← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وَفِي لَفْظٍ: قال: "فَلا تُشْهِدْنِي إذَنْ، فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ" (١). وَفِي لَفْظٍ: "فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي" (٢). * * * * الشرح: الحديث يقتضي التسويةَ بين الأولاد في الصدقة والهبة؛ تأليفًا

стр. 2417

لهم، وحَضًّا على برِّ أبيهم. وهل ذلك على الإيجاب، أو الندب؟ خلاف. والمعتمد من مذهبنا، ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة: كراهةُ التفضيل، لا تحريمُه، فإن وقع، مضى، ولم يُرَدَّ، وقال طاوس وعروة ومجاهد والثوري وأحمد وإسحاق وداود: هو حرام ويردّ (١)، واحتجوا برواية (٢): "لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرِ" (٣)، وبغيرِها من ألفاظ الحديث. ودليلُ المجيزين مع الكراهة: قوله: ﵊: "فأَشْهِدُ (٤) عَلَى هَذَا (٥) غَيْرِي"، قالوا: ولو كان حرامًا، أو باطلًا، لما قالَ هذا الكلامَ، وأجابوا عن رواية: "لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ": بأن الجَوْرَ في اللغةِ هو: الميلُ عن الاستواءِ والاعتدال، فكلُّ ما خرجَ عن الاعتدالِ، فهو جَوْرٌ، وسواءٌ كانَ حرامًا، أو مكروهًا، فيجب تأويلُ الجَوْرِ هنا بكراهةِ التنزيه؛ جمعًا بين الروايتين، أعني: رواية: "أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي"، ورواية: "لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ" (٦).

стр. 2418

وللقائلين بالتحريم أن يقولوا: قولُه ﵊: "فأشهدْ على هذا (١) غيري" جاءَ على طريق التهديدِ والتنفيرِ (٢) الشديد، مع ما انضاف إلى ذلك من امتناعه ﵊ من المباشرة لهذه الشهادة، معلِّلًا بأنها جَوْرٌ، والمتبادَرُ إلى الذهن عندَ إطلاق (٣) الجورِ التحريمُ، لا الكراهةُ، فتخرج الصيغةُ عن ظاهر الإذن بهذه القرائن (٤)، ويقوي ذلك -أيضًا- روايةُ: "فَاتَّقُوا اللَّه"، فإن ذلك يؤذِنُ بأن التقوى هنا التسويةُ، وأن التفضيلَ ليس بتقوى، واللَّه أعلم. و (٥) اختلف أصحابنا -أيضًا- فيمن أخرجَ الإناثَ (٦) من تحبيسه، هل ينفذ الحبسُ، أم لا؟ فقيل: يُفسخ مطلقًا. وقيل: يُفسخ ما لم يَمُتْ. وقيل: ما لم يَمُتْ (٧)، ولم يُحَزْ (٨) عنه.

стр. 2419

قال الإمام: قال بعضُ الشيوخ: إن هذه الأقوالَ تجري في هبة بعضِ البنينَ دونَ بعض. واختلف المذهبُ -أيضًا- هل يُسوِّي بين الذكورِ والإناثِ، أو يكونُ ذلك على حكم الميراث؟ وبالأول: قال ابنُ القصار (١) من أصحابنا، وهو الصحيحُ المشهور من مذهب الشافعي. وبالثاني: قال ابنُ شعبان. واختلف في ذلك -أيضًا- مَنْ تقدَّمَ من غير أصحابنا (٢)، واللَّه أعلم (٣). * * *

стр. 2420

الحديث الثامن ٢٨٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ (١).

стр. 2421

"الشرح: الشَّطْرُ هنا: النصف، والشَّطرُ -أيضًا- النَّحْوُ، والقَصْدُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]؛ أي: نحوه (١). وقد (٢) ذهب مالك، والشافعيُّ: إلى جواز المساقاة لأجلِ هذا الحديث، وأنكرَها أبو حنيفة؛ لأجل ما فيها من الغَرَر، وبيع الثمرِ قبلَ الزَّهْو، وحملَ حديثَ خيبرَ هذا على أنهم كانوا عَبيدًا له ﵊، فما أَخَذَ، فله، وما أَبْقَى، فَلَهُ. والحجَّةُ عليه أن نقول: أولًا: هذا لا نُسلِّمُه، ولو سلَّمناه على طريق التنزُّل أنه افتتَحها عَنْوةً، وأقرَّهم فيها على نحو ما قال، لم يجز الرّبا بَيْنَ العبدِ وسيده، فلا يُغنيه ما قال، قاله (٣) الإمام المارزي. وأيضًا: فإنه ليس بمجرد الاستيلاء يحصُل الاسترقاقُ للبالغين (٤)، واللَّه أعلم. والقائلون بجواز المساقاة اختلفوا، فمنعها داودُ إلَّا في النخل، ومنعها الشافعي إلَّا في النخل والكَرْم، وأجازها مالكٌ في جميع الثمر

