← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

الشخص؛ فيجب في حقِّ مَنْ لا يَنْكفُّ (١) عن الزنا إلا به، ويحرم إذا كان يُخِلُّ (٢) بحق الزوجة في وطءٍ، أو إنفاقٍ، ويُكره في حق مَنْ لا يكون مشتهيًا له، وينقطع بسببه عن فعل الخير، وقد (٣) يُكره إذا كان حاله (٤) في العَزَبَة أجمعَ منه في التزويج، وكأنه راجعٌ إلى الأول، وأما مَنْ لا يشتهيه، ولا ينقطع بسببه عن فعل الخير، فقد يختلف فيه؛ فيقال: بالندب؛ للظواهر الواردة في الترغيب فيه، وقد يكون في حقه مباحًا (٥). ع: أما في حق كلِّ مَنْ يُرجى منه النَّسْلُ ممن لا يخشى العَنَتَ، وإن لم يكن له في الوطء شهوة، فهو (٦) في حقه مندوبٌ؛ لقوله ﵊ (٧) -: "فَإِنِّي (٨) مُكَاثِرٌ بِكُم الأمم (٩) " (١٠)، ولظواهر

стр. 2522

الحضِّ على النكاح، والأمرِ به. قال: وكذلك في حقِّ مَنْ له رغبة في نوع من (١) الاستمتاع بالنساء، وإن كان ممنوعًا عن الوطء؛ لكن النكاح يغضُّ بصره، وأما زيادة: (سنة) في حقِّ منْ لا يَنْسُل، ولا أَرَبَ له في النساء جملةً، ولا مذهبَ له في الاستمتاع بشيء منهنَّ، فهذا الذي يقال في حقه: إنه مباح، إذا علمت المرأةُ بحاله، وقد يقال حتى الآن إنه مندوب؛ لعموم الأوامرِ بالتزويج، ولقوله ﵊: "لَا رَهْبَانِيَّةَ في الإِسْلَامِ" (٢). قلت: وقد وَهِمَ ح في نقله (٣) عن العلماء كافةً غير الظاهرية، ورواية عن أحمد: أنه لا يجب النكاحُ ولا التسرِّي، سواء خشيَ على نفسه العنتَ، أم لا، ذكر ذلك في "شرح مسلم" له، في أول كتاب: النكاح (٤)، مع أنه لا خلافَ أعلمُه في مذهبنا: أنه إذا خشيَ على نفسه

стр. 2523

العنتَ، وقدرَ على التزوُّج (١) أو التسرِّي: أن ذلك واجب عليه، وكذا (٢) نقل ابنُ هبيرة عن أحمد، وقال: رواية واحدة (٣)، أي: لم يختلف قولُه في الوجوب عندَ اجتماع الشرطين، فقول ح -أيضًا (٤) -: رواية عن أحمد (٥)، يوهم اختلافَ قولِه في ذلك، وقد (٦) قال ابن هبيرة: إن مذهبه على رواية واحدة، كما تقدم، فليُعْلَمْ ذلك. وقوله ﵊: "فإنه أَغَضُّ للبصر، وأَحصَنُ للفرج" يحتمل أن يكون (أفعل) هنا لغير المبالغة، إن نظرنا إلى (٧) [أن] الغضَّ، والتحصين، لا يحصلان إلا بالنكاح (٨)، وإن لمحنا أن المتقي يجاهدُ نفسَه في ذلك مع عدم النكاح، وقد تقع (٩) منه النظرةُ (١٠) واللفتة (١١)، وإذا (١٢) وجد النكاح، حصلت الأَغَضِّيَّة (١٣)

стр. 2524

والأحصنية، و (١) كانت (أفعل) على بابها، واللَّه أعلم (٢). الرابع: قوله ﵊: "فعليه بالصوم": هو وجه الكلام، ولا يجوز غيرُه، ولا يُلتفت إلى قول مَنْ قال من النحاة: إنه إغراءُ (٣) غائبٍ؛ لأن الهاء في (عليه) لمن خصه (٤) من الحاضرين بعدم الاستطاعة؛ لتعذُّرِ خطابه بكاف الخطاب، فهي لحاضرٍ قطعًا، لا لغائب، وإن كان وضعُ الهاء أن تكون لغائب، وهذا كما نقول للرجال (٥): مَنْ قام الآن منكم، فله درهم، فهذه (٦) الهاء لمن قام من الحاضرين، وليست لغائب قطعًا، فليعلمْ ذلك؛ فإنه من النفائس. نَعَمْ، إغراء الغائب وقعَ في قول مَنْ قال: عليه رجلا ليسني؛ إذ الهاءُ ليست لحاضر، بل لغائب، قال سيبويه فيه: و (٧) هذا قليل، شبهوه بالفعل. وقال السّيرافي: وإنما أمر الغائب بهذا الحرف على شذوذه؛ لأنه قد جرى للمأمور ذكر، فصار كالحاضر، وأشبه أمرُه أمرَ الحاضر. قلت: معنى هذا الكلام -واللَّه أعلم-: أنه كأنه لما جرى ذكرُه عندَه بأن قيل -مثلًا-: فلانٌ يريد بكَ كذا، أو ينازعُكَ في كذا، فقال:

