ له في الأَجَل زيادةً على ما اتفقا عليه بشرطٍ أو عادة، وهو -أيضًا-: اللِّيَانُ، قال الشاعر: [الرجز] قَدْ كُنْتُ دَايَنْتُ بِهَا حَسَّانًا ... مَخَافَةَ الإِفْلَاسِ واللِّيَانَا (٢) والمرادُ بالغني هنا: القادرُ على وفاء الدين، والظلم: وضعُ الشيء في غير موضعه. ع (٣): وقول ﵊: "مطلُ الغنيِّ ظلمٌ" فيه فوائد: أحدها: أنه لا تجوزُ (٤) الإحالةُ إلا مِنْ دينٍ حَلَّ؛ لأن المطلَ والظلَم إنما يصحُّ فيما حلَّ، لا فيما لم يحلَّ. وفيه: حجةٌ على أنه لا يكون ظالمًا إلا إذا كان غنيًا، وأن تسميته

стр. 2371

ظالمًا يوجب إسقاط شهادته، على ما ذهب إليه سحنون وغيرُه من أصحابنا، وقال غيره: لا تُردُ شهادته إلا أن يكون (١) المطلُ له (٢) عادةً (٣). قلت: واختلف الشافعية، هل يجب الأداءُ مع القدرة من غير طلبِ صاحبِ الحقِّ؟ على وجهين (٤)، وأما مع القدرة والطلب، فلا خلاف فيه، واللَّه أعلم. والحوالةُ محمولةٌ على الندب عند أكثرِ شيوخنا، وحملَها بعضُهم على الإباحة لما أشبهت الدَّيْنَ بالدَّيْنِ، فرخص (٥) ﵊ في الحوالة، وأباحَها (٦)، وهي عند أكثر مشايخنا: عقدُ مبايعةٍ مستثناةٍ بالرخصةِ من الدَّين بالدَّين، ومن بيعِ العين غير يدٍ بيد، فخصَّها الشرعُ (٧) من هذين الأصلين، كما خصَّ الشركةَ والتوليةَ والأقالةَ من بيعِ الطعامِ قبل استيفائه، وخَصَّ العَرِيَّةَ من بيعِ المزابنةِ، وبيعِ الطعامِ بالطعام نسيئةً ومتفاضلًا، لما كان سبيلُ هذه التخصيصات سبيلَ

стр. 2372

المعروف والرفق. وقد أشار الباجي إلى أن حكمَها ليس حكمَ البيعِ، ولا يكون من هذا الباب، بل هي عندنا من باب النقد (١) (٢). وقوله ﵊: "وإذا (٣) أتبعَ أحدُكم على مليءٍ فَلْيَتْبَعْ": صوابُه في التاءين السكونُ، وبعضُ المحدثين والرواة يقولونه بتشديدِهما، يقال: تَبِعْتُ فلانا بحقّي، فأنا أَتْبَعُه -ساكنة التاء-، ولا يقال: أتَّبِعُه -بفتحها، وتشديدها-، إلا من المشي خلفَه، واتباعِ أثرهِ في أمر (٤) (٥). وهذا الحديث أصلٌ في الحوالة. قال الفقهاء: وحقيقتُها: نقلُ الدَّين من ذمةٍ إلى ذمةٍ أخرى (٦) تبرأُ بها الأولى (٧)، ولها شروطٌ أربعة: أحدها: رضا المحيلِ والمحالَ دونَ المحالِ عليه؛ لأنه محلُّ (٨)

