← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وقال بعضُ أصحابنا: لعلَّه مات، وقد تبين (١) فلسُه، ويمكن أن يكون لو نقله لنا، لتأولناه على غير ما حَمَلَه عليه، هذا طريقُ (٢) الترجيح لنا على الشافعي، انتهى كلام الإمام (٣). فإن قلت: وما وجهُ التفرقةِ عندَ مالكٍ بين الموتِ والفَلَس، وقد انعابَتِ الذمةُ التي دخل على صحتها فيهما؟ قلت: لما تقدم من حديث أبي داود آنفًا، وتفرقته ﵊ بين الموت والفَلَس، وإن سلكنا مسلكَ النظر، قلنا: إنما قلنا: إنه (٤) ارتجاع السلعة في الفلس لعيب الذمَّةِ التي دخل عليها، فصار كمَنِ اشترى سلعةً، فوجدَ بها عيبًا، فله ردُّها، وإنما لم تردَّ في الموت، وإن انعابت الذمة، لانقطاعها رأسًا، فيعظم ضررُ بقية الغرماء، وفي الفَلَس لا يعظمُ (٥) ضررُهم إذا قدِّم عليهم، لبقاء ذمة غريمهم، وإذا ثبت هذا، كان له ردُّ ما قبض، إنْ كان قبضَ (٦) الثمن، وارتجاعُ السلعة، كما يقتضيه إطلاقُ الحديث، فإن أراد الغرماء دفعَ الثمن إليه، ليمنعوه من أخذ السلعة، كان ذلك لهم؛ لأنه إنما كان له ارتجاعُ السلعة لعلَّةِ فقدِ الثمن، فإذا زالت العلَّةُ، زال حكمُها، وأبى

стр. 2382

ذلك الشافعيُّ، ولم يُسقط حقَّه في الارتجاع بدفعهم الثمنَ إليه، واعتلَّ له: بأنه (١) قد يطرأ غريمٌ آخرُ، فلا يرضى بما صنعه الغرماءُ من تسليمِ بعضِ مال الغريم في هذه السلعة، وتفويتِ (٢) سلعته، فيلحقه الضررُ في ذلك (٣)، وأظنُّ أن (٤) هذا القديمُ من قوليه، وأن الجديدَ كما يقول أصحابه، واللَّه أعلم. الثالثة: لو قَبَضَ بعضَ الثمن، ثم وجدَ من السلعة بعضَها، قال أصحابنا: إما أن يضرب ببقية الثمن، وإما أن يردَّ ما قبضَ ما يخصُّ ما وجد، ويأخذَ ما وجد، ويضربَ (٥) ببقية الثمن بما فات بعدَ ما أخذ، وإطلاقُ الحديث يقتضيه -أيضًا-، إذ يصدُق عليه أنه وجدَ مالَه أو متاعَهُ، إذ لا تفصيل في الحديث بين كل وبعض. الرابعة: إطلاقُ الحديث يتناول كونَ المدرِكِ لماله بائعًا، أو غيرَه، فيدخل تحته المقرِضُ -أعني: إذا أقرضه مالًا، ثم فلّس المستقرِضُ، ثم وجد المقرِضُ مالَه (٦) بعينه- وقد اختلف فيه (٧):

стр. 2383

فقال الشافعي: حكمُه حكمُ البائع، وهل ذلك بمقتضى لفظ الحديث، أو بالقياس عليه؟ نظرٌ آخَرُ عندهم. وعندنا: لا يكون المقرِضُ كالبائع، وإن كانَ أبو محمدٍ الأصيليُّ من أصحابنا يُسَوّي بينهما، كما يقول الشافعي، وهو الذي يتبادَرُ إليه الفَهْم من الحديث -أعني: أن المدرِك هو البائعُ-، وإن كان اللفظُ أعمَّ من ذلك (١). وأما المؤجِرُ، فكالبائع عندنا، وهو الصحيحُ من مذهب الشافعي، فيرجع مكتري الدابةِ والدارِ إلى غيرِ دابته وداره، وإن كانت أرضًا، فصاحبُها أحقُّ عندنا بالزرع من الغرماء، في الفَلَس دونَ الموت، وقال ابن القاسم: فيهما، أعني: الموتَ والفَلَس. وإنما تندرج الإجارةُ تحت لفظ الحديث حتى تكون كالبيع إذا قلنا: إنه يطلق على المنافع اسمُ المال، أو المتاع، وهو الأقوى، أعني: إطلاقَ اسم المال على المنافع. فإن قيل: إن المنافع لا تنزل (٢) منزلةَ الأعيان؛ إذ ليس لها وجودٌ مستقر، قيل: الحديثُ يقتضي أن تكون أحقَّ بالعين، ومن لوازم ذلك الرجوعُ في المنافع، فيثبت بطريق اللازم، لا بطريق الأصالة. الخامسةُ: لو وهبه للثَّواب، لكان له عندنا الرجوعُ في هبته حالَ