стр. 2422

إذا احتيجَ فيها للمساقاة (١)، والمشهورُ عندنا: منعُها في الزرع، إلا إذا عجز عنه (٢) صاحبُه. فأما (٣) داودُ، والشافعيُّ، فرأياها (٤) رُخصةً، فقَصَراها على ما وقعت عليه، فلم يتحقق داودُ إلا النخلَ خاصَّة، ولم يتحقق الشافعيُّ إلا النخلَ والكرمَ، ونحن قِسْنا بقيةَ الشجر عليهما؛ لكونها (٥) في معناهما، ولا مانعَ من القياس إذا عُقل المعنى. وللشافعيِّ -أيضًا- قولٌ نحو (٦) ذلك؛ كما نقول؛ كما (٧) نقله ابنُ هبيرة، واللَّه أعلم، وبذلك (٨) -أيضًا- (٩) قال أحمدُ (١٠) (١١). ومتى تجوز المساقاة؟ فمذهبُنا: جوازُها ما لم تَطِبِ الثمرةُ، وفي جوازها بعدَ الطيب قولان:

стр. 2423

قال الإمام: وعند الشافعيِّ لا تجوز المساقاةُ (١) وقد ظهرت الثمرةُ، وقَدَّرَ الظاهرَ منها مملوكًا جميعُه لربِّ النخل، وهو عينٌ قائمة، فكأنه باعَ نصفَه قبلَ الزَّهْوِ بخدمة العامل. وعندنا: أن المعاملة إنما وقعتْ على التنمية (٢) بنصف النامي (٣)، وذلك غيرُ موجود، والموجودُ قبلَ هذا غيرُ مقصود، فلم يؤثر في جواز المساقاة (٤). قلت: ولأحمدَ (٥) روايتان، أظهرُهما: الجوازُ؛ كما نقول (٦). فإذا ثبت هذا، فلتعلمْ (٧): أن للمساقاة عندنا -على قول ابن القاسم- شروطًا لا تصحُّ إلا بها: أن تكونَ (٨) في كلِّ (٩) أصلٍ من الشجر، أو ما يقومُ مقامه؛ كالورد، والياسمين.

стр. 2424

الثاني: قبل طيبها، أو قيل وجودها. الثالث: أن يكون للعامل جزءٌ شائع، أو الجميعُ. الرابع: أن لا ينفرد أحدُهما بزيادة على الآخر. الخامس: أن يكون بلفظ المساقاة. السادس: أن لا يَشترطَ على العامل غيرَ عملِ المساقاة. السابع: أن لا يشترط عليه (١) شيئًا (٢) يبقى بعد انقضائها (٣). الثامن: أن لا يكون سنةً محدودة (٤). قال في "الكتاب": والشاذُّ (٥) في المساقاةِ إلى الجذادِ، ولا يجوز شهرًا، ولا سنةً محدودة، وهي (٦) إلى الجذاد إذا لم يؤجِّلا، وإن كانت تُطْعِمُ في العام مرتين، وهي إلى الجذاد الأول حتى يُشترط الثاني، ويجوز أن يساقيه بسنينَ (٧) ما لم يكثرْ جدًا (٨) (٩).

стр. 2425

ولتَعْلَمْ: أن المساقاةَ عندنا من العقود اللَّازمة، تنعقدُ (١) باللفظ، وتلزمُ به، بخلاف القِراض الذي لا ينعقدُ ولا يلزم إلا بالعمل دونَ اللفظ. واختُلف في المزارعة، فقيل: إنها تنعقد وتلزمُ باللفظ، وقيل: لا تنعقدُ ولا تلزم إلا بالعمل، وقيل: إنها (٢) تنعقد وتلزمُ بالشروع في العمل. وأما الشركة، فلا تلْزم باللفظ ولا بالعمل. واختُلف بم (٣) تنعقدُ؟ فقيل (٤): (٥) باللفظ، وقيل: بالعمل، والقولان قائمان من "المدونة"، قاله القاضي أبو الوليد بن رشد رحمه اللَّه تعالى. تذنيب: إذا وقعت المساقاة فاسدةً؛ لفقدانِ شرطٍ من الشروط المذكورة، أو غيرها، فالثمرةُ لربّ الحائط، وللعاملِ أجْرُ مثلِه، إلا في أربع مسائل، فله مساقاةُ مثلِه عندَ ابن القاسم: أحدُها: إذا عُقدت (٦) المساقاةُ بعد طيبِ الثمرة. والثانية: إذا شرط العاملُ أن يعينه ربُّ المال بنفسه.

