← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

* التعريف: زيد بن خالد الجهني: يكنى أبا عبد الرحمن، وقيل: أبو طلحة، وقيل: أبو محمد، من جهينة، وهو (١) زَيْدُ بنُ خالدِ بنِ زيدِ بنِ ليثِ بنِ

стр. 2452

سُود (١) بنِ أسلمَ بنِ الحافِ -بتخفيف الفاء- بنِ قُضاعةَ. رُوي له عن رسول اللَّه ﷺ أحدٌ وثمانون حديثًا، اتفقا على خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة. رَوَى عنه: بُسْرُ (٢) بنَ سعيدٍ، وعُبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ، ويزيدُ مولى المنبعِثِ، وعبدُ الرحمن بنُ أبي عَمْرَةَ. وروى عنه من وَلَدِهِ جماعةٌ: أبو حرب، و (٣) عبدِ الرحمن، وخالدٌ، ومنظورٌ بنو زيد بن خالدٍ، ومن التابعين: عطاءُ بنُ يسار، وعطاءُ بنُ أبي رباح، وعروةُ بنُ الزبير. وروى الحافظُ أبو عليِّ بنُ السَّكَن في كتاب "الصحابة" له، عن محمدِ بنِ عمرو، قال (٤) لرجل من الجهنيين: ما بالُ زيدِ بنِ خالدٍ أَبَنَهُ أصحابُ النبيِّ ﷺ ، وغيرُه أقدمُ سابقةً؟ قال: إنه كان لا يقرُّ (٥) بجواره سخط للَّه إلا غيَّره (٦). ماتَ بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنةَ ثمان وتسعين، وقيل: سنة ثمان وستين، وله خمسٌ وثمانون سنة ﵁ (٧).

стр. 2453

* الشرح: اللُّقَطَةُ: -بضم اللام وفتح القاف- في اللغة المشهورة، وجاء فيها: إسكانُ القاف، لغة ثانية، وهي القياس؛ لأن الأولى حَقُّها أن تكون لمن (١) يكثر التقاطه؛ كالهُزَأَة (٢) والضُّحَكَة، ونحوِ ذلك. وقد روى الليثُ بنُ المظفر عن الخليل فيما حكى الأزهري: أنه قال: اللُّقَطة: الذي يلتقط الشيء، بتحريك القاف، واللُّقْطَة: ما يُلتقط. قال الأزهري: وهذا (٣) الذي قاله قياس؛ لأن فُعْلَة في أكثر كلامهم جاء فاعلًا، وفُعَلَة جاء مفعولًا، غير أن كلامَ العرب جاء في اللُّقَطة على غير القياس. قال: وأجمع أهلُ اللغة ورواةُ الأخبار أن اللقطة: هي الشيء الملتَقَطُ (٤).

стр. 2454

وفيها لغةٌ ثالثة: لُقاطَة: بضم اللام، ورابعة: لَقَطة: بفتح اللام والقاف (١). وحقيقتها: كلُّ مالِ معصومٍ معرضٍ للضياعٍ في عامرِ البلادِ وغامِرِها (٢)، وأصلُ الالتقاط: وجود الشيء عن غير طلب وَتَحَرٍّ (٣). وأمَّا الضّالَّةُ: فقال الأزهريُّ وغيره: لا تقع (٤) إلا على الحيوانِ، وأما الأمتعةُ، وما سوى الحيوانِ، فيقال فيه: لُقَطَة، ولا يقال: ضَالٌّ. قالوا: ويقال للضّوالِّ الهَوامي، والهَوافي، واحدتُها هَامِيَةٌ وهَافِيَةٌ، وهَمَتْ، وهَفَتْ، وهَمَلَتْ: إذا ذهبتْ على وجهها بلا راعٍ (٥). وقوله: "سُئل عن اللقطةِ؛ الذهَبِ والوَرِق"، هو بالألف واللام في اللقطة غيرَ مضافة، والذهبُ والورقُ بدلٌ منهما (٦). وقوله ﷺ : "اعرفْ عِفاصَها (٧) ووِكاءَها"؛ أي: تَعَرَّفْ ذلك؛ لتعلمَ

стр. 2455

صِدْقَ واصفِها من كَذِبه؛ لئلا يختلط بماله، ويشتبه. والعِفاصُ (١) -بكسر العين وبالفاء والصاد المهملة-، وهو الوعاء الذي يكون فيه النفقة، جلدًا كان، أو غيرَه. قال الخطابي: وأصلُ العفاص (٢): الجلد الذي يلبس رأسَ القارورة؛ لأنه كالوعاء له، فأما الذي يدخل في فم القارورة؛ من خشبةٍ، أو جلدةٍ، أو خرقةٍ مجموعة، ونحوِ ذلك، فهو الصِّمام (٣) -بكسر الصاد-، يقال: عَفَصْتُها عَفْصًا (٤): إذا شددتُ العِفاص عليها، أو (٥) أَعْفَصْتُها إِعْفاصًا (٦): إذا جعلتُ لها عفاصًا (٧). وأما الوكاء: فهو الخيطُ الذي يُشَدُّ به الوعاء، يقال: أَوْكَيْتُه إِيكاءً، فهو موكًى، بغير همز. ع: وقاله بعضُهم بالقصر، يعني: الوِكَا، قال: وهو وهمٌ، والصوابُ الأولُ عند أهل اللغة (٨).