стр. 2384

الفَلَس، وإن تغيرت؛ لأنها بيعٌ من البيوع، فهي مندرجةٌ تحت لفظ الحديث، إلا أن يبذل الغرماءُ (١) له القيمةَ، على ما تقدم. وهذا بخلاف من استُؤْجر على رحيلِ إبلٍ، أو رعايتِها، أو عَلْفِها، أو على رحا الماء (٢)، إذ ليس ثَمَّ عينٌ قائمة. وأما الصبَّاغُ، فشريكٌ بقيمةِ الصبغ، وكذا النسَّاجُ، والبنَّاءُ. وأمَّا الأجيرُ على سقيِ زرعٍ أو نخلى، ونحوِ ذلك، فهو أحقُّ به في الفَلَس حتى يستوفيَ حقَّهُ، وهو في الموت أُسوةُ الغُرماء. وأما أربابُ الحوانيتِ، والدورِ، فأسوةُ غرماءِ مكتريها في الموتِ والفَلَس. وكذلك المكترَى (٣) على حمل متاع إلى بلد، هو أحقُّ بما حملَ على دابته في الموتِ والفلس، كان قد أسْلَم دوابَّه إلى المكتري، أو كان معها، ورَبُّ المتاعِ معه، أم لا، وهو كالرهن؛ لأنه على دوابه وصلَ إلى البلد، هذا كلُّه نقلُ مذهبنا. السادسةُ: ق (٤): قد يُستدل بالحديث على أن الديون المؤجَّلَة تحلُّ بالَحجْرِ، ووجهُه: أنه يندرج تحت كونه أدركَ متاعَه، فيكون

стр. 2385

أحقَّ به، ومن لوازم ذلك أن يَحُلَّ، إذ لا مطالبةَ بالمؤجَّل قبلَ الحلول (١). قلت: وبذلك يقول أصحابنا -أعني: بحلول الدَّين المؤجَّل على المفلِس والميت-، لخراب ذمتهما، ولا يحل مالهما من دَيْن، واللَّه أعلم. السابعة: حيث يكون البائعُ أحقَّ بأخذِ سلعته، هل يفتقر أخذُها لحكمِ حاكمٍ، أو يستبدُّ هو بأخذها؟ فيه خلافٌ للعلماء، ولا أعلم لأصحابنا فيه نصًّا صريحًا، وكأَنَّ ظاهرَ الحديثِ يدلُّ على الاستبداد، واللَّه أعلم. الثامنة: لا خلافَ أن شرطَ رجوع البائع في عينِ سلعتِه حالَ فَلَسِ المشتري بقاؤها في ملكِ المشتري، والحالةُ هذه، فلو (٢) هلكت، استحالَ رجوعُه في عينها. لكن الهلاك على قسمين: حسيٌّ، وهو ظاهر، ومعنوي يُنزله (٣) الفقهاءُ منزلةَ الحسيِّ، وهو ما إذا باع السلعة، أو رهنها، أو أعتقَ العبدَ، أو وقفَ الدار، ونحو ذلك. قال أصحابنا: فلو انتقل، كالحنطة تُزرع أو تُطحن، أو يُخلط (٤)

стр. 2386

جيدُها برديءٍ، أو مُسَوِّسٍ، أو مغلوثٍ، أو يُعمل الزبدُ سمنًا، أو بقطع (١) الثوبِ قميصًا، أو الخشبةِ بابًا، أو يُذبح الكبشُ، فقد فات الرجوع. قالوا: ولو لم ينتقل، ولكن أضيفت إليه صناعةٌ، أو عينٌ أخرى، كالعَرْصة يبني (٢) فيها بيتًا، أو الغزلُ ينسج، فلا يُمنع الرجوع، ثم يكون له أن يشارك الغرماءَ بقدر قيمتها من قيمةِ البنيان، وكذا الغزلُ وغيره، وكذا لو خَلَطَ السِّلْعَةَ بجنسها المماثلِ لها؛ كالزبيبِ على مثله، والحنطةِ على مثلها، أو غير ذلك، فله من ذلك قدرُ كَيْلَته (٣)، ولو ولدت الماشيةُ، فله أخذُ الولدِ معها، بخلاف الثمرة والغلة، إلا أن يكون الصوفُ على ظهورها، واللبنُ في ضروعها، أو الثمرةُ قد أُبرتْ، واشترطها المبتاعُ، فإنه يردُّ ما كان قائمًا (٤) من ذلك، (٥) ويضربُ بمثل مَا لَهُ مال (٦)، وقيمةِ ما لا مثلَ له. وقيل: إن جدَّ الثمرةَ، وجَزَّ ذلك الصوفَ، فهما كالغلَّة في الرجوعِ. قالوا: وإذا يبست الثمرةُ على رؤوسِ النَخْلِ، وهي في يدِ

стр. 2387

المفلسِ، ففي رجوعها روايتان: بالمنعِ، والإجازةِ، وبالمنعِ أخذَ أَشهبُ، وبالإجازة أَخذَ أصبغ، وهُما مبنيان على أصلين: أحدهما: أن البائع إذا أخذ السلعة في الفلس، هل هو ناقضٌ للبيعِ الأولِ، أو (١) مبتدىءٌ لبيعٍ ثانٍ؟ فعلى الأول: يصح أخذُه، وعلى الثاني: يختلف فيه؛ بناءً على الأصلِ الآخرِ (٢)، وهو ما كان من الذرائع إذا ألجىء إليه، هل يعتبر في المنع، أم لا؟ التاسعة: إذا جمع الحاكمُ مالَ المفلِس ليبيعَه، فتلفَ قبلَ بيعِه، قال أصحابنا: تلفُه من المفلس، فإن باعَه، فتلف ثمنُه، فالتلَفُ من الغرماء، وقيل: من المفلِس. العاشرة: إذا ادَّعى المِدْيانُ الفَلَس، ولم يُعلم صدقُه، ولا ظهرت أَمارةٌ بصدقِه، لم يُقبل منه، وحُبس إلى أن ينكشف أمرُه، ومدةُ الحبسِ موكولةٌ إلى اجتهادِ الحاكمِ، فإذا ثبتتْ (٣) عسرتُه، خُلِّي سبيلُه، ولم يكن للغرماء مطالبتُه، ولا إجارتُه، ولا أخذُه بعمل (٤) صنعة يكسب (٥) منها (٦)، ولا لهم أن يُجبروه (٧) على انتزاعِ مالٍ أُمِّ ولدِه، أو

