← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

الأرضِ التي هاجرَ منها، وفي رواية أخرى لمسلم: قال سعد بن أبي وقاص: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها (١) كما مات سعدُ ابنُ خولة (٢). وسعدُ بنُ خولةَ (٣) هذا زوجُ سُبيعةَ الأسلميَّةِ. وفي حديث سَعْد: جوازُ تخصيصِ عمومِ الوصيةِ المذكورةِ في القرآن بالسُّنَّةِ، وهو قولُ جمهورِ أهلِ الأصول، وهو الصحيحُ، واللَّه أعلم (٤) (٥). * * *

стр. 2487

الحديث الثالث (١) ٢٩٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" (٢). * * * كأنَّ ابنَ عباس ﵁ اعتبرَ قولَه ﵊: "كثيرٌ"،

стр. 2488

وإن كان ﵊ قد أَقَرَّ على الثُّلث، وأشار لفظُه إلى الوصيةِ به، لا جرمَ أن ابنَ عباس ﵁ أتى بصيغة ضعيفةٍ بالنسبة إلى طلبِ الغضِّ من الثُّلث، وهو قوله: لو أَنَّ الناسَ غَضُّوا من الثلث، واللَّه أعلم (١) (٢). * * *

стр. 2489

باب الفرائض الحديث الأول ٢٩١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَباسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "أَلْحِقُوا الفَرائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ، فَهُوَ لأِوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (١). وَفي رِوَايَةٍ: "اقْسِمُوا المَالَ بَيْنَ أَهْلِ الفَرائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَمَا تَرَكَتِ الفَرَائِضُ، فَلأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٢).

стр. 2490

* الشرح: قال ابنُ فارس: أصلُ الفرائض: الحدودُ، وهو من فَرَضْتُ الخشبةَ: إذا حززت فيها حَزًّا يؤثِّر فيها، وكذلك الفرائضُ (١): حدودٌ وأحكامٌ مبينةٌ، وهي عبارة عن تقدير الشيء، قال اللَّه تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]؛ أي: قدرناها (٢). والفرائضُ جمعُ فَرِيضةَ، وكأنها فَعِيلةَ (٣)، بمعنى مفعولة؛ لأنَّ اللَّه -تعالى- فَرَضَها حكمًا، والفَرَضِيُّ يفرضُها عملًا، فهي كقَتِيلَة، وكَحِيلَة من حيث إنها فَعِيلةٌ بمعنى مفعولةَ. ومعنى "ألحقوا الفرائض بأهلها": أعطُوا كلَّ ذي فرضٍ فرضَهُ المسمَّى له (٤) في (٥) كتابِ اللَّهِ -تعالى-، أو سنةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أو

стр. 2491

ما أجمع عليه، ونحو ذلك. (١) ع (٢): ووقع عندَ ابنِ (٣) الحذَّاءِ عن ابنِ ماهانَ: "فلأَدْنىَ رَجُلٍ ذَكَرٍ"، وهو تفسيرُ أَوْلى، أي: أقرب، وأقعد (٤) بالميت (٥). قلت: وقد اشتُهر استشكالُ قولِه ﵊: "فلأَوْلى رجلٍ ذكرٍ"؛ إذ الرجلُ لا يكونُ إلا ذكرًا، فما فائدةُ ذكرِه، والتوكيدُ إنما يحسُنُ إذا كان يفيدُ؟ وقد اختلفت (٦) أجوبةُ الناسِ عن هذا الإشكالِ، فقالَ بعضُهُم: تحرز به عن الخنثى، واستُضْعف. وقال آخرون: لما علم أن الرجالَ هم أربابُ القيام بالأمور، وفيهم معنى التعصيب، وكانت العرب ترى لهم (٧) القيامَ بأمور لا تراها للنساء، ذكر ﵊ الذكوريةَ؛ ليجعلها كالعلَّة التي لأجلها خص بذلك، تنبيهًا على فضيلتها.