стр. 2426

والثالثة: إذا اجتمعت المساقاةُ مع البيع. والرابع: إذا عقدَ معه المساقاةَ سنين، على أن يكونَ له في سَنة نصفُ الثمرة (١)، وفي سنة أخرى ثلثُ الثمرة (٢)، قاله الشيخُ أبو عمران الفاسي (٣) ﵀. قال: ولا يجوز للعامل أن يشترط على ربِّ الحائط سَلَفًا يُسلفه إياه في عَقْد المساقاة، ولا يُفرد ما (٤) يعملُه معه، فإن ترك ذلك، فله أجرُ مثله، واللَّه أعلم (٥). وقوله ﵊: "من تمر (٦) أو زرع"، يحتج به الليثُ، والشافعي، ومَنْ قال بقولهما في: كراءِ الأرض بالجزء منها، وفي جواز المساقاة والمزارعة معًا. (٧) ومالكٌ -في آخرين- يمنعون من اجتماعهما، ويمنعون المزارعةَ بالجزء، ويجيزون المساقاةَ (٨)، إلا ما كان تبعًا من الأرض بين الثمار، فيجوز عند مالك دخولُه في الشرط، وإلغاؤه للعامل.

стр. 2427

وأبو حنيفةَ، وزفرُ يمنعانهما مجتمعين، ومفترقين. ونحن نتأول هذا الحديث تأويلات: إمّا أن يكون الزرعُ هنا تبعًا للنخل، أو يكون كلَّ عقدٍ منفردٍ، فزارعَ قومًا بالشروط الجائزة في المزارعة، وساقَى آخرين، واللَّه أعلم، قاله ع (١) (٢). * * *

стр. 2428

الحديث التاسع ٢٨٣ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلًا؛ وَكُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ عَلَى أَنَّ لَنَا هَذِهِ، وَلَهُمْ هَذِهِ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١)، فَأَمَّا الوَرِقُ، فَلَمْ يَنْهَنَا عنه (٢). ولِمُسْلِمٍ: عَنْ حَنْظَلَة بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالوَرِقِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إنَّمَا كانَ النَّاسُ يُؤاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَهْلِكُ هَذَا (٣)، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زَجَرَ (٤) عَنْهُ، فَأَمَّا شَيءٌ

стр. 2429

مَعْلُومٌ (١) مَضْمُونٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ (٢). المَاذِيَانَاتُ: الأَنْهَارُ الْكِبَارُ، وَالجَدْوَلُ: النَّهْرُ الصَّغِيرُ. * * * * الشرح: الحَقْل: بفتح الحاء، والمُحَاقَلَةُ: كِراءُ الأرض. والماذِيانَات -بذال معجمة مكسورة، وروي فتحها، ثم المثناة تحت، ثم ألف (٣) ثم نون، ثم ألف (٤)، ثم المثناة فوق-، وهي مسايلُ

стр. 2430

المياه، وقيل: ما ينبت على حافَتَي مسيلِ الماء، وقيل: ما ينبت حولَ السواقي، وهي لفظةٌ مُعَرَّبة لا عربيةٌ. وأَقبالُ الجداوِل: -بفتح الهمزة-؛ أي (١): أوائلُها، ورؤُوسها، جمع جَدْوَل، وهو النهرُ الصغير؛ كالساقية. ومعنى هذه الألفاظ: أنهم كانوا يدفعون الأرض لمن يزرعها ببَذْرٍ من عنده (٢)، على أن يكون لمالكِ الأرضِ ما ينبت على الماذِيانات، وأَقبالِ الجداول، أو (٣) هذهِ القطعة، والباقي للعامل، فنُهوا عن ذلك؛ لما فيه من الغَرَر، فربما هَلَكَ هذا دُون ذلك، وعكسُه. وقد اختلف الناس في كراءِ الأرضِ على الإِطلاقِ، فمنع ذلك طاوسٌ، والحسنُ بكلِّ حالٍ، سَوَاءٌ أَكْراها بطعام، أو ذهبٍ، أو وَرِق، أو بجزءٍ من زرعها؛ لإطلاق (٤) أحاديثِ النهيِ عن كراء الأرض. وأجاز بعضُ الصحابة، وبعضُ الفقهاءِ كراءَهَا بالجزْءِ؛ تشبيهًا بالقِراض، وهذا عندَنا لا يجوز، من غير خلاف، وهو (٥) مذهبُ أبي حنيفة، والشافعيِّ، أعني: عدمَ الجواز والحالةُ هذه. وأمَّا كراؤها بالطعام مضمونًا في الذمَّة، فأجازهُ أبو حنيفةَ؛ لقولِ