стр. 2388

مُدَبَّرَتِه، وله هو انتزاعُه إن شاء لقضاءِ دَينه، أو ينتزعُه على غير هذا الوجه إن شاءَ لنفسِه. قال في "الكتاب": وأمّا إن مرض، ولا دينَ عليه، فليس له انتزاعُه؛ لأنه إنما ينتزع لورثته، وفي التفليس ينتزعُ لنفسه، وإن (١) فلس المريض، فليس له أخذُ مال مُدَبَّره للغرماء، فإن مات، بِيعَ المدبرُ بماله إن أحاط الدَّينُ به، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 2389

الحديث الرابع ٢٧٨ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: جَعَلَ (١) -وَفِي لَفْظٍ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ (٢) يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ, وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ: فَلا شُفْعَةَ" (٣).

стр. 2390

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: على رواية: "جَعَلَ" يكون الأصل: جعلَ الشفعةَ في كل ما لم يقسم، وعلى رواية: "قضى"، لا بدَّ من الباء، كما هو (١) لفظ الحديث. الثاني: ع: في تنبيهاته: هذه اللفظةُ بسكونِ الفاءِ، ولأصل (٢) تسميتها بذلك وجوهٌ: فقيل: هو من الشفعِ، وهو ضدُّ الوتر؛ لأنه يضمُّ هذا المشفوعَ فيه إلى ماله، فتصير الحصةُ حِصَّتين (٣)، والمالُ مالين. وقيل: هو من الزيادةِ؛ لأنه يجمعُ مالَ (٤) هذا إلى ماله، ويُضيفه

стр. 2391

إليه، ويزيدُهُ لَهُ (١). والشفعة: الزيادة (٢)، قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥]، قيل: يزيدُ عملًا صالحًا إلى عملِه، وهو قريبٌ من المعنى (٣) الأول. وقيل: هو من الشفاعة؛ لأنه يشفعُ بنصيبه إلى نصيبِ صَاحِبِهِ. وقيل: بل كانوا في الجاهلية إذا باعَ الرجلُ حصَّتَهُ أو أصلَه، أتى المجاورُ شافعًا إلى المشتري ليوليه إياه، ليصله بملكه، ويخلصه، فيسأله فيه (٤). قلت: هذا الذي يتعين أن يكون من (٥) معنى الشفاعة، وأما القول الذي قبلَه، ويليه، فمن الشَّفْع، لا من الشفاعة، واللَّه أعلم. هذا أصلها في اللغة. وأما في الشرع: وهو (٦) أخذُ الشريكِ حصتَه (٧) جَبْرًا بشراء (٨).

стр. 2392

فقولنا: جبرًا، احترازٌ من المبايعةِ الاختيارية. وقولنا: بشراء، احترازٌ من الغَصْب. فائدة: لنا مسائلٌ يؤخذُ فيها من المشتري ما اشتراه بالثمن (١) جبرًا غير الشُّفْعة: منها: ما قُسم في المْغنم لمسْلمٍ، ثم جاء ربُّه. ومنها: المسلمُ يدخل دارَ الحرب، فيشتري عبدًا لمُسْلم، فربُّه بالخيار في أخذِه بما اشتراه، وتركِه. ومنها: من شُهد بموته، ثم قدمَ حيًّا بعد قَسْمِ (٢) تركتِه. ومنها: العبدُ إذا قسمتْ تركتُه، ثم استُحقَّ. ومنها: المكاتَب إذا بيعتْ كتابتُه، على خلاف فيه. وانظر: إذا باع السيدُ أَمَتَهُ المتزوجةَ وأولادَها، هل يكون الزوجُ أحقَّ بها، أم لا؟ وكذلك الدَّين إذا بِيع، هل يكون المِدْيانُ أحقَّ به، أم لا؟ فإني (٣) لم أبي في ذلك نقلًا لأصحابنا. الثالث: هذا الحديثُ أصلٌ في ثبوتِ الشُّفعة، وقد تضمن هذا الحديثُ ثلاثة أحكام: وجوب الشفعة بالشركة، وسقوطها بالجواز؛ لأنه بعد القسمة جار، وإن الشفعة في الرباع دون العروضُ والحيوان.

стр. 2393

وقد أجمع المسلمون على ثبوت الشفعة للشريك في العقار، وما لم يُقسم، ونعني بالعقار: الأرضَ، والضِّياع، والنخلَ، على ما فسَّره أهل اللغة. قال العلماء: الحكمةُ في ثبوت الشفعة: إزالةُ الضرر عن الشريك، وخُصَّتْ بالعقار؛ لأنه أكثرُ الأنواع ضررًا. واتفقوا على أنه لا شفعةَ في الحيوانِ، والثيابِ، والأمتعةِ (١)، وسائرِ المنقولات. ع: وشذّ بعضُ الناسِ، فأثبت الشفْعَة في العُروض، وهي روايةٌ عن عطاءٍ، قال: تثبت (٢) في كل شيء، حتى في الثوبِ، وكذا حكاهُ ابنُ المنذر، وعن أحمدَ (٣) رواية: أنها تثبتُ في الحيوان، والبناءِ المفرد. وأما المقسوم، فهل تثبت الشفعةُ فيه بالجوار؟ (٤) فيه خلاف؛ فمذهب مالك، والشافعي، وأحمد (٥)، وجماهير العلماء، وحكاه ابنُ المنذر عن عمرَ بنِ الخطاب، وعثمانَ بنِ عفان، وسعيدِ بنِ المسيب، وجماعةٍ من التابعين، فمَنْ بعدَهم: أنها لا تثبتُ بالجوار.