стр. 2525

عليهِ رجلًا غيري، وأما أنا، فلا مبالاة لي به، فنزل ذكره منزلة حضوره نفسه، ولا يمكن أن يؤول هذا الشاذ بأكثر من هذا، واللَّه أعلم. فلا نشتغل بكلام من تورك (١) على الحديث لحظة، فإنه لم يفهم كلامَ أفصحِ العرب ﷺ ، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]. وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صحيحًا (٢) ... وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ فإن قلت: وما السرُّ في اختصاص الإغراء بالحاضر؟ (٣) قلت: الذي عَلَّلَ به سيبويهِ ﵀، فمَنْ بعده من النحويين ﵏: أَنَّ الظروفَ المُغْرَى بها ليستْ بأفعال، ولا تصرفَتْ تصرفَ الأفعال، وإنما جاء في الحاضر؛ لما فيه من معنى الفعل، ودلالةِ الحال، ولأنك في الأمر للغائب تحتاج له فعلا آخر، كأنك قلت لحاضرٍ: قل له، أو أبلغْه ليلزم زيدًا، ونحو ذلك (٤)، فضعف ذلك (٥) عندَهم، مع ما يدخله من الالتباس في أمر واحد، أن تضم فيه فعلين لشيئين، وأنه ليس للمخاطب فعلٌ ظاهر، ولا مضمر عليه دلالة، فكأنك أمرته بتبليغ ذلك الغائب، هذا أو نحوه، فاعرفه (٦).

стр. 2526

الخامس: الوِجاء: -بكسر (١) الواو والمد-، وأصلُه من الغمز، يقال وُجِىءَ في عنق فلان: إذا غُمز عنقُه، ودفع وجَاءهُ بالخنجر، وشبهه: إذا نخسه به، فطعنه، والوَجْءُ المصدر -ساكنُ (٢) الجيم-، والوجيئةُ (٣): تمرٌ ينبلّ باللبن أو السمن، ويُرَضُّ حتى يلتزقَ (٤) بعضُه ببعضٍ. ع: ومنه أخذ الوجْء، وهو غمزُ الأُنثيين، أو رَضُّهما بحجرٍ ونحوه، والمراد هنا: أن الصوم يقطع الشهوةَ؛ كما يقطعُه الوجَاء. قال أبو عبيد: وقد قال بعض أهل العلم: وجَا -بفتح الواو، مقصور- من الحفَا، قال: والأول أجود. قال الخطابي: وفي الحديث: دليلٌ على جواز المعاناة لقطع الباءة بالأدوية، ودليلٌ على أن مقصودَ النكاح الوطءُ، ووجوب الخيار في العُنَّةِ (٥)، واللَّه أعلم (٦). * * *

стр. 2527

الحديث الثاني ٢٩٦ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (١) سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ في السِّرِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَبَلغَ ذَلِكَ النَّبيَّ ﷺ (٢)، فَحَمِدَ اللَّه، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا: كَذَا؟! لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي" (٣).

стр. 2528

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: النَّفَر: -بفتح الفاء-، والنَّفِيرُ، وَالنَّفْرُ وَالنَّفْرَةُ -بالإسكان فيهما-: عدةُ رجال من الثلاثة إلى العشرة، وأما يومُ النَّفْر، وليلة النفْر، لليوم الذي ينفِرُ الناسُ فيه من مِنىً، ففيه إسكان الفاء وفتحها (١). قال يعقوب: ويقال فيه -أيضًا-: النَّفَر، والنَّفير. الثاني: قوله ﵊: "ما بالُ أقوامٍ قالوا كذا؟! ": هو على عادته ﵊ في خُطَبه في مثل هذا، إذا رأى شيئًا يكرهه، فخطبَ له، لم يُعَيِّنْ فاعليه (٢) ولم يواجِههم بما يكرهون، ولم يُسَمِّهِمْ بأسمائهم على رؤوس الملأ؛ فإن المقصودَ من فاعل ذلك المكروه، وغيرِه من الحاضرين، ومن يبلغْه من غيرِهم، يحصُل من غير حصولِ توبيخِ صاحبِه في الملأ، وهذا من مكارم أخلاقه، وفصلِ خطابه، وحسنِ آدابه، وجميلِ عشرته، وعظيمِ جَنابه ﷺ (٣) قال (٤) ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقد تقدم نحو