стр. 2492

قلت: وهذا كلُّه على أن (١) (ذَكَرٍ) نعتٌ لرجلٍ، وهو المتبادَرُ إلى الذهن، وأَبى (٢) ذلك السُّهيليُّ رحمه اللَّه تعالى، وقال: لا يصحُّ ذلك لثلاثة أوجه: أحدها: عدمُ الفائدة، ويجلُّ رسولُ اللَّه ﷺ عن أن يتكلَّمَ بما هو حشوٌ في الكلام، ليس فيه فائدةٌ، ولا تحته فقهٌ، ولا يتعلَّق به حُكمٌ. والوجه الثاني: أنه لو كان كما تأولوه، لنقصَ فقهُ الحديث، ولم يكن فيه بيان لحكم الطفلِ الرضيعِ الذي ليسَ برجُل، وقد (٣) عُلم أن الميراثَ يجبُ (٤) للأقعد (٥)، كان كان ابنَ ساعةٍ، ولا يقال في عُرف (٦) اللغة رجلٌ إلا للبالغ، فما فائدةُ تخصيصِه بالبالغِ دونَ الصغير؟ و (٧) الوجْهُ الثالث: أن الحديث إنما ورد لبيان من (٨) يجبُ له الميراثُ من القرابة بعدَ أصحاب السِّهام، فلو كان كما تأولوه، لم يكن فيه بيانٌ لقرابة الأم، والتفرقةُ بينهم وبين قرابة الأب، فبقي (٩) الحديثُ

стр. 2493

مجمَلًا، لا يفيد (١) بيانًا، وإنما بعث ﵇ ليبين للناس ما نزل إليهم. قال: فإذا ثبت هذا (٢) فلنذكر معنى الحديث، ولنعطفْ على موضع الإشكال منه، ومنشأ الغلط فيه، بعون اللَّه تعالى، فنقول: قوله ﵊: "أَوْلى رجلٍ ذكرٍ" يريدُ: القريبَ الذي قرابتُه من قِبَلِ رجلٍ (٣) وصُلبٍ، لا من قِبَل (٤) بطنٍ ورحم، فـ (أولى) بها (٥) هنا هو أولى الميت، فهو مضافٌ إليه في المعنى دونَ اللفظ؛ إضافةً النسَب (٦)، وهو في اللفظ مضافٌ إلى النسب، وهو الصُّلب، وعبّر عن الصلب بقوله: "أَوْلَى رجلٍ ذكرٍ"؛ لأن الصُّلب لا يكون ولدًا (٧)، ولا سببًا (٨) حتى يكون رجلًا. وأفاد (٩) قوله: "لأولى رجل" نفي الميراث عن الأولى الذي هو من قِبَلِ الأُم؛ كالخالِ ونحوِه؛ لأنَّ الخالَ أولى الميت، ولاية (١٠) بطن،

стр. 2494

لا ولايةُ صُلب، وأفاد بقوله: "ذكرٍ" نفيَ الميراث عن النساء، وإن كان من الأولَيْنَ بالميت من قِبَلِ صُلب؛ لأنهنَّ إناثٌ، فـ (ذكرٍ) نعتٌ لأوْلَى (١)، وإن كان مخفوضًا في اللفظ يحسب أنه نعتٌ لرجلٍ. ولو قلت: من يرثُ هذا الميتَ بعدَ ذوي السهام؟ لوجبَ أن يُقال لك (٢): يرثُه أولى (٣) رجلٍ ذكرٌ -بالرفع-، لأنه نعت لفاعل، ولو قلت: من يُعطى المالَ؟ لقيلَ لك: أعطِه أَوْلى رجلٍ ذَكَرًا -بالنصب-؛ لأنه نعت لأَوْلى، فمن هاهنا دخلَ الإشكال. ثم بسطَ الكلامَ بعدَ ذلك بعضَ بسْط (٤)، أضربْنا عن ذكره خشيةَ الإطالة، وقد استوفيته في "الكوكب الوهّاج في شرح المنهاج" في علم الفرائض، واللَّه الموفق. والحديثُ نصٌّ في تبديةِ أهلِ السهامِ على العَصَبَة، والحكمةُ في ذلك (٥): أنه لو ابتُدىءَ بالعصبةِ، لاستغرقوا المالَ، وسقطَ ذَوو الفروض (٦). فإن قلتَ: الحديثُ يقتضي اشتراطَ الذكورةِ في العُصوبة

стр. 2495

المستحقة للباقي بعدَ ذوي الفروض، (١) وقد ثبت في حديث أبي موسى الأشعريِّ ﵁ ما يدلُّ على أن الأخواتِ عصبةُ البنات؛ حيث حكى عنه ﵊: أنه أعطى البنتَ النصفَ، وبنتَ الابنِ السدسَ، والأختَ (٢) ما بقي (٣). قلتُ: أُجيب عن ذلك بأن هذا من طريق المفهوم، وأقصى درجاته أن يكون له عمومٌ فيخصُّ (٤) بالحديثِ الدالِّ على ذلك الحكم -أعني: حديثَ أبي موسى المتقدم-، قاله في (٥)، واللَّه أعلم (٦). * * *

стр. 2496

الحديث الثاني ٢٩٢ - عَنْ أُسَامَةُ بْنِ زيدٍ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَنْزِلُ غَدًا فِي دارِكَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: "وَهلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ؟! "، ثم قَالَ: "لَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ، وَلَا المُسْلِمُ الكَافِرَ" (١).