стр. 2394

وقال أبو حنيفة، والثوري: تثبتُ بالجوارِ، لكنه يقدَّم الشريكُ على الجارِ. فإذا ثبت هذا، فالشفعةُ تجبُ بثلاثة شروط: أحدها: أن يكون المبيعُ عقارًا، أو ما يتصلُ بهِ. والثاني: أن يكون المبيعُ قبلَ القسمة. والثالث: أن يكون مما يحتمل القسمةَ من غير ضرر. ع: وقوله: ﵊: "فيما لم (١) يُقْسَم" يدل على أن الشفْعة فيما تصح فيه القسمة، وما لا تصح فيه، يقال فيه: ما لا يقْسمُ (٢). قلت: قولُهم: إن المستحيل لا يُنفى بـ"لم"، وإنما ينفى بـ"لا"، وإنما ينفى بـ "لم" الممكنُ دونَ المستحيل، فيه عندي نظر، والذي يظهر لي: أن ذلك غير مُطَّرِد، فإنه قد جاء نفيُ المستحيل عقلًا وشرعًا بـ "لم" في أفصح كلام، قال اللَّه تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]. الرابع: قوله ﵊: "فإذا وقعتِ الحدودُ، وصُرِّفَتِ الطرقُ، فلا شفعةَ".

стр. 2395

ع: لو اقتصر ﵊ على قوله: "فإذا وقعت الحدود"، ولم يضف إليه قولَه: "وصرفت الطرق"، لكان ذلك حجة لأصحاب مالك في الردّ على أبي حنيفة؛ لأن الجار بينه وبين جاره حدود، ولكنه لما أضاف إليه قولَه: "وصرفت الطرق"، تضمن أنها تنتفي بشرطين: ضرب الحدود، وصرف الطرق، فيقول أصحابنا: صرفُ الطرق يُرَادُ بِهِ: صرفُ الطرق (١) التي كانت قبل القسمة، ويقول أصحابُ أبي حنيفة: المراد به (٢): صرفُ الطرق التي يشترك فيها: الجدْران (٣)، فيبقى النظر في أي التأويلين أظهر، وقَدْ روي -أيضًا (٤) - عن النبي ﷺ أنه قال: "الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ" (٥). قلت: بفتح الصاد و (٦) القاف: القُرْب، ويقال: بالسين (٧) أيضًا. قال: احتج أبو حنيفة بظاهرِ هذا (٨) الحديثِ، ونقول نحنُ: لم

стр. 2396

نتبينْ بماذا يكونُ أحقَّ، هل بالشفعة، أو بغيرها من وجوه الرفق، والمعروف؟ ونقول -أيضًا-: يحتمل أن يُحمل (١) الجارُ على الشريكِ والمخالِط، قال الأعشى: أَجَارَتنَا بِيْنِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ فسمَّى الزوجةَ جارةً؛ لمخالطتها له. وقد خرج أبو داود، والترمذي: قال (٢) ﷺ : "الجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا" (٣)، وهذا أظهرُ ما يَسْتَدِلونَ بِهِ؛ لأنه بَيَّنَ بِمَ (٤) ذا يكون أحق، ونَبَّهَ على الاشتراك في الطريق، ولكن هذا الحديث لم يثبتْ عندَ أصحابنا، ورأيتُ بعض المحدثين طَعَنَ فيه، وقال: راويه لو روى حديثًا آخر مثلَه، لتركْتُ (٥) حديثه، انتهى (٦).

стр. 2397

تذنيب: اعلمْ: أن الذي يُبطل الشفعةَ سَبْعةُ أشياء: أحدها: إسقاطُ الشفيعِ حَقَّه. والثاني: أن يُقسم ما فيه الشفعةُ، فتسقط الشفعةُ، ولا خلاف في هذيْن إلا من يقول بشفعة الجار. الثالث: أن يمضي من طول الأمد ما يُري أنه معرِضٌ (١) عنها، وتاركٌ لها. والرابعُ: ما يُحدثه المشتري من هدم، أو بناءٍ (٢)، أو غِراس، والشفيعُ عالمٌ بذلك. والخامس: خروجُه عن يد المشتري ببيعٍ، أو هبةٍ، أو [صدقةٍ، أو رهنٍ، مع معرفة الشفيع بذلك. والسادس: ما يكونُ من الشفيع من مساومة] (٣)، أو مساقاةٍ، أو كراءٍ. والسابع: أن يبيع النصيبَ الذي يستشفع به (٤). وقد اختُلف في هذه الخمسة الأوجه، واللَّه الموفق.

стр. 2398

الحديث الخامس ٢٧٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ (١) فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ , لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي (٢) مِنْهُ؛ فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: "إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا , وَتَصَدَّقْتَ بِهَا"، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا, وَلا يُورَثُ، وَلا يُوهَبُ, قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ, وَفِي الْقُرْبَى, وَفِي الرِّقَابِ, وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَابْنِ السَّبِيلِ, وَالضَّيْفِ، لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ, أَوْ (٣) يُطْعِمَ صَدِيقًا, غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ، وَفِي لَفْظٍ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ (٤) (٥).