стр. 2431

رافعٍ في آخرِ حديثه: فأَمّا (١) شيء معلومٌ مضمونٌ، فلا بأس به. وحمل ذلك أصحابُنا على تفسير الراوي واجتهادِه، فلا يلزم الرجوعُ إليه، وقد قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: حديثُ رافعٍ فيه ألوان؛ لأنه مرةً حَدَّثَ عن عمومته (٢)، ومرة حَدَّثَ (٣) عن نفسِهِ، وهذا الاضطرابُ يوهنه عنده، واللَّه أعلم. وقال ابنُ نافع من أصحاب مالكٍ: يجوز كراؤها بالطعامِ، أو غيره؛ كان (٤) ينبت فيها أولًا، إلا الحنطةَ وأخواتها، إذا كان ما يُكرى (٥) به خلافَ ما يُزرع فيها. وقال ابنُ كنانة من أصحاب مالكِ: لا يُكرى (٦) بشيء إذا (٧) أُعيد فيها نبتُ (٨)، ولا بأس بغيره، كان طعامًا، أو غيرَه. قال الإمام: وقد أُضيف هذا القولُ إلى مالك (٩).

стр. 2432

وقال ربيعةُ: يجوزُ بالذهب والوَرِق فقط. وقال مالك: يجوزُ بالذهب، والوَرِق، وغيرِهما (١)، إلا الطعامَ، كان مما (٢) تُنبته الأرضُ، أو مما لا تُنبته؛ كالعسل، واللحم، واللبن، وغيرِ ذلك، ولا يجوز (٣) كراؤها ببعض ما تُنبته (٤) من غير الطعام؛ كالقطنِ، والكتانِ، والعصفرِ، والزعفرانِ؛ بخلاف القصبِ، والخشبِ، ونحوِ ذلك؛ فإنه يجوز كراؤها به. ع: وقال المغيرةُ صاحبُ مالك: لا بأس بكراء الأرض بطعام (٥) لا يخرج منها، حكاه عنه ابنُ سحنون، وحكى غيرُه مثلَ ما قالَ أصحابُه: لا يجوزُ بالطعام (٦). وتعلَّق أصحابنا بما روي: أنه ﵊ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالطَّعَامِ، فَعَمّ، ولأن الناهي (٧) عنها يقدر أنه على (٨) ملك

стр. 2433

ربِّ (١) الأرض، وكأنه باعَه بطعامٍ، وصار (٢) كبيع الطعام بالطعام إلى أَجَلٍ، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 2434

الحديث العاشر ٢٨٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ (١). وَفِي لَفْظٍ: "مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا، لَا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ المَوَارِيثُ" (٢). وَقَالَ جَابِرٌ: إِنَّمَا العُمْرَى الَّتِي أَجَازَ (٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ

стр. 2435

يَقُولَ (١): هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّها تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا (٢). وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا (٣) حَيًّا ومَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ" (٤). * * * * الشرح: العُمْرى: فُعْلَى منَ العُمْر، وهي هبةُ المنافعِ مدةَ العمرِ؛ مثل أن يقول:

стр. 2436

أَعْمَرْتُكَ داري، أو ضَيْعَتي، فإنه قد وَهَبَهُ (١) الانتفاعَ بذلك مدةَ حياتِه. وحكمُها عندنا: الجوازُ، والصحَّةُ، والنفوذُ، فإذا مات، رجعتِ الرقبةُ إلى المالك الذي هو المُعْمِرُ، وإن قال: أعمرتُكَ وعَقِبَكَ، فإنه قد وهبَ له (٢) ولعقبه الانتفاعَ ما بقي منهم إنسانٌ، فإن (٣) لم يبقَ منهم أحدٌ، رجعت الرقبةُ إلى المالك الذي هو المعمِرُ؛ لأنه وهبَ المنفعة، ولم يهب الرقبةَ، وكذلك لو قال: أسكنتُكَ هذه الدارَ عُمْرَكَ، أو وهبتُكَ سُكناها عمركَ، أو قال: هي لكَ سُكنى، أو لكَ ولعقبِك سُكنى (٤)، فإذا مات المعمَرُ، وانقرض العقبُ المعمَرُ بعد وفاة المعمِرِ الواهب، رجعت الرقبةُ إلى وارثِ المعمِرِ يومَ مات؛ هذا مذهبنا، وهو قولُ القاسمِ بنِ محمد، ويزيدَ بنِ قسيط (٥)، والليثِ بنِ سعد، وأحدُ قولي الشافعيِّ. وقد رُوي عن مالكٍ: أنه قالَ: إذا قال: لكَ ولعقبِكَ: أنها لا ترجعُ إلى المعمِرِ الواهِبِ، وتُؤُوِّل على أن معناه: إذا قال: لكَ ولعقبِكَ، فلا ترجعُ إلا بعدَ انقراضهم، على مشهور مذهبه، واللَّه أعلم (٦).