стр. 2497

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: في الحديث: دليلٌ على استخبارِ (١) الإمامِ بعضَ رعاياه

стр. 2498

عن أمر يقعُ (١) في المستقبل، و (هل) (٢) هنا بمعنى النفي (٣)؛ أي: ما تركَ لنا عقيلٌ من دار. قال أهل العربية: إن لها أقسامًا أربعة: استفهامية: وهو (٤) أصلُ وضعها. وبمعنى قد: مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]. ويمعنى النهي (٥): نحو قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ أي: انتهوا. وبمعنى النفي: كما هو في الحديث، كما تقدم. الثاني: قوله ﵊: "هل تركَ لنا عقيلٌ من رباع؟ "، سببه: أن أبا طالب لما تُوفي لم يرثه عليٌّ، ولا جعفرٌ، وورثه عقيلٌ، وطالبٌ؛ لأن عليًا وجعفرًا كانا مسلمين حينئذ، فلم يرثا أبا طالبٍ. وقد تعلق بهذا الحديث في مسألة دور مكة، هل يجوزُ بيعُها أم لا؟

стр. 2499

الثالث: قوله ﵊: "لا يرثُ الكافرُ المسلمَ، ولا المسلمُ الكافرَ": اتفق المسلمون على أن معناه: لا يتوارثون ميراثَ أهلِ الإسلام بعضِهم من بعض (١)، وأما لو مات عبدُ المسلمِ الكافرُ، لكان مالُه لسيدِه المسلمِ، لا بالميراث، بل لأنه مالُه؛ لأن مالَ عبده مالُه، إن شاء تركَه بيدِ عبده (٢)، وإن شاء انتزعَه، فإذا مات العبدُ، بقي المالُ للسيدِ، وكذا لو أعتقه، ثم مات على كفره، لم يرثْه؛ لأن ميراثَه لجماعةِ المسلمين. ولا خلافَ في هذه الجملة، إلا ما أجازه بعضُ السلفِ من ميراث المسلم الكافرَ، بخلاف العكس، وكأن هذا الحديث لم يبلغهم (٣)، وجاء -أيضًا- في "الصحيح": "لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى" (٤) (٥). وممن قال بتوريث المسلمِ من الكافرِ: معاذٌ، ومعاويةُ، وابنُ المسيب، ومسروقٌ، وغيرُهم.

стр. 2500

وروي عن أبي الدرداء، والشعبي، والزهري، والنخعي، نحوُه، على اختلاف عنهم في ذلك. قال الإمام: والصحيحُ عن هؤلاء خلافُه. وحجةُ هؤلاء: أن أخوين اختصما إلى يحيى بن معمر؛ مسلمًا ويهوديًا في ميراث أخ لهما يهوديٍّ، فورَّث المسلمَ، وذكر أن معاذَ بنَ جبل قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "الإسلام يزيد ولا ينقص" (١)، واحتجوا -أيضا- بقوله ﵇: (٢) "الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ" (٣)، وهذا لا حجةَ فيه؛ لأن المراد به (٤): فضلُ الإسلام على غيره، ولم يصرح في

стр. 2501

هذا (١) بإثبات التوريث، ولا يصح أن يُرَدَّ النصّ من قوله ﵊: "لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ" بمثل هذه الاحتمالات (٢). قال السهيلي: ومن جهة المعنى: إنَّ الكافر قطعَ ما بينه وبينَ اللَّه -تعالى- بكفره، فقُطع ما بينه وبين أوليائه، وهم المؤمنون (٣)، ولأن الميراث أصلُه المعاضدةُ والمناصرة، ولا مناصرةَ بين الكفار والمسلمين، بل هم أشدُّ الأعداء لهم (٤). قلت: لا سيما اليهود (٥)، ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢]، فاستحال من حيث المعنى توارثُهم بعضِهم من بعض. ولتعلمْ: أن مذهب مالك ﵀: أن أهلَ الكفر أصحابُ مللٍ مختلفة، فلا يرث عنده اليهوديُّ من النصراني، ولا العكسُ، وكذلك المجوسيُّ لا يرثُ هذين، ولا يرثانه. وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وداود: الكفرُ كلُّه ملةٌ واحدة، وإن الكفار يتوارثون، فالكافر يرثُ عندَهم الكافرَ (٦)، على (٧) أيِّ كفرٍ كان.