стр. 2529

هذا في حديثِ بَريرة. الثالث: قوله ﵊: "فمن رَغِبَ عن سُنّتي، فليسَ مِنِّي"؛ أي: من رغب عن سنتي إعراضًا عنها، وغيرَ معتقدٍ لها على ما هي عليه. وهذا قد يحتجُّ به مَنْ يقول بوجوب النكاح على الإطلاق؛ كما تقدم. ع: ولا حجَّةَ فيه، إذ (١) ذكر في أول الحديث أن بعضهم قال: لا آكل اللحمَ، وقال بعضهم: لا أنامُ على فراش، ثم قرن ﵊ ذِكْرَ النكاح بالأكل والنوم، وعلى جميعه رَدَّ (٢) قولَه: "فمن رغبَ عن سنتي"، لا على النكاح وحدَه، ولا قائلَ يقول بوجوب النوم على الفرشِ، وأكلِ اللحم، فردُّ (٣) الكلام على النكاح وحدَه دونَ قرينة ولا دليل عليه، إلا (٤) دعوى لا يُلتفت إليها، فلم يبقَ إلا أن معناه ما تقدَّم (٥). قلت: وقد يستدل (٦) به -أيضًا- (٧) من رجَّحَ النكاحَ (٨) على التخلِّي

стр. 2530

للعبادة؛ لرده ﷺ ذلك على هؤلاء، وجعل خلافه رغبةً عن السنّة، وهو قولُ أبي حنيفة؛ كما (١) تقدم. والأمثلُ عندي في هذه المسألة: أن ذلك يختلف فيه (٢) بحسب اختلاف حالِ الشَّخص -على ما تقرر تمهيده-، واللَّه أعلم. قال الطبري: وفيه: ردُّ على مَنْ منعَ من استعمالِ الحلالِ والمباحاتِ من الأطعمةِ الطيبةِ، والملابسِ اللينة، وآثرَ عليها غليظَ الطعام، وخشنَ الثياب من الصوفِ وغيره، وإن كان صرف فضلها في وجوه البر؛ لأن حياطةَ جسم (٣) الإنسان، وصيانةَ صحته (٤) بذلك آكَدُ وأَوْلى، واحتج بقوله -تعالى-: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقوله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]. ع: وهذا البابُ قد اختلفَ فيه السلف كثيرًا، منهم مَنْ آثر ما قال الطبري، ومنهم من آثر ما (٥) أنكره، واحتجَّ هؤلاء بقوله -تعالى- في ذم أقوام: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]،

стр. 2531

وقد احتج عمرُ بنُ الخطاب ﵁ بذلك، وحجةُ الآخر (١) عليهم: أن الآيةَ نزلتْ في الكفار؛ بدليل أولِ الآية وآخرها، والنبيُّ ﷺ قد أخذ بالأمرين، وشارك في الوجهين، فلبس مرةً الصوفَ، والشملةَ الخشنةَ، ومرةً البردةَ والرداءَ الحضرميَّ، وتارةً أكل القثاء بالرُّطَب، وطيبَ الطعام إذا وجدَه، ومرة لزمَ أكلَ الحُوَّارَى، ومختلِفَ الطعام، كل ذلك ليدلَّ على الرخصة بالجواز مرةً، والفضل والزهد في الدنيا وملاذها أخرى، وكان يحبُّ الحلوى والعسلَ، ويقول ﷺ : "حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلَاةِ" (٢). قلت: فلا عتبَ إذًا على من احتذى أحدَ الطريقين (٣)؛ إذ كلاهما سنّة، والمعتبر في ذلك: القصدُ الصحيح، أعاننا اللَّه عليه بمنِّه وكرمه، آمين. * * *

стр. 2532

الحديث الثالث ٢٩٧ - عَنْ سَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ (١) مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ، لاخْتَصَيْنَا (٢).

стр. 2533

* الشرح: معنى "ردَّ عليه التبتُّلَ": نهاه عنه. قال بعضُ العلماء: والتبتُّل هو: الانقطاعُ عن النساء، وتركُ النكاح؛ انقطاعًا إلى عبادة اللَّه تعالى، وأصلهُ القَطْعُ، ومنه صَدَقَةٌ بَتْلَةٌ؛ أي: منقطعة عن تصرُّفِ مالكها. وقال الطبري: التبتُّل هو: تركُ لذَّات الدنيا وشهواتِها، والانقطاعُ إلى اللَّه تعالى بالتفرُّغ لعبادته، ومنه قيل لمريمَ: البَتُول؛ لانقطاعها إلى اللَّه -تعالى- بالخدمة. وقال غيره: التبتُّلُ حرام. ع: يعني: عن النساء، ومن الناس مَنْ يكون النكاحُ أصلحَ (١) لدينه، وأما الاختصاءُ، فلا يحل (٢) أصلًا (٣). وقال أحمد (٤) بنُ يحيى: سُميت فاطمةُ ﵂ بالبَتُول؛ لانقطاعها عن نساء زمانها دِينًا، وفَضْلًا، وحَسَبًا. وقال الليث: البتولُ: كلُّ امرأةٍ منقطعةٍ عن الرجال، لا شهوةَ لها فيهم، واللَّه أعلم (٥).