стр. 2399

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الحديثُ أصلٌ في مشروعية الحبس على جهات القُرَب، وإنه مخالفٌ لسوائب الجاهلية، وهذا مذهبنا، ومذهبُ الجمهور (١)، ويدل عليه -أيضًا- إجماعُ المسلمين على صحةِ وقفِ المساجدِ، والسقاياتِ. قال ابنُ هبيرة: (٢) اتفق الأئمةُ الأربعةُ (٣) على جواز الوقف، ثم

стр. 2400

اختلفوا هل يلزمُ من غير أن يتصل به حكمُ حاكم (١)، أو يخرج مخرجَ الوصايا؟ فقال (٢) مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ (٣): يصح بغير هذين الوَصْفين (٤)، ويَلْزم. وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ إلا بأحدهما (٥)، واللَّه أعلم (٦). الثاني: فيه: جوازُ ذكرِ الولدِ أباه من غير كُنية، وفي هذا عندي سرٌّ لطيف، وذلك أن الاسم العَلم إذا جيء به على أصل وضعِه، فكأنك ذكرتَ معه ما اشتملَ عليه من جميع صفاته المعروفةِ منه، وإلى ذلك أشار سيبويه ﵀ بقوله: الأعلامُ مختصراتُ الصفات، فتعرَّفْ هذا الأصلَ، وتنبَّهْ له. الثالث: ظاهرُ الحديثِ أن خَيْبَر فُتحتْ عَنْوَةً، وأن الغانمين ملكوها، واقتسموها، وإن كان قد اختُلف في ذلك على ما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى. وفيه: استشارةُ الأكابر، وأخذُ رأيهم، والائتمارُ بأمرهم.

стр. 2401

نفيسة: قال الأصمعي: سمعتُ أعرابيًّا يقولُ: إذا استخار العبد ربَّهُ، واستشارَ نَصيحَهُ، واجتهدَ رأيَه، فقد قَضَى لنفسِهِ ما عليها، ويفعلُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِه ما أحبَّ. وقوله: "هو أنفسُ": معناه: أجودُ، والنفيسُ: الجيد، وقد نَفُس -بفتح النون وضم (١) الفاء- نَفاسةً. قيل: واسمُ هذا المال الَّذي (٢) وقفَهُ عمر ﵁ ثَمْغٌ، بثاء مثلّثة مفتوحة ثم ميم ساكنة ثم غين معجمة (٣). وفيه: دليلٌ على ما كان عليه أكابرُ السلف والصالحين من إخراج أَنْفَسِ الأموالِ عندَهم للَّه تعالى، كأنهم نظروا (٤) إلى قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وَفَّقَنا اللَّه لما يُحِبُّه ويرضاه. الرابع: قوله ﵊: "وتصدَّقْتَ بها": ظاهرُه: الرجوعُ إلى أصل المحبَّس، ويتعلق بذلك اختلافُ الفقهاءِ في اشتراطِ لفظِ الوقف، أو الحبسِ، والصدقةِ، وعدم اشتراطه، والمعوَّلُ (٥) عليه (٦)

стр. 2402

عند أصحابنا في ذلك: الصيغةُ (١)، أو ما يقوم مَقامَها في الدلالة على الوقفيّة؛ إذ ليست بمتعينة، بل يقوم مقامَها ما يدل عرفًا على مقتضاها، كالإذن المطلَقِ في الانتفاع على الإطلاق، كما لو أذنَ في الصلاةِ في المكانِ الذي بناه للصلاةِ إِذنًا مُطْلَقًا، لا يتخصَّصُ بشخصٍ، ولا زمانٍ (٢)، لكان كاللفظِ في الدلالة على الوقفية. فأما الألفاظُ التي يطلقها الواقفُ فضربان: أحدهما: ألفاظٌ متحددة (٣)، وهي قوله: وَقَفْتُ، وحَبَّسْتُ، وتَصَدَّقْتُ. والآخرُ: ألفاظٌ يعنون بها ما يقتضي التأبيدَ (٤)؛ كقوله: مُحَرَّمٌ لا يبُاع، ولا يوهَب، أو (٥) أن تكون (٦) على مجهولِينَ أو موصوفِينَ؛ كالعلماء، والفقراءِ، فيجري مجرى المحرَّمِ باللفظ، ولفظُ الواقفِ (٧) يفيد بمجرده (٨) التحريمَ. وأَمَّا الحبسُ، أو الصدقةُ، بمعناه، ففيهما روايتان.

стр. 2403

وكذلك في ضَمِّ أحدِهما إلى الآخَرِ خلافٌ -أيضًا-، إلا أن يريدَ بالصدقةِ هبةَ رقبةِ العَيْنِ (١)، فيخرج عن هذا، واللَّه أعلم. ق: ويحتمل أن يكون قوله: "وتصدَّقْتَ بها" راجعًا إلى الثَّمَرَة على حذفِ المضاف، ويبقى لفظُ الصدقةِ على إطلاقه. وقوله: "فتصدَّقَ بها، غيرَ أنه لا يُباع" إلى آخره، محمولٌ عند جماعة، منهم: الشافعيُّ ﵀ على أن ذلك حكمٌ شرعيٌّ ثابتٌ للوقف من حيث هو وقفٌ، ويحتمل من حيث اللفظ أن يكونَ ذلك إرشادًا إلى شرطِ هذا الأمرِ في هذا الوقف، فيكون ثبوتُه بالشرطِ، لا بالشرع (٢). وفيه: فضيلةُ صلةِ الأرحام، والوقف عليهم، فإن القُربى (٣) هنا المراد بها: قُرْبى (٤) عمر ﵁ ظاهرًا. الخامس: قوله: "وفي الرقاب" إلى آخره: اختَلف تفسيرُ الرقاب في باب: الزكاة: فقال ابنُ عباس، والحسنُ، ومالكٌ، وغيرهم: هو ابتداءُ العتق، وعونُ المكاتَب بما يأتي على حريته. وقال الشافعي: معنى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]: في المكاتَبِين