стр. 2373

التصرُّف، لكن بشرط أن يكون على المحال عليه دينٌ، خلافًا لابنِ الماجشون من أصحابنا، فيكون معنى الحوالة عنده: تجويزَ الضمان بشرط براءةِ الأصيل، وألزم رضا المحال عليه في هذه الحوالة، بل لا يتصور إلا كذلك. وفائدةُ هذا الخلاف تظهر فيما إذا أحاله على مَنْ ليس له عليه دينٌ، فأعدم المحالُ عليه، فإنه يرجعُ على المحيل على قول ابن القاسم، ولا يرجع عليه على قول ابن الماجشون؛ إلا أن يعلم أنه لا شيء له عليه، ويشترط عليه براءته من الدَّين، فيلزمه، ولا رجوعَ له عليه على القولين جميعًا. الشرط الثاني: أن يكون الدينُ (١) المحالُ به حالًّا، ولا يُشترط حلولُ الدينِ المحالِ عليه، إلا أن ابن القاسم اشترطه في نجوم الكتابة. (٢) الشرط الثالث: كونُ الدَّينِ المحالِ عليه من نوعِ المحالِ به صفةً وقدرًا، ولا (٣) يصحُّ متى اختلفا (٤) في صفتِه أو قدرِه، ويدخلُها في ذلك الدَّينُ بالدَّين، والنسيئةُ في الصَّرْف، وبيعُ العينِ بالعين، وفي بيع الطعامِ بالطعامِ التفاضلُ بين (٥) الجنسين، والربا فيما لا يجوز، وبيعُ الطعام قبل

стр. 2374

قبضه، وغيرُ (١) علة؛ بحسب اختلافه، وتصويرِ مسائله. الشرط الرابع: أن لا يكون الدَّينان (٢) طعامًا من سَلَمٍ، أو أحدُهما، ولم يحلَّا معًا، على خلاف في هذا الأصل عندنا، فأصلُ ابنِ القاسم ما تقدَّمَ، وغيرُه يجيزها لحول (٣) المحالِ عليه (٤). فإن قلت: ما وجهُ جعلِه ﵊ الأمرَ بقبولِ الحوالة على المليء معللًا بكون مطل الغني ظلم؟ قلت: قال ق: لعلَّ السبب فيه: أنه إذا تقرر كونُه ظلمًا، والظاهرُ من حال المسلم الاحترازُ عنه، فيكون ذلك سببًا للأمر بقبول الحوالةِ عليه، لحصول (٥) المقصودِ من غير ضررِ المطلِ (٦)، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأن المليء لا يتعذَّرُ استيفاءُ الحقِّ معه عندَ الامتناع، بل يأخذه الحاكم قهرًا ويوفيه، ففي قبولِ الحوالةِ عليه يحصل الغرضُ من غير مفسدة بقاءِ الحق. قال: والمعنى الأولُ أرجحُ، لما فيه من بقاء معنى التعليل بكون

стр. 2375

المطلِ ظلمًا، وعلى هذا المعنى الثاني، تكونُ العلةُ عدمَ (١) تركِ الحق، لا الظلم (٢) (٣). قلت: وهذا كلام بَيِّنٌ، واللَّه أعلم (٤). * * *

стр. 2376

الحديث الثالث ٢٧٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ قَالَ -: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ (١) يَقُولُ-: "مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ -أَوْ إنْسَانٍ- قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ" (٢).

стр. 2377

* الشرح: الحديث يشتمل على مسائل: الأولى: يقال أَفْلَسَ الرجلُ، أي: صار مُفْلِسًا. قال الجوهريُّ: كأنما صارت دراهمُه فُلوسًا وزُيوفًا، كما يقال: أَخْبَثَ الرجلُ: إذا صارَ أصحابُه خُبثاء، وأَقْطَفَ: صارت دابته قَطُوفًا. قال: ويجوز أن يراد به: أنه صار إلى حال يُقال فيها: ليس معه فَلْس؛ كما يُقال: أَقْبَرَ الرجلُ (١): صار إلى حالةٍ يُقبر عليها (٢). قلت: وفي نسخة: مكان أقبر: أقهر، إذا صار إلى حالٍ (٣) يذلُّ فيها. الثانيةُ] (٤): اختلف العلماء فيما إذا وجد السلعةَ صاحبُها عند المفلس قبل أن يقبض ثمنَها، هل يرجعُ في عَيْنها، ويكون أحقَّ بها من