стр. 2534

فإن قلت: نهى ﵊ عن التبتل، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، وبالإجماع إن ذلك ليس خاصًا به ﵊. قلت: التبتُّل المنهيُّ عنه في الحديث غيرُ التَّبَتُّل (١) المأمورِ به في الآية؛ لأن عثمان ﵁ ممن قصدَ التبتُّلَ والتخلِّيَ للعبادة، والانقطاعَ بالكلية، مما هو داخلٌ في باب التنطُّعِ والتشديدِ على النفس، والإجحافِ بها (٢)، والتشبه (٣) بالرهبانية. وأما التَّبتُّل المأمورُ به في الآية، فجاء في التفسير: أن معناه: انقطعْ إلى اللَّه في العبادة، وارفضِ الدنيا، والتمسْ ما عندَ اللَّه تعالى، ولم يقصد مع ذلك ترك النكاح، ولا أمر به، بل كان النكاح (٤) موجودًا مع هذا الأمر كلِّه، وباللَّه التوفيق. ق: وقد يؤخذ من هذا الحديث: منعُ ما هو داخل في هذا الباب وشبهه؛ مما قد يفعلُه بعضُ المتزهِّدين (٥). قلت: وهو كما قال ح، أما الإعراضُ عن الشهوات واللذات من

стр. 2535

غير إضرارٍ بنفسه، ولا تفويتِ حقٍّ لزوجتِه ولا غيرِها، ففضيلةٌ لا منعَ منها، بل مأمور بها. وأما قوله: "و (١) لو أَذِنَ له، لاخْتَصَيْنَا"، فقيل: معناه: لو أذنَ له في الانقطاع عن النساء وغيرِهنَّ من ملاذِّ الدنيا، لاختصينا؛ لدفع شهوة النساء؛ ليمكننا (٢) التبتلُ. ح: وهذا محمول على أنهم كانوا يظنّون جوازَ الاختصاء [باجتهادهم، ولم يكن ظنهم هذا موافقًا؛ فإن الاختصاء] (٣) في الآدمي (٤) حرامٌ، صغيرًا كان أو كبيرًا. قال البغوي: وكذا يحرُمُ خِصاءُ (٥) كلِّ حيوان لا يؤكل، وأما المأكول، فيجوز خصاؤه في صغره، ويحرُم في كبره (٦). قلت: وأما مذهبُنا في الخصاء؛ فقال القاضي عبدُ الوهاب: ويكره خصاءُ الخيل، ويجوز خصاءُ البهائم سواها، ولم يفصِّل بين صغير و (٧) كبير (٨).

стр. 2536

والظاهر: أن الكراهة هنا كراهةُ التنزيه لا التحريم، واللَّه أعلم. وأما خصاءُ الآدمي: فقد سبق أنه لا يحلُّ أصلًا، واللَّه الموفق. * * *

стр. 2537

الحديث الرابع ٢٩٨ - عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّها قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ (١): "أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِك؟ "، فَقُلْتُ (٢): نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي"، قَالَتْ: فَإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبي سَلَمَةَ، قَالَ: "بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟! "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبتَي في حَجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَة ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ". قَالَ عُروَةُ: (٣) ثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لأِبي لَهبٍ، كَانَ أَبو لَهَبٍ أَعْتَقَها، فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ، أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ (٤)،

стр. 2538

قَال لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ (١)؟ قَالَ لَه (٢) أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خَيْرًا، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هذِه بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ (٣). الحِيْبَةُ: الحَالَةُ (٤)، بِكَسْرِ الحَاءَ المُهْمَلَةِ.

стр. 2539

* الشرح: قوله ﵊: "أَوَتحبينَ ذلك؟ ": قد يكون سببُ هذا الاستفهام التعجُّبَ؛ من حيثُ (١) كانت العادةُ تقتضي كراهةَ النساءِ لذلك، فلما فهمت ذلك عنه ﵊، ذكرتِ السبَبَ، وهو قولها: "لستُ بمُخْلِية"؛ أي: لستُ أُخْلِي لك بغير (٢) ضَرَّةٍ (٣)، وهو بضم الميم وإسكان الخاء (٤) وكسر اللام، بعدها المثناة تحت المفتوحة الخفيفة. وقولها: "وأَحَبُّ مَنْ شاركني في خيرٍ أُختي"، ويروى: "مَنْ (٥) شرِكَني" -بكسر الراء الخفيفة (٦) -، أرادت بالخير: ما يحصلُ من صحبته ﵊ من مصالحِ الدنيا والآخرة، واسمُ أختها عَزَّةُ، بفتح العين المهملة وتشديد الزاي المعجمة (٧).