стр. 2404

خاصةً، ولا يُبتدأ منها (١) بعتق، وقاله الليثُ: وإبراهيمُ النخعيُّ، وابنُ جُبير. وقال الزهري منهم: الرقابُ: نصفان: نصفٌ للمكاتَبين، ونصفٌ يُعتق منه رقابٌ مسلمون (٢) ممن صلَّى. قال ابنُ حبيب من أصحابنا: ويُفدى منها أُسارى (٣) المسلمين، ومنعَ ذلكَ غيرُه. وقوله: "وفي سبيل اللَّه" يعني: المجاهدين (٤)، واللَّه أعلم، ومنهم مَنْ عَدَّاه إلى الحج. وأمّا "ابنُ السبيل"، فهو الرجلُ في السفر والغُربة يعدمُ، قالوا: سُمي المسافر: ابنَ السبيل، لملازمته السَّبيلَ، كما يقال: للطائرِ: ابنُ ماءٍ، لملازمته له، ومنه قولهم: بَنُو الحرب، وبَنُو المجدِ، وقد قيل فيه غيرُ ذلك (٥). وفي الحديث: دليلٌ على جوازِ الشروطِ في الوقف، واتباعِها. وفيه: دليلٌ على المسامحة في بعضها، حيث عُلِّقَ الأكلُ على المعروفِ، وهو غيرُ منضبط.

стр. 2405

ومعنى متأثِّل، أي: متخذٍ (١) أصلًا، يقال: تَأثَّلْتُ (٢) المالَ: اتخذتُه أصلًا، قاله ق (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2406

الحديث السادس ٢٨٠ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ, فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ, فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "لا تَشْتَرِهِ (١)، وَلا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ, وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ" (٢). وَفِي لَفْظٍ: "فَإنَّ الَّذِي يَعُودُ فِي صَدَقَتِهِ كَاْلكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ" (٣).

стр. 2407

* الشرح: الأظهرُ من الحديث: أن هذا الحملَ هبةٌ وتمليكٌ له، ليجاهد عليه، لا يحبسه عليه، وإن كان محتملًا كما قيل، لكنه احتمالٌ مرجوح، والذي يدلُّ على الأول: أن الذي أُعطيهُ أرادَ بيعَه، فلم يُنكر عليه ذلك، ولو كان حُبْسًا، لم يبع إلا أن يُحمل على أنه انتهى إلى حاله عدمُ الانتفاعِ به فيما حُبس عليه، لكن ليسَ في اللفظ ما يُشعر به. ع: وتعليلُه في الرجوع بالهبة، دليلٌ على أنه لم يكن حُبسًا؛ إذ لو كان حبسًا، لم يُخص منعُ شرائه بعلّة (١) الهبة، ولعُلِّلَ بالحبسِ. قلت: وهو ظاهرُ مكشوف. وقوله: "فأضاعَه الذي كان عندَه"، أي: لم يُحْسِنِ القيامَ عليه. وقوله ﵊: "لا تَشْتَرِه"، إلى آخره (٢)، اختُلف في هذا النهي، هل هو على العموم، أو الخصوص؟

стр. 2408

فقال الطبري: هو (١) خاصٌّ، فإن الهبةَ للثواب باشتراط ذلك، أو يعرفه له فيها الرجوع (٢)، وكذلك الأبُ فيما وهبَه (٣) لابنِه، وإنما ذلك فيما وُهِبَ للَّه تعالى، وطلبِ الأجر، أو لصلةِ رحمه (٤)، فهذا لا رجوع (٥) له فيه. قال غيره: وعلى هذا يكون قولُه ﵊ "في صدقته" مفسِّرًا لقوله: "في هبته". ع: وهذا (٦) قول مالك، ونحوُه قولُ أبي ثور، والشافعي، والأوزاعي. قال: واختلف قول مالكٍ في اعتصار (٧) الأم، والأب (٨)، والجدّ، والجدَّة (٩)، ووافقهُ الشافعي، وأبو ثور في الجدّ: أنه يعتصر (١٠)، وحجةُ

стр. 2409

هؤلاءِ حديثُ ابنِ عمر: "لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ عَطيَّةً وَيَرْجِعَ فِيهَا، إِلَّا الوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ" (١)، وتخصيصُ الوالد بذلك، إذ جعل له النبيُّ ﷺ حقًا في (٢) مالِ الابن، وأنه لا يقطع فيه، ولا يُحَدُّ؛ لأنه من كَسبه؛ كما جاء في الحديث: "وَلَدُ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ" (٣)، وقاسَ هؤلاءِ الأم والجدَّتين (٤) عليه، إذ هما (٥) بمعناه، وينطلق عليهم اسمُ الأُبوة (٦). قلت: وتحصيلُ مذهبنا في مسألة الاعتصار، وهو الرجوعُ فيما وهبَ الأبُ أو الأمُّ لبنيهما: أن للأب أن يعتصرَ ما وهبَ (٧)، أو نَحَلَ