стр. 2378

سائرِ الغُرماء؛ كما هو نص الحديث، أو يكون أُسْوَةَ الغرماء؟ على ثلاثة مذاهب: فقال الشافعي: يرجع إلى عين سلعته في الفَلَس والموت. وقال أبو حنيفة: يكون أُسوةَ الغرماء فيهما، أعني: الموتَ والفلسَ. وفَصَّل مالك، وأحمدُ بنُ حنبل، فقالا: هو أحقُّ بها في الفلَس (١) دونَ الموت، وهو أسعدُ بظاهر الحديث. ق: ودلالته قويّة جدًّا، حتى قيل: إنه لا تأويلَ له. وقال الإِصطخريُّ من أصحاب الشافعي: لو قضى القاضي بخلافه، نُقض حكمُه، ورأيتُ (٢) في تأويله وجهين ضعيفين: أحدهما: أن يُحمل على الغَصْب والوديعة، لما فيه من اعتبار حقيقة المالية، وهو ضعيف جدًا؛ لأنه يبطل فائدةَ تعلُّق الحكمِ بالفلس (٣). قلت: قولُ ق: لما (٤) فيه من اعتبار حقيقة المالية، كأنه نقل بالمعنى، والذي صرّح به المازري في "المعلم" أن قال: وحَمَل أبو حنيفةَ هذا الحديثَ على أن المتاع وديعةٌ، أو غصبٌ؛ لأنه لم يذكر البيعَ فيه.

стр. 2379

قال الإمام: وتأويلُه هذا يردُّه ما خرجَّه أبو داودَ: أنه ﷺ قال: "أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا، فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، ولَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، فَإِنْ مَاتَ المُشْتَرِي، فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ" (١). وقال أيضًا: "فَإِنْ قَضَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ، وَأَيُّمَا امْرِىءٍ هَلَكَ وَعِنْدَهُ مَتَاعُ امْرِىءٍ بِعَيْنِهِ، اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا، فَمَا بَقِيَ، فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ (٢) " (٣)، فقد نَصَّ بها هنا على البيع، انتهى كلام الإمام (٤). ق: الثاني: أن يُحمل على ما قبلَ القبض، وقد استُضعف، لقوله ﵊: "أَدْرَكَ مَالَهُ"، أَوْ "وَجَدَ مَتَاعَهُ (٥) "، فإن

стр. 2380

ذلك يقتضي إمكانَ العَقْد، وذلك بعد خروج السلعة من يده (١). قلت: وهو ضعفٌ ظاهر، أو باطلٌ، إذ لا حاجةَ بنا إلى إخراج اللفظ عن ظاهره والحالةُ هذه. قال الإمامُ: وإذا وضحَ الردُّ على أبي حنيفةَ، عُدْنا بعدَ ذلك إلى مالكٍ، والشافعيِّ، فنقول: [مالك] قد فصَّل في هذا الحديث بين الموتِ والفَلَس، والشافعيُّ ساوى بينَهما، فيقول الشافعي: إنه قد خَرَّجَ أبو داود، قال: أَتينا أبا هريرة في صاحب لنا فُلِّس، فقال (٢): لأَقضينَّ لكم (٣) بقضاءِ رسولِ اللَّه ﷺ : "إنْ فُلِّسَ، أو ماتَ، فوجدَ رجل متاعَه بعينه، فهو أحقُّ بِهِ" (٤)، فقد ساوى ها هنا بينَ الموتِ والفَلَس، وأنتم تفرقون بينهما، فلا بدَّ من طلب الترجيح. فنقول: قد يُحمل ما تعلَّق به الشافعيُّ على أنه في الودائع، لا في البيع؛ لأنه إنما ذكر "فَوَجَدَ رَجُل مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ"، وقد يكون ذلك غَصْبًا و (٥) تعدِّيًا.