стр. 2456

وقوله ﵊: "ثُمَّ عَرِّفْها سَنَةً": إتيان (ثم) هنا يدل على المبالغة وشدةِ التثبُّتِ في معرفة العِفاص (١) والوِكاء؛ إذ كان وضعها (٢) للتراخي والمُهْلَة، فكأنه عبارةٌ عن قوله: لا تعجَلْ، وتَثَبَّتْ في عرفان ذلك، واللَّه أعلم. وفيه: دليلٌ على وجوب التعريف سنةً، والمعنى: إذا أخذْتَها، فعرِّفْها سنةً. وأما الأخذُ، فهل هو واجبٌ، أو لا؟ فيه تفصيلٌ عندنا، وهو: أنه إن علم الخيانةَ من نفسه، حرمَ عليه أخذُها (٣)، وإن خافها، كُره له الأخذُ، وإن أَمِنَها، فقولان: بالاستحباب، والكراهة. وروى أشهبُ: أما الدنانير، وشيءٌ له بالٌ، فأحبُّ إليَّ أن يأخذَها، وليسَ كالدراهم (٤)، وما لا بالَ له، ولا أُحِبُّ له أن يأخذَ الدراهمَ. وحكى القاضي أبو بكر عن مالك، الكراهةَ مطلقًا، وهو اختيارُ الشيخ أبي إسحاق. فإن كانت اللقطةُ بين قومٍ غيرِ مأمونين، والإمامُ عدلٌ، وجبَ عليه أخذُها، وكذلك إذا عرفَ صاحبَها، وخشيَ تلافَها إن لم يأخذها، وجبَ عليه أخذُها، واللَّه أعلم.

стр. 2457

والتعريف: أن يَنْشُدَها في المواضع التي يجتمعُ (١) الناسُ إليها، ودُبُرَ الصلواتِ على أبوابِ المساجدِ (٢) والجوامعِ (٣)، وحيث يظنُّ أن ربَّها هناكَ، ويُعَرِّفها في كل يومين أو ثلاثة، ولا يجبُ عليه أن يدع التصرُّفَ في حوائجه ويعرِّفَها. وفي ذكر الجنسِ في التعريفِ خلافٌ. ثم له أن يعرفها بنفسه، ويدفعها للإمام يعرِّفُها إذا كان عدلًا، أو يدفعُها لمن يثقُ به ممن يقوم مقامَه في تعريفها، ويستأجر عليها منها مَنْ يعرّفها إن كان ممن لا يعرِّفُ مثلُه. ولا يجوز له أن يسافر بها إلى بلدٍ آخرَ ليعرِّفَها به، ولو وجدَها (٤) في الصحراءِ بينَ مدينتين، لعرَّفَها بينهما. ثم وجوبُ التعريف سنةً يختصُّ بالمال الكثير (٥) الذي لا يفسُدُ. فأما القليلُ الذي لا (٦) يفسُد؛ فإن كان تافهًا؛ بحيث يعلم أن صاحبه في العادة لا يتبعه؛ لقلته، فهذا لا يعرَّف أصلًا، وإن كان -على

стр. 2458

قلَّته- له قدرٌ ومنفعة، وقد شحَّ (١) به صاحبُه، وتتبعه (٢)، فهذا يُعَرَّف أيامًا مظنةَ طلبِه على المشهور، وقيل: سَنةً كالكثير (٣)، وهذا كالمِخْلاة، والدَّلْو، والحَبْل. وأما ما (٤) يفسُد؛ كالطعام، فإن كان في قرية، أو رُفقة (٥) له فيهم قيمة، فقيل: إن تصدَّقَ به (٦)، فلا غُرْمَ عليه لصاحبه، وإن أكلَه، غُرِمَه؛ لانتفاعه به، وقيل: يَغْرَمُه مطلقًا، وظاهرُ "الكتاب": لا غُرْمَ عليه مطلَقًا، أكلَه، أو (٧) تصدَّقَ به. وفي معنى الطعام الشاةُ يجدُها بالبعد في العمران، حيث يَعْسُر جَلْبُها (٨)، ويخشى عليها إن تركَها، وأما إن لم تكن رفقة وجماعةٌ، فلا شيء عليه فيما أكلَ من طعامٍ التقطه (٩) (١٠). وفروعُ اللقطة مستوفاةٌ في كتبِ الفقهِ، واللَّه أعلم.

стр. 2459

وقوله ﵊: "فإن لم تُعْرَفْ (١)، فاسْتَنْفِقْها": هو على الإباحة دون الوجوب. وقوله: "ولتكُنْ وديعةً عندَك". ق: يحتمل أن يراد بذلك بعد الاستنفاق، ويكون قوله: "وديعةً عندك" فيه (٢) مجازٌ في لفظة الوديعة فإنها تدل على الأعيان، وإذا استنفق اللقطة لم تكن عينًا، فيجوز بلفظ الوديعة (٣) عن كون الشيء بحيث يُرَدُّ إذا جاء رَبُّهُ. قال (٤): ويحتمل أن يكون (٥) قوله: "ولتكن" الواو فيه بمعنى: أو، فيكون حكمُها حكمَ الأماناتِ والودائع؛ فإنه إذا لم يتملكها، بقيت عنده على حكمِ الأمانة، فهي كالوديعة. وقوله: "فإن جاءَ صاحبُها يومًا من الدهر، فَأدِّها إليه": فيه: دليلٌ على وجوب الردِّ على المالك إذا تبين كونُه (٦) صاحبَها (٧)،