стр. 2502

وكأن منشأ الخلاف بين العلماء (١): قولُه ﵊: "لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى (٢) " (٣)، فلما اعتقدَ مالكٌ أن مللَ الكفر مختلفةٌ، منع التوارثَ من اليهودي والنصراني، وقال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا نرثُ (٤) أهلَ الملل، ولا يرثونا (٥)، فسمّاهم مللًا. ولما اعتقد الشافعيُّ ومن ذُكر معه: أن أنواع الكفر ملةٌ واحدة، وَرَّثَ اليهوديَّ من النصراني، والعكس، وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، فوحّد الملةَ، وقال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، فوحَّد الدين، ولم يقل: أديانكم. وقالوا: قوله ﷺ : "لا يتوارثُ أهلُ مِلَّتينِ شتَّى (٦) " هو كقوله ﷺ : "لا يرثُ الكافرُ المسلم، ولا المسلمُ الكافرَ". ع: وقد قال بعض مَنْ رأى أَنَّ الكفر مللٌ مختلفة: إن السامرة من اليهود أهلُ (٧) ملة واحدة، والصابئين مع النصارى أهلُ ملة ثانية،

стр. 2503

والمجوس ومَنْ لا كتابَ لهم (١) ملةٌ ثالثة (٢)، وتكون هذه عندهم ثلاث ملل، سوى ملة الإسلام، يُحكى هذا المذهب عن شريح، وشريك، وابن أبي ليلى (٣). ع: وقوله ﵊: "لا يرثُ المسلمُ الكافرَ" عمومٌ يدخل تحته الكافرُ الأصلي، والمرتدُّ، وهو قول مالكٍ، وربيعةَ، وابنِ أبي ليلى. وقال الشافعي: إن ميراثَ المرتدِّ لجماعةِ المسلمين. وذهب الكوفيون، والأوزاعي، وإسحاقُ (٤): إلى أن ورثته المسلمين يرثونه، وروي عن علي، وابنِ مسعود، وجماعة من السلف، إلا أن الثوري، وأبا حنيفة، قالا: ما اكتسبَ في رِدَّتِه، فهو فيءٌ للمسلمين، والآخرون يورثون الجميعَ لورثتِه المسلمين (٥). قلت: قول ع عن الشافعي: إن ميراث المرتدِّ لجماعة المسلمين، وتسميته ذلك ميراثًا؛ إما توسُّع، وإما وهمٌ، بل (٦) مذهبُ الشافعي في

стр. 2504

هذه المسألة موافقٌ لمذهبنا في أنَّ مالَ المرتد فيءٌ، وفي "الوسيط" للغزالي ﵀: المرتدُّ لا يرثُ، ولا يرثُه (١) لا قريبُه الكافرُ، ولا قريبُه المسلمُ، ولا قريبُه المرتدُّ، بل مالُه فيء، ولا فرقَ بين ما اكتسبَ بعد الردَّة، وبين ما اكتسب قبلَها، هذا نصُّ كلامه في "الوسيط" (٢). وقال ابنُ هبيرة في كتابه "إجماع الأئمة": الأئمةُ اختلفوا -يعني: الأربعة- في مال المرتد أين يُصرف، وهل يورث؟ بعد اتفاقهم على أنه لا يرثُ. فقال مالك، والشافعي، وأحمدُ في أظهر الروايات عنه: إذا قُتل المرتد، أو مات على رِدَّته، يُجعل ماله في بيت مال المسلمين (٣)، ولا يرثه ورثتُه، وسواء في ذلك ما اكتسبه في حالةِ إباحةِ دمه، أو حقنِه. وعن أحمد رواية أخرى (٤) ثانية: يكون مالُه لورثته من المسلمين. وعنه رواية أخرى: إن ميراثه يكون لورثته من أهل دينه (٥) الذين اختارهم، إذا لم يكونوا مرتدين. وقال أبو حنيفة: ما كسبه المرتدُّ في حال إسلامه يكون لورثته

стр. 2505

المسلمين، وما كسبه (١) في حال ردته يكون فيئًا، واللَّه أعلم (٢). فقد علمتَ من مجموع هذا؛ أنه لا خلافَ بيننا وبين الشافعي في مسألة المرتد، واللَّه الموفق. * * *

стр. 2506

الحديث الثالث (١) ٢٩٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (٢) عُمَر ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ بيع (٣) الوَلَاءِ وَهِبَتِهِ (٤).