стр. 2540

وقولها: "إنا كنا نُحَدَّثُ" إلى آخره، هو بفتح الحاء المهملة (١) والدال على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، وبنتُ أُمِّ (٢) سلمةَ هذه (٣) اسمُها دُرّةُ، بضم الدال المهملة، وتشديد الراء المهملة. ق: ومن قال فيها: ذَرَّة -بالذال المعجمة (٤) -، فقد صحفه (٥). وقوله ﵊: "بنت أم سلمة" يحتمل أن يكون استثباتًا لرفعِ الاشتراك، ويحتمل أن يكون جاء على طريق الإنكار لما أرادت من نكاح أختها. وقوله ﵊: "لو لم تكن ربيبتي في حجري، ما حَلَّت لي"، إلى آخره: قال ابنُ عطية: الرَّبِيبَةُ: بنتُ امرأةِ الرجلِ من غيره، سُميت بذلك؛ لأنه يُرَبّيها في حجره، فهي مربوبةٌ، فربيبة فعيلة، بمعنى مفعولة (٦). وقال الجوهري: رَبَّ فلانٌ [وَلَدَه] يَرُبُّهُ (٧) رَبًّا، وربَّبَهُ وتربَّبَهُ،

стр. 2541

بمعنًى؛ أي: ربّاه، والمربوبُ: المرَبَّى، والتَّرَبُّبُ (١): الاجتماع، وربيبُ الرجلِ: ابنُ امرأتِه من غيره، وهي بمعنى مربوب، والأنثى رَبيبة (٢). فإن قلت: تحريمُ الربيبةِ المدخولِ بأُمها لا يُشترط كونها في حَجْره عندَ جميع الفقهاء، خلافًا للظاهريِّ، وإن كان قد رُوي شرطُ ذلك عن عليٍّ ﵁ (٣)، فما فائدةُ قوله ﵊: "في حجري"؟، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. قلت: أما الآيةُ، فقال ابنُ عطية: ذكر الأغلب من هذه الأمور، إذ هي حالةُ الربيبة (٤) في الأكثر، وهي محرّمةٌ، وإن كانت في غير الحَجْر؛ لأنها في حكم أنها في الحجر (٥). وقال الزمخشري: فائدةُ التعليل للتحريم (٦)، وأنهنَّ لاحتضانكم لهنَّ، أو لكونهنَّ بصدد احتضانِكم، وفي حكم التقلُّب (٧) في حجوركم،

стр. 2542

إذ (١) دخلتُم بأمهاتهن، ولكن مدخولكم (٢) حكم الزوج، وتبينت (٣) الخلطةُ (٤) والألفةُ، وجعل اللَّه بينكم المودةَ والرحمةَ، وكانت الحالُ خليقةً أن تُجروا أولادهنَّ مجرى أولادِكم، كأنكم في العقد على بناتهنَّ عاقدون على بناتِكم (٥). وأما الحديث، فيحتمل عندي وجهين: أحدهما: أن يكون كالآية في كل ما ذكر. والثاني: أن يكون ﵊ ذكر الحجرَ اقتداءً بالقرآن، ويكون ذلك من باب قوله ﵊: "وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكم لَاحِقُونَ" (٦) على أحد (٧) ما قيل في ذلك، وهو أنه ﵊ تأدَّبَ بآداب القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، واللَّه الموفق (٨).

стр. 2543

والحَجْرُ -بالفتح- أفصحُ، ويجوز -الكسر (١) -، وهو مقدَّمُ ثوبِ الإنسان، وما بينَ يديه في حال اللبس، ثم استُعملت اللفظة في الحِفْظ والستر. قال ابن عطية: لأن الناس (٢) إنما تحفظ طفلًا أو ما أشبهه، بذلك (٣) الموضع من الثوب (٤). وفي الحديث: نصٌّ على تحريم الجمع بين الأختين، كانتا في عَقْد واحد، أو عَقْدين. وفيه: دليلٌ على تحريم الرضاع في (٥) النسب، وإن كان ذلك ثابتًا بَنصِّ القرآن، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2544

الحديث الخامس ٢٩٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا" (١).