стр. 2460

لكن بشرطِ أن يصفَ العِفاصَ (١)، والوِكاءَ، أو تقومَ (٢) بينةٌ على دعواه. واختُلف عندنا في معرفة عددها إن كانت دنانيرَ، أو دراهمَ، والمشهور: اعتبارُه، ومنشأ الخلاف: ذكرُه في حديث أُبَيٍّ (٣)، والإعراضُ عنه في حديث زيدِ بنِ خالدٍ. وكذلك (٤) اختُلف إذا وصفَها، هل يلزمُه مع ذلك يمينٌ، أم لا؟ والمشهور عندنا: لا يلزمه، وكذلك لو أتى ببعض العلامات المغلبة على الظن صدقه، هل يُعطى بها (٥)، أو لابدَّ من جميع العلامات؟ خلافٌ عندنا -أيضًا-، فلو عرف العفاصَ (٦) دون الوِكاء، أو العكس (٧)، استؤني بها، ثم دُفعت إليه، ولو عرف رجلٌ عفاصها (٨) أو وكاءها (٩) وحده، وعرف آخرُ عددَ الدنانير ووزنَها، كانت لمن عَرَفَ (١٠) العِفاص (١١) أو الوِكاء،

стр. 2461

وقيل: تُقسم (١) بينهما بعدَ التحالُف (٢). وقوله: "وسأله عن ضالَّةِ الإبل" إلى آخره. فيه: دليلٌ على منع التقاطِها، والتعرُّضِ لها؛ لأنها تَرِدُ الماء، وترعى الشجرَ، وتعيش بلا راعٍ، وتمتنع عن أكثر السباع. وقوله ﵊: "معها حِذاؤها وسِقاؤها": من بليغ المجاز، وحُسْن الاستعارة؛ فإنه يريد بالحِذاء: أخفافَها (٣)، يقول: إِنها تقوى على السير، وقطعِ البلاد. وقد قال بعض الأَعراب لأَمَةٍ له غليظةِ القدمين: أَطِرِّي؛ فإنَّك ناعِلَةٌ (٤)، جعلها؛ لغلظ قدميها، وقوتها على المشي، كأَنَّ لها نعلين. وأراد-﵊ بالسِّقاء: قُوَّتَها على وردِ (٥) الماء، فتحملُ رِيَّها في أكراشِها (٦). قال الخطابي: فإن كانت الإبل مهازيلَ لا تنبعثُ، فإنها بمنزلة الغنم التي قيل فيها: هي لكَ، أو لأخيكَ، أو للذئبِ. واختُلف عندَنا في إِلحاق البقر، والخيل، والحمير، بالإبل على

стр. 2462

ثلاثة أقوال: ثالثها لابن القاسم (١): تُلحق البقرُ دونَ غيرها إذا كانت بمكانٍ لا يُخاف عليها فيه من السباع (٢). وقوله: "وسأَلَه عن الشاةِ" إلى آخر الحديث، دليلٌ على جواز التقاطِها، ونَبَّهَ ﵊ على علَّةِ الجوازِ بخوفِ ضياعِها إن لم تُلتقط، فتتلف على مالكها من غير أن ينتفعَ بها غيرُه، وهو أن ياكلَها الذئبُ، ونحوُ ذلك، وفرق ﵊ بينها وبين ضالَّة الإِبلِ بما تقدمَ، وكَأَنَّهُ (٣) ﵊ يقولُ: لَكَ أن تأخذَها؛ لأنها معرَّضةٌ للذئبِ، وضعيفةٌ عن الاستقلالِ، وهي مترددة بين أن تأخذَها أنتَ، أو صاحبُها، أو أخوكَ المسلمُ الذي يمرُّ بها، أو الذئبُ، فلهذا جازَ التقاطُها دونَ ضالَّة الإبلِ (٤)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2463

باب الوصايا الحديث الأول ٢٨٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا حَقُّ امْرىءٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فيهِ، يَبيِتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" (١) (٢). زاد مسلم (٣): قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ

стр. 2464

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ، إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي (١). * * * * الشرح: الوصايا: جمعُ وَصِيَّة، كرَكِيَّة ورَكايا، وقَضِيَّة وقَضَايا، وهي فَعِيلَةٌ من وَصَى يَصِي، يقال: فلانٌ (٢) وَصَى يَصِي (٣): إذا وصل، وأَوْصَى يُوصِي: إذا أَوْصَلَ (٤)؛ لأن أصلَ (٥) الإيصاء في اللغة: الإيصال،

стр. 2465

ويقال: أَوْصَيْتُ له بشيء، ووَصَّيْتُ إليه: إذا جعلته وَصِيَّكَ (١)، والاسمُ: الوَصَايَةُ، والوِصايَةُ (٢)، (٣) وتَوَاصَى القومُ: أي: أَوْصَى بعضُهم بعضًا (٤). وقد اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ﴾ [النساء: ١١]، فقيل: معناه (٥): يوصل؛ أي (٦): يقولُ لكم قولًا يوصلكم إلى إيفاء (٧) حقوقِ أولادكم بعدَ موتكم. وقال الزجَّاج: معناه: يفرضُ عليكم؛ لأن الوصيةَ من اللَّه -تعالى- فرضٌ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فهذا من الفرض المحتَّم علينا (٨). وقال غيره: يَعْهَدُ إليكم (٩)، ويَأْمُركم (١٠). وكأن هذا راجعٌ إلى قول الزجَّاج، واللَّه أعلم.