стр. 2437

والعقبُ: أولادُ الرجل ما تَناسلوا، وهو بفتح العين وكسر القاف، قالوا: ويجوز إسكانها مع فتح العين وكسرها (١)، كما في نظائره. وقال أبو حنيفة، والشافعيُّ في المشهور عنه، وأحمدُ: العُمرى تمليكُ (٢) الرقبة، فإذا أعمرَ الرجلُ (٣) رجلًا دارًا، فقال: أعمرتُكَ داري هذه، أو جعلْتُها لكَ عُمري، أو عمركَ (٤)، أو (٥) ما عشْتَ، فهي للمعمَر ولورثته من بعدِه إن كان له ورثةٌ، سواء قالَ المعمِرُ للمُعْمَرِ (٦): هي لكَ، أو لعقبِك، أو أطلقَ، فإن لم يكن له وارثٌ، فلبيتِ المالِ، ولا يعودُ ذلكَ إلى المعمِر؛ هكذا نقله ابنُ هبيرة في "إجماع الأئمة الأربعة" (٧). ولتعلمْ (٨): أن الجمهورَ على أن التفرقةَ بين الإسكانِ والعمرى، فيقولون في الإسكان: إن (٩) الرقبةَ على ملكِ ربها، كما نقول نحنُ في العُمْرى. تذنيب: جرتْ عادةُ الفقهاء يشفعون العُمرى بالرُّقْبى، ويُفرقون بينهما، وصُورتها: أن يقول إنسانٌ لآخَر: إنْ مُتُّ قبلَكَ، فداري لك،

стр. 2438

وإن مُتَّ قبلي، فدارُكَ لي، وحكمُها عدمُ الجواز؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما يقصد إلى عِوَضٍ لا يدري هل يحصُل له، أو يحصُل عليه، ويتمنى كلُّ واحد منهما موتَ صاحبه، وليس كذلك العُمرى؛ لأن المعمِرَ لا يقصدُ عوضًا عن الَّذي أخرجَ عن (١) يده، أما لو قال: إن مُتُّ قبلَكَ فداري لك، وإن مُتَّ قبلي فهي لي، فقال القاضي أبو الحسن: حكمُ هذه حكم الوصايا، فيجوز (٢)، واللَّه أعلم (٣). وقوله في الحديث: "قَضَى رسولُ اللَّه ﷺ بالعُمْرى": ظاهرهُ الإطلاقُ في جميع الصور؛ إذ ليس في اللفظ تقييد، وإن (٤) كان قد اختلف أهلُ الأصول في أن مثل هذه الصيغةِ من الراوي هل تقتضي العمومَ، أم لا؟ ق: وقوله ﵊: "لأنه (٥) أعطى عطاءً وقعتْ فيه المواريثُ" يريدُ (٦) أنها التي شرط فيها: له (٧) ولعقبِه، ويحتمل أن

стр. 2439

يكون المرادُ: صورةَ الإطلاق (١)، ويؤخذ كونُه وقعتْ فيه المواريثُ من دليل آخر؛ وهذا الذي قاله جابر ﵁ نصيصٌ على أن المراد بالحديث: صورةُ التقييد بكونها له ولعقبِه (٢). وقوله: "إنما العُمْرى التي أجازَها رسولُ اللَّه ﷺ "؛ أي: أمضاها، وجعلَها للعقِبِ لا تعود، وقد نَصَّ على أنه إذا أطلق هذه العمرى: أنها ترجع، وهو تأويلٌ منه، ويجوز من حيث اللفظ أن يكون رواه؛ أعني: بقوله (٣): "إنما العُمرى التي أجازَ رسولُ اللَّه ﷺ : أن تقولَ (٤) هي لكَ ولعقبِكَ"، فإن كان مرويًا، فلا إشكال في العمل به، وإن لم يكن مرويًا، فهذا يرجع إلى تأويل الصحابي الراوي، هل يكون مقدَّمًا من حيث إنه قد تقع له قرائنُ تورثه العلمَ بالمراد (٥)، ولا يتفق تعبيرهُ عنها، انتهى (٦). وقوله ﵊: "أَمْسِكُوا عليكُم أموالَكم ولا تُفْسِدوها" إلى آخره، تنبيهٌ للإنسان، وتحريضٌ على التثبُّتِ فيما يُخرج من ماله حتى يتروَّى ويتدبَّرَ العاقبةَ؛ خوفًا من الندم على ما فعل، فيبطل أجرُه، أو يقِلُّ، واللَّه أعلم.

стр. 2440

الحديث الحادي عشر ٢٨٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ"، ثُمَّ يَقُولُ (١) أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟! وَاللَّهِ! لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ (٢).