стр. 2507

الولاء: -بالمد-، ليس [إلا]، وهو مشتق من الوَلْي، وهو القربُ، وهو سبب يورَثُ به، ولا يورَّثُ؛ لأنه كالنسب في أنه لا يقبل الانتقالَ -أعني: أنه حقٌّ ثبتَ بوصف-، وهو الإعتاق، ولا (١) يقبلُ النقلَ بوجه من الوجوه؛ لأن ما ثبتَ بوصف، يدوم بدوامه، ولا يستحقُّه إلا من قام به ذلك الوصفُ. قال ﷺ : "الوَلَاءُ كَلَحمَةٌ كَلَحْمَةِ النَّسَبِ" (٢) -بفتح اللام من لحمة-، فكما لا يقبل النسبُ النقلَ، فكذلك الولاءُ، فلا يصح فيه البيعُ، ولا الهبةُ، ولا الإرثُ، و (٣) هذا قول الجمهور.

стр. 2508

وفي المسألة خلف بسطناه (١) في "الكوكب الوهاج في شرح المنهاج" في الفرائض. ولتعلمْ: أن الميراث بالولاء يستحقه أقربُ الناس إلى المعتِقِ يوم يموتُ المعتِقُ، بخلاف الميراث بالنسب؛ كمن أعتق عبدًا، ومات عن ابنين، فمات أحدُهما عن ابن، ثم مات العبدُ، فإن ماله للابن خاصةً، دونَ ابنِ الابن، ولا يرثُ ما كان لأبيه، وكذلك ما أشبة هذا، واللَّه سبحانه أعلم. * * *

стр. 2509

الحديث الرابع ٢٩٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّها (١) قَالتْ: كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ: خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِها حِينَ عُتِقَتْ (٢)، وَأُهْدِيَ لَها لَحْمٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالبُرمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَاُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدمٍ مِنْ أُدْمِ البَيْتِ، فَقَالَ: "أَلَمْ أَرَ البُرْمَةَ عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْمٌ؟ "، فَقَالُوا (٣): بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ، فَقَالَ: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ". وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فيها: "إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (٤).

стр. 2510

* الشرح: قد تقدم أن حديث بَريرةَ مشتمل على فوائدَ جمَّة (١)، وأن الناس صنفوا فيه كتبًا، وقد ذكرنا منها -فيما مضى (٢) - ما تيسر ذكرُه (٣)، وقد صرح هنا بثبوت الخيار لها، وهي أَمَةٌ عتقتْ تحت عَبْد، فثبت ذلك لكل من اتصف بحالها. وفي المسألة تفاصيل مذكورة في كتب الفقه. فإن قلت: قد قال ابن عباس ﵁: أربع سنن (٤)، وزاد: وأمرَها (٥) أن تعتدَّ (٦)، وقد زاد الناسُ على ذلك أشياءَ كثيرة على ما تقدم، فكيف

стр. 2511

يكون الجمعُ بين ذلك، وبين قول عائشة: ثلاث سنن (١)؟ قلت: قولُ عائشة ﵂ لا يقتضي حصرًا، وإنما معناه: أنه سُنَّ وشُرع بسبب قضيتها، أو عندَ وقوع (٢) قضيتها كذا، فلا تنافيَ بين قولها، وقولِ من زاد على ذلك ممن صنف فيه (٣)، واللَّه أعلم. وقوله ﵊: "هو لها صدقةٌ": فيه (٤): جوازُ إعطاء الصدقات لموالي قريش. ع: فإن (٥) كانت هذه الصدقةُ تطوعًا، فقد يحتجُّ به مَنْ يرى صدقةَ التطوع جائزةً لموالي قريش، أو لجميعهم، وإن قلنا: إنها (٦) زكاةٌ واجبة، فيحتجُّ به مَنْ لا يرى تحريمَ ذلك على مواليهم، أو يرى اختصاصَ ذلك ببني هاشم، لقول عائشة: أهدته لنا بريرةُ، وأنتَ لا تأكلُ الصدقةَ، ولم يقل لها النبي ﷺ : ولا أنتِ لا تأكليها، وإنما علَّل بكونها هديةً للجمع (٧) (٨).