стр. 2466

وهذا الحديثُ محمولٌ عند عامّة العلماء (١) على الندب (٢) والتخصيص. وقال أهل الظاهر: هو على الوجوب؛ لقوله ﵊: "ما حَقُّ امرىءٍ مسلمٍ"، ومعناه عند الجمهور: لا ينبغي، لا أنه حَقٌّ عليه، وإنما هو حق (٣)، لا سيما على رواية: "يُريدُ أَنْ يُوصِيَ"، فصرفُ ذلك إلى إرادته دليلٌ على عدم الإيجاب، إلا لمن عليه تباعات (٤) من حقوق اللَّه تعالى، أو حقوق الآدميين، فهذا يجبُ عليه الإِشهادُ. وقال بعضهم: إنما تجبُ الوصية فيما له بالٌ، وجرتِ العادةُ فيه بالإشهاد من حقوق الناس، وأما (٥) اليسير من ذلك، وما يجري بين الناس من المعاملات، فلو تكلف الإنسانُ الوصيةَ به كلَّ يوم وكلِّ ليلة، مع تجدده، لكُلِّفَ (٦) شَطَطًا. وقال (٧): الحديثُ على العموم في المريض، والصحيح، وخصَّهُ بعضُهم بالمريض.

стр. 2467

ومعنى قوله ﵊ عند العلماء: "مكتوبة"؛ أي: مشهودٌ عليه فيها، وأما لو (١) لم يكن إشهادٌ، لم يمضِ (٢). ع (٣): ومعناه: إذا كتبها (٤)، ليشهدْ فيها، وأما لو كتبها بخطِّه، وقال: إذا متُّ، فلينفذْ ما كتبتهُ بخطِّي، فلينفذْ ذلك إذا عُلِمَ أنه خَطُّهُ، كما لو أشهدَ (٥). فائدة: قال مالكٌ ﵀: ومن كتبَ وصيتَه، فليقدِّمْ ذِكْرَ التشُّهِد قبلَ الوصية، وكذلك فعل -أيضًا-، قال: وما زال ذلك (٦) من عملِ الناسِ بالمدينة، وإنه ليعجبني، وأراه حسَنًا. قال أشهب: وقال -أيضًا- (٧): كلُّ ذلك حسن، تشهَّدُ (٨)، أو لم يتشهَّدْ، قد (٩) شهدنا بذلك (١٠) رجالًا (١١) صالحين، وقد ترك ذلك بعضُ الناس، وذلك قليل.

стр. 2468

قال ابن القاسم: ولم يذكر لنا مالكٌ كيف هو مروي. وقال ابن وهب: إن أنسَ بنَ مالكٍ قال (١): كانوا (٢) يوصون أن يشهَدَ أَنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ، وأن محمَّدًا عبدُه ورسوله، وأوصى مَنْ تركَ من أهله أن يتقوا اللَّه ربَّهم، ويُصلحوا ذاتَ بَيْنِهم، إن كانوا مسلمين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيمُ بنيه ويعقوبُ ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وأوصى إن ماتَ من مرضِه ذلك؛ كذا (٣) روى أشهبُ عن مالك ﵀ في "العتبية" (٤)، و"المجموعة"، و"كتاب محمد" (٥). وظاهرُ الحديث دليلٌ للمالكيةِ في العملِ بالخَطِّ، وهو قولُه ﵊: "ووَصِيَّتُه مكتوبةٌ عندَه"، ولم يذكرْ أمرًا زائدًا (٦) عليهِ، والمخالفون يقولون: إن المراد: وصيته (٧) بشروطها، ويأخذون الشرطَ (٨) من خارج.

стр. 2469

وقد قال بالعمل بالخط الإمامُ محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ من الشافعية من غيرِ إشهادٍ؛ لظاهرِ الحديث، على ما نقله ح (١) (٢). وفي الحديث: دليل على فضلِ ابنِ عمرَ ﵄، وعِظَمِ امتثالِه بأوامرِ الشرع، ومبادرته إليها (٣)، ومواظبتِهِ عليها، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2470

الحديث الثاني ٢٨٩ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ (١) حَجَّةِ الوَداع، مِنْ وَجَع اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ مَاَ تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُني إِلَّا ابْنَةٌ، أفأتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: "لا"، قُلتُ: فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لا"، قُلْتُ: فالثُّلُثُ؟ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثير، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرثَتَكَ أَغْنِياءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهم عَالَةً تتكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِها وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا أُجرتَ عَلَيْها (٢)، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي (٣) امْرَأَتِك"، قَالَ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ فَقَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فتغمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حتَّى يَنْتفِعَ بِكَ أَقْوامٌ، ويُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأِصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِم، لَكِنِ (٤)

стр. 2471

البَائِسُ سعدُ بْنُ خَوْلَة" يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ (١).