стр. 2441

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: اختُلف في حَدِّ الجيرة، فقال الأوزاعي: أربعونَ دارًا من كلِّ ناحيةٍ جيرةٌ. وقالت فرقةٌ: من سمعَ إقامةَ الصلاة، فهو جارُ ذلك المسجد، ويقدر (١) ذلك في الدور. وقالت فرقة: من سمع الأذانَ. وقالت فرقة: مَنْ ساكنَ رجُلًا في محلَّة أو مدينةٍ، فهو جارُهُ. والمجاوَرَةُ مراتبُ، بعضُها ألصقُ من بعض؛ فأدناها (٢): الزوجةُ، قال الأعشَى: أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ وبعدَ ذلك الجيرة الخلط (٣). واختلف أهلُ التفسير في قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦].

стр. 2442

فقال ابنُ عباس، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، وغيُرهم: الجار ذو القربى: هو الجارُ القريبُ النسبُ (١)، والجارُ الجنبُ: الجارُ الذي لا قرابةَ بينَك وبينَه. وقال نوفٌ الشامي: الجار ذو القربى هو: الجارُ المسلم، والجار الجنب هو: اليهودي، والنصراني (٢). وقالت فرقة: الجارُ ذو القربى هو: الجارُ القريبُ المسكَنِ (٣) منكَ، والجارُ الجنب هو: البعيدُ المسكَنِ منكَ. قال ابنُ عطية: وكأن هذا القول منتزعٌ من الحديث، قالت عائشة (٤): يا رسولَ اللَّه! إن لي جارَين، فإلى أيهما (٥) أُهْدي؟ قال ﵊: "إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ (٦) بَابًا" (٧). وقيل: الجار الجنب: الزوجة. وسُئل أعرابي عن الجار الجنب، فقال: هو الذي يجيء فيحلُّ حيثُ

стр. 2443

تقعُ (١) عينُكَ عليه (٢). قلت: والذي يقع لي: أن الجيرةَ على مراتب ثلاث: أدناها وآكدُها: الجار المسلم ذو القرابة، ثم الجار المسلمُ (٣) غيرُ ذي القرابة، ثم الجارُ الذميُّ، ومَنْ كان من هؤلاء أقربَ من حيثُ المسكن، زادَ تأكُّده، (٤) واللَّه أعلم. الثاني: روي: "خَشَبَةً" -بفتح الخاء والشين والتنوين على الإفراد-، وروي: بضم الخاء والهاء، على الجمع (٥). الثالث: قال الجوهري: الجَدْرُ والجدارُ: الحائطُ، وجمعُ الجدار جُدُرٌ، وجمع الجَدْرِ (٦) جُدْران؛ مثل بَطْن وبُطْنان (٧). الرابع: اختلف المذهبُ عندنا هل هذا النهيُ على الإلزام، أو الندب؟ والمشهور: أنه على الندب، والحثِّ على محاسن الأخلاق، وحُسْنِ الجوار (٨).

стр. 2444

وللشافعي (١) -أيضًا (٢) - قولان: والجديدُ: عدمُ الوجوب؛ كما يقول، وبه قال أبو حنيفة، والكوفيون. وبالإيجاب قال أحمدُ، وأبو ثور، وأصحابُ الحديث، وهو ظاهرُ الحديث. ومَنْ قال بالندب، قال: ظاهرُ الحديث: أنهم توقفوا عن العمل، ولهذا قال: "مالي أراكُمْ عنها مُعرضين؟ "، وهذا يدلُّ على أنهم فهموا منه الندبَ لا الإيجابَ؛ إذ لو كان واجبًا، ما اتفقوا كلُّهم أو أكثرُهم على الإعراض عنه، وهذا خلافُ ما فهمه ق من الحديث؛ فإنه قال: وفي قوله: "مالي أراكُمْ عنها معرضينَ؟ " إلى آخره، ما يُشعر بالوجوب (٣)؛ لقوله: "واللَّه! لأرمينَّ بها بين أكتافِكم"، قال: وهذا يقتضي التشديدَ والخوفَ والكراهةَ لهم (٤). الخامس: قوله: "بينَ أكتافِكم": هو بالتاء المثناة فوق. ع: ومعنى ذلك: إني أقولها، وأصرِّح بها بينكم، وأوجعُكم بالتوبيخ على تركِ ما رُغِّبَ فيه من ذلك، كما يُرمى بالشيء، فيضرب به بين الكتفين، أو قد يقول هذا لما جاء في رواية الترمذي وغيره: "فَطَأْطؤوا

стр. 2445

رُؤوسَهم" (١)، ولم يُجيبوهُ (٢)، (٣) ويعضِدُه في رواية أبي داود: "فنكسوا رؤوسَهُم"، فقال: "مالي أراكُمْ أعرضْتُم؟ " (٤). وقد قرأه بعضُ رواة "الموطأ": أَكْنافِكُم -بالنون-، ومعناه: بينكم وفيما بينَ جوانبكم، والكَنَفُ: الجانب، قالوا: وهي روايةُ يحيى، وقد اختلف الرواة عنه في ذلك (٥)، واللَّه أعلم (٦). * * *