стр. 2545

* الشرح: هذا الحديث قيل: إنه من المتواتر، وقد خُصَّ به عمومُ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بعدَ حصرِ المحرَّمات الثلاثَ عشرةَ -أعني: في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]-؛ فإنّ هذه الآية اشتملت على تحريم سبع من النسب، وستٍّ من (١) رضاع (٢) وصِهْر، ولا خلاف في تخصيص هذا العموم بهذا الحديث، وذلك دليلٌ على تخصيص عمومِ الكتابِ بالسنة. وظاهرُ الحديث يقتضي تحريمَ الجمع بينهما معًا، أو مرتبتين (٣)، ويؤيد ذلك ما جاء في الراوية الأخرى لهذا (٤) الحديث: "لا تُنْكَحُ الصُّغْرَى عَلَى الكُبْرَى، وَلَا الكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى" (٥)، فهذا نصٌّ في

стр. 2546

تحريم الجمعِ بينَهما على صفة الترتيب، هذا على الجملة. وأما على التفصيل: فنقول: الفروجُ لا تُستباح في الشرع إلا بنكاح، أو ملكِ يمينٍ، ما لم يمنعْ من ذلك مانعٌ، والمانعُ قسمان: متأبدٌ، وغيرُ متأبدٍ (١)، فالمتأبدُ خمسة أقسام: أحدها: يرجع إلى تحريم العين، وقد تقدم ذكرُه، وباقي الأقسام يرجع التحريم فيها لعلَّةٍ تطرأ (٢)؛ كالرضاع، والصهر، والنكاح، واللعان، والتزويج في العدة. فأمّا (٣) الصهر، فتزويج الرجلِ امرأةَ أبيه، والعكسُ (٤)، فهذان يحرمان بالعقد. والثالث: تزويجُ الربيبة، وهذا لا يحرمُ بالعَقْد، ولا خلافَ في كلِّ ما تقدم. والرابعُ: أُمُّ الزوجة، والجمهورُ على أنها تحرُم بالعَقْد على البنت، وسببُ الخلاف في هذا (٥): قولُه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ إلى

стр. 2547

قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، فمن جعل (اللاتي) نعتًا للنساء المقدَّمات (١) والمتأخرات، اشترطَ الدخولَ في البنت، ومن جعله خاصًّا بالمتأخرات، وهو قولُ الجمهور، حَرَّمَ البنتَ (٢) بالعقد (٣) على الأم (٤) (٥)، وحجتُهم أمران: أحدهما: أن الاستثناءاتِ والشروطَ عند الأصوليين تعود إلى أقربِ المذكورات، وإن كان قد اختُلف في ذلك، فليكنِ النعتُ كذلك، وكذلك (٦) أصلُ النحاة في عود الضمائر. والثاني: أن القاعدة عند النحاة: أنه إذا اختلف العامل، لم يجز الجمعُ بين المنعوتات، والعامل هنا قد اختلف؛ لأن النساء الأُوَلَ مخفوضاتٌ بالإضافة، والأُخرَ مخفوضاتٌ بحرف الجر. وأما الملاعَنَة، فيتأبد تحريمها على مَنْ لاعَنَها عندَنا، وخالفَ فيه غيرُنا. وكذلك المتزوجةُ في العِدَّةِ مختلَفٌ في تأبيد تحريمها أيضًا. وأما غيرُ المتأبد، فمنه ما يرجعُ إلى العَدَد؛ كنكاح الخامسةِ،

стр. 2548

ومنه ما يرجع إلى الجَمْع؛ كالجمع بين الأُختين، والجمعِ بين المرأةِ وعمتها، ومنه ما يرجع إلى غير ذلك؛ كالمجوسيةِ، والمرتدَّةِ، وذاتِ الزوج، وشبهِ ذلك. قال الإمام: فأما من يحرم الجمعُ بينهن من النساء بالنكاح، فيعقد على وجهين: أحدهما: أن يقال: كل امرأتين بينهما نسبٌ، لو كانت إحداهما ذكرًا، حرمت على الأخرى، فإنه لا يُجمع بينَهما (١)، وإن شئت أسقطت ذِكْرَ (بينهما نسبٌ)، وقلتَ (٢) بعد قولك (٣): لو كانت إحداهما ذكرًا (٤)، حرمت عليه الأخرى من الطرفين جميعًا، وفائدة هذا الاحتراز بزيادة: بينهما نسبٌ، أو (٥) من الطرفين جميعًا، مسألةُ نكاحِ المرأةِ وربيبتِها؛ فإن الجمعَ بينهما جائز، ولو (٦) قدرت امرأةَ الأب رجلًا، لحلَّتْ له الأخرى؛ لأنها أجنبية؛ لأن التحريم لا يدور من الطرفين جميعًا، وهذا حكم النكاح، ويدخل فيه عمةُ الأب، وخالتُه، وشبهُ