стр. 2472

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: "جاءني رسولُ اللَّه ﷺ يعودُني"، وفي رواية: "عادَني من وجعٍ أَشْفَيْتُ (١) منهُ على الموتِ" (٢): فيه: استحبابُ عيادةِ الإمامِ أصحابَه، وتفقدِ أحوالِهم؛ كما هو مستحبٌّ لآحاد الناس (٣). الثاني: في "كتاب ابن الحربي": الوَجَعُ: اسمٌ لكل مرض. ومعنى أَشْفَيْتُ: قارَبْتُ، يقال: أَشْفَى على كذا، وأَشافَ عليه، قالوا: ولا يُقال أشفى إِلَّا في الشَّرِّ، بخلاف أَشْرَفَ، وقارَبَ، ونحوِ ذلك. فيه: جوازُ ذكرِ المريضِ شدةَ الوجعِ (٤) لا على سبيلِ السُّخْط، بل لمداواةٍ، أو دُعَاءٍ صالحٍ، أو وصيةٍ، أو استفتاءٍ عن حاله. الثالث: قوله: "وأنا ذو مال" دليلٌ على (٥) إِباحةِ جمعِ المال؛ إذ هذه (٦) الصيغة لا تُطلق عرفًا (٧) إلا على المال الكثير، ومثله؛ ذو علم،

стр. 2473

وذو شجاعة، وما أشبَه ذلك، وقد جاء ذلك مبينًا في رواية أخرى: إِن لي مالًا كثيرًا. الرابع: قوله: "ولا يرثُني إلا ابنةٌ": ع: أي: لا يرثُني من الولد مَنْ (١) يعزُّ عليَّ تركُه عَالةً، وإلا، فقد كان له ورثةٌ وعَصَبَة. وقيل: يحتمل أنه أراد: لا يرثني ممن له نصيبٌ معلوم. وقد يحتمل أنه لا يرثُني من النساء إلا ابنةٌ (٢) لي. وقيل: يحتمل أنه استكثر لها نصفَ تركته، أو ظنَّ أنها تنفردُ بجميع المال، أو على عادة العرب من أنها لا تعدّ المالَ للنساء، إنما كانت تَعُدُّه للرجال (٣). قلت: وفي هذه الأقوال كلِّها عندي نظر، بل (٤) ضعفٌ، والذي يتوجَّه، بل يتعيَّنُ (٥): أَنَّ هذا الحديث فيه عَلَمٌ من أعلام النبوة، ومعجزةٌ من معجزاته ﷺ ، كان سعدًا ﵁ حين محاورته (٦) للنبيِّ ﷺ لم يكن له حينئذ إلا ابنةٌ واحدة، وإنما قال له النبيُّ ﷺ : "إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرثَتَكَ أَغْنِيَاءَ"

стр. 2474

بلفظ الجمع؛ اطلاعًا منه ﵊ على أنه سيكون لى في المستقبل أولادٌ، غير هذه الابنة، وكان كما قيل (١) ﷺ ، قيل: إنه وُلد له بعد ذلك أربعةُ بنين، (٢) لم يحضرني الآن أسماؤهم (٣)، ولعل اللَّه يفتَحُ بمعرفتهم، فأَلحقهم في هذا الموضع (٤)، وهذا كقوله (٥) ﵊ له (٦): "حتى ينتفعَ بكَ أقوامٌ، ويُضَرّ بك آخرون"، فكان (٧) كما قال على ما سيأتي. الخامس: قوله: أفأَتَصَدَّقُ (٨) بثلثي مالي إلى قوله: "والثلث (٩) كثير": الرواية المشهورة: كثير -بالمثلثة- ووقع في رواية: بالموحَّدة،

стр. 2475

وكلاهما صحيح، ويجوز في (الثلث) الأول الرفعُ، على أنه فاعل (١) لفعل مقدر، أي: يكفيك الثلث، أو على أنه مبتدأ محذوفُ الخبر، أي: الثلثُ كاف، أو خبر، والمبتدأ محذوفٌ؛ أي: المشروعُ الثلثُ، ونحو ذلك من التقديرات، ويجوز النصبُ على الإغراء، أي: دونَك (٢) الثُّلُثَ، أو على تقديرِ فعلٍ؛ أي: أخرجِ الثلثَ، أو أعطِ الثلثَ، ونحو ذلك. ع: وبالوجهين ضبطنا هذا الحرفَ. قال الإمام: جمهورُ العلماءِ على أن للمريضِ أن يوصي بثلثه، تعلُّقًا بهذا الحديث، وذكرَ مسلمٌ عن ابنِ عباسٍ، قال: "لو أَنَّ الناسَ غَضُّوا من الثلُث إلى الربع؛ فإن النبيَّ ﷺ قال: "الثلثُ، والثلثُ كثيرٌ" (٣). قال الخطابي: وقد زعم بعضُ أهل العلم (٤) أن الثلثَ إنما هو لمن ليس له وارثٌ يستوفي (٥) تركتَه، وفي قوله: "والثلثُ كثيرٌ" دليلٌ على أنه لا يجوزُ له مجاوزتُه، ولا يوصي بأكثرَ من الثلث، سواء كان له ورثةٌ، أو لم يكن، وقد زعم قوم أنه إذا لم يكن له ورثةٌ، وضع جميعَ

стр. 2476

ماله حيثُ (١) شاء، وإليه ذهب إسحاقُ بنُ راهويْه، وقد روي ذلك عن ابن مسعود. وقد اختلف أهلُ العلم في جواز الوصية بالثلث، فذهب بعضُهم إلى أن في قوله ﵊: "والثلثُ كثير" منعًا من الوصية بالثلث (٢)، فإن الواجبَ أن يقتصر عليه (٣)، وأن لا يبلغَ بوصيته تمامَ الثلث، وروي عن ابن عباس أنه قال: الثلثُ حَيْف، والربعُ جَيْف" (٤). وعن الحسنِ البصري: أنه قال: يوصي بالسُّدُسِ، أو بالخُمُسِ، أو بالرُّبُعِ. وقال إسحاق: السُّنَّة في الربع، لما قال (٥) النبيُّ ﷺ : "والثلثُ كثيرٌ"، إلا أن يكون رجلٌ يعرف في ماله شُبُهات، فله استغراقُ الثلث. وقال الشافعي: إذا ترك ورَثَتَه أغنياءَ، أَسْتَحِبُّ له أن يستوعبَ الثلُثَ، وإذا لم يَدَعهم أغنياءَ، اخترتُ له أن لا يستوعبه (٦). ورأيتُ في بعضِ الحواشي ما نصُّهُ: وفي "بغية الحكام": قال القاضي