стр. 2446

الحديث الثاني عشر ٢٨٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (٢). * * *

стр. 2447

وقد تقدم أن الظلمَ في اللغة: وضعُ الشيء في غير موضعه، والقِيدُ -بكسر القاف-، والقَادُ -أيضًا- بمعنى: القَدْر؛ أي: من ظَلَمَ قَدْرَ شبْر، وفي تقييده بالشِّبر مبالغةٌ وبيانُ أن ما زادَ على ذلك أَوْلى منه (١)، ونظيرُه قوله ﵊: "وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ" (٢). والأَرَضون -بفتح الراء والإسكان- قليلٌ (٣) شاذٌّ، حكاهُ (٤) الجوهريُّ وغيره (٥)، وإنما جُمعت بالواو والنون مع فقدان الشروط؛ جبرًا لها لما نقصها من ظهور علامة التأنيث؛ إذ لم يقولوا: أرضَةٌ؛ كما جمعوا سِنينَ بالواو والنون عوضًا من حذف لامها (٦)، على ما هو معروف (٧) في كتب النحو. قال العلماء: هذا تصريحٌ بأن الأرضينَ (٨) سبعُ طبقات، وهو موافق لقوله تعالى ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢].

стр. 2448

وأما تأويلُ المماثلةِ على الهيئة والشكل، فخلافُ الظاهر، وكذا قولُ من قال: (١) المرادُ بالحديث: سبعُ أرضين من سبعةِ أقاليم؛ لأن الأرضين سبعُ طبقات، وقد أبطله العلماءُ بأنه لو كان كذلك، لم يطوق الظالمُ الشبرَ من هذه الأقاليم (٢). وهو رَدٌّ صحيح لا شكَّ فيه؛ إذ الأصل في العقوبات المساواةُ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، واللَّه أعلم. فمن ملكَ شيئًا من الأرض، مَلَكَه وما تَحْتَه من الطِّباق (٣)، وإن كان عندنا فيه خلافٌ، حتى لو وجد كنزًا في أرضٍ اشتراها، أو مَعْدِنًا، هل يكونُ له، أو للمسلمين؟ فمن (٤) قال: يملكُ الباطنُ، استدل بهذا الحديث. ع: وقد جاء في غِلَظِ الأَرضَين وطباقِهِنَّ وما بينهنَّ حديثٌ ليس بثابت. وأما التطويقُ المذكور في الحديث، فقالوا: يحتمل (٥) أن يكون معناه: أنه يحمل مثلَه من سبعِ أرضين، ويُكَلَّفُ إطاقةَ ذلك، ويحتمل

стр. 2449

أن يُجْعَلَ له كالطَّوْق في عنقه. قلت: وهذا المتبادَرُ إلى الذهن؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. وقيل: معناه: أنه يُطَوَّقُ إثمَ ذلك، ويلزمُه كلزومِ الطَّوْقِ لعنقِه، وعلى تقدير التطويق في عنقه، يُطَوِّلُ اللَّه تعالى عنقَه؛ كما جاءَ في غِلَظِ جلدِ الكافر، وعِظَمِ ضِرْسه (١). وفي هذا الحديث: تحريمُ الظلمِ، والغَصْب، وتغليظُ عقوبته. قيل: وفيه: إمكانُ غصبِ الأرض، وهو مذهبُنا، ومذهبُ الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يُتصور غصبُ الأرض (٢). واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (٣). * * *

стр. 2450

باب اللقطة ٢٨٧ - عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ؛ الذَّهَبِ أَوِ (١) الوَرِقِ؟ فَقَالَ: "اعْرِفْ وِكَاءَها وَعِفَاصَهَا (٢)، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ، فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَأَدِّهَا إِلَيْهِ"، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإبِلِ، فَقَالَ: "مَالَكَ وَلَهَا! دَعْهَا؛ فَإِنَّ مَعَهَا حِذاءَهَا وَسِقَاءَها، تَرِدُ المَاءَ (٣)، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حتَّى يَجِدَهَا رَبُّها"، وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ، فَقَالَ: "خُذْهَا؛ فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ" (٤).