стр. 2410

لبنيه الصغارِ والكبارِ، وكذلك إن بلغَ الصغارُ، ما لم يَنْكِحوا، أو يُحدثوا دَيْنًا (١) في الهبة حدَثًا، أو بتغير (٢) الهبة عن حالها؛ فإنه لا رجوعَ له حينئذ. وله أن يعتصرَ من ولدِه الصغار، وإن لم تكن (٣) لهم أم، ولا تعتصر الأمُّ من ولدها الصغار إن لم يكن لهم أبٌ؛ لأن اليتمَ من بني آدم من قِبَلِ الأب، لا من قِبَلِ الأم، واليتيمُ لَا يعتصر، ولا يُعتصر منه، بل تعدُّ كالصدقة عليه، فإن لم يكونوا يتامى، كان لها أن تعتصر بالشروط المتقدمة، ولو وهبتهم وهم صغارٌ، والأبُ مجنون جنونًا مطبِقًا، فهو كالصحيح في وجوب الاعتصار لها، واللَّه أعلم (٤). وأما الصدقةُ، فلا اعتصار فيها البتةَ، بخلاف الهبة، ولا فرق بينهما، واللَّه أعلم، إلا النهي عن الرجوع في الصدقة، وعلى هذا لا يكون قولُه ﵊ في إحدى الروايتين: "فَإِنَّ العائِدَ في صَدَقَتِهِ" مفسِّرًا للرواية الأخرى: "في هبته"، كما تقدم، بل يكون على بابه، واللَّه أعلم، هكذا يلزم من فرق بينهما في الحكم، فاطردَ (٥) إذن، واللَّه الموفق. وقالت طائفةٌ: الحديثُ على عمومه، وليس لأحد أن يهبَ هبةً

стр. 2411

ويرجعَ فيها و (١) رُوي عن بعض السلف، و (٢) هو قولُ أحمدَ وطاوسٍ. وقيل: ذلك على الخصوص فيمن وَهَبَ لذي رحم، أو زوج، وأما لغيرهم، فله الرجوعُ، وهو قول الثوري، والنخعي، وبه قال إسحاق، ورُوي عن عمر. وقال الكوفيون: هو خصوصٌ في ذي الرحم المحرَّمِ، ولا رجوعَ فيه، كان والدًا، أو غيرَه، صغيرًا أو كبيرًا، فأما غيرُهم من ذوي الأرحام والأجانب، فله الرجوعُ. ثم اختلفوا، هل ذلك على الإيجابِ، أو الندبِ، والتنزه؟ فقال مَنْ جعلها عامةً: هي واجبةٌ، لقوله ﵊: "العائِدُ في هبتِهِ كالعائدِ في قيئِه"، والمرادُ بهذا: الواهبُ، والهاء عائدة عندَهم عليه (٣)، قال: فلما حَرُمَ عليه العودُ في قيئه، كذلك يَحْرُمُ عليه العَوْدُ في هبته. ع: وهذا كلامٌ غيرُ سديد، وتأويلٌ بعيد؛ لأن القيء لا يحرُمُ العودُ إليه، وإنما يُنزه عنه، ويُستقبح فعلُه (٤)، ويُستقذر، إلا أن يتغيرَ بأحدِ أوصافِ النجاسة؛ من لونٍ، أو رائحةٍ، أو صفةٍ، وإنما هو تمثيلٌ؛ كما قال في الحديث الآخر: "كالكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئهِ"، وهو وجْهُ الكلامِ،

стр. 2412

وهو الذي يقتضيه تشبيهُ قولِه في الرواية الأخرى: "كمثلِ الكلب". قلت: قوله: لأن القيء لا يحرُم العودُ إليه، إلى آخره، غيرُ (١) متفق عليه، وما أظنُّ أن عند الشافعي (٢) خلافًا في نجاسته، واللَّه أعلم. واحتجوا -أيضًا- بقوله في حديث ابن عمر، وابن عباس: "لا يحلُّ لواهب أن يرجعَ في هِبته" (٣)، والآخرون يتأولونَهُ على الخصوصِ؛ كما تقدم. وكذلك اختلفوا في النهي عن الشراءِ (٤)، هل هو على التحريمِ، أو الندب على ما سيأتي. وحكى ابنُ المواز: أن من العلماء مَنْ أجازه. قالوا: وإنما نهاه عن شرائه، لِئَلَّا يكون كالراغبِ فيما أخرجَهُ للَّهِ تعالى، والنادِم عليه، وأشفقَ ﵊ من فسادِ النية؛ كما حَرُمَ على المهاجر (٥) الرجوعُ بعدَ الفتح (٦). وقال الإمام: يحتمل أن يعلِّل هذا: بأن المتصدَّقَ (٧) عليه، أو

стр. 2413

الموهوبَ له قد يَسْتحييان (١) منه، فيسامحانه (٢) في الثمن، فيكون رجوعًا في ذلك [القدر الذي حطَّ، وبهذا علل عبد الوهاب كراهة اشتراء الهبة والصدقة] (٣) جميعًا، وإن كان قد وقع في "الموازيَّة" فيمن حملَ على فرس، قال: إن لم يكن للسبيلِ، ولا للمسكنة، فلا بأس أن يشتريَه؛ وكأنه رأى أنه إذا لم يكن كذلك، فهو هبة، والهبةُ تخالفُ الصدقةَ عنده، ولا يكون عليه في الحديث حجةٌ لقوله: "على فَرَسٍ عَتِيقٍ (٤) في سبيلِ اللَّهِ" (٥)، فإنما وقع النهي عندَه؛ لأنه على جهةِ الصدِقةِ، ومن جهة المعنى: إن الصدقة (٦) قربة إلى اللَّه (٧) تعالى، ولا يحسُنُ الرجوعُ فيما تقرب به إِليهِ (٨) تعالى، والهبةُ ليست (٩) كذلك، فاستُخِفَّ شِرَاْؤُهَا (١٠)، انتهى (١١).