стр. 2477

أبو الحسنُ (١) بنُ عبدِ اللَّه: وصيةُ المريضِ (٢) على خمسةِ أقسام: واجبة، ومستحبة، ومباحة، ومكروهة، وممنوعة. فإن (٣) كانت تباعات للَّه تعالى؛ من زكاة، أو كفارةِ يمينٍ، وما أشبة ذلك، مما فَرَّطَ فيه، أو لم يُفَرِّطْ، أو لآدميٍّ، من بيع، أو (٤) قرضٍ، أو وَدِيعةٍ، لم يقدم فيها الإشهاد بها (٥)، كانت واجبةً؛ لأن تركَ الإشهاد (٦) يؤدِّي إلى تلفِ ذلك على أربابه. وإنما رَضُوا بتركِ الإشهادِ مع صِحَّةِ رجاءِ السَّلامة، وما سوى هذا القِسْم، فهو راجعٌ إلى ما يتطوع به الموصي. وإن كانت الوصيةُ تتعلق بها قربةٌ (٧) للَّه تعالى، ولا تُضِرُّ (٨) بالورثة؛ إذ (٩) يضر (١٠) بهم لقلة المال، وكان ما يُرجى فيها (١١) من الأجر أعظمَ من التركِ للورثة، كانت مستحبةً.

стр. 2478

وإن (١) كان ما يرجى من الترك أعظمَ أجرًا، كانت مكروهةً. وإن تقاربا، كانت مباحةً. وإن كان يتعلق بها معصية (٢)، كانت ممنوعةً. ع (٣): أجمع العلماء على أن مَنْ مات وله ورثةٌ، فليس له أن يوصيَ بجميع مالِه، إلا شيئًا روي عن بعض السلف أجمعَ الناسُ بعدُ على خلافه، وجمهورُهم: على أنه لا يوصي بجميع ماله، كان لم يكن له (٤) وارثٌ. وذهب أبو حنيفة، وإسحاقُ، وأحمدُ في أحد قوليه: لإجازة ذلك، وروي عن بعض سلف (٥) الكوفيين، وعن علي، وابن مسعود. قال: وظاهر قوله: "أفأتصدقُ بثلثَي مالي" يحتمل (٦) تثليثه في مرضه (٧)، أو الوصية به بعد موته، وهما (٨) عند عامة فقهاء الأمصار سواء، لا يجوز من ذلك إلا الثلث، قبض، أم لا. وشذَّ أهلُ الظاهر، فأجازوا فعلَ المريض كلَّه في ماله، وجعلوه

стр. 2479

كالصحيح (١)، وحديث مبتل ستة الأَعْبُد في مرضه (٢)، وردّ النبيّ ﷺ أمرَهم إلى الثلث حجةٌ للكافة (٣)، مع عموم ظاهر حديث سعد، واحتماله الوجهين. وأجمعوا على جواز الوصية بأكثرَ من الثلث إذا أجازَ ذلكَ الورثةُ، ومنعَ ذلك أهلُ الظاهر، وإن أجازوها. وفي الحديث (٤): أن صِلَةَ مَنْ قَرُبَ، أفضلُ من [صِلَةِ] من (٥) بَعُد. واستدلَّ بهذا الحديث مَنْ يُفَضّلُ الغِنَى؛ إذ جعلَ فيه النبيُّ ﷺ خيرًا للورثة، أو للموصي، ولو كان بخلافِ ذلك، لكان شَرًّا لهم (٦). قلت: هذا غيرُ مُسَلَّم؛ لأن (خيرًا) هنا أفعلُ مِنْ (٧)، وهي (٨) تقتضي المشاركَة والتفضيلَ في الأمر العامِّ، فلا يلزمُ من نفي الأخيرية نفيُ الخيريّة، فلا يقال: ولو كان بخلاف (٩) ذلك، لكان شرًا لهم؛ لما تقرر. السادسُ: قوله ﵊: "إنك أَنْ تذرَ وَرَثَتَكَ أغنياءَ خيرٌ مِنْ أَنْ تذَرَهُم عالةً يتكَفَّفون النَّاسَ".

стр. 2480

ع (١): رويناه بفتح الهمزة، وكسرها، وكلاهما صحيح، فالفتحُ (٢) على تقدير: إنك وتركَكَ (٣) ورثتكَ أغنياء، والكسرُ على الشرط (٤). قلت: الكسْرُ هنا ضعيفٌ، أو باطل؛ إذ لا جوابَ له في الحديث؛ لأن (خير) لا يصحُّ أن يكون جوابًا للشرط؛ لأن جوابَ الشرط حَصَرَه النحاةُ في ثلاثة أشياء، وهي: الفعل، والفاء، وإذا، و (خيرٌ) ليس واحدًا منها، إلا أن يُحمل على وجه بعد مستنكر (٥) يتحاشى عنه الحديثُ، وهو أن يكون قدر حذف الفاء الجوابية مع المبتدأ، أو جعل (خير) خبرًا للمبتدأ المحذوف، ويكون التقدير: إنك إِن تذز ورثتك أغنياءَ، فهو خيرٌ من أن تذرَهم عالةً، وعلى هذا قول (٦) الشاعر: [الكامل] أأُبَيُّ لَا تَبْعَد وَلَيْسَ (٧) بِخَالِدٍ ... حَيٌّ وَمَنْ تُصِبِ الْمَنُونُ بَعِيدُ أي: فهو بعيدٌ، وهذا بابُه الشعر دون الكلام، فلا يليق حملُ الحديث عليه، واللَّه الموفق. و"العالةُ": الفقراء، والفعلُ منه عَالَ يَعِيلُ: إذا افتقرَ (٨).