стр. 2549

ذلك من الأباعد؛ لأن العقد يشتمل على ذلك (١). وأما الجمعُ بملك اليمينِ بين مَنْ ذكرنا تحريمَ الجمع بينهما بالنكاح، ففيه اختلافٌ، فقيل: لا يُجمع بين الأختين في ملكِ (٢) اليمين (٣)، وهو جُلُّ أقوال الناس؛ لقول اللَّه (٤) تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. وقيل: ذلك بخلاف النكاح؛ لقول اللَّه تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، فعمَّ، فصار سببُ الخلاف أيُّ العمومين أولى أن يقدم؟ وأيُّ الآيتين أولى أن تُخَصَّ به الأخرى؛ والأصح: تقديمُ آية النساء، والتخصيصُ بها؛ لأنها وردت في تعين المحرمات، وتفصيلهنَّ، فكانت أَوْلى من الآية التي وردتْ في مدح قوم حفظوا فروجَهم، إلا عَمَّا (٥) أُبيح لهم، وأيضًا: فإن آيةَ ملكِ اليمين دخلَها التخصيصُ باتفاق؛ إذ لا يُباح له بملك (٦) اليمين ذواتُ محارمه اللاتي (٧) يصحُّ له (٨) ملكُه

стр. 2550

لهنَّ، وما دخلَه التخصيصُ من العموم ضعيف (١)، واللَّه أعلم (٢). سؤال: إن قلت: هل يجوز للرجل أن يتزوج خالةَ عمته، أو عمةَ خالته؟ قلتُ: أما الأولى: فإن كانت (٣) العمةُ أختَ أبٍ لأم أو شقيقة، فلا تحل خالةُ العمة؛ لأنها أختُ الجدة، وإن كانت العمةُ إنما هي أختٌ (٤) لأبٍ فقط، فخالتُها أجنبية من بني أخيها، فتحلُّ للرجال (٥)، ويجمع بينها (٦) وبين النساء. وأما الثانيةُ: وهي عمةُ الخالة، فإن كانت الخالة أختَ أم لأب (٧)، فعمتها حرامٌ؛ لأنها أختُ جد، وإن كانت الخالةُ أختًا لأم فقط (٨)، فعمتُها أجنبية من بني أخيها، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2551

الحديث السادس ٣٠٠ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ (١): مَا اسْتَحْلَلْتم بِهِ الفُرُوجَ" (٢).

стр. 2552

* الشرح: اختلفوا (١) في المراد بالشروط هنا، فحملَها الشافعيُّ وجماعةٌ على الشروط التي لا تنافي مقتضى النكاح (٢)، بل تكون من مقتضياته؛ كاشتراط العِشْرَة بالمعروف (٣)، والإنفاقِ عليها، وكسوتها، وسُكْناها بالمعروف، وأن (٤) لا تخرج من بيتها إلابإذنه، ولا تتصرف (٥) في ماله إلا برضاه، ونحو ذلك، واستضعفه بعضُ المتأخرين؛ لعدم تأثير الشرط في إيجاب ذلك. وذهب أحمدُ بنُ حنبلٍ، وجماعة: إلى إيجاب (٦) الوفاء بالشروط مطلقًا؛ لظاهر هذا الحديث، وإن لم يكن من مقتضى العقد. وقال بعض أصحابنا: كلُّ شرطٍ بترك فعلٍ لو لم يُشترط، لكان في الحكم جائزًا، فإنه لا يُفسد النكاحَ؛ مثلَ: أن يشترط أن لا يتزوجَ

стр. 2553

عليها (١)، أو (٢) لا يتسرَّى (٣)، وأن لا يخرجَها من بلدها، وما أشبة ذلك من الأمور المباحة، وكلُّ شرط بتركِ فعلٍ لو لم يُشترط، كان واجبًا في الحكم، فإنه يُفسد النكاح (٤)، مثل (٥): أن يشترط (٦) أن لا نفقةَ لها، وأن لا يطأها، أو غير ذلك من الأمور الواجبة (٧). ق (٨): ومقتضى الحديث: أن لفظة "أَحقُّ الشروطِ" تقتضي أن تكون بعضُ الشروط تقتضي (٩) الوفاءَ، وبعضها أشدّ اقتضاءً له، والشروط التي تقتضيها العقودُ مستويةٌ في وجوب الوفاء، ويترجَّح (١٠) على ما عدا النكاح الشروطُ المتعلقةُ بالنكاح من جهة حرمة الأبضاع، وتأكيدِ استحلالها، واللَّه أعلم (١١).

стр. 2554

الحديث السابع ٣٠١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَر ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ (١) الشِّغَار. وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، و (٢) لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ (٣).