стр. 2381

وقال بعضُ أصحابنا: لعلَّه مات، وقد تبين (١) فلسُه، ويمكن أن يكون لو نقله لنا، لتأولناه على غير ما حَمَلَه عليه، هذا طريقُ (٢) الترجيح لنا على الشافعي، انتهى كلام الإمام (٣). فإن قلت: وما وجهُ التفرقةِ عندَ مالكٍ بين الموتِ والفَلَس، وقد انعابَتِ الذمةُ التي دخل على صحتها فيهما؟ قلت: لما تقدم من حديث أبي داود آنفًا، وتفرقته ﵊ بين الموت والفَلَس، وإن سلكنا مسلكَ النظر، قلنا: إنما قلنا: إنه (٤) ارتجاع السلعة في الفلس لعيب الذمَّةِ التي دخل عليها، فصار كمَنِ اشترى سلعةً، فوجدَ بها عيبًا، فله ردُّها، وإنما لم تردَّ في الموت، وإن انعابت الذمة، لانقطاعها رأسًا، فيعظم ضررُ بقية الغرماء، وفي الفَلَس لا يعظمُ (٥) ضررُهم إذا قدِّم عليهم، لبقاء ذمة غريمهم، وإذا ثبت هذا، كان له ردُّ ما قبض، إنْ كان قبضَ (٦) الثمن، وارتجاعُ السلعة، كما يقتضيه إطلاقُ الحديث، فإن أراد الغرماء دفعَ الثمن إليه، ليمنعوه من أخذ السلعة، كان ذلك لهم؛ لأنه إنما كان له ارتجاعُ السلعة لعلَّةِ فقدِ الثمن، فإذا زالت العلَّةُ، زال حكمُها، وأبى

стр. 2382

ذلك الشافعيُّ، ولم يُسقط حقَّه في الارتجاع بدفعهم الثمنَ إليه، واعتلَّ له: بأنه (١) قد يطرأ غريمٌ آخرُ، فلا يرضى بما صنعه الغرماءُ من تسليمِ بعضِ مال الغريم في هذه السلعة، وتفويتِ (٢) سلعته، فيلحقه الضررُ في ذلك (٣)، وأظنُّ أن (٤) هذا القديمُ من قوليه، وأن الجديدَ كما يقول أصحابه، واللَّه أعلم. الثالثة: لو قَبَضَ بعضَ الثمن، ثم وجدَ من السلعة بعضَها، قال أصحابنا: إما أن يضرب ببقية الثمن، وإما أن يردَّ ما قبضَ ما يخصُّ ما وجد، ويأخذَ ما وجد، ويضربَ (٥) ببقية الثمن بما فات بعدَ ما أخذ، وإطلاقُ الحديث يقتضيه -أيضًا-، إذ يصدُق عليه أنه وجدَ مالَه أو متاعَهُ، إذ لا تفصيل في الحديث بين كل وبعض. الرابعة: إطلاقُ الحديث يتناول كونَ المدرِكِ لماله بائعًا، أو غيرَه، فيدخل تحته المقرِضُ -أعني: إذا أقرضه مالًا، ثم فلّس المستقرِضُ، ثم وجد المقرِضُ مالَه (٦) بعينه- وقد اختلف فيه (٧):

стр. 2383

فقال الشافعي: حكمُه حكمُ البائع، وهل ذلك بمقتضى لفظ الحديث، أو بالقياس عليه؟ نظرٌ آخَرُ عندهم. وعندنا: لا يكون المقرِضُ كالبائع، وإن كانَ أبو محمدٍ الأصيليُّ من أصحابنا يُسَوّي بينهما، كما يقول الشافعي، وهو الذي يتبادَرُ إليه الفَهْم من الحديث -أعني: أن المدرِك هو البائعُ-، وإن كان اللفظُ أعمَّ من ذلك (١). وأما المؤجِرُ، فكالبائع عندنا، وهو الصحيحُ من مذهب الشافعي، فيرجع مكتري الدابةِ والدارِ إلى غيرِ دابته وداره، وإن كانت أرضًا، فصاحبُها أحقُّ عندنا بالزرع من الغرماء، في الفَلَس دونَ الموت، وقال ابن القاسم: فيهما، أعني: الموتَ والفَلَس. وإنما تندرج الإجارةُ تحت لفظ الحديث حتى تكون كالبيع إذا قلنا: إنه يطلق على المنافع اسمُ المال، أو المتاع، وهو الأقوى، أعني: إطلاقَ اسم المال على المنافع. فإن قيل: إن المنافع لا تنزل (٢) منزلةَ الأعيان؛ إذ ليس لها وجودٌ مستقر، قيل: الحديثُ يقتضي أن تكون أحقَّ بالعين، ومن لوازم ذلك الرجوعُ في المنافع، فيثبت بطريق اللازم، لا بطريق الأصالة. الخامسةُ: لو وهبه للثَّواب، لكان له عندنا الرجوعُ في هبته حالَ