стр. 2481

ومعنى "يتكففون الناس": يسألون الصدقةَ بأكُفِّهم، وهو من الألفاظ الوَجيزةِ الجزلةِ (١). السَّابع: قوله ﵊: "إنكَ لَنْ تنفقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ اللَّه، إلَّا أُجرتَ عليها، حتى ما تجعلُ في في (٢) امرأتِك". فيه: دليلٌ على توقُّف ثواب (٣) الإنفاق على صحة القصد، وأن الأعمال بالنيات، فحديثه ﵊ يصدِّقُ بعضُه بعضًا. وفيه: أن المباحَ إذا قُصد به الخيرُ، أُثيب عليه، وانتقلَ عن كونه مباحًا؛ فإن زوجة الإنسان هي من أخصِّ حظوظِه الدنيوية، وشهواتِه، وملاذِّه المباحة، وإذا وضعَ اللقمة في فيها، فإنما يكون ذلك في العادة عندَ الملاعبة، والملاطفة، والتلذُّذِ بالمباح، فهذه الحالةُ أبعدُ الأشياء عن الطاعة، وأمورِ الآخرة، ومع هذا أخبرَ ﷺ أنه إذا قصدَ بهذه اللقمة وجهَ اللَّه تعالى، حصلَ له الأجرُ بذلك، فغيرُ هذه الحالة أولى بحصولِ الأجر إذا أراد (٤) به وجهَ اللَّه تعالى، كالأكلِ بِنِيَّةِ التَّقوِّي على العبادة، والنومِ للاستراحة ليقومَ نشيطًا للتهجُّد ودَرْسِ العلم، ونحوِ ذلك، والاستمتاعِ بزوجتِه، أو جاريته ليكفَّ نفسَه وبصرَه عن المحرَّمات،

стр. 2482

وليقضيَ حقَّها، أو ليحصِّلَ ولدًا صالحًا، وهذا معنى قوله ﷺ : "وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" (١). الثامن: قوله: "قلتُ: يا رسولَ اللَّه! أُخَلَّف عن أصحابي؟ " إلى قوله: "ورفعةً"؛ أي: أُخلف بمكةَ بعدَ أصحابي؟ كأنه أشفقَ من موته بمكةَ بعدَ أن هاجرَ منها وتركَها للَّه تعالى، فخشي أن يقدحَ ذلك في هجرته. ويحتمل أن يكون خشيَ بقاءه بمكة بعدَ انصراف النبيِّ ﷺ وأصحابهِ إلى المدينة، وتخلفه عنهم (٢) لأجل مرضِه، وكانوا يكرهون الرجوعَ فيما تركوه للَّه تعالى. ويحتمل أن يكون سألَ عن طولِ عمره وبقائِه بعد أصحابه، وهو (٣) الظاهرُ، وقد جاء في رواية مُبسنًا: "إِنَّكَ [لن] تُخَلَّفَ بعدِي" (٤)، واللَّه أعلم. وقوله: "إِنَّكَ لن (٥) تخلَّفْ، فتعمَلَ عملًا" إلى آخره. فيه: ما تقدَّم من اعتبارِ النيات في الأعمال.

стр. 2483

التاسع: قوله ﵊: "ولَعَلَّكَ (١) أن تخلَّفَ" إلى قوله: "على أعقابهم": قيل: إن هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة، ومعجزةٌ من معجزاته ﵊، فإنه إخبارٌ وقعَ قطعًا، فإن سعدًا عاشَ بعد ذلك نيفًا على أربعين سَنةً، وفتح العراقَ (٢) وغيرَهُ، وانتفع به أقوامٌ في دينهم ودنياهم، وتضرَّرَ به الكفار في دينهم ودنياهم، فإنهم قُتلوا إلى جهنم، وسُبِيَتْ نساؤهم وأولادُهم، وغُنِمَتْ أولادُهم وديارُهم وأموالُهم (٣)، وانتفعَ به المسلمون، وولي العراقَ، فاهتدى على يديه خلائقُ، وتَضَرَّرَ به خلائقُ ممن استحقَّ الضرر. وقوله ﵊: "اللهمَّ أَمْضِ لأصحابي هجرتَهم، ولا تردَّهم على أعقابهم"؛ أي: أَتِمَّهَا لهم، ولا تُبْطِلْها، ولا تردَّهم على أعقابهم بتركِ هجرتهم، ورجوعِهم من مستقيمِ حالهم، فيخيبَ قصدُهم، ويسوءَ حالُهم. تقول العرب: رَجَعَ فلانٌ على عَقِبه: إذا رجعَ خائِبًا. العاشر: قوله ﵊: "لكنِ البائسُ سَعدُ بنُ خولة": قيل: البائسُ: الذي عليه أثرُ البؤس. واختلف في قوله: "يرثي له رسول اللَّه ﷺ "، هل هو من كلامه