стр. 2451

* التعريف: زيد بن خالد الجهني: يكنى أبا عبد الرحمن، وقيل: أبو طلحة، وقيل: أبو محمد، من جهينة، وهو (١) زَيْدُ بنُ خالدِ بنِ زيدِ بنِ ليثِ بنِ

стр. 2452

سُود (١) بنِ أسلمَ بنِ الحافِ -بتخفيف الفاء- بنِ قُضاعةَ. رُوي له عن رسول اللَّه ﷺ أحدٌ وثمانون حديثًا، اتفقا على خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة. رَوَى عنه: بُسْرُ (٢) بنَ سعيدٍ، وعُبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ، ويزيدُ مولى المنبعِثِ، وعبدُ الرحمن بنُ أبي عَمْرَةَ. وروى عنه من وَلَدِهِ جماعةٌ: أبو حرب، و (٣) عبدِ الرحمن، وخالدٌ، ومنظورٌ بنو زيد بن خالدٍ، ومن التابعين: عطاءُ بنُ يسار، وعطاءُ بنُ أبي رباح، وعروةُ بنُ الزبير. وروى الحافظُ أبو عليِّ بنُ السَّكَن في كتاب "الصحابة" له، عن محمدِ بنِ عمرو، قال (٤) لرجل من الجهنيين: ما بالُ زيدِ بنِ خالدٍ أَبَنَهُ أصحابُ النبيِّ ﷺ ، وغيرُه أقدمُ سابقةً؟ قال: إنه كان لا يقرُّ (٥) بجواره سخط للَّه إلا غيَّره (٦). ماتَ بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنةَ ثمان وتسعين، وقيل: سنة ثمان وستين، وله خمسٌ وثمانون سنة ﵁ (٧).

стр. 2453

* الشرح: اللُّقَطَةُ: -بضم اللام وفتح القاف- في اللغة المشهورة، وجاء فيها: إسكانُ القاف، لغة ثانية، وهي القياس؛ لأن الأولى حَقُّها أن تكون لمن (١) يكثر التقاطه؛ كالهُزَأَة (٢) والضُّحَكَة، ونحوِ ذلك. وقد روى الليثُ بنُ المظفر عن الخليل فيما حكى الأزهري: أنه قال: اللُّقَطة: الذي يلتقط الشيء، بتحريك القاف، واللُّقْطَة: ما يُلتقط. قال الأزهري: وهذا (٣) الذي قاله قياس؛ لأن فُعْلَة في أكثر كلامهم جاء فاعلًا، وفُعَلَة جاء مفعولًا، غير أن كلامَ العرب جاء في اللُّقَطة على غير القياس. قال: وأجمع أهلُ اللغة ورواةُ الأخبار أن اللقطة: هي الشيء الملتَقَطُ (٤).

стр. 2454

وفيها لغةٌ ثالثة: لُقاطَة: بضم اللام، ورابعة: لَقَطة: بفتح اللام والقاف (١). وحقيقتها: كلُّ مالِ معصومٍ معرضٍ للضياعٍ في عامرِ البلادِ وغامِرِها (٢)، وأصلُ الالتقاط: وجود الشيء عن غير طلب وَتَحَرٍّ (٣). وأمَّا الضّالَّةُ: فقال الأزهريُّ وغيره: لا تقع (٤) إلا على الحيوانِ، وأما الأمتعةُ، وما سوى الحيوانِ، فيقال فيه: لُقَطَة، ولا يقال: ضَالٌّ. قالوا: ويقال للضّوالِّ الهَوامي، والهَوافي، واحدتُها هَامِيَةٌ وهَافِيَةٌ، وهَمَتْ، وهَفَتْ، وهَمَلَتْ: إذا ذهبتْ على وجهها بلا راعٍ (٥). وقوله: "سُئل عن اللقطةِ؛ الذهَبِ والوَرِق"، هو بالألف واللام في اللقطة غيرَ مضافة، والذهبُ والورقُ بدلٌ منهما (٦). وقوله ﷺ : "اعرفْ عِفاصَها (٧) ووِكاءَها"؛ أي: تَعَرَّفْ ذلك؛ لتعلمَ

стр. 2455

صِدْقَ واصفِها من كَذِبه؛ لئلا يختلط بماله، ويشتبه. والعِفاصُ (١) -بكسر العين وبالفاء والصاد المهملة-، وهو الوعاء الذي يكون فيه النفقة، جلدًا كان، أو غيرَه. قال الخطابي: وأصلُ العفاص (٢): الجلد الذي يلبس رأسَ القارورة؛ لأنه كالوعاء له، فأما الذي يدخل في فم القارورة؛ من خشبةٍ، أو جلدةٍ، أو خرقةٍ مجموعة، ونحوِ ذلك، فهو الصِّمام (٣) -بكسر الصاد-، يقال: عَفَصْتُها عَفْصًا (٤): إذا شددتُ العِفاص عليها، أو (٥) أَعْفَصْتُها إِعْفاصًا (٦): إذا جعلتُ لها عفاصًا (٧). وأما الوكاء: فهو الخيطُ الذي يُشَدُّ به الوعاء، يقال: أَوْكَيْتُه إِيكاءً، فهو موكًى، بغير همز. ع: وقاله بعضُهم بالقصر، يعني: الوِكَا، قال: وهو وهمٌ، والصوابُ الأولُ عند أهل اللغة (٨).
следующие страницы →