стр. 2512

قلت: انظر: كيف يكون اللحمُ زكاةً واجبة؟ وهل يجوز (١) لمن وجبت عليه شاةٌ مثلًا (٢) أن يذبحها ويفرِّقَها على الفقراء إذا تعذر مجيءُ الساعي إليه، أو لم يكن الإمام عدلًا، ونحو ذلك؟ فإني (٣) لم أر فيه شيئًا. ق: فيه: دليل على تبسط الإنسان (٤) في السؤال عن أحوال منزله، وما عهده فيه؛ لطلبه (٥) من أهله مثلَ ذلك (٦). قلت: النظرُ في كونه ﵊ طلبَ ما عهدَه، ولعله إنما طلبَ مما (٧) في البُرمة، وهو شيء لم يعهدْه، وهو (٨) الذي يتوجّه عندي، حتى لا يكونَ مخالفًا لحديثِ أُمِّ زَرْع: "وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ" (٩)، فلمَّا لم يُؤْتَ بشيء مما في البُرمة، سأل؛ ليبين لهم

стр. 2513

ما جهلوه من الحكم في ذلك؛ إذ قد علمَ ﵊ أنهم لا يبخلون عليه بما يعتقدون جوازَه له، فأراد ﵊ أن يبينَ لهم ما جهلوه من ذلك، واللَّه أعلم. وفيه: جوازُ الاكل مما أُهدي للفقيرِ، أو تُصُدِّقَ به عليه (١). وأمَّا قوله ﵊: "وإنما الولاءُ لمن أعتقَ"، فقد تقدم الكلامُ عليه مستوعَبًا، وباللَّه التوفيق والعصمة. * * *

стр. 2514

كِتْابُ النِّكَاحِ

стр. 2515

كِتْابُ النكاح الحديث الأول ٢٩٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ (١): قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشَّ بَابِ ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" (٢).

стр. 2516

أصلُ النكاح في اللغة: الجمع و (١) الضَّمُّ، ودخولُ الشيءِ في الشيء، تقول العرب: نكحتُ البُرَّ في الأرض: إذا حرثته فيها، ونَكَحَتِ الحصى أخفافَ (٢) الإبل، وهو يردُ في الشرع بمعنى: الوطءِ تارةً، وبمعنى: العَقْد أخرى. ع (٣): وهو أكثرُ استعماله في الشرع، قال اللَّه (٤) -تعالى-: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، قال: ويبعد أن يكون أُريد به: الوطءُ؛ إذ الوطء عمومًا منهيٌّ عنه بغير عَقْد.

стр. 2517

وقد ورد -أيضًا- بمعنى الوطء في قوله -تعالى- ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقال (١) -تعالى-: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣]، على خلاف في تأويله بين العلماء. وكذلك قيل: إنه ورد بمعنى الصَّداق في قوله -تعالى-: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]، والصحيح أن المراد هنا العقد، ومعنى ﴿لَا يَجِدُونَ﴾ [النور: ٣٣] (٢)، أي: لا يقدرون على النكاح لعسرهم. قال الفارسي: فَرقت العربُ بين الوطء والعقد فرقًا لطيفًا، فإذا قالوا: نكحَ فلانةَ، أو بنتَ (٣) فلان، أو أختَه، أرادوا: عَقَدَ عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته، أو زوجته (٤)، لم يريدوا إلا الوطءَ؛ لأن بذكر (٥) امرأته أو زوجته يُستغنى عن ذكر العقد. وقال الفراء (٦): العربُ تقول: نُكح المرأةِ -بضم النون-: بُضْعها (٧)، وهو كنايةٌ عن الفرج، فإذا قالوا: نَكَحَها، أرادوا: أصابَ نُكْحَها، وهو فَرْجُها.

стр. 2518

وقد اختلف فقهاء الشافعية في حقيقة النكاح عندَهم على ثلاثة أوجه، حكاها القاضي أبو الطيب في تعليقه: أصحها عندهم: أنه حقيقةٌ في العقد، مجازٌ في الوطء. والثاني: عكسُه، وبه قال أبو حنيفة. والثالث: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، واللَّه أعلم (١). إذا ثبت هذا، فالكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله ﵊: "يا معشرَ الشباب! ": قال أهل اللغة: المعشر: الطائفة الذين يشملهم وصف، فالشبابُ معشر، والشيوخُ معشر، والأنبياء معشر، والنساء معشر (٢)، وكذا (٣) ما أشبهه، ويجمع الشاب (٤) -أيضًا- على شبَبَة؛ مثل كاتِب وكَتَبَة. والشابُّ (٥) عند الشافعية من بلغ، ولم يجاوز ثلاثين سنة (٦)، وتسميه العرب -أيضًا-: قمدًا (٧)، وقد تقدم أنه خمس عشرة سنةً (٨)