стр. 2414

وقد اختلفَ قولُ مالكٍ بالكراهةِ والمنعِ، فعلى القول بالكراهةِ: لا يُفسخ العقدُ إن وقعَ، وعلى التحريم: قال بعض المتأخرين: يُفسخ. قال الإمام: وفيه نظرٌ، لأجل الاختلاف فيه، ولأنه ليس كلُّ نهيٍ يدل على فساد المنهيِّ عنه. واختلف المذهب في المنافع، هل هي كالرقاب، أم لا؟ فقال ابنُ المواز: كلُّ مَنْ تصدَّق بغلَّةٍ سنينَ، ولم يسألِ (١) الأجلَ، فلا بأس أن يشتريَ المتصدقُ (٢) ذلك، وأباه عبدُ الملك، واحتجَّ بحديثِ النهيِ عن الرجوعِ في الصدقةِ، وأجازَ لورثتِهِ أن يشتروا المرجعَ، واحتج لمالكٍ (٣) بحديثِ العَرِيَّة، وقال بعضُ المتأخرين: العريةُ أصلٌ قائِم بنفسِهِ، أُجيز للمرفقِ ورفعِ الضرر، فلا يُقَاسُ عليه غيرُه (٤). ع: واختُلف في الهبةِ للثوابِ، فأجازها مالك، وهو قول الطبري، وإسحاق، ومنعها الشافعيُّ، ورآها من البيع المجهول الثمنِ و (٥) الأَجَل، وهو قولُ أبي ثور، وأبي حنيفة (٦)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2415

الحديث السابع (١) ٢٨١ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي -عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ-: لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ (٢) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُشْهِدَ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلادِكُمْ"، فَرَجَعَ أَبِي, فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ (٣).

стр. 2416

وَفِي لَفْظٍ: قال: "فَلا تُشْهِدْنِي إذَنْ، فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ" (١). وَفِي لَفْظٍ: "فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي" (٢). * * * * الشرح: الحديث يقتضي التسويةَ بين الأولاد في الصدقة والهبة؛ تأليفًا

стр. 2417

لهم، وحَضًّا على برِّ أبيهم. وهل ذلك على الإيجاب، أو الندب؟ خلاف. والمعتمد من مذهبنا، ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة: كراهةُ التفضيل، لا تحريمُه، فإن وقع، مضى، ولم يُرَدَّ، وقال طاوس وعروة ومجاهد والثوري وأحمد وإسحاق وداود: هو حرام ويردّ (١)، واحتجوا برواية (٢): "لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرِ" (٣)، وبغيرِها من ألفاظ الحديث. ودليلُ المجيزين مع الكراهة: قوله: ﵊: "فأَشْهِدُ (٤) عَلَى هَذَا (٥) غَيْرِي"، قالوا: ولو كان حرامًا، أو باطلًا، لما قالَ هذا الكلامَ، وأجابوا عن رواية: "لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ": بأن الجَوْرَ في اللغةِ هو: الميلُ عن الاستواءِ والاعتدال، فكلُّ ما خرجَ عن الاعتدالِ، فهو جَوْرٌ، وسواءٌ كانَ حرامًا، أو مكروهًا، فيجب تأويلُ الجَوْرِ هنا بكراهةِ التنزيه؛ جمعًا بين الروايتين، أعني: رواية: "أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي"، ورواية: "لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ" (٦).

стр. 2418

وللقائلين بالتحريم أن يقولوا: قولُه ﵊: "فأشهدْ على هذا (١) غيري" جاءَ على طريق التهديدِ والتنفيرِ (٢) الشديد، مع ما انضاف إلى ذلك من امتناعه ﵊ من المباشرة لهذه الشهادة، معلِّلًا بأنها جَوْرٌ، والمتبادَرُ إلى الذهن عندَ إطلاق (٣) الجورِ التحريمُ، لا الكراهةُ، فتخرج الصيغةُ عن ظاهر الإذن بهذه القرائن (٤)، ويقوي ذلك -أيضًا- روايةُ: "فَاتَّقُوا اللَّه"، فإن ذلك يؤذِنُ بأن التقوى هنا التسويةُ، وأن التفضيلَ ليس بتقوى، واللَّه أعلم. و (٥) اختلف أصحابنا -أيضًا- فيمن أخرجَ الإناثَ (٦) من تحبيسه، هل ينفذ الحبسُ، أم لا؟ فقيل: يُفسخ مطلقًا. وقيل: يُفسخ ما لم يَمُتْ. وقيل: ما لم يَمُتْ (٧)، ولم يُحَزْ (٨) عنه.

стр. 2419

قال الإمام: قال بعضُ الشيوخ: إن هذه الأقوالَ تجري في هبة بعضِ البنينَ دونَ بعض. واختلف المذهبُ -أيضًا- هل يُسوِّي بين الذكورِ والإناثِ، أو يكونُ ذلك على حكم الميراث؟ وبالأول: قال ابنُ القصار (١) من أصحابنا، وهو الصحيحُ المشهور من مذهب الشافعي. وبالثاني: قال ابنُ شعبان. واختلف في ذلك -أيضًا- مَنْ تقدَّمَ من غير أصحابنا (٢)، واللَّه أعلم (٣). * * *

стр. 2420

الحديث الثامن ٢٨٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ (١).
следующие страницы →