стр. 2384

الفَلَس، وإن تغيرت؛ لأنها بيعٌ من البيوع، فهي مندرجةٌ تحت لفظ الحديث، إلا أن يبذل الغرماءُ (١) له القيمةَ، على ما تقدم. وهذا بخلاف من استُؤْجر على رحيلِ إبلٍ، أو رعايتِها، أو عَلْفِها، أو على رحا الماء (٢)، إذ ليس ثَمَّ عينٌ قائمة. وأما الصبَّاغُ، فشريكٌ بقيمةِ الصبغ، وكذا النسَّاجُ، والبنَّاءُ. وأمَّا الأجيرُ على سقيِ زرعٍ أو نخلى، ونحوِ ذلك، فهو أحقُّ به في الفَلَس حتى يستوفيَ حقَّهُ، وهو في الموت أُسوةُ الغُرماء. وأما أربابُ الحوانيتِ، والدورِ، فأسوةُ غرماءِ مكتريها في الموتِ والفَلَس. وكذلك المكترَى (٣) على حمل متاع إلى بلد، هو أحقُّ بما حملَ على دابته في الموتِ والفلس، كان قد أسْلَم دوابَّه إلى المكتري، أو كان معها، ورَبُّ المتاعِ معه، أم لا، وهو كالرهن؛ لأنه على دوابه وصلَ إلى البلد، هذا كلُّه نقلُ مذهبنا. السادسةُ: ق (٤): قد يُستدل بالحديث على أن الديون المؤجَّلَة تحلُّ بالَحجْرِ، ووجهُه: أنه يندرج تحت كونه أدركَ متاعَه، فيكون

стр. 2385

أحقَّ به، ومن لوازم ذلك أن يَحُلَّ، إذ لا مطالبةَ بالمؤجَّل قبلَ الحلول (١). قلت: وبذلك يقول أصحابنا -أعني: بحلول الدَّين المؤجَّل على المفلِس والميت-، لخراب ذمتهما، ولا يحل مالهما من دَيْن، واللَّه أعلم. السابعة: حيث يكون البائعُ أحقَّ بأخذِ سلعته، هل يفتقر أخذُها لحكمِ حاكمٍ، أو يستبدُّ هو بأخذها؟ فيه خلافٌ للعلماء، ولا أعلم لأصحابنا فيه نصًّا صريحًا، وكأَنَّ ظاهرَ الحديثِ يدلُّ على الاستبداد، واللَّه أعلم. الثامنة: لا خلافَ أن شرطَ رجوع البائع في عينِ سلعتِه حالَ فَلَسِ المشتري بقاؤها في ملكِ المشتري، والحالةُ هذه، فلو (٢) هلكت، استحالَ رجوعُه في عينها. لكن الهلاك على قسمين: حسيٌّ، وهو ظاهر، ومعنوي يُنزله (٣) الفقهاءُ منزلةَ الحسيِّ، وهو ما إذا باع السلعة، أو رهنها، أو أعتقَ العبدَ، أو وقفَ الدار، ونحو ذلك. قال أصحابنا: فلو انتقل، كالحنطة تُزرع أو تُطحن، أو يُخلط (٤)
следующие страницы →