стр. 2519

يصير قمدًا إلى خمس وعشرين سنة، ثم يصير كهلًا إلى خمسين سنة، وظاهر هذا أو نصه: أنه باستكمال (١) الخمس والعشرين (٢) لا يُطلق عليه شابٌّ، بل كهلٌ، وهو خلاف ما قاله (٣) الشافعية؛ إذ (٤) لا واسطة بين الشاب (٥) والكهل، واختصاصُ الشباب (٦) في الحديث بناء على الغالب؛ لوجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح غالبًا، بخلاف الشيوخ، والمعنى معتبر إذا وجد في الكهول والشيوخ (٧) أيضًا، واللَّه أعلم (٨). الثاني: في الباءة أربعُ لغات (٩) حكاها الإمامُ وغيره؛ أفصحها: الباءة -بالمد والهمز-، والثانية: الباة -قصرًا-، والثالثة: الباء -بالمد بلا هاء-، والرابعة: الباهة، بهاءَين بلا مد. قال الإمام: وأصل الباءَةِ في اللغة: المنزل، ثم قيل: لعقد (١٠) النكاح؛ لأن مَنْ تزوج امرأة، بَوَّأَها منزلًا، والباءةُ هنا: التزويج، وقد

стр. 2520

يسمَّى الجماعُ نفسُه باءَة، وليس المراد بالذي وقع في الحديث على ظاهره الجماع؛ لأنه قال: "ومَنْ لم يستطعْ، فعليه بالصَّومِ"، وإن كان غيرَ مستطيع، لم يكن له حاجةٌ إلى الصوم (١). ع: لا يبعد أن تكون الاستطاعتان (٢) مختلفتين، فيكون المراد أولًا بقوله: "من استطاعَ منكم الباءة": الجماع؛ أي: من بلَغَهُ، وقدرَ عليه، فليتزوج، ويكون قوله بعدُ: "ومن لم يستطع"؛ يعني (٣): على الزواج المذكور ممن هو بالصفة المتقدمة، "فعليه بالصوم" (٤). قلت: (٥) المتبادر إلى الذهن ما قاله الإمامُ، وهو الأصل، ولا حاجة بنا (٦) إلى الخروج عنه. الثالث: قوله ﵊: "فليتزوَّج" قد يتعلق به الظاهريةُ القائلون بوجوب النكاح مرةً في العمر، ولو بمجرَّدِ العقدِ دونَ الدخول؛ لمجرد الأمر، والمشهورُ من قول فقهاء الأمصار: استحبابُ النكاحِ على الجملة. وقال أصحابنا ما معناه: إنه (٧) مع ذلك قد يختلف باختلاف حال

стр. 2521

الشخص؛ فيجب في حقِّ مَنْ لا يَنْكفُّ (١) عن الزنا إلا به، ويحرم إذا كان يُخِلُّ (٢) بحق الزوجة في وطءٍ، أو إنفاقٍ، ويُكره في حق مَنْ لا يكون مشتهيًا له، وينقطع بسببه عن فعل الخير، وقد (٣) يُكره إذا كان حاله (٤) في العَزَبَة أجمعَ منه في التزويج، وكأنه راجعٌ إلى الأول، وأما مَنْ لا يشتهيه، ولا ينقطع بسببه عن فعل الخير، فقد يختلف فيه؛ فيقال: بالندب؛ للظواهر الواردة في الترغيب فيه، وقد يكون في حقه مباحًا (٥). ع: أما في حق كلِّ مَنْ يُرجى منه النَّسْلُ ممن لا يخشى العَنَتَ، وإن لم يكن له في الوطء شهوة، فهو (٦) في حقه مندوبٌ؛ لقوله ﵊ (٧) -: "فَإِنِّي (٨) مُكَاثِرٌ بِكُم الأمم (٩) " (١٠)، ولظواهر

стр. 2522

الحضِّ على النكاح، والأمرِ به. قال: وكذلك في حقِّ مَنْ له رغبة في نوع من (١) الاستمتاع بالنساء، وإن كان ممنوعًا عن الوطء؛ لكن النكاح يغضُّ بصره، وأما زيادة: (سنة) في حقِّ منْ لا يَنْسُل، ولا أَرَبَ له في النساء جملةً، ولا مذهبَ له في الاستمتاع بشيء منهنَّ، فهذا الذي يقال في حقه: إنه مباح، إذا علمت المرأةُ بحاله، وقد يقال حتى الآن إنه مندوب؛ لعموم الأوامرِ بالتزويج، ولقوله ﵊: "لَا رَهْبَانِيَّةَ في الإِسْلَامِ" (٢). قلت: وقد وَهِمَ ح في نقله (٣) عن العلماء كافةً غير الظاهرية، ورواية عن أحمد: أنه لا يجب النكاحُ ولا التسرِّي، سواء خشيَ على نفسه العنتَ، أم لا، ذكر ذلك في "شرح مسلم" له، في أول كتاب: النكاح (٤)، مع أنه لا خلافَ أعلمُه في مذهبنا: أنه إذا خشيَ على نفسه