стр. 2484

-﵊، أو من كلامِ غيره؟ ع: قالَ أهل الحديث: انتهى كلامُ النبي ﷺ في قوله: "لكنِ البائسُ سعدُ بنُ خولة"، ثم ذكر الحاكي هذا علةً لقولِ النبيِّ ﷺ فيه هذا وسببه (١)، وأن ذلك رثاء له، وتوجُّع عليه لموته بمكةَ (٢)، فقائلُ هذا الكلام هو سعدُ بن أبي وقاصٍ، وكذا جاء في بعض الطرق، وأكثرُ ما جاء: أنه من قولِ الزهريِّ. ويحتمل أن يكون قولُه: "أن (٣) ماتَ بمكةَ" من قولِ النبيِّ ﷺ ، ومن قولِ غيرِه: يرثي له رسولُ اللَّه ﷺ فقط تفسيرٌ لمعنى (٤) قوله: "البائسُ"؛ إذ قد روي في حديث آخر: "لَكِنَّ سعدَ بْنَ خَوْلَةَ البَائِسَ قَدْ مَاتَ في الأَرْضِ الَّتِي قَدْ هَاجَرَ مِنها" (٥) (٦). قال (٧): واختُلف في قصة سعدِ بنِ خولةَ، فقيل: (٨) لم يهاجرْ من

стр. 2485

مكة حتى ماتَ، ذكره ابنُ مزين (١) وقاله (٢) عيسى بنُ دينار. وذكرَ البخاريُّ أنه هاجرَ، وشهدَ بدرًا، ثم انصرفَ إلى مكةَ، وماتَ بها. وقال ابنُ هشام: إنه هاجرَ إلى الحبشةِ الهجرةَ الثانيةَ، وشهدَ بدرًا وغيرَها، وتُوفي بمكة، في حجةِ الوداع سنةَ عشرٍ، وقيل: تُوفي بها سنةَ سبعٍ في الهُدْنة، خرجَ مختارًا من المدينة إلى مكةَ. فعلى هذا، وعلى قول عيسى: سببُ بؤسِه سقوطُ هجرته؛ لرجوعه مختارًا، وموتِه بها. وعلى قول الآخرين: سببُ بؤسِه موتُه بمكةَ، على أيِّ حالٍ كان (٣) كان لم يكنْ باختياره؛ لما فاته من الأجر والثوابِ الكامل بالموتِ في دار هجرته والغربةِ عن وطنه الذي هجرَهُ للَّه تعالى. ع (٤): وقد روي في هذا الحديث: أن النبيَّ ﷺ خَلَّفَ مع سعدِ ابنِ أبي وقاصٍ رجلًا، وقال له: "إِنْ تُوُفِّيَ (٥) بِمَكَّةَ، فَلَا تَدْفِنْهُ بها" (٦). وقد ذكر مسلم في الرواية الأخرى: أنه كان يكره أن يموتَ في

стр. 2486

الأرضِ التي هاجرَ منها، وفي رواية أخرى لمسلم: قال سعد بن أبي وقاص: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها (١) كما مات سعدُ ابنُ خولة (٢). وسعدُ بنُ خولةَ (٣) هذا زوجُ سُبيعةَ الأسلميَّةِ. وفي حديث سَعْد: جوازُ تخصيصِ عمومِ الوصيةِ المذكورةِ في القرآن بالسُّنَّةِ، وهو قولُ جمهورِ أهلِ الأصول، وهو الصحيحُ، واللَّه أعلم (٤) (٥). * * *

стр. 2487

الحديث الثالث (١) ٢٩٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" (٢). * * * كأنَّ ابنَ عباس ﵁ اعتبرَ قولَه ﵊: "كثيرٌ"،

стр. 2488

وإن كان ﵊ قد أَقَرَّ على الثُّلث، وأشار لفظُه إلى الوصيةِ به، لا جرمَ أن ابنَ عباس ﵁ أتى بصيغة ضعيفةٍ بالنسبة إلى طلبِ الغضِّ من الثُّلث، وهو قوله: لو أَنَّ الناسَ غَضُّوا من الثلث، واللَّه أعلم (١) (٢). * * *

стр. 2489

باب الفرائض الحديث الأول ٢٩١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَباسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "أَلْحِقُوا الفَرائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ، فَهُوَ لأِوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (١). وَفي رِوَايَةٍ: "اقْسِمُوا المَالَ بَيْنَ أَهْلِ الفَرائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَمَا تَرَكَتِ الفَرَائِضُ، فَلأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٢).

стр. 2490

* الشرح: قال ابنُ فارس: أصلُ الفرائض: الحدودُ، وهو من فَرَضْتُ الخشبةَ: إذا حززت فيها حَزًّا يؤثِّر فيها، وكذلك الفرائضُ (١): حدودٌ وأحكامٌ مبينةٌ، وهي عبارة عن تقدير الشيء، قال اللَّه تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]؛ أي: قدرناها (٢). والفرائضُ جمعُ فَرِيضةَ، وكأنها فَعِيلةَ (٣)، بمعنى مفعولة؛ لأنَّ اللَّه -تعالى- فَرَضَها حكمًا، والفَرَضِيُّ يفرضُها عملًا، فهي كقَتِيلَة، وكَحِيلَة من حيث إنها فَعِيلةٌ بمعنى مفعولةَ. ومعنى "ألحقوا الفرائض بأهلها": أعطُوا كلَّ ذي فرضٍ فرضَهُ المسمَّى له (٤) في (٥) كتابِ اللَّهِ -تعالى-، أو سنةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أو
следующие страницы →