стр. 2555

* الشرح: الشِّغار: -بكسر الشين وبالغين المعجمة-، وأصله في اللغة: الرَّفْعُ، يقال: شَغَرَ الكلبُ: إذا رفعَ رِجْلَهُ ليبولَ، وزعم بعضُهم (١) أنه إنما يقع ذلك من الكلب عند بلوغه؛ كأنه قال: لا ترفع رجلَ بنتي حتى أرفعَ رجلَ بنتك. وقيل: هو من شَغَرَ البلدُ: إذا خلا؛ لخلوه عن الصداق. والشَّغَرُ -أيضًا-: البُعد، ومنه قولهم: بلا شاغِر: إذا كان بعيدًا من الناصر والسلطان، وهو قول الفراء. وقال أبو زيد: يقال: اشتغر الأمر به؛ أي: اتسعَ وعَظُمَ (٢). وقال غيره: شَغَرَتِ المرأةُ: إذا رفعت رجليها عندَ (٣) الجماع.

стр. 2556

قال ابن قتيبة: كلُّ واحد منهما يَشْغَر عند الجماع. قالوا: وكان الشغارُ من نكاح الجاهلية، ثم أجمع العلماءُ على النهي عنه، وعلَّلَه بعضُهم بأنه يصير المعقودُ به معقودًا عليه؛ لأن الفرجين كلُّ واحد منهما معقودٌ به، ومعقودٌ عليه. قال بعضهم: وعلى هذه الطريقة يكون فسادُه راجعًا إلى عَقْده، ويُفسخ على هذا بعد الدخول وقبلَه. وزعم بعضهم أن ذلك [راجع] لفساد الصَّداق، ولأنه كمن (١) تزوج بغير صداق، وعلى هذا يُمضى بالدخول على أحد الطريقين عندنا في هذا الأصل. وقد روى (٢) ابن زياد عن مالك: أنه يفوت بالدخول. قال الإمام: وتأوَّلَ بعضُ شيوخنا أن نخرج (٣) من مذهبنا فيه قولًا ثالثًا: أنه بفيته (٤) العقد بها على أحد الأقاويل (٥) (٦) فيما (٧) فسد لصداقه

стр. 2557

أنه (١) (٢) يفوت بالعقد (٣)، وأن الفسخ (٤) فيه قبلَ الدخول استحسانٌ (٥) واحتياط (٦)، وأبطلَه الشافعي مطلقًا، وحكاه الخطابي عن أحمد (٧)، وإسحاق، وأبي عبيد (٨). وقال جماعة: يصحُّ بمهر المِثْل، وهو مذهب أبي حنيفة، وحُكي عن عطاء، والزهري، والليث، وهو (٩) رواية عن أحمد، وإسحاق، وبه قال أبو ثور، وابن جرير. وأجمعوا على أن غيرَ البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمات، وبنات الأعمام، والإماء كالبنات في هذا (١٠)؛ لكنه عندنا على قسمين: صريح الشغار، ووجه الشغار.

стр. 2558

فالأولُ: كقوله: زَوِّجْني ابنتَكَ على أن أزوجك ابنتي ولا مهر بيننا. والثاني: أن يقول له: زوجني ابنتك بمئة على أن أزوجك ابنتي (١) بمئة، أو بخمسين، قال (٢) في "الكتاب": ولا خيرَ فيه، وهو من وجه الشغار، ويُفسخ قبلَ البناء، ويثبتُ بعدَه، ويكون لكلِّ واحدة الأكثرُ من التسمية، أو صداقُ المثل، وليس هذا بصريح الشغار؛ لدخول الصداق فيه، إلا أن بعض الصداق لا يجوز، فصار كمن نكحَ بمئةِ دينار، بخمرٍ (٣)، أو (٤) بمئة نقدًا، أو بمئة إلى موت أو فراق، فإنه يُفسخ قبلَ البناء، ويثبتُ بعدَه، ويكون لها صداقُ المثل، إلا أن يكون أقلَّ من المئة النقد، فلا ينقص من المئة شيء (٥). ع: واختلف إذا سَمَّى صداقًا، فكرهه مالكٌ، ورآه من باب الشغار، ووجهه، لا من صريحه، وبكراهته ومنعِهِ قال الشافعي وغيره، لكنهم فرقوا بينه وبين صريحه (٦)، فقالوا: إذا فات بالبناء، مضى، وكان لها صداقُ المثل.

стр. 2559

وقال أحمد بن حنبل: إذا كان في الشغار صداقٌ، فليس بشغار، وهو قولُ الكوفيين، قالوا (١): ولها ما سمّى، وقاله ابن حازم من أصحابنا (٢)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2560

الحديث الثامن ٣٠٢ - عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عِنْ نِكَاحِ المُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ (١).
следующие страницы →