стр. 2523

العنتَ، وقدرَ على التزوُّج (١) أو التسرِّي: أن ذلك واجب عليه، وكذا (٢) نقل ابنُ هبيرة عن أحمد، وقال: رواية واحدة (٣)، أي: لم يختلف قولُه في الوجوب عندَ اجتماع الشرطين، فقول ح -أيضًا (٤) -: رواية عن أحمد (٥)، يوهم اختلافَ قولِه في ذلك، وقد (٦) قال ابن هبيرة: إن مذهبه على رواية واحدة، كما تقدم، فليُعْلَمْ ذلك. وقوله ﵊: "فإنه أَغَضُّ للبصر، وأَحصَنُ للفرج" يحتمل أن يكون (أفعل) هنا لغير المبالغة، إن نظرنا إلى (٧) [أن] الغضَّ، والتحصين، لا يحصلان إلا بالنكاح (٨)، وإن لمحنا أن المتقي يجاهدُ نفسَه في ذلك مع عدم النكاح، وقد تقع (٩) منه النظرةُ (١٠) واللفتة (١١)، وإذا (١٢) وجد النكاح، حصلت الأَغَضِّيَّة (١٣)

стр. 2524

والأحصنية، و (١) كانت (أفعل) على بابها، واللَّه أعلم (٢). الرابع: قوله ﵊: "فعليه بالصوم": هو وجه الكلام، ولا يجوز غيرُه، ولا يُلتفت إلى قول مَنْ قال من النحاة: إنه إغراءُ (٣) غائبٍ؛ لأن الهاء في (عليه) لمن خصه (٤) من الحاضرين بعدم الاستطاعة؛ لتعذُّرِ خطابه بكاف الخطاب، فهي لحاضرٍ قطعًا، لا لغائب، وإن كان وضعُ الهاء أن تكون لغائب، وهذا كما نقول للرجال (٥): مَنْ قام الآن منكم، فله درهم، فهذه (٦) الهاء لمن قام من الحاضرين، وليست لغائب قطعًا، فليعلمْ ذلك؛ فإنه من النفائس. نَعَمْ، إغراء الغائب وقعَ في قول مَنْ قال: عليه رجلا ليسني؛ إذ الهاءُ ليست لحاضر، بل لغائب، قال سيبويه فيه: و (٧) هذا قليل، شبهوه بالفعل. وقال السّيرافي: وإنما أمر الغائب بهذا الحرف على شذوذه؛ لأنه قد جرى للمأمور ذكر، فصار كالحاضر، وأشبه أمرُه أمرَ الحاضر. قلت: معنى هذا الكلام -واللَّه أعلم-: أنه كأنه لما جرى ذكرُه عندَه بأن قيل -مثلًا-: فلانٌ يريد بكَ كذا، أو ينازعُكَ في كذا، فقال:

стр. 2525

عليهِ رجلًا غيري، وأما أنا، فلا مبالاة لي به، فنزل ذكره منزلة حضوره نفسه، ولا يمكن أن يؤول هذا الشاذ بأكثر من هذا، واللَّه أعلم. فلا نشتغل بكلام من تورك (١) على الحديث لحظة، فإنه لم يفهم كلامَ أفصحِ العرب ﷺ ، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]. وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صحيحًا (٢) ... وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ فإن قلت: وما السرُّ في اختصاص الإغراء بالحاضر؟ (٣) قلت: الذي عَلَّلَ به سيبويهِ ﵀، فمَنْ بعده من النحويين ﵏: أَنَّ الظروفَ المُغْرَى بها ليستْ بأفعال، ولا تصرفَتْ تصرفَ الأفعال، وإنما جاء في الحاضر؛ لما فيه من معنى الفعل، ودلالةِ الحال، ولأنك في الأمر للغائب تحتاج له فعلا آخر، كأنك قلت لحاضرٍ: قل له، أو أبلغْه ليلزم زيدًا، ونحو ذلك (٤)، فضعف ذلك (٥) عندَهم، مع ما يدخله من الالتباس في أمر واحد، أن تضم فيه فعلين لشيئين، وأنه ليس للمخاطب فعلٌ ظاهر، ولا مضمر عليه دلالة، فكأنك أمرته بتبليغ ذلك الغائب، هذا أو نحوه، فاعرفه (٦).
следующие страницы →